العائم 10

نبيل تومي
romeel@hotmail.com

2008 / 4 / 15

أجزاء من رواية كتبت قبل 25 سنة تنشر لأول مرة
مسرعاً حيّـيتُ عامليّ الأستعلامات متسائلا عـن الصديق الذي في أنتظاري ، وتم استدعائي لأجله .... فبادرني موظف الأستعلامات مؤشراً إلى شخص لا أعرفه ، قـائلاً
+ عفـواً أستاذ ... هذا الأخ يسأل عنك ...
وفي الحال فتح الباب بقوه وسرعة ... ليطـّل منه شخص أسمر اللون سماته لا تدل على الأمان وفي ذات اللحظة أنتفض شخص آخر كان جالساً في غرفة الأستقبال المقابلة لغرفة الأستعلامات وبلقطة بوليسية لفلم عربي أتخذ خلفي أفضل موقع له ، أما الشـخص الأسمر ذو القامة الطويلة والعضلات المفتولة فبادرني بالسؤآل مباشرة ....
+ أأنت الأستاذ ..... ؟
- نعم أنا هو وبلهفة شديدة رغبت أن أعرف الموضوع وأكمل السؤآل .... ولكن كان الأمر قد أتضح لي من تصرف الشخص الذي كان خلفي والذي أحكم الإطباق بالكامل على أكتافي وظهري من الخلف ، عرفت بأن ظنوني حول أبنتي لم تكن في محلها وحمدت الله على ذلك ، وفي الوقت ذاته أتضح المشهـد الدرامي أمامي ، وعرفـت إنني وقعت فريسة سهلة بيدهـم وأيقنت بأنه " علة ينفع دفاعي او يجني ثماراً " إن بادرتهُ بأختلاق خـدعة ، تنقـذني من المأزق الذي وجدت نفسي به . قائلاً
- نعم .... ولماذا أذهـب معـكم ، ربما أنتم مخطئون
- اسكت لا يوجد أحد مخطئ سواك ؛؛؛ وليس لنا وقت للنقاش أو الكلام الزائد والغير مجدي ، هل هذا مفهوم ؟ - تفضل معنا ..... وبكل هـدوء .....
+ أجبتـه والعرق بدأ يتدفق من جبيني كلا .... كلا . أريد أن أفهم ما الآمر .... رجاءاً
- أسرع .... ( أمرني بعنف ) وألا أخذناك بـ ....... ، ومن ثم وبحركة فنية عنيفة ( كابووية ) أطبقوا عليّ بالكامل . وبلفتة متعمدة من أحدهم أراني أن ثمة سلاح صغير ينتظرني إن لم أستجب لهم ، وهم على أهبة الأستعداد ....
تيقنت من أنهم من عصابات السلطة ، ولا مفرلي منهم مهما كانت المراوغة لأنهم كانوا هنا خصيصاً من أجلي ، طرأت لي في تلك اللحظة فكرة جديدة عسى أن تلهيهم هنيهة واحدة وفيها أتمكن من الهـرب ....
+ طيب إخوان .... أنني ذاهب معكـم .... ولكن أسمحوا لي دقيقة واحدة كي أجلب من مكتبي ما يخصني ، ثم أقفل مكتبي والجرار وفق حيثيات العمل وأصوله ، ثم أنه هنالك آمر في غاية الأهمية .... وهو من اللياقة والواجب أن أعلم رب العمل بالمغادرة .
- يا سـيد ..... كف عن المراوغة والمماطلة لقد حصلنا لك على إجازة طويلة ومفتوحة الأجل فلا تعر لذلك أهمية ، ولا تقلق لشيئ حيث ستعود بعد ساعة واحدة أو اثنتين ، فهي مجرد إجراءات روتينية ، ثم العملية متوقفة على اجاباتك إن كانت صريحة أم العكس . فهمت من التناقض الواضح في كلامه بأن أجازتي ستكون على شكل أخر .
+ آمنـ ... ت ُ .... بالله يا أخوان طيب !!! لنذهب ( لقد أسقط بيدي ) ، ألتفت إلى موظف الأستعلامات مبلغاً أياه رسالة إلى المدير العام ، بأنني ذاهب لمدة ساعة أو ساعتين وسوف أعود فورأنتهاء حاجة دائرة الأمن من أستجوابي .
سحبني أحدهم بعنف وبكل مالديه من قوة من ذراعي .... متوجهاً بي إلى الخارج وهو يظهر أنزعاجه مما سببته له في أطالة الحديث دون فائدة ، توجهوا بي إلى ممر جانبي يؤدي إلى الخارج من الخلف ،وهنالك وقفت سيارة بيضاء لا تحمل لوحة الأرقام ، وبذلك يعرف الجميع بأنها من سيارات آحدى منظمات السلطة الكثيرة ، عليها أتكأ أحد الجلادين و الذي أفترسني بنظراته الحاقدة وكأنني واحد من المجرميين القتلة ، قال لهم بتهكم وأستهزاء ....
- هل جلبتموه .... هـا ... هـا كأنه زعلان ولكن لماذا كل هذا التأخير ؟ لم يجبه أحد
رأيت في داخل السيارة شخصاً رابعاً من حملة أوسمة القتل والحقد والجريمة تظهر هذه الصفات ملامحه ونظراته . أنتابني في تلك اللحظة شعور بالغبن والأسى الكثير ... وأعتصرت قلبي أحزان مستقبل مجهول وأعترتني سلسلة من التخيلات أرعبتني، وعلى بغتة مني فتح الباب وبدفعة قوية من أحدهم أرتميت داخل السيارة بجانب ذلك الشرير المنتظر
ومن الجانب الثاني دخل الآخر مسرعاً . تكامل النصاب وأجتمعوا جميعاً على الفريسة .... ثم تحركت العربة مسرعة إلى حيث لاأدري والذي أعرفه أنه بأتجاه مصيري المجهول ، ألتفت السائق ببلاهة نحوي محدقاً وبأستهتار واضح يبادر يالقول لي ؛ أهلاً .... أهلاً .... مع ضحكة حاقدة ظهرت من بين أسنانه السوداء المتسوسة ، ثم وجه سؤال إلى سيده بقوله
- سيدي آراكم قد تآخرتم في جلب الأستاذ ( لازم عصّلك وياكم ) ، أجابهُ وبعنف
+ أسمع أنت أختصاصك قيادة السيارة فقط ... وأسكت ولا تأكل ........ !
صمت مطبق ، يكسرهُ أحدهم بقوله ....
- كما تعلم .... سيدي ، لو تسمحلي ؛ أن الأستاذ ( وهو يشير بيده نحوي ) حريص جداً على عمله ونحن نشترك وآياه في محصلة الحرص والواجب على عملنا ، وكما ترى فقد جئنا به بعد إنتهاء أعماله الدقيقة. وهنا يبدأ عملنا نحن ، و كما ترى آوليس هذا صحيح سيدي .... وراحوا يقهقون فرحين بهذا الصيد الثمين .
نظرت إليهم وهم يطلقون تلك الضحكات والقهقهات الصفراء الكريهة ، النابعة عن الحقد والكراهية .... سبحان الله قلت في داخلي ما هذه الأفاعي والعقارب السامة . وفي اللحظة إلتي دارت فيها العجلة للخروج من بوابة المشروع أخرج سيدّهم قطعة من القماش سوداء اللون ورماها نحو الخلف بحركة سريعة ألتقطها الجالس إلى يميني وآخذ يلفها حول رأسي ويغطي بها عينايّ ، حاولت التمنع وعدم المثول لهذا الآمر بالقول أنه ليس هناك مبرر لتعصيب عيوني ... لم يسمعوا لي ولم يبالوا البتة ، بل بالعكس أمسكوا يديّ بأحكام وأرجعوها إلى الخلف ووضعوا حولها حلقة بلاستيكية ضيقوها إلى أن بدرت مني صرخة آلم .... بعد تلك المهزلة .... أدار أحدهم رأسي نحوه ووضع قطعة القماس السوداء حول عينيّ وأحكم باتقان الرباط ، ثم آمرهم الجلاد الكبير بأن يضعوني عند أقدامهم في السيارة وجائني آمره كالأتي
أنحني ( ولك ) أنحني ..... حاولت وقبل الأنحناء ألقمني على ركبتيّ وفي الحظة وجدت نفسي منبطحاً على بطني بين أقدامهم ورفع أحدهم قدمه ووضعها فوق رقبتي بحذائه ، ثم أضاف جلاد آخر .....
- لا تهتم إن أحذيتنا جديدة ونظيفة ومن صنع أنكليزي فراح الجميع يضحك لهذا المجرم ، فكرت بهدوء وقلت نعم ولله لا بد أن تكون أنكليزية أو أمريكية لكنكم لا تساوون ثمنها أيها القذرون بل أنتم أحقر منها .
مرت لحظات جديدة من الصمت المطبق ... خلالها أنتابني شعور بأن قد يتوقفوا عن تجاوزاتهم الرعناء تلك عليّ ، وانا في تلك الحالة أفهمتني تصرفاتهم بأنهم يحاولون إرهابي وإدخال الخوف والرعب إلى قلبي وروحي ... وبالنتيجة يحاولون أضاعة فرصة إدراكي وفهمي للطريق الذي سوف يسلكونه .... ولكن الأهم من كل ذلك كله هو عليّ أن أحاول تحديد سير أتجاه العربة وموقفها منذ اللحظة إلتي وقعت فيها في الأسر بيدهم بالرغم الوضع النفسي الذي لا أحسد عليه رغم ذلك كنت اعرف أساليبهم وطرقهم في التعامل مع أمثالنا ، فهيأت نفسي للتجربة الجديدة المحتملة ، علماً بأنهُ كانت لي تجارب سابقة معهم ... فقبّيل عدة سنوات كانت ايضاً هناك سيارة صغيرة أقتادتني للعديد من الأماكن ، أما الأن فقد كانوا قد قرروا أن يوهموني ويضيعوا علىّ الطريق ومساره وإلى اين يتوجهون أو ينعطفون ....
كنت قد عاهـت نفسي بأن أكون هادئا واركز بكل مالديّ من قوة التفكير والأستدلال على الطرق وحيثياته و التي سوف تسير بها العربة محاولين التموية ، فحولت الحالة إلى تحدي وتسلية معهم في الوقت ذاته ، مستفيداً من ذاكرتي أيام الطفولة في ممارسة الكثير من الألعاب ومنها كانت لعبة غلق العينيين بمنديل كي لا ترى شيئاً ثم تلحق الأصوات التي تنتجها ضرب اليدين في بعضهما وعليك التركيز والتميز و معرفة صاحب الصوت ثم الركض وراءه لكي تمسك به وهكذا كنا نتبادل الأدوار . حاولت بحركة خاطفة وسريعه تحريك أو ازالة المنديل ولو شيئاً قليلاً ..... أختلط دور الطفل وألعابنا مع الحالة التي كنت بها وأنتابني نفس الشعور بالتحدي والرغبة بفعلها ، أخذت أسترسل بالأبتسام مع نفسي ، ومع ذلك نجحت في اللعبة وأستطعت أن أحدد طريق سير العجلة وأسم الشارع الذي أنزلقت فيه نحو اليمين ، وثم عند توقفها في أول تقاطع مع الشارع الرئيسي الذي فية أول أشارة للمرور ، إذاً كنت أعرف بالضبط أين أنا وذاك يسعدني ، وبعدها أنحدرت نحو الشارع الطويل الذي ليس فيه أية أستدارة أوتقاطع .... إذاً أنا في الشارع الـ..... ، خارطة الطرقات ماثلة أمامي لحد الساعة ، كوجه أبنتي المريضة ..... أربعون دقيقة وهم يدورون ويلفون بي الشوارع ذاتها من أجل ترويعي .... منتصف العاصمة والمسمى ( ساحة التحرير ) حددت تها بدقة حاولوا خداعي بالدوران حولها العديد من المرات.... أبت ذاكرتي الخيانه والنسيان كانت محررة وتستطيع التعبير عن ذاتها بقوة وبحرية . ثم أتجهوا منحدرين إلى يسار الطريق المسلوك وبزاوية منكسرة عقبها منخفض جانبي بظلال حجب ضوء النهار منها فهمت بأننا دخلنا مكاناً معروفا لدى الجميع ..... أيقنت بأنه مركز التعذيب ذاته الذي يساق أليه أغلب المعارضين للسلطة ، وهو المتعارف والمعروف لدى الجميع بدون إستثناء ، وان من يدخلة لا خيار له بالخروج سالماً ، ومن يوهب الحياة من جديد هو ذاك الخارج منه حياً .

الى الجزء / 11



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن