الدين والليبرالية ... هل يلتقيان؟؟

عبد العالي الحراك
alhrraq@gmail.com

2008 / 4 / 25

حوار مبسط مع الاخ سليم سوزه

لايمكن ان يلتقي أي دين مع الليبرالية , لأنها ظهرت في اوروبا تحارب الدين وقد قامت على انقاض حكم الكنيسة وانتشرت مثلها وقيمها بعد ان تلاشت او كادت ان تتلاشى القيم والمثل الكاثوليكية. ثم ان المسيحية كديانة ليست شديدة الالتزام بالتعاليم الدينية كما هو في الاسلام , فقد اختلط اسلامنا بعمق في حياتنا اليومية مع الاعراف والتقاليد واصبح من الصعب تعايش افكارا ليبرالية مع حكم اسلامي , كما لا يمكن الحديث عن امكانية تطويره الا بالخروج على اسسه ومبادئه , وهي في الحقيقة مباديء وأسس ثابتة ومقدسة , لهذا لايمكن الجمع ولا يمكن اللقاء . وما يطرحة بعض الاشخاص في مجتمعاتنا العربية والاسلامية من امكانية تلطيف الدين ببعض الرؤى والمفاهيم الليبرالية , ما هي الى محاولات مبسطة وتبسيطية لا ترتقي الى مستوى نظري قابل للتطبيق. كان الافضل لهؤلاء ان يدعوا للوطنية والديمقراطية وحقوق الانسان بشكلها العام بعيدا عن الدين وعدم المساس به .صحيح ان الليبرالية في منطلقاتها الاولى كانت تركز على الحرية الاقتصادية وتفتح الباب واسعا لكبار الرأسماليين ان يستغلوا الناس دون مراعاة لحقوقهم ودون عدالة ولكن من خلال المفاهيم الاخرى فقد كانت تحررية وتقف موقفا بعيدا عن الدين والتدين
لا اجد اية ضرورة للتشبث بجمع الدين مع الليبرالية , لليبرالي مستوعب لآليات التطور الديمقراطي في بلاد كالعراق تعيش ظروفا في غاية التعقيد. فالاجدر به ان يركز على المسائل الوطنية والديمقراطية واحترام حرية الانسان واختياراته دون المساس بأي دين , بل احترام جميع الاديان واحترام رموزها الوطنية وخاصة تلك التي تدعو الى حماية حقوق المواطنين والحفاظ على ارواحهم . ان الخلط بين الدين والمفاهيم الليبرالية يوقع صاحبها في تناقضات عملية ومشاكل عديدة مع المراجع الدينية قبل غيرها وقد يكفروه على ابسط الامور, بفتوى وينتهي حصاده اخضره بيابسه . فالدين فكرقديم و فلسفة ميتافيزيقية وعبادات وثوابت في كتب سماوية مقدسة لا يمكن مسها ومناقشتها بالسياسة ذات التقلبات والمصالح المتغيرة والمتناقضة باستمرار . فما نجحت الدول المتقدمة في حياة شعوبها الا بعد ان ابتعدت عن الدين وفصلته عن السياسة . وما تسمية بعض الاحزاب الاوربية الديمقراطية بالمسيحية الا مجرد تسميات لغرض كسب الناخبين في صراعات سياسية انتخابية. اما على المستوى العملي فهناك تناقضات عميقة مع الكنيسة ورجالاتها ولا تعترف الكنيسة بهذه الاحزاب وقد يكون هناك بعض التقارب المؤقت حصل في السابق لأسباب سياسية من باب الوقوف بوجه الحضور الشيوعي واليساري عموما في الشارع الاوربي آنذاك. وظهرت الان نفس التسميات لاثبات الوجود المسيحي خشية من انتشار الدين الاسلامي بعد التغيير الاسلامي في ايران والذي اشتد بعد احداث الحادي عشر من ايلول 2001 والتوجه اليميني العام الذي يغزو العالم وفي حقيقته يتعارض مع الليبرالية لانه يحدد من حرية الاشخاص بصورة عامة ويؤخر تطور المجتمع.
لا علاقة للمقارنة بين امور جزئية ومواقف سياسية تكتيكية وامور مبدئية عامة . كالعلاقة بين الدين والليبرالية التي هي في الحقيقة لا علاقة. فموقف حزب من الاحزاب في جانب سياسي او اقتصادي لا يمكن ان يعمم على المبدأ العام الذي يسير عليه ذلك الحزب . فقد يكون موقفه الجديد اجتهادا حزبيا وقد يكون صحا او خطئا او خروجا عن المبدأ الاساسي او تنازل عنه ولا يعني بأية حال من الاحوال التطابق العام مع المباديء النظرية لفلسفة ذلك الحزب. فالمواقف التكتيكية السياسية ليست لها علاقة بعض الاحيان بالنظرية والستراتيجية العامة للحزب . لهذا لا يجوز المقارنة بين احداث او مواقف سياسية واقتصادية بطريقة التعويض او الاستعاضة. فبما ان الحزب الفلاني فعل كذا وكذا اذن يحق لي ان افعل كذا وكذا..فهذه طريقة مشابهة لطريقة (الحيلة الشرعية) التي يستخدمها بعض رجال الدين للتمويه ولتمشية امور غير صحيحة لصالحهم في ظروف معينة بطريقة اللف والدوران ويطلقون عليها (الحيلة الشرعية).
لا يمكن فصل السياسة عن الايديولوجية وانما هي تعبير تطبيقي عنها بأشكال مختلفة واساليب متعددة . فالشيوعي يعبرعن الايديولوجية الماركسية في نشاطه وحركته واهدافه او يفترض ان يكون كذلك. والاسلامي السياسي يهدف الى تطبيق الايديولوجية الاسلامية وهكذا ... اما بعض التصرفات التكتيكية فهي تصب في مصلحة الايديولوجية وان اختلفت التطبيقات والنتائج , حسب المستوى الذاتي للشخص او للحزب والظرف الموضوعي المحيط . لا يمكن فصل المباديء العامة وتصنيفها بأيديولوجية محددة دون الاخرى. فالمراحل التاريخية متصلة بعضها مع البعض الاخر والمرحلة المتقدمة آتية من مرحلة قد سبقتها. فالرأسمالية مرحلة تاريخية تطورت عن الاقطاعية ويفترض ان تكون الاشتراكية والشيوعية مرحلة آتية بعد الرأسمالية لو احسن تطبيقها. فلا عجب من تداخل المباديء واستعمالاتها حسب الظروف التطورية . فالدول الرأسمالية الان في شمال اوروبا( الدول الاسكندنافية )تمارس مع مواطنيها والمقيمين على اراضيها اجراءات اجتماعية واقتصادية بمستوى عالي من العدالة والاشتراكية ولا يعني هذا بأنها تحكم بالنظام الاشتراكي وانما نهجا صحيحا تواجه به الحكومات والاحزاب متطلبات المرحلة الحياتية التي يعيشها الانسان في ذلك البلد. كذلك الصين التي تتعامل بأقتصاد السوق ويحكمها حزبا شيوعيا فلا يعني بأنها تحكم بالنظام الرأسمالي الاحتكاري الاستعماري وهكذا.
على كل حال اعود واقول بان محاولات الجمع بين الدين والليبرلية هي محاولات تبسيطية تؤدي بالنتيجة الى معارضة الذات بالذات ومناقضتها فلن يبقى من الدين شيئا الا الاسم ولن يبقى من الليبرالية الا سطحا مكشوفا وعاريا . اما التحرر من الجمود العقائدي والديماغوجية فهو الطريقة العلمية التي تنتهجها الفلسفات العلمية التي تقوم عليها احزاب الاشتراكية العلمية وهي احزاب متحررة وتفوق تلك الاحزاب الليبرالية في تحررها وتقدميتها .فمن هذه الاخيرة( الليبرالية) ماهو يميني متخلف جدا ومتحرر فقط في الجانب الاقتصادي لصالح اصحاب رؤؤس الاموال في الدول الصناعية . فالتحرر ليس بالجمع بين الدين والليبرالية او تخفيف مرارة الاول بحلاوة الثاني او العكس , بل بالوضوح النظري والنجاح في التطبيق العملي . مبروك لمن يصف نفسه بما يشاء من التسميات والصفات ولكن هناك امورفلسفية وسياسية واقتصادية لها تسمياتها وتعاريفها المتفق عليها عالميا وتاريخيا ولا يجوز التلاعب بها وتشويهها وليس كل من سمى نفسه بكذا وكذا فهو كذلك . اما حزب العدالة والتنمية في تركيا فهو كأي حزب رجعي انتهازي يحشر الاسلام حشرا في السياسة ولا يطبق من الاسلام شيئا بل يستغل اصوات الناخبين لهذا الغرض وتوجهاته الداخلية والخارجية لا توحي باسلاميته الا بمظهر حجاب المرأة وما عدى ذلك فلا رائحة اسلامية فيه ويحاول التخلي عن أي شيء اسلامي في سبيل الدخول الى الاتحاد الاوربي فمن يضرب مثلا بهذا الحزب معناه ان يسلك سلوكا انتهازيا رجعيا واستخدام الاسم فقط لكسب البسطاء والتعايش معهم وعلى حسابهم .
اما من لا يقبل بحكم الله في الارض فهو ليس اسلاميا ويعارض القرآن ( الحكم لله والسلطان لله) ( ومن يحكم بغير الاسلام دينا فلن يقبل منه) اما الليبرالية الديمقراطية فالحكم للشعب والسلطان سلطان الشعب. كل شيء نسبي هذه مقولة ماركسية علمية خالصة وليست ليبرالية ولا دينية و تتعارض مع المفاهيم المطلقة في جميع الديانات التي تتسلسل في مطلقيتها ابتداءا من الخالق ونزولا الى الانبياء والرسل والأئمة والخلفاء واولي الامر والكتب المقدسة وما تحتويه وحتى ائمة الجوامع يهبون لأنفسهم حالة من القدسية والاجلال بين البسطاء .. فكيف والليبرالية والحالة هذه؟ الامور التي اكل الدهر عليها وشرب اولها الدين فحشره مع الليبرالية يفسدها ويشوهها ويجعل تفكير صاحبها مشوشا لا يعرف الاستقرار الذهني ولا يرسو على مرفأ . فهو ليبرالي مع الليبراليين واسلامي مع الاسلاميين , بمعنى انتهازي ولا يقدر على التغيير والتطوير في المجتمع الذي يعيش لانه يوقف فعل التطور الذي تحمله الليبرالية بفعل السكون والثبات الذي يحمله الدين , لان التطور ياتي بالعلم والفلسفة والمنطق وليس بالدين واي دين. ان احزاب الاسلام السياسي العراقية الموجودة في العملية السياسية والتي تقود الحكومة هي احزاب دينية قبلت بالديمقلراطية شعارا لتحكم البلاد , لانها تعرف نفسها اغلبية عددية شعبية نتيجة انسياق البسطاء خلف المرجعيات الدينية التي ترتبط بها تلك الاحزاب , ولم تتغير برامجها ولم تقتنع بها ولهذا لا تجد اثرا للديمقراطية في العراق , بل عكس ذلك يقتل في الشارع من يظهر صوتا عاليا في العلم والديمقراطية ويشغل الوظائف العامة من هو جاهل وامي . والشواهد ما زالت حية ومستمرة. اما الحزب الشيوعي العراقي فأعتقد بان مشاركته في العملية السياسية لها مبرراتها وهم مسؤؤل عنها ويختلف معه كثير من الشيوعيين وخرج من صفوفه الكثيرين والاحداث الجارية والمستقبل سينبأ ان كانت هذه المشاركة قد افادت الحزب والشعب ام اضرتهما وهي ليست مثال عن التغيير او التطور في الحزب ان لم يكن سلبيا . اكتفي بهذا القدر من الحوار لاني اعتقد بأنه استوفى الغرض المطلوب وهو توضيح العلاقة (اللاعلاقة ) بين الدين والليبرالية . وادعو الاخ العزيز سوسه ان يركز على الجانب الوطني الديمقراطي ويبقى مسلما وليس (اسلامي الهوى ليبرالي الميول) فهو يخدم العراق والعراقيين ويقوي الوحدة الوطنية...



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن