تعصُّب جديد قد ينفجر حروباً مدمِّرة!

جواد البشيتي
jawadlbsht996@gmail.com

2008 / 2 / 26

إحساس الإنسان، فرداً كان أم جماعة، بأنَّ حقوقه، على ما يراها هو، مهضومة، أو منقوصة، كلِّياً أو جزئياً، يكاد أن يكون عامَّاً شاملاً، لا يُسْتثنى منه إلاَّ قلَّة قليلة من البشر؛ ذلك لأنَّ "الأنانية"، التي لها مصادِر تغذية واقعية كثيرة، ما زالت هي الحاكمة لنا، والمتحكِّمة فينا.

وإذا كان هذا هو الأمر السيئ فإنَّ الأسوأ منه هو ذلك الميْل، الذي يستبدُّ بنا، أفراداً وجماعات، إلى فهم وتفسير ما نشعر به من ظُلْمٍ، قريب من "الحقيقة الموضوعية" أو بعيد عنها، على أنَّه "ديني"، أو "قومي"، أو "عرقي"، الدافع والسبب، فنعي وجودنا، ووجود من ننظر إليه على أنَّه خصم، أو عدو، بما يؤسِّس لتعصُّب ديني، أو قومي، أو عرقي، عندنا، وعند الآخر، الذي صوَّرناه على أنَّه الخصم لنا، والعدو.

وقلَّما رأيْنا صراعاً من هذا النمط والقبيل لا تخالطه، إنْ لم تَقُده، مصالح فئوية ضيِّقة، يرى أصحابها في إثارته وتأجيجه ما يشبه ريحاً تجري بما تشتهي سفينتهم.

عالمنا اليوم، المثخن بجراح التعصُّب الديني، بصوره وأشكاله ودرجاته (أو دركاته) المختلفة، يشتد الميْل لديه، على ما يبدو، إلى إذكاء تعصُّب جديد، هو التعصب القومي والعرقي، وكأنَّ "حرب الكل ضدَّ الكل" تحتاج إلى هذا النوع من الوقود.

ويُنْظَر الآن إلى ما حَدَث في كوسوفو على أنَّه البداية (الممكنة وربمَّا الحتمية) لانفجار، وتفجير، الألغام القومية في "الحقل الأوروبي"، وفي حقول أخرى في قارات أخرى؛ ولعلَّ هذا هو ما حَمَل الرئيس الروسي بوتين على فهم وتفسير ما حَدَثَ في هذا "الإقليم الصربي" الذي غالبية سكَّانه من الألبان المسلمين على أنَّه بداية تقويض لنظام عالمي (سياسي وقانوني وتاريخي) عُمْره عشرات؛ لا بل مئات السنين.

لقد ارتكب الصرب، الذين ارتفع في وعيهم وشعورهم منسوب التعصُّب القومي ضد الألبان مجازر عدَّة (التطهير العرقي) في حقِّ هؤلاء سنة 1998، فما كان من الولايات المتحدة إلاَّ أن قادت حرباً (شنَّها حلف الأطلسي) ضدَّ صربيا، التي تَنْظُر إلى إقليم كوسوفو على أنَّه الجزء الروحي منها. وإنَّ أحداً في العالم مِمَّن لا ينظرون إلى الأمور بعيون تغشاها الأوهام لا يُصدِّق، ولا يمكنه أن يصدِّق، أنَّ الدافع الإنساني الخالص هو ما دفع الولايات المتحدة، مع دول غربية أخرى، إلى شنِّ تلك الحرب على صربيا، وإلى تحويل ما انتهت إليه من نتائج إلى انفصال تام لهذا الإقليم عن صربيا، وجعله، أخيراً، دولة "مستقلة ذات سيادة".

وقياساً على ذلك، لا بدَّ للولايات المتحدة (مع حلفائها) من أن تفعل الشيء نفسه في أمكنة وأزمنة أخرى، فكل جماعة قومية اُرْتُكِبَت مجازر في حقِّ أبنائها يمكنها، ويحق لها، أن تتوقَّع أن ينتصر لها حلف الأطلسي ليس بالسياسة فحسب، وإنَّما بالحديد والنار، وأن يقف، من ثمَّ، إلى جانبها إذا ما قرَّرت الانفصال، والعيش في دولة مستقلة ذات سيادة.

لا بدَّ من قول ذلك ما دامت الولايات المتحدة مصرَّة على إلباس حربها من "أجل كوسوفو" ذلك اللبوس الإنساني، وعلى تنزيهها، بالتالي، عمَّا هو "غير إنساني" من الدوافع والأهداف.

المأساة في الصراع القومي في عالمنا اليوم، وفي أوروبا على وجه الخصوص، أنَّ الجماعة القومية التي يشتد لديها الميْل إلى الانفصال لا يمكنها أن تنفصل بإقليم متَّصِل، أو بإقليم لا يشوب "الحق في ملكيته القومية (أو العرقية)" صراعٌ مع غيرها، فيؤدِّي هذا، لا محالة، إلى جَعْل ممارَسة الأمم والقوميات لحق تقرير المصير، الذي قوامه وجوهره حقها في الانفصال، توسيعاً لحرب الكل ضدَّ الكل، التي كانت في شكلٍ ديني، ويراد لها الآن أن تغدو في شكلٍ قومي (وعرقي) جنباً إلى جنب مع شكلها الديني.

ولا شكَّ في أن استمرار عدم المساواة (في الحقوق) بين الجماعات القومية والعرقية التي تتألَّف منها الدولة الواحدة هو ما يغذِّي ويقوِّي الميْل إلى "الانفصال القومي (أو العرقي) الذي لا يفشل في حل المشكلة القومية فحسب، وإنَّما يبذر بذور حروب من النمط الذي يرتفع فيه منسوب الوحشية البشرية بكل أشكالها وصورها، وكأنَّ مصالح وأهداف الولايات المتحدة الآن، أو من الآن وصاعداً، لا تسمح لها إلاَّ بانتهاج نهج يدفع العالم إلى مزيد من الوحشية في نمط الصراع، وفي وسائل وأساليب خوضه، توصُّلاً إلى الانتصار فيه.

من قبل، كان إحساس الإنسان بأنَّ حقوقه مهضومة منقوصة يؤسِّس لصراع من نمط حضاري وإنساني حقَّاً، فوعي الإنسان لوجوده، ولوجود الآخر، كان بمنأى عن العصبية الدينية والقومية والعرقية؛ أمَّا اليوم فقد تهيَّأ للولايات المتحدة من الأسباب والظروف ما يوافِق مصلحتها الإمبريالية في إحياء وتفجير كل صراعٍ من النمط الذي لا يمكن خوضه إلاَّ بمزيدٍ من الوحشية في الوسيلة والأسلوب، وكأنَّها، أي الولايات المتحدة، لا يمكنها العيش إلاَّ في هذا الصراع، وبه!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن