العالم بخفة النكتة

علي حسن الفواز
ali_fwaaz@yahoo.com

2008 / 3 / 20

كتابة النقد الساخر
نحن كائنات لغوية بامتياز، كثيرا ما نحدد شرطنا الاجتماعي والثقافي والجنسي والرمزي من خلال استخدامات هذه اللغة، اذ ان اللغة هي المنظومة التي يتحول فيها الانسان الى مجموعة شفرات ورموز ودلالات وايحاءات، وهذا التوصيف للعلاقة بين اللغة والكائن تمنح اللغة قدرة استثنائية لان تكون صانعة معجزات، مثلما تكون هي ذاتها صانعة للشتائم والهتافات والاكاذيب النكت، اذ تمارس هذه المعجزة اللغوية دورها التوليدي في انتاج رسائل تعبّر عن موقف ما، او عن حالة شعورية ضاغطة، او ربما تعبرّ عن شهوة للاحتجاج او السخط ضد حالة معينة او مشهد يثير شجنا ما. فهل يمكن لكتابة النقد الساخر، او صناعة النكتة الشفاهية ان يكونا جزءا من هذا الهوس اللغوي الخاضع لانزياحات متوالية او ارتداء اقنعة متغايرة؟ وهل يمكن ان تكون النكتة غير بريئة بالكامل، لانها تضمر شعورا خبيئا، او ان انزياحها التعبيري، يعبّر عن سوء نية، رغم الطابع الساخر والمثير للضحك فيها؟
اظن ان من اكتشف النكتة كان يعشق الحياة حقا، لان النكتة هي تحدّ للموت، وهروب رمزي منه، تعبرّ عن الرغبة في اختراق الحياة والتصميم عليها، مثلما كان هذا المكتشف حريّفا في اللغة، اذ هو يعرف جيدا روح التوليد الهائلة داخل اللغة، وقدرتها على ان تكون نقدا او همسا او فرمانا او خطابا للمعركة! فضلا عن امكانيتها لتجاوز الكثير من الحدود والمساحات، بما فيها حدود المقدس والتابو، ولهذا امتازت النكتة بخصوصية كونها وسيلة من وسائل الاتصال الجماهيري والاتصال السري، رغم ان اهل الاعلام لم يدخلوها في حساباتهم، فهي حاضرة على الدوام، وقابلة للتداول السريع مثل الاشاعة، مثلما هي ايضا خطاب مقنّع مصنوع بمهارة، مهارة الاثارة، ومهارة الموقف، ومهارة التسلل الى عمق تلك التابوات التي لايمكن ان تصلها لغة التراسل اليومي والبلاغي.
واحسب ان تاريخنا السياسي المحتشد بالمرائر وصور الرعب، يمثل مجالا حيا للتحريض على صناعة النكتة، تلك التي تحمل شفرات الموقف والاحتجاج والسخرية من وقائع هذا التاريخ ومظاهره وشخصياته ورموزه السياسية والامنية والقضائية المثيرين للتقزز والكراهية، مثلما تعبّر عن رغبة في اجتراح اشكال وقائية للحياة، وهذا دليل على ان تاريخنا السياسي مليء بالكثيرين الذين يعرفون خطل هذه السياسات وهشاشتها ورعبها والسعي الى نقدها والسخرية منها، فالبعض ذهب الى الرموز والتوريات والمجازات هربا من الوضوح القاتل، والبعض الاخر صار اكثر اقترابا من الوعي الشعبي ويومياته وطقوسه واسراره ورموزه، استبطن روح المكان وعوالمه الضاجة بالتآويل، فاستصنع النكتة اللاذعة الساخرة، لتكون نصه الاكثر تعبيرا عن احتجاجه ونقده وموقفه ضد ظواهر الظلم الاجتماعي والقمع السياسي واضطهاد الناس وجني الضرائب والاتاوات منهم دوم وجه حق. ولعل اتساع النكت والسخريات اللغوية خلال حكم العثمانيين في نقد مظاهر السلطة واحكامها الجائرة، وقصديتها في فرض غربة لغوية من خلال فرماناتها ومطبوعاتها، دليل على ان الجماهير كانت ترفض وتكره هذه السياسات الظالمة، واللجوء الى خلق المناخات والامزجة التي يتجوهر فيها هذا الرفض عن طريق الحكواتية(القصخون) احيانا وما تحمله قصصهم من اشارات وتوصيفات فيهاالكثير من الرمزية، فضلا عن النكتة التي تجاوزت بيئة هذا القصخون، اذ انتشرت هذه النكتة في بيئة اوسع حيث الشوارع والحانات والاماكن العامة واماكن العبادة وحتى بعض اماكن الخاصة، لان النكتة رغم قسوتها ونقدها اللاذع، تحمل تزجية نفسية لسامعها، ومجازا لغويا وتصويريا يفوق احيانا اصحاب النحت اللغوي في هذا المجال..كما الكثير من المعارضين السياسين للسلطة الديكتاتورية، قد استخدموا نص النكتة لايصال سخريتهم من رموز هذه السلطة، مثلما استخدموها رسائل معينة لمريديهم وانصارهم، حيث كان لهذه النكتة دور ضاغط اسهم في تقويض البناء النفسي والاجتماعي للسلطة الغاشمة والتقليل من هيبة رموزها وقادتها..
لكن بالمقابل عمدت هذه السلطات الغاشمة وطوال عقود الى استخدام النكتة ذاتها في محاولة النيل من خصومها من السياسين والمثقفين والتجار وشيوخ القبائل ورجال الدين، اذ وجدت في النكتة مجالا تعويضيا للنقد والسخرية والقذف، وكأنه يبدو محاولة لفك الضغط النفسي عن الكثير من المشاكل التي تواجهها هذه السلطات بسبب سوء ادارتها وافراطها في فرض اشكال الظلم والقهر والحرمان ، فضلا عن رغبتها الدفينة الى امتصاص الضغط الشعبي وايجاد هوامش للترفيه والتضليل والتعمية .
ومع تطور التقنيات الامنية والمخابراتية التي استخدمتها السلطات في قمعها لمعارضيها والتأثير على موقفهم النفسي والاخلاقي، وتشويه صور بعض الرموز الوطنية والمجتمعية الدينية والسياسية عمدت السلطات الامنية الى تأسيس اقسام خاصة للنكت، تلك التي تقوم على وفق متابعات واستقراءات للاوساط المعنية المستهدفة ببث النكت داخل اوساطها، وكلنا يعرف طبيعة ومرجعيات الكثير من النكت التي كانت تروّج وبقصدية واضحة حول قومية معينة او عشيرة معينة، واتهامها بالغفلة والتغابي، وكأن هذه النكت هي رسائل مصممة في استهدافها اوساطا هشة كما تسميها الادبيات الاعلامية، لسهولة تخليق نوع من الرأي العام بعدم اهلية هذه القومية او العشيرة او الطائفة وافرادها للتعاطي مع شأن الدول والحكم والمقدس والحضارة والثقافة.
ان مجتمعنا العراقي الطاعن في هموم طويلة، واقصاءات مرعبة، يملك تاريخا طويلا ايضا من ادب السخرية الذي جسده صنّاع مهرة ومبدعون ادركوا ان اختراق هذه الهموم والمحرمات والمحظورات ونقد الحاكمية لايتم الى من خلال اللغة ذاتها التي تستخدمها السلطة باعتبارها اكبر مستهلكة للغة، عد اكسابها تلوينا من التوريات التي تجعلها المجس، او الروح السرية التي ترش غبارها على المناطق السرية لسلطة المكان والمتحف والمقدس..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن