قراءة في أوراق اليسار الديمقراطي العراقي

زياد العليمي
alyassar_aldimocrati@yahoo.com

2008 / 2 / 1

"البديل الشعبي الديمقراطي". تحت هذا الشعار كانت القوى التقدمية رأس حربة لحركات التحرر الوطني. فمنذ ما قبل منتصف القرن العشرين وحتى نهاية سبعينيا ته خاضت حركات التحرر الوطني تحت قياداتها اليسارية معاركها وطرحت نفسها بديلاً عن كلا من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، ومع بداية الثمانينيات بدأ نجم القوى اليسارية والتقدمية في الأفول مفسحاً الطريق لنوع آخر من "المقاومة".
وبعد ما يزيد على العشرين عاماً من انصراف القوى اليسارية عن قيادة حركات المقاومة الوطنية وسيطرة البديل الإسلامي على هذه الحركات جنت المنطقة العربية "ثمار" المقاومة الجديدة، ليخيم شبح الحرب الأهلية على كل من فلسطين والعراق ولبنان. ورأت قوى يسارية كثيرة أنها بين بديلين لا ثالث لهما، إما أن تؤيد حركات المقاومة الإسلامية بلا قيد أو شرط، أو أن تُتهم بأنها تؤيد الاحتلال.
في ذات الوقت اتجهت مجموعات مختلفة من اليساريين إلى بلورة بديل لهذه المقاومة الدينية، يقاوم من أجل العدالة والحرية للجميع على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية، ويقاوم الاحتلال بنفس قدر مقاومته للاستبداد والتخلف والرجعية، ويجعل من السلطات المحلية المستبدة والاحتلال الخارجي والقوى الرجعية عدواً واحداً للبديل الإنساني الذي يدافع عنه اليسار. من وضوح بؤس هذه القوى التي تطرح نفسها بقوة في العراق انطلقت حركة اليسار الديمقراطي العراقي لتعلن بديلاً يقاوم من أجل الحياة في سلام، لا من أجل الثأر وحده.
ففي الثاني عشر من أغسطس 2006 أصدرت مجموعة من رموز اليسار، ونشطاء المجتمع المدني في العراق ورقة سياسية تحمل عنوان "بيان حول انبثاق حركة اليسار الديمقراطي العراقي"، أعلنوا فيها عن تشكيل نواة اللجنة التحضيرية المؤقتة لهذا التيار بعد سلسلة لقاءات واجتماعات لتجمعات وإفراد يساريين استمرت لأكثر من سنتين.
الوطنية والديمقراطية
تدشن الوثيقة التأسيسية للحركة رؤية يسارية جديدة للمقاومة الوطنية. فقد ذابت هوية الكثير من قوى اليسار العربي في إطار تحالفها مع القوى اليمينية والفاشية تحت راية معاداة الإمبريالية، بينما شارك الحزب الشيوعي العراقي في الحكومة القائمة. في مواجهة ذلك ربط بيان انبثاق (حيد) بين مقاومة الاحتلال ومقاومة التخلف والمقاومة الاجتماعية، وجعل من الاحتلال الأمريكي والطائفية والرأسمالية المتوحشة عدواً واحداً على نفس القدر من الخطورة على مستقبل العراق.
ويتضح من الوثيقة أن الحركة تضع المواطنة في مقدمة أولوياتها، ومن هنا تعمل على نبذ كل ما يمت بصلة للتعصب القومي والديني وكافة أشكال العنف الجسدي والفكري من أي طرف، والعمل من أجل أن تصبح "المساواة الحقيقية بين المرأة والرجل ثقافة اجتماعية حية وليست نصوصاً وشعارات وقوانين منسية". ومن هذا المنطلق تطرح "حيد" أنه لا يحق لأغلبية قومية أو دينية أو برلمانية أو فكرية أن تصادر أو تهمش حقوق الأقلية، وخاصة حقها في الدعوة والدفاع عن رؤاها ومصالحها وشعائرها. وفي هذا الإطار فإنها ترى أن "الدولة ومؤسساتها يفترض أن تمثل الشعب العراقي بكافة أديانه ومذاهبه وعقائده وقومياته".
أما فيما يتعلق بالاحتلال الأمريكي للعراق فقد ربطت “حيد” بين رفضها للاحتلال والدعوة إلى مقاومته بكافة الوسائل السلمية الممكنة لتحرير الأرض والإنسان، بدافع وطني وطبقي. كما دعت لقيام دولة المؤسسات، وأعلنت أن ذلك لن يتم إلا "ببناء الأجهزة الأمنية على أسس وطنية وحل كافة الميليشيات المسلحة مهما كانت أعذارها ومسمياتها".
وقد أصدرت “حيد” "نداء من أجل الحرية والسلام" ودعت القوى اليسارية والديمقراطية لوضع جدول أعمالها بعيداً عن المؤسسات القائمة واصفة أعضاء البرلمان العراق بالاهتمام بامتيازاتهم والتخلي عمن انتخبوهم. وحددت أولوياتها في هذا المجال بوضع برنامج مقاومة وطنية شاملة تهدف لتحرير الإنسان والوطن بأقل الخسائر في الأرواح، والتخلي عن خيار المحاصصة الطائفية والعرقية لتكوين دولة المؤسسات لكل الأطياف والأعراق خارج سلطة الميليشيات، وتفعيل السلطة القضائية لمحاكمة كل من لطخت يداه بدماء العراقيين في الماضي والحاضر.
في ذات الوقت توجهت حركة اليسار الديمقراطي العراقي برسالة إلى رئيس وأعضاء لجنة صياغة الدستور العراقي الدائم تضمنت ملاحظاتهم ومطالبهم فيما يرون تعديله وإلغاؤه وتبديله من مواد، وانطلق الخطاب من أن الدستور يجب أن يكون "عقد وئام وسلام بين الشعب العراقي وسلطته ومؤسساته"، وينقل الصراع الدائر في العراق من ساحة صراع العنف لساحة التنافس الديمقراطي والاحتكام لصناديق الاقتراع.
وانصبت التعديلات المقترحة حول الحفاظ على الحريات الشخصية والعامة للأفراد، والإقرار بحقوق العرقيات والطوائف المختلفة في العراق بتدعيم قيم المواطنة، وحظر تكوين الميليشيات، وأن يكون الجيش من أبناء الشعب العراقي دون تمييز وأن يكون أداه لحماية شعب العراق لا لقمعه وأن يخضع للقيادة العراقية المدنية، وتطوير القطاع العام في المشاريع الوطنية الكبرى وتشجيع القطاع الخاص وتنميته بما لا يتعارض مع استقلالية ونمو وازدهار الاقتصاد الوطني العراقي، والإقرار بالنظام الفيدرالي، وخصوصا في كردستان العراق كواقع قائم. وبالمقابل لم تر “حيد” أن الفيدرالية لباقي مناطق العراق هدفا عاجلا، فيجب أن تكون الفيدرالية خيارا شعبيا حرا مبني على أسس التكامل الاقتصادي والثقافي وزيادة فعالية الخدمات وعلى ألا تكون هذه الفيدراليات إقطاعيات أو حيازات سياسية أو طائفية أو شوفينية، وأن هذه المهمة سوف تنجز في حالة استقرار الوضع الأمني والسياسي.
الرؤية الاقتصادية والاجتماعية
أما فيما يتعلق برؤيتها للإصلاح الاقتصادي فإنها ترى أن استثمار الثروات الوطنية وفي مقدمها النفط والغاز يجب أن يكون بأيدٍ عراقية. وناهضت “حيد” الخطاب القومي - الإسلامي التقليدي الذي ينطلق من مقاطعة الغرب الكافر أو الاستعماري، فقررت أن العراق سيحتاج للاستفادة في هذا المجال من الخبرات والتكنولوجيا المتطورة للدول الأخرى "وسيسعى لطلب المساعدة النزيهة القائمة على المنفعة المتبادلة من الدول الصناعية المتقدمة بشرط عدم الخضوع لاستغلال الشركات والمؤسسات الاحتكارية".
وانطلاقاً من هذه الرؤية أيضاً حددت “حيد” رؤيتها للعلاقات الدولية على أساس أنها أحد فصائل قوى اليسار الديمقراطي العربي المقاوم للعولمة الرأسمالية المتوحشة والمسلحة. ولكن هذا العداء ليس من منطلق قوموي - كحال العديد من قوى اليسار العربي – لأن "حيد" ربطت بينه وبين التأكيد على العداء رغبتها في أن يعيش العراق بأمن وسلام وتضامن مع كافة شعوب العالم المحبة للسلام وبالتعاون مع كافة المنظمات الدولية الساعية للسلم، "والعمل على تطوير المعاهدات والمواثيق الدولية، بما لا يتعارض مع الالتزام بها".
وبناء على ربط "حيد" بين الخطاب الوطني والاجتماعي، بدأت أنشطتها العملية بالمساهمة في إنشاء وتبني "لجنة الدفاع عن عمال العراق"، وبدا تأثير “حيد” واضحاً في البيان التأسيسي للجنة. فقد انطلق البيان من أن أزمة عمال العراق هي بالأساس أزمة تنظيم، وأنها جاءت نتيجة تسلط نظام البعث الديكتاتوري على مقاليد الحكم، وتبع ذلك الاحتلال الأمريكي للعراق الذي أطلق العنان لقوى الإرهاب، كما أن تتابع كلاً من نظام البعث والاحتلال الأمريكي في حكم العراق أدى إلى تدمير البنية التحتية للاقتصاد العراقي، وفاقم من الوضع نشاط القوى الإرهابية التي أودت بحياة الكثير من العمال وقطعت أرزاق آخرين، مما زاد وضع العمال العراقيين سوءاً في الوقت الذي لا يحق لهم فيه قانوناً تشكيل نقاباتهم وتشكيلاتهم الخاصة. ولا ترى اللجنة مخرج من هذا الوضع سوى إنشاء العمال لمنظماتهم المستقلة، وحددت طرقا عديدة للنضال من أجل هذا الهدف.
ويبدو من تحركات وأوراق "حيد" أنها اختارت نموذج النضال ألمصنعي كما تعلمه اليساريون طوال تاريخهم. ففي الوقت الذي كان يقود فيه العمال في أي مصنع إضرابهم لنيل حقوقهم لم يتوقف العمال يوماً عن التفاوض مع أصحاب الأعمال حول هذه الحقوق، وهو النموذج الذي دأب أبناء التيار اليساري القومي على اتهامه باليمينية، والتخاذل باعتبار أن الحقوق لا يجب التفاوض عليها لنيلها.
الديمقراطية كخيار تنظيمي وكخيار لتحالف اليسار
حددت “حيد” أن بنائها التنظيمي يجب أن يقوم على نبذ الجمود العقائدي والفكري وكل ما يشكل قيدا على حرية الفكر والإبداع، مع إتباع أساليب تنظيمية جديدة ومتجددة مبنية على الخيار الحر للفرد، واعتماد الديمقراطية التداولية الفاعلة "ونبذ الهرمية التنظيمية لخلق نسق متفاعل لا مكان فيه لأعلى وأدنى بل كل حر يكمل بعضه بعضا".
ترى وثيقة تدشين "حيد" أن المجتمع العراقي أمامه العديد من التحديات لإنجاز مهمات وطنية واجتماعية، لن يقدر على مواجهتها سوى قوى يسارية متحدة رصينة الفكر والتنظيم ديمقراطية النهج والممارسة واضحة البرامج والأهداف فاعلة الوسائل، وبالتالي فإن "حيد" تسعى لأن "تساعد على تقارب وتلاحم مختلف العناوين والتشكيلات حتى تؤدي إلى مزيد من التنسيق والتكامل بينها وصولا إلى اتحاد قوى اليسار العراقي ليأخذ دوره الفاعل والمطلوب على ساحة الصراع الوطني والطبقي الملتهب، لتصبح قضايا الحرية والسلام والعدل والتآخي بين الشعوب في مقدمة أولوياتها"، وتسعى لأن يتبنى الأفراد هذه المبادئ كمنهج حياة متجدد قابل للإغناء والنسخ والتجديد.
ومع انتهاء انتخابات "البرلمان الدائم" في العراق، وتعليقاً على فشل اليسار العراقي باتجاهاته المختلفة والقوى الديمقراطية الأخرى في الحصول على الأغلبية التي تمكنه من أن يكون فاعلاً في صياغة القرارات السياسية والاجتماعية التي ستحدد مستقبل العراق، نشر سلام خالد - عضو نواة اللجنة التحضيرية لـ"حيد" - مقالاً حلل فيه موقف القوى المختلفة في تلك الانتخابات، وهو الموقف الذي نشرته “حيد” بعد ذلك متبنية بذلك الموقف الرئيسي فيه.
فقد انطلق سلام خالد من أن ما حدث في تلك الانتخابات يوضح أن معظم القوى السياسية العراقية لم تتبن الديمقراطية كخيار استراتيجي، بل تبنته باعتباره تذكرة مرور للعملية السياسية، ودلل على ذلك بلجوء معظمها إلى جر المثقفين الديمقراطيين وعموم الكادحين من ساحة الدفاع عن مصالحهم الحقيقية بالعمل على مقرطة المجتمع العراقي جذرياً إلى ساحة الصراع العرقي والطائفي للحصول على عدد أكبر من الأصوات، وألقى بجزء من المسئولية عن ما حدث على عاتق القوى اليسارية والديمقراطية في العراق التي لم تستطع توحيد جهودها لتدشين برنامج علمي وعملي وواقعي يدفع بعجلة التقدم إلى الأمام. واتضحت النتيجة في فشل الجمعية الوطنية في صياغة الدستور وفشل الحكومة الانتقالية في تحقيق آمال المواطن العراقي، وبذلك بدت القوى اليسارية والديمقراطية العراقية "كالمطلوب الغائب والحاضر المختفي".
ويتضح من موقف “حيد” أنها ترى أن قيام تحالف قوى اليسار العراقي أصبح ضرورة في تجاوز الوضع العراقي المأزوم، والبعد عن المحاصصة الطائفية، على طريق عراق يتجاوز الطائفية، ليس بقمع الأقلية ولكن بضمان حقها في التكوين والتعبير والتمثيل، ولكنه وضع قيام هذا التحالف على أسس ديمقراطية داخله وخارجه شرطاً لا غنى عنه لقيام هذا التحالف. وبكلمات أخرى، كما جاء في البيان الذي أطلقته حركة اليسار الديمقراطي العراقي تحت عنوان "رؤيا من أجل قيام اتحاد قوى اليسار العراقي"، فإن اتحاد قوى اليسار يتطلب نبذ أفكار ومفاهيم الارتداد والتحريفية وعبادة الشخص والنص والإقرار بأن "لا شيء ثابت سوى المتغير والمتبدل والجديد، كما نقد أشكال "المركزية الستالينية المسماة عسفاً بالقواعد اللينينية في بناء التنظيم"، ونبذ العقائدية الجامدة.
باختصار، “حيد” حركة جديدة ضمن حركات اليسار الديمقراطي العربي أضافت لبرامجه بعداً مقاوماً جديداً قائما على اعتبار الاستبداد والتطرف والتخلف معوقات للتقدم وأعداء للمقاوم اليساري مثلها مثل الاحتلال الأجنبي، واتبعت نفس الطريق الذي اتبعته معظم الحركات اليسارية الديمقراطية فيما يتعلق بالتحركات العملية، والتجديد النظري القائم على نقد الأخطاء السابقة ومحاولة تقديم بديل عملي، بعيداً عن التحالف ألذيلي مع حركات فاشية تحت دعاوى معاداة الاستعمار.

بقلم زياد العليمي



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن