الديمقراطية و التنمية البشرية

فلاح أمين الرهيمي
eng.osama87@yahoo.com

2008 / 2 / 8

إن الإنسان يولد و يترعرع و ينشأ و تكتمل قوته البدنية و مداركه و تنضج ملاكاته العقلية وفق التطور الطبيعي لناموس الحياة باستثناء المعرفة و السلوك و التصرف و التقاليد و العادات فأنه يدركها من خلال الممارسة و الاكتساب لذلك تصبح تقويم الشخصية الإنسانية من واجبات البيئة و ما يحيط الإنسان و يتأثر به من ظروف و سلوك و تصرف ووعي فكري و ثقافة من عائلته و المدرسة و المجتمع لذلك يعتبر الإنسان بما يملكه من عقل و طاقات و إمكانيات هو القوة الديناميكية المحركة نحو التقدم و التطور و التغير في مسيرة الحياة و التاريخ و من خلال ما يتمتع به من مقدرة على خلق و إبداع جميع مستلزمات و مكونات الحياة المادية و المعنوية .
إن التنمية البشرية تعتمد بالأساس على الحاجة الإنسانية و دور ممارسة الإنسان و حريته في المجتمع لان الديمقراطية الصحيحة و الناضجة في المجتمعات الواعية تسعى للوصول بالمجتمع إلى درجة عالية من التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي لكي يكفل نجاحها و إثبات تقدمها و تطورها في فسح المجال و الحرية و تفتح آفاق جميع أبناء الشعب في اكتساب الوعي و المعرفة و نشرهما و توظيفهما بفعالية و نشاط و إبداع .
و بقدر ما تتدهور الديمقراطية و معها البنية الاجتماعية و تسود البيروقراطية و الجمود الفكري تتدهور الأوضاع السياسية و الاقتصادية فتفرز التوترات و النزاعات بين القوى الاجتماعية و تضعف بالمقابل و تزول الخطوات على طريق الديمقراطية الصحيحة و يتأثر بشكل سلبي و يتدهور الوعي الاجتماعي مما يؤدي به أن يتحول من وعي وطني و إنساني إلى وعي طائفي و فئوي مما يؤدي إلى تشتت الهوية الوطنية و تشرذم الشعب إلى كتل متصارعة و متنازعة مما يؤدي بالنتيجة النهائية إلى تعميق التناقضات و الحساسيات و التوترات الاجتماعية و السياسية حتى تصبح هذه الأزمات و تتحول إلى صراعات و منازعات كارثيه تفتك بالبلاد و العباد و تشتت و تمزق الهوية الوطنية و تشرذم الشعب إلى كتل و طوائف و فئات بعكس السلوك الواعي و المدرك و المنهج العقلاني الذي يستلهم من الديمقراطية احترم الرأي و الرأي الأخر و المحاورة الشفافة و النقد الهادف و البناء و حرية الفكر و الاجتهاد الذي يعتبر المحرك الأساسي و الدافع الوطني للحلول العقلانية لجميع التوترات و المشاكل مما يؤدي في النهاية إلى تنمية و تطوير القوى البرية التي تلعب الدور الأساسي في تقدم و تطور المجتمع سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً و يدفع و يحفز العامل المحرك و المطور للجانب الفكري و الثقافي و المعرفة و الوعي الفكري الخلاق لدى جماهير الشعب و هذه الحالة تفرز الجوانب الايجابية التي تؤدي إلى الاستقرار و الأمان و الأعمار و المستقبل الأفضل و العيش الرغيد لأبناء الشعب .
إن التأخر في انجاز الايجابيات يؤدي إلى إفراز السلبيات في حالة تجاهل الجوانب و النقاط التي تؤدي إلى تهميش و التنكر للحقوق و القيم الروحية للقوى الأخرى و عدم إيجاد الحلول المناسبة لها و الاعتراف بها و احترامها و عدم إهمالها مما يؤدي إلى تراكمات و مع مرور الوقت تتفاعل و تتحول إلى صراعات و نزاعات و تكتلات تبرز و تتزعم فيها و تخترق صفوفها القوى و العناصر الشوفنية و الطائفية المتطرفة التي لا تريد الخير و السعادة و الاستقرار للوطن و الشعب .
إن الديمقراطية الصحيحة تعني المشاركة و الإسهامات المجدية من خلال النقاش و إبداء الرأي مما يتيح المجال إلى ظهور أشياء جديدة و الوصول إلى حلول صائبة لان الديمقراطية مجموعة من الأسس و المؤسسات تنمو حول ترسيخ الوحدة الوطنية مما يؤدي إلى التنمية البشرية و التطور و التقدم السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و لذلك تعتبر أكثر الأسلحة فاعلية لخلق نهضة حقيقية واسعة في كافة مجالات المجتمع كما تعتبر الرؤيا الواضحة و الصائبة و الباب الواسعة لتحرير المقومات البشرية الهائلة و الأداة التي تحقق العدالة الاجتماعية و المساواة على المستويين الاجتماعي و الاقتصادي مما يفسح المجال أمام الإبداع و الابتكار و إتاحة قدر أفضل من الفرص الاقتصادية و الاجتماعية في التقدم و التطور لبناء المجتمع و التطور لبناء المجتمع السعيد .
إن تطور و تحقيق الديمقراطية تعتبر الخط الفاصل بين الغنى و الرفاه و التقدم الاجتماعي و القدرة و الإمكانية و التحقيق و تطور الذات الإنسانية و العيش بحرية و كرامة وبين الفقر و الجهل و الأمية و الحرمان و الاستعباد و التأخير و لذلك فأن الشعوب القادرة على التحرك نحو الديمقراطية و نشر المعرفة و الوعي الفكري الخلاق تستطيع إن ترفع مستوى التنمية البشرية و يتبوأ الشعب مكاناً مرفوعاً من النمو و الازدهار و التقدم و الرفاهية في عالم القرن الواحد و العشرين و بالضد من ذلك فأن الوقوف في طريق مسيرة و نجاح الديمقراطية و تطبيقها يمثل إهداراً خطيراً للمقومات و المواهب البشرية نتيجة لافتقارها إلى حرية البحث المعرفي و الوعي الفكري الخلاق مما يخلق انغلاقاً و سجناً لإمكانياتها و مكوناتها العقلية لذا يجب إطلاق الحريات الديمقراطية و تطبيقها و نشرها و إشاعتها بكل صحيح و فتح الأبواب الواسعة أمامها لينهل منها الشعب .
الوعي الفكري الخلاق و المعرفة المنورة من أجل تحرير الشعب و خلاصه من كابوس الأمية و الجهل و المرض و الحرمان و العوز الذي يقف عائقاً و معرقلاً لتطور الشعب و تقدمه في طريق التنمية و التطور البشري في المجتمع و بناء الحياة الحرة و الكريمة و المستقبل الأفضل لجميع أبناء الشعب.
إن الشعب حينما يدرك بأن الديمقراطية هي الطريق المؤدي الى سعادته و ازدهاره و حريته و كرامته و تفتح إبداعاته و تطلعاته فليس هنالك من سبب أو تبريراً منطقياً يؤدي إلى الانصراف عنها و تقويض أركانها ضمن إطار التجربة الإنسانية لا يوجد ثمة ما يشير إلى إن الديمقراطية تنهار أو تكون مرفوضة من الشعب حينما يلتزم بأسسها و مؤسساتها و تكون ذات سياق عملي منسجمة مع وعيه و إدراكه و ثقافته و بذلك سيكون ملتزماً منطقياً و أخلاقيا بالحفاظ على حقوقها و مبادئها الضرورية و العملية كما إن النظام الديمقراطي تضمن وجوده و استمراريته و ديمومته ضمانات مؤسسية للحقوق الأساسية و ليس مجرد إجراءات شكلية لان الواقع الموضوعي الملموس لا يحتمل المحافظة على ممارسة العملية الديمقراطية و تطبيقها بشكل صحيح بدون وجود مؤسسات تعمل في إطارها و إيمان الشعب و ثقته بضرورة تواصلها من خلال إيمانه و عاداته و ممارساته و حضارته ووعيه لان العلاقة بين ممارسة العملية الديمقراطية الصحيحة و الحقوق السياسية الأولية ليست في الواقع صيغة مجردة من ضوابط لأنها تنطق و تمارس من خلال التفكير المنطقي و الإدراك السليم و الوعي الخلاق و من خلال قيام شعب ديمقراطي و قادته السياسيين و أولي الرأي و الفكر و العقل بالتفكير بمتطلبات نظامهم السياسي فأنهم بالتأكيد سيجدون ضرورة و أهمية العملية الديمقراطية و ممارستها من خلال السياسة الواقعية الموضوعية و الدفاع عنها و الالتزام بها و نتيجة لذلك يتمازج إيمانهم و أفكارهم برغبة أكيدة و الالتزام بالممارسة الديمقراطية و جعلها جزء حميمي من العملية السياسية التي تصبح عنصراً أساسياً في الثقافة للشعب لا سيما إذا كانت هذه الثقافة و الوعي الفكري الخلاق وليدة جهود قوى مدركة وواعية يحملون على عاتقهم مسؤولية اعتناق و تفسير و تطبيق هذا النهج الوضاح و هذه الحقوق .
و إذا لم يتم دعم العملية الديمقراطية و الحقوق السياسية الأولية الضرورية لها بهذه الطريقة من خلال الثقافة السياسية و الوعي الفكري الخلاق و دعم مؤسسات المجتمع المدني و القوى و الحركات السياسية تصبح ديمومة العملية الديمقراطية أمراً مشكوك فيه و معرضة إلى حدوث هفوات و انحرافات و تشوهات في سلوك و ممارسات العملية الديمقراطية مما يؤدي إلى زعزعة أركان النظام السياسي في البلد .
إن ضمان و استمرارية العملية الديمقراطية و مؤسساتها و قيمها يأتي عن طريق الثقافة السياسية و المعرفة و الوعي الفكري الخلاق و يجب أن تنطلق هذه الرؤيا من عقيدة و إيمان راسخ بالنظام و العملية الديمقراطية و أسسها و مؤسساتها التي يجب أن تكون حرة و غير مقيدة و غير خاضعة للجيرية و التسلط و الهيمنة و إذا ما ساد هذا السلوك و الممارسة ستعزز الديمقراطية و ستعزز الثقة و الطمأنينة بين جماهير الشعب و السلطة الحاكمة و هذا لا يتم إلا حينما تتوفر الفرص و الوعي الفكري الخلاق و المعرفة و ذلك من خلال ممارسة النقاش الحر الشفاف و النقد و البناء وفق معاير احترام الرأي و الرأي الأخر و حرية التعبير و الاعتراف و الإقرار بحقوق وواجبات و حرية الآخرين .
كما إن للنظام الديمقراطي جانب أخر حيث يعتبر الحقوق الجوهرية و المصالح أجزاء متممة للعملية الديمقراطية و من هذه الحقوق حق حكم الذات و الحرية الشخصية التي تعتبر غير قابلة للتحويل لان هذه الحقوق ليست حقاً في مجرد عملية كلية إذ إن العملية الديمقراطية ليست مجرد عملية و لا مجرد عملية شكلية لأنها تشكل في الحيز ذاته نوعاً هاماً من العدالة التوزيعية فهي فرض و تعزز و تساعد على توزيع كافة المصادر الحيوية الضرورية الأخرى و حينما يعتبر الحق في العملية الديمقراطية ليس مجرد حق شكلي إذ انه من أجل ممارسة هذا الحق لا بد من وجود كافة الأسس و المصادر و المؤسسات الضرورية التي تضمن تلك الحقوق و إذا ما انعدم وجودها ينعدم وجود العملية الديمقراطية كما إن الحق في العملية الديمقراطية ليس مجرد مطالبة تجريدية لأنه مطالبة بكافة الحقوق العامة و الخاصة سواء كانت حقوقاً دستورية أو قانونية أو معنوية و التي تشمل حرية التعبير الصحافة ( السلطة الرابعة ) و حرية التجمع و حرية تعدد الأحزاب و حرية الأحزاب و حرية المعارضة كما إنها تضمن لأبناء الشعب تشكيلة واسعة من الحقوق و الواجبات و الحريات و الموارد الطبيعية التي توفر لهم و تؤمن العيش الرغيد و المستقبل الأفضل لهم و للأجيال القادمة و المشاركة العامة و الإسهام التام بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق و الواجبات في صناعة القرارات الجماعية التي يلتزمون بها جميعاً من أجل مصالحهم الشخصية كأعضاء في المجتمع و في تطوير و تنمية قدراتهم الإنسانية و في قدراتهم على التصرف كأشخاص مسئولين أدبياً و أخلاقياً و قادرين على حكم ذاتهم و لذلك تعتبر العملية الديمقراطية ليست جوهرية فقط لواحدة من أكثر المصالح السياسية أهمية ( حق الناس في حكم أنفسهم ) بل إنها تكون في ذاتها مجموعة ثرية من المصالح الجوهرية .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن