مسرحية أشواك السلام

عقيدي امحمد
adrar1974@hotmail.com

2008 / 1 / 20

في جوا بهيج عرفت القاعة المتعددة النشاطات بدار الثقافة نوار بوبكر بولاية ام البواقي عرض مسرحية أشواك السلام للمسرح الجهوي عبد القادر علولة بوهران ، ويندرج هذا ضمن تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية ، حيث أقتبس نصها مراد سنوسي عن توفيق الحكيم وأخرجها عزري غوتي . وأدى ادورها كل من فوزية بوشارب ، نادية جبيلي ، حيمور محمد ، بلقايد عبد القادر ، سمير بوعناني ، حمودة البشير ، بلكروي عبد القادر ، حشماوي إبراهيم ، كلوشة علي .
بإضاءة خافتة يظهر إبن محافظ الشرقية على خشبة المسرح قائلا انه يبحث على السلام ، وبين البحث على السلام والغوص في عالم السياسة تتطور أحداث المسرحية الشيقة التي كتبها توفيق الحكيم في 1957 أي في أوج فترات الحرب الباردة التي فصلت بين المعسكرين الشرقي والغربي ورغم مرور 50 سنة على كتابة النص الاصلي لكن مزال امم بأسرها تعيش صراعات ونزعات سببها التعنت والتشبث بالأفكار وعدم الاتصال ، وهذا ماجاء به النص المسرحي لمسرحية أشواك السلام حيث ابن محافظ الجهة الغربية شاب جعل من الدفاع عن فكرة السلام في العالم رسالة لحياته ، وخلال تواجده بشاطئ المدينة ، استمع صدفة لحديث ساخن جمع فتاة مع مجموعة من صديقتها ، الامر كان يتعلق بالحماة وأحسن الطرق لمجابهتها الفتاة التي لفتت انتباه الشاب دافعت عن ضرورة اعتماد الحب كأحسن وسيلة لضمان حياة عائلية سعيدة، موقف الفتاة وحماسها في الدفاع عن أفكارها كانا لهما أثر بالغ على ابن محافظ الشرقية والذي بادر بمحاولة التعرف أكثر على الفتاة لقاءين فقط كافيين للشابين لكي يكتشفان أنهما يتقاسمان الكثير من القيم المثل والأفكار هذا ما دفع بهما لاعتماد وبسرعة فائقة فكرة الزواج .
محافظ الجهة الغربية اكتشف في لقاء ابنه ببنت محافظ الشرقية ، مكيدة مدبرة تحركها ، أيادي خفية ، ولا مكان للصدفة في مثل هذا الأحوال نفس الفكرة خلص اليها أب الفتاة وقرارا المحافظان وكل من جهته تأجيل موعد الزواج الى غاية التحري في القضية والقيام بتحقيق بوليسي معمق مع العمل على زرع بذور الشك والشوك في طريق الخطيبين هكذا جاءت الفكرة الدرامية للنص أما على خشبة المسرح الجميلة بديكور رائع جسده الأستاذ زعبوبي عبد الرحمان .
وهذا ماجعل المخرج يتحكم في لعبة الايقاع التي سارت على حسب أحداث المسرحية فالديكور ، والأداء ، واللغة التي سجلت أثر عميق في نفوس المتطلعين للفن الرابع ، الذين تحدثو عن المسرحية التي مكنتهم من الاطلاع على معلومات جديدة ، واكسبتهم مفاهيم حديثة في مجال المسرح بما يخدم رؤيتهم الفنية والإخراجية ، ويساهم في تأصيل تجاربهم وترسيخها والعمل على تطويرها .
وقبل التعرف على مسرحية أشواك السلام نتوقف قليلا أمام ثراء ذلك النص الذي صاغ منه عزري غوتي فانتازيا بارعة تهدف إلى استبعاد التوهمات والقيم البالية الراسخة في الأذهان ، الرؤى الفكرية والفنية فياضة لا تحكمها حدود ، احتفظ المؤلف مراد السنوسي في داخلها بلا شكلية الواقع الهاربة بلا نهاية ، دوافع الشخصيات معقدة لدرجة كبيرة نعايش معها توترا متصاعدا يبحث في طبيعة الواقع وحقائقه النسبية التي لا سبيل الى معرفتها ومع ذلك يلامس القارئ ثنائية الغموض والوضوح التي يبعثها التدخل بين الحق والباطل هذه الأفكار العميقة التي بلورتها حوارات متدفقة ومونولوجات ساخنة أداها طاقم المسرحية بانفعال قوي فأستطاعو الدخول الى عالم ستانسلافكي وذاب تماما في أعماقه ، وامتدت أمواج مشاعرهم لتغطي تلك المساحة الذهبية التي زادتها الرؤية الإخراجية جمالا ووضوحا فإذا كانت هذه النوعية من المسرحيات تحاول أن تسقط الصراعات والأقنعة عن وجه الحياة فلا شك أن تقنياتها الجمالية تسعى إلى تخليص المسرح من الزيف والتشويه باسم الفن الجميل .
تتداخل الدوائر وتضيق المسافة بين محافظ الجهة الشرقية ، ومحافظ الجهة الغربية يبعثه خداع كل منهم لذاته وللآخرين لتصبح النتيجة هي الدخول الحتمي في أعماق لعبة أبدية تشبه الظلال أو الخيالات التي تظهر وتختفي دون أن يكون لها قوام أو ثبات أو وضوح .
والاهم في هذا المضمار ، ليس في قدرة عزري غوتي على طرح ذلك الفكر الوجودي ذي المسحة الإنسانية ، وإنما في توازي عمق هذا الفكر مع جماليات اللغة المسرحية التي طرحته ، التي برع في إنشائها تجسيدات سمعية مرئية ، مظهرت الانهيارات الكبرى وقد جاء إنشاء الشكل في الفضاء نحو الاتجاه " مابعد الحداثي " وذلك من حيث لغته المسرحية ، والأساليب الانفعالية والتمردية فبدأ معه هذا الفضاء مشتملا على نظام متعدد المستويات في أبنيته ، وكأنه في حالة فوضى لكنها " منظمة " في السياق وبمعنى أخر فإن كل مستوى يظهر جماليا في تمظهر مساره لجهة بناء معماره ودلالاته اللتين لم تخلوا في أشتمالهما على أطروحات فكرية متعددة عميقة ، تستنطق حيرة وأسئلة الإنسان في الوجود والكون ، وفيما تخبئه نفسه في أغوارها السحيقة .






http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن