نهاية رجل جبان

خليل زينل

2003 / 12 / 19

     كالطوفان الجارف كان يقتلع الأخضر و اليابس .. كالمطر المنهمر كان يهدي الجميع رصاصات الموت .. بكرم طائي كان ينشرالموت على وادي الرافدين و ما حوله .. ليحوله دماراً شاملاً فوق الأرض و ليشيع ثقافة القبور الجماعية تحت الأرض  وفوقها .
   
 كان يعادي الجميع حتى شخصه ، كشمشوم الجبار : "علي و على أعدائي " .. يكره الجميع الا  صورته بهواً  و تماثيله زهواً و أعياد ميلاده فخراً و لسان حال المواطن يتسائل " شيلمهن " ؟

      بدأ حياة البلطجة نهاية الخمسينيات حين كمن للحاج سعدون التكريتي بدون أن يترك أثراً ، ليرتقي سلم السادية مجداً في قصر النهاية في ال 63م حيث كان عريس الثورة و دجالها و كوليمة طويلة و مستمرة مخضبة بالدماء بدأت بالشيوعي سلام عادل و مرت بالبعثي عبد الخالق السامرائي والاسلامي الصدر و لم تنتهي او تتوقف عند صهريي من أبناء عمومته .
   
 يكره الأخضر حين ينمو ربيعاً .. يكره قوس قزح رمزاً للتعدد و التنوع ، لا يحب الأ لونه العبثي (الموت) .. الجميع خونة و مأجورين عدا شخصه - وهو الآتي بقطار الكاوبوي الأمريكي - فهو ركن الدولة و مهيبها الذي لا تقوم لها مقام إلا بوجوده .. هو سيف الأمة و فارسها .. هو حامي البوابات جميعها الشرقية منها و الغربية و كحصان طراودة كان الغدر طبعه ، خاله و مربيه و الذي أرضعه لبن العروبة تنكر له حين بدا نجم أبنه يسطع وسط الجنود في ساحات الجنون العسكرية فسقطت " سمتيته " ليشيع شهيد الغدر .. أبنة خاله ساجدة - و حاضنة أطفاله - سجدت له وفاءً لصوت المعركة و البناء و إذا به يطل عليها نزقاً من شرفة الماجدات الساجدات للشهبندر .

      كخفاش الكهوف وكحفار القبور كان يعيش في الأقبية ليلاً ستراً عن عيون شعبه و حزبه و حتى عائلته .. أوهمهم بأن العناية الإلهية قد خصته كي يكون قائدها الضرورة و فارسها المغوار .. أوهمهم بأن الأمة حبلى بفرسان القادسية و سيوف القعقاع .. أوهمهم بأنه صلاح الدين والخارج من رحم تكريت ليحرر القدس من رجس الصهيونية .. أوهمهم بأن طريق التحرير- لا محال - يمر عبر عبدان و الكويت و لا طريق آخر أو ثالث .
   
  في أم الحواسم تنقل من القصور إلى الجحور .. شريداً مطارداً ، تارة يوهمهم بأنه يقود المقاومة و تارة أخرى يفاوض سلطة الأحتلال .. تارة يوهمهم بعودة الأمين العام لقيادة سفينة الأمة ذات الرسالة الخالدة و تارة أخرى يذكر سلطة الإحتلال بأفضاله في وضع العراق على السكة الأمريكية ، لهذا فأن " التحدي الكبير الذي سيخوضه الرفيق الأمين العام في معسكر الأسر سيضاف سفراً خالداً جديداً لمنجزاته " بعد إنجازاته المتعددة في تحرير القدس و حرق نصف إسرائيل و بعد أن وحد حركة التحرر العربية عامة و الفصائل الفلسطينية خاصة تحت لوائه و بعد أن أخرج العرب من قيد الديون إلى وفرة السيول ..أما أكبر إنجازاته و آخرها في القرن الحالي فقد أعاد الإحتلال بكل فخر و مهابة ، حيث أنتهى في كل العالم حتى في أوراق و أورقة الامم المتحدة ..

تمثيلاته كرواياته صدقها الكثيرون منذ ُ أن زعم بأنه عبر الشط و النهر فراراً ، إلى أدعائه بأنه لا يلبس إلا الملابس العسكرية الزيتونية في حين تفضحه خزائنه المليئة بالماركات العالمية ، كان يوصي بالتدين و يقود حملة الإيمان و يكتب لفظ الجلالة على العلم في ذات الوقت يتصوف ليلاً بين ليلاه و يتعبد شوقاً إلى ما لذ وطاب .. نهاره كالنساك أبا ذر الغفاري و ليله مفروشاً بألوان العشيقات وأفخرأنواع الخمور   و أفخم أصناف التبغ الكوبي .

      تمنطق بأسمه و كرره زهواً و يا ليته كان اسماً على مسمى ، في لحظة المواجهة الحاسمة كان في لحظة مواجهة مع النفس ، أيهما يختار القبو أم القبر؟ لكنه أستسلم ذليلاً فخسر هيبة القبر ولقب الشهيد ونال بالمقابل عتاب نجليه و حفيده و تبرأ منه البقية الباقية من الثورجية العرب ومن كان يعبد دنانيره و يتفيء بدولارات النفط خوف أن ينطق لسانه ما عجز عن كشفه قوائم المستفيدين من مكرماته ..
 

      في جحرة الآسن عُلقت أصابع السجق الجافة مع قطع من الشوكلاتة رمزاً لثقافة الحياة الأمريكية . و لكن السؤال الكبير أين أختفت أسطورة الرئيس ومسدسه الذي لا يفارق جسده و الديناميت الذي يتحزم به ؟ أين الرصاصة الأخيرة رفيقة دربه و صديقته الأخيرة ؟ أحقاً موسليني و هتلر كانوا أكثر شجاعة منه ؟ ليخرج  لنا بوق الصحاف ليصحح لنا مادة التاريخ : من رأيتموه هو بابا نويل !!
     
      حتماً سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه و يخلده و يطوي ألصفحة الأخيرة من رواية الملك و زبيبة و لكن ليس كما أنتهت الرواية كنهاية طبيعية لرجل شجاع       و لكن كفقاعة و غمامة أنتهت إلى مزبلة التاريخ  .

            خليـل زينـل       البحرين    17/12/2003م



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن