الأيزيدياتي ... وفلسفة إلى الوراء ، إلى الأمام ؟!

مراد كافان علي
murad_kavan@yahoo.com

2008 / 1 / 6

الجدلية الأيديولوجية بين إلى الوراء والى الأمام تصول في أجواء الأيزيدياتي وعسى أن تخرج بنتائج ايجابية . وهذا يذكرنا بمقولتا الكاتب لنيين :ـ خطوتان إلى الوراء وخطوه إلى الأمام ، ثم أوربا المتأخرة وآسيا المتقدمة ... حقاً أوربا متأخرة قياساً لتداعيات آسيا الرهيبة ، لأن أوربا هي التي تبّنت وشجعت الديمقراطية وتشجع القوى الظلامية أيضاً تترعرع في آسيا وتمهد السبيل للكوارث التي تحصد الأخضر واليابس في آسيا وغيرها من القارات لأسبابٍ وأهدافٍ متباينة ومتعثرة ... نعود إلى المقالتين ( إلى الوراء دور ، والى الأمام سّر) وغيرها من المقالات التي نشرت بهذا الصدد ألا وهي تداعيات الأيزيدياتي ومن يتحمل المسئولية لهذا التخبط ، والسعي لإيجاد الحلول الراجحة لكي نجتاز هذه المحن ... ركز الكاتبان ، اللّذان يعبران عن آلامهم ومعاناتهم بمرارة ولو باستعمال كلمات قاسية أحياناً ، عن مجموعة من المواضيع ومنها ، الإرث والزواج والمهر، أي بعبارة أدق حقوق المرأة في الأيزيدياتي . وقد تم توجيه الذنب وتحمل المسئولية إلى أمير الطائفة حصراً ، وتكفيهم الحجة ، إنه أمير الطائفة لأربع وستين عامٍ ، والذي يقود أمة هذه المدة الطويلة ، يرجى منه إنجازات رائعة وباهرة ، ولكن هيهات ... وهنا نذكر علّتين هما :ـ الأولى الإهمال والإخفاق وتعثر المتابعة والثانية إن المسئولية صعبةً وقاسيةً أيضاً ، والذي يتحمل ويمارس المسئولية يدرك بشاعة وثقل المسئولية وآلامها . بلى هو يتحمل القسط الأكبر من المسئولية بلا شك ، ولكن ليس لوحده وإنما يشاركه في تحمل الذنب كل أعضاء المجلس الروحاني والاستشاري أيضاً ، وجميع النخب المثقفة في الأيزيدياتي بدرجاتٍ متفاوتة لأن للأقلام الحرة أصوات عالية ومسموعة ، والذي يكتب جملة واحدة في الصحافة أو ينطق في الأعلام عليه أن يتحمل المسئولية المنطقية عن كل هذه التداعيات بشكل فردي وجماعي ، ثم تحديد درجات المسئولية في ترويج وتضخيم هذه التداعيات ... ألا يكفينا قبر التعتيم ألأعلامي الرهيب ؟ و كل سكوت عن الحق ، وأصحاب البحث عن المكاسب بوسائل غير مشروعة ، والتقوقع والتكتل الفردي والجماعي عليهم تحمل المسئولية أيضاً ، ثم محكمة التاريخ ، ربما تتعثر أحياناً ولكن لا تتردد ولا تخفق ، وتسجل الصالح والطالح وتصدر الحكم العادل والقاسي ، وهكذا تعمم على بقية شرائح المجتمع . لذلك حبذا ألاّ نتجنب من المسئولية ولكن التصدي لها رغم بشاعتها ، وعدم إحباط المتعثرين بل إسنادهم وتشجيعهم لأن جروحنا بليغة ورهيبة وتحتاج إلى طاقات خلاقة وبارعة للإحياء والتجديد ، ويكفينا فخراً إننا تصدينا الإرهاب العفن قبل آلاف السنين وحملنا صليبنا قبل صلب السيد المسيح ( عليه السلام ) وها نحن في طريقنا إلى شواطئ الأمان والسلام ، والتاريخ يدون كافة المنابع الصائبة والخائبة في المسيرة الظافرة ...
ومن الجانب الآخر ليس كل جهودنا ذهبت هباءً ولكن ظهرت بوادر التطور التي تؤدي إلى التمجيد في إطار العقيدة والقومية ولو بطيئة . شاهدنا خلال تداعيات زلزال سنجار الرهيبة في 14/8/2007م تتدافع قوى الخير والإسناد والنجدة بشكل عفوي ومنظم لمآزرة سنجار ، وقد شمل التطوع والإسناد ليس الأيزيديين حصراً ولكن كافة الأكراد بكثافة بحيث جعلوها كارثة قومية لكل الأكراد في أعماق خارطة كردستان . وقد شمل الدعم المادي والمعنوي وألأعلامي إلى درجة عالية ، وفعلاً تم تخفيف الحمل الرهيب جراء الكارثة بحيث استطعنا توديع نتائج الكارثة رغم المرارة ، وشاركهم في الدعم والإسناد قوى التطور والسلام العالمي من أصحاب الضمائر الحية والحرة التي تنشد للسلام والمحبة والوئام ، وتكافح لاستئصال وتدمير أوكار الانحطاط والتخلف القذرتين من وجه المعمورة الناضجة ... بينما في حملات الإبادة السابقة التي تجاوزت أثنين وسبعين حملة كان الحمل الرهيب جاثماً على أكتاف الأيزيديين لوحدهم تقريباً وهم يحملون صليبهم مع كافة المتاعب والآلام والمآسي ، وهذا يؤكد تراجع قوى الظلام والتقوقع وتقدم قوى المجد السامي ...
نعود إلى لب الموضوع من جديد ألا وهي ( إلى الوراء دور ، والى الأمام سّر) ، اللافت للنظر أن الموضوع يحدد حقوق المرأة حصراً من حيث المهر والإرث ، ولكن كافة منابع حياة الأيزيديين تواجه أخفاقات ثقيلة على مدى آلاف السنين ، ونعرض جوانب أكثر أهمية ، وإيجاد بوادر العلاج لهم سوف يمهد السبيل لاحتواء كافة الإشكالات والتداعيات الأخرى ومن ضمنها المهر والإرث وهي :ـ
1ـ غياب تدوين النصوص الدينية بكتاب أو مجلد التي تشكل أساس العقيدة الكردية القديمة ، وهذه تحتل الأولية في تداعيات الأيزيدياتي . والمتابع لمسيرة الكتب المقدسة للأديان الأخرى يلاحظ إن تلك الكتب قد تم جمعهم وترتيبهم وتدوينهم بعد رحيل أنبياء تلك الأديان ومنها اليهودية والمسيحية والإسلام بالتتابع . لذلك ...لماذا التعثر والتردد في جمع وترتيب وتدوين هذه النصوص الدينية في كتاب مقدس تحمي العقيدة من الانهيار والإخفاق ، ولا يمكن لعقيدة سامية وعريقة بلا كتاب مقدس ومدون ومتداول ؟ حتماً تم خلق أسماء ومسمياتٍ ظالمة لهذه العقيدة السامية في شتى أنحاء العالم ، مما جعلوا الكتاب الصادقين يتعثرون في التعبير الصادق إضافة إلى المندسين الذين يتصيدون في الماء العكر أصلاً ، وبذلك خلقوا ونسجوا أسماءً مختلفة لهذه العقيدة الكردية السامية لأجل التشويه والدس ، علماً هذه العقيدة كانت الأولى في عبادة الخالق العظيم ( خودى أو ئيزي أو ئيزيد ) عندما كانت الأمم والقوميات الأخرى تبحث عن الأصنام والأوثان للتعبير عن نفسها في العبادة بشكلٍ متعثر ... لذلك يجب الإسراع في جمع وتنقية النصوص الصادقة وإبعاد النصوص المندسة والبعيدة عن منابع هذه العقيدة ثم تدوين هذه النصوص الدينية في كتاب بديع ومقدس ، وأقترح أن يكون عنوان أو أسم الكتاب المقدس للعقيدة الأيزيدية ( لالش ) ...
2ـ عدم التلكؤ في تنظيم لجنة موقرة من رجال الدين المتنورين والمثقفين الواعين لكي تنسق مع الأحزاب الكردية كافة ، وخاصة مع الحزبان اللذان يقودان كردستان إلى شاطئ الأمان . حيث لا يوجد كردي أيزيدي في مراكز القيادة في كردستان للمساهمة في صنع القرارات التي تتطلع إلى صنع مستقبل كردستان المشرق ، مما يمهد الطريق لغيابنا عن بقية مرتكزات الدولة ، وقد تحولنا إلى متلقي الأوامر حصراً ، أما صنع القرارات الحساسة والهادفة فلنا غياب تام ، علماً أن الأحزاب الكردية ، وخاصة القياديين منهم منفتحين ومشجعين لنا ، والأبواب مفتوحة على مصراعيها لنا ، للمساهمة في كافة النشاطات الجادة والضرورية ، ولكن تعثرنا وإخفاقنا تجعلنا نتراوح ونتردد ثم نفقد الكثير من مصداقيتنا وتطلعاتنا الصائبة ، وبذلك نتغيب عن المجالات الحاسمة ونعاتب بعضنا البعض ...
3ـ هل يعقل عقيدة عريقة بهذا التاريخ المجيد لا تملك فضائية حتى تعبر عن حقيقة وتاريخ هذه العقيدة ؟ ونلاحظ القنوات الفضائية الكردية وغيرها تساهم بشكل جاد في تعزيز وتمجيد هذه العقيدة ... ولكن لهذه القنوات الفضائية واجبات ووظائف متعددة ومتشعبة ولا تستطيع تشخيص إلا فتراتٍ محدودةٍ لهذه العقيدة الكردية السامية . كما شاهدنا في نقل الطقوس والمراسيم الدينية في لالش وغيرها ... وإن كل تمجيد لهذه العقيدة هو تمجيد للقومية الكردية ، لأنها تملك مقومات عظيمة للمساهمة لأحياء وتنشيط وتعظيم القومية الكردية التي تعرضت ولا تزال تتعرض إلى موجات من العنف الشرس والإرهاب الوقح لا لشيء وإنما لإنهاء واحتواء قومية عريقة وسامية من خلال إحباط عقيدتهم المجيدة ، وقديماً تحدى الأيزيديون الأصنام والأوثان ، والآن يتحدون الأصنام والأوثان الحديثة ، ألا وهم الإرهابيين القذرين والبائسين ...
4ـ توضيح أسباب ضياع ألف طالب وطالبة أيزيدي من جامعة الموصل من مختلف الاختصاصات والمراحل الدراسية . وإن كل طالب جامعي يعادل فوج من الأفواج العسكرية التي تحارب الإرهابيين وتبتر قوى الظلام البائسة ، وإن مركز لالش لوحده لا يستطيع أن يتحمل هذا الحمل الثقيل ، وإن كل تأخير لا تعوض ، لأن حياة ومستقبل الطالب محدد بوتائر زمنية محدودة لا يمكن تركها للقدر ... كان من واجب المرجعية الدينية والنخب المثقفة في العراق والعالم ، العمل الجاد والمكثف وحمل صليب معاناتهم إلى رئاسة إقليم كردستان وحكومة إقليم كردستان وعن طريقهم وبمساندتهم حمل هذا الصليب الذي ينزف الدم الطاهر ، إلى حكومة بغداد والى كافة المحافل الإقليمية والدولية لإنقاذ هؤلاء الطلبة وإيجاد الحلول العادلة والصائبة ... هذه الفعالية الصائبة تمجيد للقومية الكردية أيضاً لأنها تتعرض إلى نفس الويلات ولكن بأساليب وبدع مغايرة والتداعيات مطابقة ، لأن الإرهاب تخلق صيغ جديدة للدمار والتخلف ...
5ـ مناشدة وحث الأيزيديين في المنافي بلا استثناء أن يجنبوا التكتلات والمهاترات والسجال التي لا تخدمهم ، وإن تصرفهم السديد وإدراكهم الناضج للتاريخ تجعلهم معززين ومرحبين بهم لدى كافة الأوساط . أثناء لقاءاتنا مع العائدين من المهجر ، أغلبهم يؤكدون بأنهم مشتتون في سلوكهم وتصرفاتهم وتفكيرهم . عسى أن يكونوا مهذبين في كافة تحركاتهم ، وأن يكسبوا احترام الآخرين لهم بأخلاقهم الراقية ، وعلمت أيضاً إنهم يخسرون الكثير بسبب هذا التعثر ، وإن أية خسارة حتى ولو تعثر خفيف سيكون صدمة لنا ولكم ... عليهم أن يتذكروا دائماً بأن الإرهاب العفن وزعهم في مختلف المنافي ، وكذلك عليهم أن يتذكروا بأن وطن مجيد وعريق ينتظر جهودهم لأحياء وتعزيز إشراقه شمس كردستان ، وعدم التسرع والتخبط في استيعاب وتحقيق أوليات تاريخنا المجيد ...
6ـ لأجل البقاء الصائب للأيزيديين ، على صانعي القرار والمثقفين بشكل عام تشكيل لجنة واعية ، إضافة إلى لجنة تدوين النصوص الدينية ، تشكيل لجنة ناضجة لتسجيل كافة مكونات وتاريخ الأيزيدياتي كوثائق تكتب وتكشف عن أصالتهم وعـراقتهم ونبلهم وتاريخهم المجيد ، والبحث عن كافة منابع ومناقب تاريخهم المخفي لأسبابٍ مختلفة وعلى مدى آلاف السنين ، وتسجيل الصالح وحتى الطالح ، وبذلك نستطيع أن نضع مرتكزات تبنى عليها صيانة مستقبل هذه العقيدة . وبالإمكان التنسيق والاستفادة من الأحزاب الكردية العريقة ومنظمات المجتمع المدني والمصادر التاريخية الصادقة والأقلام الحرة وهيئات دولية لتعزيز عمل هذه اللجنة ، ولا تنفع الندم أذا تقاعسنا لأن التاريخ لا يرحم المغفلين ...
7ـ أدعوا جميع المثقفين والذين لهم باع طويل في الصحافة والذين يغردون في الأعلام أن يزوروا لالش المقدس والعريق لكي يشاهدوا كيف تحول إلى مكان ... حقاً تشعر بالألم الحاد بعد الزيارة حيث لا يوجد مكان لزائر ، سواءً أكان إعلامي أو باحث أو كاتب أو لجنة تقييميه يجلس ويتمتع بالراحة فيه ... والأتعس لا يوجد كتاب واحد للقراءة فيها ... هل حقاً هذه الوضعية تليق بمكان مقدس وعزيز مثل لالش المقدس ؟

على ضوء هذه البنود التي ذكرتها على الجميع العمل الجاد والمثمر لإيجاد الحلول لتعزيز هذه العقيدة وكفاية إهمال وتقوقع وتعثر ، ولا تنفع المهاترات والسجال الحاد ، دعونا نعاتب عتاباً خفيفاَ أحياناً لأجل البناء ، ونرفض أن نكون موضع اتهام ونتحمل ذنوب الآخرين الذين لا يجيدون التطور والسلوك الصائب ... أن التاريخ يكتب أعمالنا وأفعالنا الصالحة وحتى الشائنة ، وإن المثقفين الجادين وحتى المتظاهرين بالثقافة عليهم عبئ كبير للوصول إلى شاطئ الأمان ، ونعيد ماضينا العريق ، وإن هذه العقيدة السامية ليست حكراً للأكراد الأيزيديين وإنما لجميع الذين ترعرعوا في أجوائها وحملوا رايتها قبل آلاف السنين ثم تخلوا عنها عنوةً لأسبابٍ قاهرة وخارجةٍ عن إرادتهم ... وعسى أن لا نكون متهمين في محكمة التاريخ القاسي والعادل ... أن هذه البنود ليست نهائية ، ولكن معرضة للنقاش والتحاور لكي تكون ورقة عمل صائبة لإعادة وشائج بناء وتمجيد هذه العقيدة السامية ، حتى نغرد من جديد للسلام والوئام والتآخي لبناء البشرية الموعودة ، لأن البشرية قد سئمت من المنافقين والمشعوذين والمتخلفين ...



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن