حجاب المرأة بين التقاليد الاجتماعية، والبيئة، والموروث الديني.....4

محمد الحنفي
sihanafi@gmail.com

2008 / 3 / 12

إلى:
• الحوار المتمدن في جرأة طرحه للمواضيع الشائكة، والساخنة، التي تقف وراء حركة الفكر التي لا تنتهي.

• كل امرأة ناضلت من أجل إعادة النظر في القيم التي تكرس دونيتها.

• من أجل امرأة بمكانة رفيعة، وبقيم متطورة.

• من أجل كافة الحقوق الإنسانية لكافة النساء.

الحجاب كتقليد اجتماعي:.....2

وبوقوفنا على مواقف الطبقات الاجتماعية المختلفة من حجاب المرآة، نجد أن التقليد الاجتماعي في الحجاب لا يحضر إلا لتكريس المصلحة الطبقية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. فإذا تناقضت المصلحة الطبقية مع الحجاب، كتقليد اجتماعي، زالت الحاجة إلى الحجاب بمفهومه الإقطاعي، أو بمفهوم مؤد لجي الدين الإسلامي له. وإلا:

فلماذا يحرص الإقطاعيون على فصل المرأة عن المجتمع؟

لماذا لا تتحرر البورجوازية التابعة من مفهوم الحجاب؟

لماذا تعيش حالة الازدواجية التي تربطها بالإقطاع، وبالغرب في نفس الوقت؟

لماذا تنصاع البورجوازية الليبرالية لازدواجية البورجوازية التابعة؟

لماذا هذا التلون، والتوفيق، والتلفيق، في مواقف البورجوازية الصغرى؟

لماذا ردود أفعال اليسار المتطرف، ضد مختلف المواقف، من أجل أن تسود الفوضوية في الموقف من المرأة؟

لماذا نجد أن موقف مؤد لجي الدين الإسلامي، على اختلاف توجهاتهم، يدعي أن أشكال لباس المرأة، التي يفرضونها عليها، هي عين الحجاب الذي جاء به الدين الإسلامي؟

إننا، في الواقع، عندما نلمس واقع الحجاب في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، سنجد أنه لا يعكس تقليدا اجتماعيا معينا؛ لأن هذا التقليد يختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، ومن عصر إلى عصر آخر. فهو يتغير بتغير الشروط الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وهي شروط لا تعرف الثبات أبدا، خاصة في ظل الانتقال من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى. وهو ما يعني أن شيئا اسمه التقليد الاجتماعي غير وارد، وما هو قائم في واقع المجتمعات العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، إنما هو مسخ للمرأة، وللتاريخ، وللواقع، في نفس الوقت. ولذلك صار لزاما علينا كعرب، وكمسلمين، أن نحدد المفاهيم من خلال تحديد:

هل يوجد شيء اسمه الحجاب في عصرنا هذا؟

هل هذه الأشكال من اللباس، التي يسيدها مؤد لجو الدين الإسلامي، هي الحجاب؟

هل كان العرب والمسلمون الأوائل يعرفون الحجاب؟

هل خروج خديجة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجها، وأمام الملأ كانت نموذجا للحجاب؟

هل احتفظ لنا التاريخ، ومن خلال نصوص ثابتة، وصحيحة، بشكل الحجاب، وبسماته؟

هل ما ورد في القرآن عن المرأة يمكن اعتماده لتحديد ما معنى الحجاب؟

ألا يعتبر الحديث عن المرأة في القرآن الكريم، دليلا على أن من حق المرأة الاختلاط بالرجال في كل مجالات الحياة؟

ألا يعتبر احترام ما ورد في القرآن الكريم مساهمة في تمتيع المرأة بكافة حقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية؟

إن عملية المسخ الممارسة ضد المرأة في المجتمعات الاستغلالية، وعلى يد مؤد لجي الدين الإسلامي، والتي يراد لها أن تسمى "حجابا إسلاميا"، لا يمكن أن تكون من الإسلام في شيء؛ لأن الله لايمكن أن يكون إلا عادلا، ومن عدله تمتيع المرأة بحقوقها، كما يتمتع الرجل الحر بجميع حقوقه، وكما ورد في القرآن الكريم: "وما ربك بظلام للعبيد".

الظروف الاجتماعية المؤدية إلى فرض حجاب المرآة "حجاب الرأس" خصوصا:.....1

ونحن عندما نطرح موضوع الحجاب كتقليد اجتماعي، نجد أن الظروف التي تعيشها المجتمعات في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، ذات الأنظمة التابعة، تفرض اعتباره كذلك. وهو أمر تقتضيه طبيعة الأنظمة التابعة نفسها، ذات القيم المزدوجة، قيم أدلجة الدين الإسلامي، وقيم الغرب الرأسمالي الهمجي. فهذه الأنظمة تحرص على إنضاج شروط الأصالة، والمعاصرة. ففي نظرها: فالأصالة تقتضي التمسك بالتقاليد القديمة، والتي من بينها: اعتبار المرأة عورة، يجب سترها بأشكال اللباس التي يسمونها حجابا، حتى تعتبر محافظة على التقاليد الاجتماعية، ذات البعد الديني. أما المعاصرة، فتقتضي استحضار المصلحة مع الغرب. مما يعني فسح المجال أمام إمكانية التفاعل مع القيم الوافدة من الغرب، سواء تعلق الأمر بالقيم الاقتصادية، أوالاجتماعية، أوالثقافية، أوالسياسية.

وانطلاقا من طبيعة الأنظمة التابعة، وسعيا إلى رصد الشروط الموضوعية المميزة للظروف الاجتماعية المكرسة لاعتبار الحجاب تقليدا اجتماعيا، نجد أن من بين هذه الشروط:

1) استمرار سيادة القيم الإقطاعية، تبعا لاستمرار بقايا الإقطاع. وهو أمر يرجع إلى أن التطور الذي عرفته المجتمعات في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، ليس طبيعيا. فاحتلال البلدان العربية، وباقي بلدان المسلمين، أدى إلى تشويه التطور، الذي كان يمكن أن يحصل في جميع البلاد المستعمرة. فقد لجأ النظام الاستعماري إلى اعتماد التطور المشوه، إذ قام بإيجاد النظام الإقطاعي عن طريق انتزاع الأراضي الواسعة لصالح عملائه، ولصالح المعمرين الوافدين من البلد المحتل، حتى يلعبوا دورهم في إخضاع شعوب البلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين، ليتحول كادحو هذه الشعوب: إما إلى أقنان "عبيد الأرض"، وإما إلى عمال في المعامل التي عمل الاحتلال على إيجادها، نظرا لهزالة الأجور التي كانت تدفع إلى العمال.

وبذلك ينشأ النظام الإقطاعي جنبا إلى جنب مع نشوء النظام الرأسمالي الاستعماري، ليقوم النظامان معا، وفي ظل الاحتلال الأجنبي، بتعميق الاستغلال الطبقي للشعوب في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، لصالح الإقطاع المحلي من جهة، ولصالح البورجوازية الوافدة من جهة أخرى.

وحتى لا تتطور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في الاتجاه الذي تسعى إليه الشعوب، عن طريق فرز طبقات اجتماعية تسعى إلى الحسم مع الإقطاع كنظام متخلف، إلى جانب الحسم مع النظام البورجوازي الوافد، في ظل الاحتلال الأجنبي، عمل الاحتلال قبل خروجه على تحويل النظام الإقطاعي القائم، في كل بلد عربي، وفي باقي بلدان المسلمين، إلى نظام بورجوازي بمضمون إقطاعي، حتى يحافظ على عوامل التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، حتى لا ترقى إلى مستوى الأنظمة البورجوازية القائمة في الغرب، وحتى يضمن وصايته عليها، واستمرار استغلاله لشعوبها: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

وهذه الأنظمة، ومن هذا النوع هي أنظمة البورجوازية التابعة، ذات الازدواجية في التعامل مع المرأة، لمحافظتها على النظرة الإقطاعية المتخلفة، بسبب أصولها الإقطاعية من جهة، ولمحاولتها الانفتاح على القيم الغربية، وخاصة منها تلك التي لها علاقة بالمرأة، وبليبراليتها.

ولذلك، فسيادة القيم الإقطاعية المؤدية إلى اعتبار المرأة مجرد متاع تجب المحافظة عليه داخل بيوت الإقطاعيين، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الاعتقاد الشعبي، في كل بلد من البلدان العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، بان الحجاب بمفهومه الإقطاعي، كما اشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة، هو تقليد اجتماعي بمضمون ديني. وهوما يتنافى مع الرؤيا الصحيحة للمرأة في الإسلام.

وهذا التنافي بين الرؤيا الإقطاعية، والرؤيا الإسلامية، يحتاج من الدارسين، والباحثين، والمثقفين التنويريين، والثوريين، الإنكباب عليه، من أجل استيضاح الرؤيا الإقطاعية، ذات الأبعاد الإيديولوجية الخرافية، والمؤدلجة للدين الإسلامي، ومن أجل استيضاح رؤيا الدين الإسلامي للمرأة، حتى يميز بين النظرتين المتنافيتين، وحتى لا تحسب رؤيا الإقطاع على الدين الإسلامي.

2) ازدواجية رؤيا البورجوازية التابعة، في رؤياها إلى المرأة، هذه الازدواجية المتمثلة في الأخذ بالرؤيا الإقطاعية للمرأة من جهة، والأخذ، في نفس الوقت، برؤيا الغرب المتقدم، والمتطور للمرأة ، من جهة أخرى. والجمع بين الرؤيتين كالجمع بين النقيضين. لذلك نجد أن مثقفي البورجوازية التابعة، يعملون على إشاعة مجموعة من المفاهيم التضليلية، التي تجعل المسلمين يتقبلون هذه الازدواجية على أنها طبيعية. ومن هذه المفاهيم نجد مفهوم "الأصالة، والمعاصرة"، ومفهوم "التقليد، والتجديد"، ومفهوم "الحداثة"، وغير ذلك من المفاهيم التي يطلقها مثقفو البورجوازية التابعة، لإقناع المتلقي بازدواجية هذه البورجوازية، التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها، ولا من خلفها، مما يجعل شعوب البلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين، تعاني هي بدورها، من ازدواجية التخلف، والتقدم، الذي ينتج هذه الفوارق الهائلة بين تقدم البورجوازية المادي الهائل، والمرعب في نفس الوقت، وتخلف الكادحين الذين يعانون من القهر المادي، والمعنوي، ومن الأمية، والبطالة، وتفشي الأمراض المختلفة، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، كما يقولون.

ومن الطبيعي جدا. وفي إطار ازدواجية البورجوازية التابعة، فان هذه البورجوازية: تعتبر الحجاب بمفهومه الإقطاعي، وبمفهوم مؤد لجي الدين الإسلامي، جزءا من مقدمات وجودها، حتى تكسب شرعية التسلط على شعوب البلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين، لأن هذه البورجوازية المتأصلة من الإقطاع، لا يمكن أن تتنكر لايديولوجية الإقطاع. وحتى تحتضن جميع الأفكار اليمينية التي تصب في نفس الاتجاه، فإنها تقبل بتفسير مؤد لجي الدين الإسلامي للحجاب، الذي لا يعني إلا أنماطا من لباس المرأة التي يسيدون استعمالها على أنها حجاب، وكأن تلك الأنماط، التي تصير مقدسة، نزلت من السماء.

وانطلاقا من احتضان البورجوازية التابعة لمفاهيم الحجاب المتنوعة، فإنها تعتبر الحجاب بمختلف أشكاله من التقاليد الاجتماعية، التي يجب اهتمام بها، حتى تعمل على تأبيد سيطرتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لكسب ود بقايا الإقطاع من جهة، ولكسب تأييد مؤد لجي الدين الإسلامي، على اختلاف توجهاتهم المختلفة من جهة أخرى. وهذا هو السر وراء حرص البورجوازية التابعة على إحياء ما تسميه بالتراث، الذي لا يعني إلا الجوانب المتخلفة من تاريخ البلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين، لأنها تجد في ذلك "التراث" ما يبرر تسلطها على رقاب الشعوب المقهورة، التي لا يجد كادحو ها ما ينفقون.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن