سلامة موسى وجانب أخر من حياته

باسنت موسى
basant_musa_m@yahoo.com

2007 / 12 / 21

سلامة موسى أسم كنت ألمحه من حين لأخر كمرجع مستشهد بمقولاته في بعض المقالات التي تتناول شئون مختلفة كالحديث عن الصحافة أو التمدن أو الحب وغير ذلك كثير، وكنت أسعد بتلك المقولات لأنني أجدها عميقة وتناسب أفكاري في كثير من الأحيان فقررت أن أبحث عن صاحب تلك المقولات من هو ؟ وماهو تراثه الفكري الذي تركه لنا ؟ بل أنني سألت أيضاً وكيف كانت ملامح هذا الرجل؟ لكنني بالنهاية لم أجد إجابات سوى ردود مقتضبة من أصحاب بعض المكتبات الذين كانوا ينظرون لسؤالي عن كتب لسلامة موسى بعين متعجبة قائلين " بابنتي سلامة موسى ده مات من الخمسينات كتب إيه اللي هتلقيها ليه خليكى في كتب الجيل بتاعنا دلوقت " وإلي هذا أنتهي بحثي عن سلامة موسى وبقيت فترة أريد حتى تجميع مقولاته إلي حين جمعتني الصدفة وحدها لانتظار إحدى قريباتي أمام سور قديم لبيع الكتب بمنطقة الزيتون وتأخرت هى على فوجدت أنه من باب قتل الوقت تصفح عناوين كتب السور إلي أن وجدت كتاب أصفر الغلاف شديد الاتساخ عنوانه " هؤلاء علموني " لسلامة موسى صعقتني الفرحة حقيقة وتمنيت ألا تأتي قريبتي لأبحث كما أريد في تلك الكتب ربما أجد المزيد لكنني لم أجد غيره عند هذا السور وبمزيد من البحث حصلت على أغلب إنتاج سلامة موسى الفكري في مخزن إحدى كبري المكتبات .
عندما بدأت قراءة " هؤلاء علموني" شعرت بأن مجتمعاتنا تستحق عن جدارة الجمود الذي تحياه والتخلف الذي تعيشه لأنها تنكر حق عظماءها من التكريم والاهتمام بل تسمح للسوقه والرعاع من نجوم الحاضر في الإساءة والتشويه لهؤلاء العظماء وانظروا لعدد المواقع التي تتناول حياة سلامة موسى وفكره بالتهكم والشتيمة والاتهام بالنصرانية والكفر.......لذلك كله سنتعمق سوياً على مدار ثلاث حلقات مقاليه في حياة سلامة موسى الكاتب والإنسان و أوعدكم أعزائي القراء أنه من خلال باب " قرأنا لك " سأقدم لكم عروض لكتب سلامة موسى وبذلك نكون حققنا لكم معرفة جيدة بهذا الرجل الذي يستحق أن نعرفه جيداً ليصنع بداخلنا التغيير الإيجابي الراقي الذي يحارب التخلف والجمود .

" النشأة والأسرة وبداية التكوين الفكري "

ولد سلامة موسى بكفر سليمان العفي بجوار مدينة الزقازيق في 4 يناير عام 1887 وكان والده يعمل بوظيفة كبيرة في رئاسة تحريرات الشرقية، وعندما توفي والده عام 1889 أي بعد عامين فقط من ولادة سلامة كان قد ترك لأبنائه حوالي مائة فدان من أخصب الأراضي وكان نصيب سلامة منها حوالي 25 فداناً كما كان لوالده الراحل رواتب متأخرة عند الحكومة توازي مرتب عامين .

هيلانة وكاترينة واسكندره ورومه أسماء شقيقات سلامة موسى وجميعهن كن يكبرنه بسنوات كثيرة لذلك هو لا يتذكر إلا زفاف اسكندره أما شقيقته رومه فهي التي كان يتذكرها جيداً لأنها كانت لا تكبره بسنوات كثيرة كما هو الحال مع باقي شقيقاتها وحكي عنها سلامة كثيراً بحنو بالغ كيف نشأ إلي جوارها حيث كانت ترافقه في لعبه وتصاحبه في ذهابه وعودته من المدرسة ، كما كان له شقيق يكبره بأربعة أعوام يدعى وهبة.

كان سلامة أخر مواليد أسرته وخافت عليه والدته جداً بعد وفاة والده وبطبيعة نساء ذلك العصر في التعبير عن الخوف قامت بإلباس سلامة ملابس الفتيات وحملته بالتعاويذ وخرمت أذنيه اتقاء للحسد لكن هذا لم يحميه من الإصابة بمرض طويل في حوالي عام 1892 واستمر مرضه عام كامل يذكر سلامة فيه انه خلال هذا العام من المرض أستقبل الكثير من القساوسة الذين كانوا يتلون له الصلوات والتراتيل ليشفى لكنهم في ذات الوقت لم يمنعوه من تناول الأدوية، وذلك المرض الطويل زاد من تعلق والده سلامة بابنها أكثر وزاد مع هذا التعلق التدليل كما أنها أبقته بجانبها في المنزل فنشأ محباً للوحدة وتلك الوحدة دفعت الكثير من الأفراد للإبداع وسلامة موسى كان ممن استفادوا من وحدتهم بشكل جيد.

عندما شفي سلامة من مرضه ألتحق بكتاب إسلامي ثم أخر مسيحي ولكنه لم يستفد من كليمها ولم يتعلم القراءة أو الكتابة بل تعلم كما يقول بعض الآيات والصلوات فقط لذلك في عام 1898 ألتحق بمدرسة الجمعية الخيرية القبطية بالزقازيق وبدأ تعليمه وكان وقتها يرتدي التلاميذ الجلاليب ولكن عندما زارهم الخديوي في المدرسة أمرهم أن يرتدوا البذل الإفرنجية ومن ذلك الوقت تعلم سلامة ارتداء الملابس الإفرنجية ، ثم نال سلامة الابتدائية عام 1903 وكان وقتها لا يتجاوز عدد الناجحين في كل القطر المصري من الطلاب سوى 300 أو 400 طالب وانتقل للقاهرة والتحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية وكان يدير تلك المدرسة الإنجليز وهم معروفين بنظامهم الصارم العسكري ويوقعون عقوبات بدنية قاسية على من يرتكب ما يرونه إخلال بالنظام وبالطبع هذا النظام العسكري لم يتكيف معه سلامة مطلقاً خاصة وأنه عاش طفولة مليئة بالرعاية الخاصة جداً والاهتمام المبالغ فيه وسرعان ما تشاجر مع أحد المدرسين الإنجليز بالمدرسة وانتهى الأمر بانتقاله من المدرسة التوفيقية للمدرسة الخديوية ، وفي حوالي عام 1906 تأخر في دراسته شهوراً لإصابته بمرض في عينيه أحتاج بسببه لعمليتين جراحيتين متواليتين تركت أثارهم على جفونه عينيه بقيه حياته .

بعد أن أنتهي سلامة من دراسته الثانوية بالمدرسة الخديوية لم يفكر في الالتحاق بمعهد عال أو وظيفة حكومية وذلك لأن إيراده من أرضه الزراعية التي ورثها عن والده كان يجاوز 25 أو 30 جنيهاً في الشهر والوظيفة الحكومية حتى بعد التخرج من المعهد العالي لن تضمن له أكثر من ثماني أو تسع جنيهات " الجامعات الأهلية لم تكن فتحت بعد ولم يكن هناك إلي جانب المعاهد العالية سوى الأزهر " لذلك سأفر سلامة لأوربا وتحديداً فرنسا،ويقول المستشرق الأمريكي فيرنون أيجر في دراسة له عن سلامة " أن كراهية سلامة للإنجليز هى التي جعلته يذهب إلي باريس بدلاً من لندن وقد سافر إليها سلامة بالباخرة عن طريق استنبول وفي ذهنه أن يتعلم الحضارة الأوربية واللغة الفرنسية واستنبول كرهها سلامة عند زيارته لها كراهاً شديداً كما كره المغرب عندما زاره بعد ذلك بثلاث أعوام فقد أحس فيها بشرقية بغيضة إلي نفسه ومن أكثر ما لصق في ذهنه منهما جلوس الوطنيين كسالى للتدخين وتشبع الجو من حولهم بالدخان الخانق" وقد كان السفر في تلك الأيام دون جواز سفر أو تعقيدات جمركية أو مالية وما إلي ذلك من مشكلات .

أقام سلامة في فرنسا بقرية قريبة من باريس هى موليرى في ضيافة إحدى العائلات الفرنسية وهذا ساعده كثيراً في إتقان اللغة الفرنسية وكانت تصله جريدة اللواء هناك بفرنسا فساعده ذلك على معرفة أحوال بلاده مصر ، تركزت اهتمامات سلامة في فرنسا وأنفتح ذهنه عن طريق الكتب والصحف والمسرح على ثقافة فرنسا الحافلة وتعرف على درامات إبسن وشاهد ملكة المسارح الإنجليزية والفرنسية في ذلك الوقت " سارة برنار" وقرأ عن الاشتراكية وتابع الأحزاب لكن الحياة الاجتماعية سحرته فلم يكن كما كتب سلامة موسى قد ألتقي حتى هذا الوقت بفتاة من خارج عائلته فإذا به أمام الفتاة الفرنسية : سافرة وعاملة وزميلة وأنيسة وأكتشف أن مطاعم وقهاوي وبارات فرنسا ليست أمكنة للطعام والشراب فقط وإنما هى أندية سياسية وثقافية واجتماعية كاملة .
ويقول د/ رءوف سلامة موسى انه أثناء زيارته لباريس كتب لوالده قائلاً: أن باريس لا تعجبني وأنها تخنقني وأن للفرنسيين عنفاً وفيهم ضوضائية وفي حركة المدينة صخب ورتم قاتلين ومتعبين للأعصاب وأنهم أقرب لشعوب البحر الأبيض المتوسط منهم إلي شعوب شمال أوربا . فكتب له سلامة موسى قائلاً : لماذا تذم باريس ؟ أنها عاصمة الدنيا هل رأيت الديناصور بهيكله الكامل في متحف التاريخ الطبيعي ؟ لقد رأيته هناك وأنا أشكر باريس على ذلك ... وهذا بالطبع يدل على كم حب وتأثر سلامة بفرنسا فهي مرآته الأولي على الحضارة الأوربية
ولم يستقر سلامة في أوربا فترات طويلة حيث كانت هناك خلافات بينه وبين شقيقة وهبة الذي كان يماطل كثيراً في إرسال الأموال التي يجنيها من رعاية أرض سلامة وتطور هذا الخلاف حتى تحول لقطيعة دائمة بين الاثنين طوال حياتهم .

وكان في نية سلامة أن يزور ألمانيا ويدرس لغتها ثم يزور انجلترا وبقية القارة الأوربية بعد ذلك لكنه بدلاً من ذلك ذهب إلي لندن وأستقر بها خمسة أعوام وألتحق بكلية لنكو لنزان للعمل كمحام لكنه تركها لدراسة الاقتصاد ولم يكمل أيضاً لوجود عدة اهتمامات أخري بحياته حتى انتهى لوجوب " احتراف الثقافة" بنية مكافحة المستعمر الموجود ببلاده والرجعيين في الشرق وكان دائما يقول " ماهو دوري من هم أصدقائي ؟ ومن هم أعدائي؟ أن همي هو أن أعرف وأن أفهم وأن أكافح الإنجليز حتى يجلو عن بلادنا وأيضاً أن أكافح تاريخنا أكافح هذا الشرق المتعفن الذي تتغلل فيه ديدان التقاليد" .

وألتقي سلامة في إحدى المدن الصغيرة على الشاطىء الشرقي لانجلترا بفتاة أيرلندية شقراء في مثل سنه يقول أو أكبر قليلاً تعمل بالتدريس وتسمى إليزابيث وكانت تستنكر سلوك بلادها الاستعماري تجاه مصر مشاركة في كل الاجتماعات السياسية التي تنظم لفضح هذا السلوك وتحابت تلك الفتاة مع سلامة لكن كما يقول سلامة في كتابه " تربية سلامة موسى " أن طبيعته الشرقية أبت أن تطاوعه ليبلغ بهذا الحب ذروته فاضطر هو وإليزابيث أن ينفصلا وفي نفس كل منهما للأخر لوعة كما يقولون . وبعد وفاة والدة سلامة موسى عام 1916 بين ذراعيه في منزل الأسرة بالزقازيق بدأ يبحث سلامة عن زوجه لأن مشروع زواجه كان أحد أمنيات والدته .

وفي زيارة له مع احد أصدقاءه لأسرة قبطية متوسطة الحال بحي الظاهر أعجب خلال تلك الزيارة بشابة صغيرة جميلة تدعى " أميلي " ولقبها أهلها منذ أن كانت صغيرة ببولا حدثته بالفرنسية ولعبت أمامه على البيانو وكانت أميلي تدرس بمدرسة فرنسية للراهبات بحي سكنها " علم سلامة زوجته العربية على يد مدرس خاص في البداية لتشاركه ثقافته وتفهم كتاباته " وأحبها منذ أول لقاء وتزوجها في يوليو عام 1923 وسكنت معه بشقة فاخرة بعمارة كبيرة في أول شارع الجلاء ثم أنجبا أربع بنات متتاليات هن ليلي وسعاد وهدى وسميحة ثم رءوف ونبيل وخوفو وسميرة وكان يقول سلامة كثيراً مازحاً أن أبناءه الثلاثة الأخيرين قد جاءوا عن غير قصد.

" طقوس في الكتابة والحياة "

كان سلامة موسى يتمنى أن يحيا مائة عام ويموت وعلى صدره كتاب مثلما فعل الجاحظ ، وكانت حياته غير مترفة فهو لا يقبل إلا على كل ماهو ضروري وواجب فمثلاً يأكل ما يفيده ولا يضيع وقته في سخف القول أو الحديث لمجرد التسلية ومليء الفراغ .
كان سلامة يستيقظ قبل السادسة صباحاً فيغادر سريره ملتحفاً روبه الصوفي ويتوجه إلي غرفة مكتبه وتكون زوجته قد أعدت له الشاي ثم تتركه لكتابة مقالة أو مقالاته اليومية وتلك الساعات الصباحية من أثمن الساعات لديه حيث يمكنه كتابه عشرة أو عشرين صفحة متوالية بحركات سريعة من قلمه الأحمر دون توقف أو كشط أو تغيير مستعيناً بما يدونه من نقاط عند القراءة وفي حوالي السابعة يطلع سلامة على أهم جرائد اليوم قارئاً ما نشر له وأهم الأخبار الداخلية والخارجية ثم يسلم الجرائد لزوجته ولا يعود لها ثانية وفي حوالي العاشرة يخرج من مكتبه وقد انتهى من عمله اليومي في كتابة المقالات والخطابات ويجلس على المائدة الكبيرة بغرفة الطعام للإفطار وكان يفطر مالا يزيد عن حزمتين من البقدونس وحوالي رطل من الطماطم الحمراء ثم يذهب للحلاقة والاغتسال متوجهاً إلي عمله وعندما يعود يجلس لغذاء بسيط من اللحم والعظام المسلوقة فيعمل في الأخيرة أسنان قوية " والتي كان يفخر أنه لم يفقد منها سوى واحدة في حادثة " مع بعض الخضروات ولأبأس من حزمة بقدونس أخرى وبعض ثمار الطماطم ولكن لأخبز ولامكرونة إلا على وجه الاستثناء ثم يقضي بقية النهار يجلس مستلقياً للقراءة أو يكتب بعض الخطابات ولكنه يؤجل كل عمل جاد لفجر اليوم التالي وفي حوالي الثامنة مساءاً كان يتناول سلامة عشاءه ولم يكن يزيد في الغالب على قطعة لحم أو البسطرمة وأخري من الجبن ومعها جرعته اليومية من الزبيب أو الكونياك ثم يهب لفراشه لينام نوماً عميقاً حتى الفجر .
وكان سلامة يكثر من تناول الفيتامينات بكل أنواعها كما انه كان يتكاسل يوم الجمعة من كل أسبوع ولا يتقيد بروتينه القاسي ولا يخرج من المنزل على الإطلاق منتهزاً الفرصة لأخذ ملين فوار لتنظيف معدته كما كان يعتقد .
سلامة موسى كان إستغنائياً إن صح التعبير لا يحب السكر أو الملح أو التوابل ويكره أن يصفف شعره أو أن تكون له ملابس أنيقة أو ربطة عنق مبهرجة أو حذاء جديد وكان يفرح كالطفل عندما يصدر له كتاب جديد أو طبعة جديدة من كتاب قديم وما يسعده هو اقتناء كتاب أجنبي ثمين وما كان يشقيه هو أن يفسد عليه أي فرد خلوته الصباحية المخصصة للكتابة أو أن تدخن أمام وجهه حيث كان يشعر بالغثيان .
" زملاء وأصدقاء وأساتذة "

في كتاب " هؤلاء علموني " أشار سلامة موسى لعدد من المفكرين الذين أثروا عقله ودفعوا بحياته لمنحى جديد من الرقي، أما أسلوبه الكتابي في بداية حياته فقد تأثر بكاتبات يعقوب صروف وشبلي شميل وفرح أنطون وأحمد لطفي السيد والأخير جعل سلامة موسى كما قال وطنياً رغم كونه قبطياً .

ولد يعقوب صروف في قرية صغيرة قرب بيروت ودرس وتخرج من الجامعة الأمريكية ببيروت وعمل مدرساً في بداية حياته ثم عاد مرة أخري للجامعة الأمريكية ودرس الفلسفة الطبيعية " العلوم الرياضية والفيزياء" وساعدته تلك الدراسة على العقلانية وبعد ذلك أسس مع فارس نمر جريدة "المقتطف " ولطالما ذكر سلامة موسى أن تأثير يعقوب صروف والمقتطف عليه أنحصر في الأسلوب العلمي واللغوي وكان سلامة يحب أن يتولى رئاسة تحرير المقتطف بعد وفاة يعقوب صروف ولكن هذا لم يحدث فكان يشعر بالأسف في كل مرة يقع فيها الاختيار على غيره.
أما شبلي شميل فقد ولد قرب بيروت وهو مثل فرح أنطون من الروم الأرثوذكس،درس شبلي في دار المعلمين ببيروت ثم بالجامعة الأمريكية وعمل طبيباً بعد ذلك في بيروت ثم القاهرة وكان في أثناء عمله الطبي هذا يراسل الصحف وعرف شبلي سلامة موسى منذ حوالي عام 1912 وكان شبلي يكبر سلامة بحوالي أربعين عام لكن مع فارق العمر هذا ألا أنهما كانا يتناقشان معاً في مختلف نواحي الثقافة والاجتماع ويتصاحبان في زيارة صالون مي زيادة كما ساهم شميل في عام 1914 في مجلة سلامة الأولي " المستقبل " وكان يكتب في كل عدد مقالاً أو أكثر. ويقول سلامة عن شبلي شميل " كان رجلاً كبير الذكاء محدود المعارف ، كان يعتمد على الحجة المنطقية أكثر مما يعتمد على البينة العلمية وكان من حيث المزاج والتفكير بل المعيشة أوربياً وكان يحمل على عادات الشرق وتقاليده وكان متديناً شديد التدين بالديانة البشرية" وقد توفي شبلي شميل بالقاهرة فجأة في يناير 1917 وقد كان سلامة غائباً عنها.
فرح أنطون كان هو النافذة التي أطل منها سلامة وهو لم يتعد العشرينات من عمره على الآداب الأوربية والمذاهب الفكرية الموجودة هناك وأنطون ولد في لبنان أيضاً ووالده كان تاجر أخشاب ثري وتلقى فرح تعليمه الأولي عام 1885 من خلال إرساليات كنتين حيث أجاد اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب العربية وبعد تخرجه راسل جريدة الأهرام المصرية وجريدة أخري فرنسية وكان فرح ينادي بفصل الدين عن الدولة حتى تتحقق المساواة والحرية ويتكون العلم والفلسفة مما عرضه للدخول في كثير من المعارك مع بعض الشيوخ .
أما أحمد لطفي السيد فقد ولد في برقين عام 1872 وتخرج من مدرسة الحقوق ثم عمل في النيابة قبل أن يتفرغ للمحاماة ويقول سلامة موسى في خواطر لكتاب كان يعده عن بناة القومية المصرية" أن هذه الدعوى للاستقلال التام والكامل لم تكن قد ظهرت قبل ذلك في مصر لأن دعوة العرابيين كانت تهدف للمساواة بالأتراك والجراكسة خصوصاً في مناصب الجيش ودعوة مصطفي كامل لم تهدف قط إلى استقلال مصر التام والكامل حتى في بدايتها " وذلك لأن دعوة مصطفى كامل كانت للقومية الإسلامية ، واستمرت صلة سلامة بلطفي السيد قوية وحميمة خلال سنوات عمرهما وكان لطفي السيد يتردد على منزل سلامة في بعض الأحيان أما سلامة فكان يتردد على منزله كثيراً متبادلين الأحاديث بلطف ومحبة كبيرة ومن الأشياء التي تدل على عمق العلاقة أن لطفي السيد حضر حفلات زواج جميع بنات سلامة في أربعينات القرن الماضي كما أنه عندما بطش إسماعيل صدقي بسلامة في 1946 كان لطفي السيد من المحتجين عليه والملحين في المطالبة بالإفراج عنه.

" سلامة موسى أب حنون لا بناءه "

سلامة موسى انهمك طوال حياته في مشاغل بعيدة عن منزله فرفيقه المفضل هو الكتاب لذلك وقعت على زوجته أعباء كثيرة لم تكن مهيأة لها بحكم كونها امرأة ذات ثقافة فرنسية لم تعتاد تشعب كل تلك الأعباء كالإشراف على الأبناء وتربيتهم وجمع إيرادات الأرض الزراعية وما إلى ذلك.... لكن مع أطفاله فكان سلامة يفضل تركهم أحراراً من دون أن يفرض نصائحه عليهم لكنه كان دائماً ما ينصحهم بقراءة الكتب وترك صحافة "القيل والقال " كما كان يسميها ويخصص في سبيل القراءة الجوائز المالية للأبناء إذا قام أحدهم بتلخيص كتاب ينتقوه .
كان سلامة يعقد بين حين وأخر ماكان يطلق عليه " مجلس الأسرة " لبحث وإقرار الأمور الخاصة بالأسرة وينفذ بالنهاية رأي الأغلبية وعلمهم من خلال هذا المجلس أن يصبح كل فرد بالأسرة أكثر مسؤولية من خلال أن يضع ذاته موضع المسئول بدلاً من موضع المطالب .
ويقول د / رءوف سلامة موسى أنه من ذكريات طفولته مع والده أنه كان يخشى الظلام ويتهيب الإنفراد بنفسه في غرفة مضاءة أو مظلمة ولكن والده ساعده على التخلص من هذا الخوف من خلال تدريب بسيط حيث كان يطلب منه أن يكرر عشر أو عشرين مرة : أنا لا أخشى الظلام ولا أتهيب الإنفراد بنفسي. ثم يجعله يدخل وحدة إحدى الحجرات المظلمة ويضع سلامة موسى إصبعه على مفتاح الكهرباء جوار الباب وإذا خاف رءوف من شيء يدير فوراً سلامة مفتاح الكهرباء وإذا بقي في الحجرة دون خوف مدة خمس دقائق يأخذ مكافأة قرش صاغ وعندما تكررت هذه التجربة راح الخوف من رءوف للأبد وتلك طريقة جيدة جداً لمساعدة أبناءنا على تخطى مخاوفهم بطريقة تربوية مما نراه نحن أنه لا يستحق الخوف.

بينما كان يدرس رءوف في إنجلترا كان يتواصل مع والده من خلال الخطابات التي سننشر منها البعض هنا :-

** عزيزي رءوف سلام لك وهناء
تعلم التمدن تعلم الحب تعلم الشرف عين أسلوبك وقصدك في الحياة .

** عندما تصل إلى انجلترا وتستقر وتأخذ نفسك أشتر لي هذه الكتب التالية ..... وأرسلها مطبوعات لي لأني أريد أن تتعلم كما تتعلم أنت ونبيل .

** وجدت تحت سريرك مخزوناً من الأحذية الحسنى يكفيني إلى يوم وفاتي وأنا أمرح فيها كل يوم في لون جديد . ماكان أعجبك يا رءوف تشتري كل هذه الأحذية ولا تبالي فلوس أبيك تندلق منه بلا حساب.

** هل تعرف يا رءوف أنه مضى على سنة لم أدع فيها إلى إلقاء حديث بالراديو مع أن العقاد يدعى وفي هذا المساء سيلقي حديثاً وأني أتعجب من الأغراض والأهواء . كان العقاد يصف فاروق بأنه " فيلسوف " في الوقت الذي كنت أنا أحبس فيه.

** كم كتاباً تقرأ في الأسبوع وهل أصبحت القراءة عادتك أم لا تزال كسولاً ليس لذهنك عضلات ؟

** كان غضب الشعب على الإخوان المسلمين عظيماً جداً لمحاولة واحد منهم الاعتداء بالقتل على جمال عبد الناصر وظني أن الحكومة ستلغي جمعيتهم وهذا حسن لأن الحركات الدينية لايمكن أن تنهض إلا على التعصب والبغضاء، والقرن العشرين هو عصر الحقائق لا العقائد.

** لا تنس رفقة البنات والإئتناس بحديثهن والتنزه معهن كلما سنحت الفرصة وإذا لم تسنح فأوجدها ولكن أجعل خطتك معهن الشرف ولا أقصد الشرف العرفي وإنما الشرف الإنساني .

** الإخوان المسلمين يلقون جزاء ما ارتكبت أيديهم وهم يبعثون إلى بخطابات التهديد بالقتل لأني "كافر وابن كافر " وبالطبع أهملها ولكن الخطاب الأخير جاءني من الزقازيق وكانت وقاحته بالغة فأرسلته إلى النيابة.

** رءوف قرأت خطابك ولم يقرأه أحد غيري هذه الخيالات والاسترسال في الخواطر الجنسية اللذيذة لا تدل على أي مرض أو ضعف بتاتاً وثق أنها ستلازمك لسن الخمسين والستين كما لازمت أباك ولا حزر منها وهى نتيجة الفراغ ويجب ألا تهمل الاتصال الجنسي إذ هو الوسيلة الطبيعية السليمة للتفريغ ومن وقت لأخر أحضر حفلات الرقص واشترك فيها.

** أهنئك ألف تهنئة على زواجك لتكن لكما السعادة والعمر والطويل والأنجال النجباء وليكن هذا الزواج كله خيراً ورفاء ووفاقاً ، لقد اخترت عروسك بنفسك فأنت مسئول عن سعادتها كما هى مسئولة عن سعادتك ولكن مسئوليتك أكبر فأعقد النية الصارمة على أن تكون أميناً لها خادماً لمصالحها وشرفها ورفاهيتها .

ذلك جزء بسيط من الخطابات المتبادلة بين سلامة موسى وولده رءوف وتدل على مجموعة من الأشياء منها أنه أب يتفهم جيداً طبيعة المرحلة العمرية لأبنه الشاب وما تشمله تلك المرحلة من تحديات،كما انه أب يدعم بشدة حق ابنه في اختيار نمط حياته وشريكة دربه دون العودة لوالدة وهذا يعطى الولد إحساس بالحرية والمسئولية معاً
" عودة من أوربا ....وبداية لتاريخ صحفي لا ينسى "

عاد سلامة موسى إلى القاهرة في نهاية عام 1913 ولم يعود إليها مرة أخرى حتى عام 1951 وذلك لأسباب مادية حيث بدأ الخلاف بين موسى وأخوه وهبة وبدأ الأخير يتلاعب بميراث أخيه ولا يرسل له الأموال الكافية للحياة في أوربا، وفور عودته للقاهرة أستأجر موسى حجرة مفروشة في أحد الفنادق بشارع الفجالة وأستمر في تلك الحجرة حتى تزوج عام 1923 .
بدأ سلامة موسى حياته العملية بالترجمة حيث ترجم رواية " الجريمة والعقاب " لدستوفسكي ونشرها على أجزاء ثم نشر كتيبه عن " الاشتراكية " وهذا الكتاب جمع النقاد على كونه أول كتاب باللغة العربية يختص بهذا الموضوع ويسمى بهذا الاسم، واشتراكية سلامة موسى حيرت النقاد والقراء وبالتالي فتقييماتها أما أقصى اليسار أو اليمين.
يوم الخميس 7 مايو عام 1914 أصدر سلامة موسى العدد الأول من مجلة " المستقبل" وكانت أول مجلة علمية أدبية أسبوعية تعرفها القاهرة وكانت على غرار المجلات الإنجليزية الفكرية التي اشتهرت بها إنجلترا، ففي صفحتها الأولى فهرس بموضوعاتها وفي كل عدد أبواب ثابتة وفي العدد الأول من المستقبل كتب سلامة افتتاحيتها قائلاً " أن الغاية من إصدار المستقبل هو التعرف على المعارف العلمية والثقافية التي يهتم بها الأوربيون والتي نحتاجها نحن كي نأخذ عنهم التفكير العصري والموضوعي. وطرح التقليد الأعمى للقدماء في المسائل الثقافية والتخلص من المأزق الذي وضعنا فيه أسلافنا، كي ننظر في تفكيرنا وكتاباتنا إلي المستقبل".
لكن الرقابة الإنجليزية التي فرضت على مصر عند قيام الحرب العالمية الأولى طلبت من الرقيب المصري إيقاف نشر وصدور المستقبل ويقول سلامة أنه عندما وجد نية الرقابة واضحة في تعطيل المستقبل فضل أن تعطلها على أن يوقف هو بذاته إصدارا وبالفعل صدر قرار تعطيل المستقبل في منتصف أغسطس عام 1914 بعد أن كان صدر منها 16 عدد فقط ، وقتها أرسلت مي زيادة لسلامة دعوة للعمل معها في جريدة والدها إلياس زيادة " المحروسة " وبالفعل قبل سلامة وعمل معها عدة أسابيع لكن تعنت الرقابة على الصحف معه جعله لا ينسحب فقط من العمل الصحفي بل من القاهرة كلها حيث ذهب لمدينته الزقازيق متسلحاً بعدد كبير من الكتب والمجلات وعاد من هناك بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقد فادته تلك الأجازة الفكرية جداً حيث ازدادت رؤياه وضوحاً وفكره نضوجاً وتعبيره توفيقاً وأسلوبه امتيازاً. كما أن عودته الثانية للقاهرة كانت تعني نقطة تحول جديدة بحياته حيث بدأ في تكوين الحزب الاشتراكي المصري وأكمل دراسة الفنون والمصرولوجيا والسيكلوجيا وفوق كل هذا تكونت اهتمامات وإرهاصات سلامة موسى التي أخلص لها طوال حياته.
وقد وجد سلامة في القاهرة أن جو رجي زيدان محرر الهلال قد توفى في صيف 1914 وأن ابناه أميل وشكري زيدان قد قطعا دراستهما في بيروت لاحتلال موقع أبيهم لكنهم لم يكونا على مستوى عال من الثقافة والشخصية لذلك عهدا لسلامة موسى بتوجيه الهلال تحريرياً وظهر بالفعل تأثير سلامة حيث بدأت الهلال تتخذ منحى جديد بالاهتمام بموضوعات الاشتراكية والتطور بدلاً من الوجهة الأدبية والتاريخية التي عهدتها في حياة جورجي زيدان، وظل سلامة محرراً بجريدتي البلاغ والهلال وكانت دعوته الأخذ بالعلوم العصرية وهذا تؤكده إسهاماته التحريرية في تلك المجلات وكتبه التي ألفها في ذلك الوقت.
وفي أواخر 1930 أخرج سلامة مجلتين أحدهما شهرية وهى " المجلة الجديدة " والأخرى أسبوعية وهى " المصري" ليحارب من خلالهما المستبدون والمستعمرون بالإضافة للرجعيون الذين لا يأخذون بالآراء العصرية فيما يخص المرأة وحريتها ومقاومة الغيبيات وبالطبع كل تلك المهام لم يؤدها بشكل سهل بل تعرض للكثير من الصعاب والهجمات منها أن شيخ الأزهر عام 1930 كتب لوزارة المعارف يحذرها من خطر سلامة موسى ومجلاته الصحفية وخاصة مجلة " المجلة الجديدة " التي كان سلامة يصدرها بالتعاون مع تلك الوزارة وبالفعل استسلمت الوزارة لنصيحة شيخ الأزهر بجهل وجبن كما يقول سلامة.
ويقيم سلامة موسى تاريخه الصحفي قائلاً" كان في مستطاعي أن أجعل مجلاتي متفرجة محايدة تنشر الخبر والصورة والمقال والقصة وتقرأ للتسلية والترويج على المقهى أو في القطار يتصفحها القاريء فلا يجد ما يبعث فيه حزناً أو غضباً أو حافزاً على عمل أو جهد أو باعث على اتجاه وتسديد إلى هدف وعندئذ كان يكون النجاح العرفي نجاح المال والاقتناء . لكن الصحافة رسالة وهى كفاح وقد كافحت من أجل الدستور وكافحت بالعمل الإيجابي الصالح الباقي، وهو الدعوة إلى التجارة والصناعة المصريتين وكافحت الرجعيون الذين يكرهون العلم ويحتقرون المرأة ويسبون الشباب ، واعتقادي أنني نجحت في كل ذلك وإن كانت مجلاتي قد ماتت ، كان نجاحي صحفياً لكنني فشلت مالياً".
كما قام بإنشاء جمعية تحت أسم " المصري للمصري " وكانت الجمعة تشترط على أعضائها عدم شراء المنتج الأجنبي مادام هناك ما يقابله من سلع مصرية وبالفعل حققت الجمعية نجاح واستطاعت أن تجعل بنك مصر ينشئي " محل بيع المصنوعات المصرية" ليحتل مكانه في شارع 26 يوليو الذي كان يعج بالمتاجر الأجنبية.

" سلامة موسى وعهد عبد الناصر"

عندما قامت ثورة يوليو 1952 وجد سلامة موسى فيها ما كان يحلم به لذلك تلقفها بالتهليل والترحيب حتى أن غالي شكري كتب يقول " إن سلامة هو الكاتب الوحيد من بين أبناء جيله الذي تجاوب مع ثورة يوليو وحاول تعميق مسارها ودفعها إلى الأمام " - حتى أنه وزع زجاجتي شربات على أبناء حيه في ذلك اليوم – وظن سلامة أن الثورة ستقابل ترحيبه بترحيب مماثل وستعترف بريادته لكن وجد أن عبد الناصر استبد وحده بتلك الثورة ولم يسمح لرأي أو فكر أخر في الارتفاع بجواره، كما أن مجلس قيادة الثورة تألف من 13 عضواً جمعيهم من المسلمين محدودي الثقافة الذين لا يعرفون فكراً أو لغة أجنبية ولم يختبروا الحضارة الأوربية عن قرب حضارة أوربا وحتى عندما أختار عبد الناصر أعضاء وزارته الأولى لم يختار وزير قبطي واحد بل أختار من هم كانوا إخواني الفكر هذا بالإضافة إلى أن سبعة من قيادي الثورة كانوا ممن انضموا في وقت من أوقات حياتهم لجماعة الأخوان المسلمين، ويذكر أنه عندما تولى محمد نجيب رئاسة مصر عام 1952 ذهب لقبر حسن البنا وبكى فوقه ....كل تلك الأمور بدأت تقلق سلامة موسى من الثورة وأهدافها المكتوبة والمطبقة على أرض الواقع.
وقد أمتد تجاهل الثورة لسلامة حتى بعد وفاته عام 1958 فلم يحصل على أي نوع من أنواع التكريم وسلامة لم يكن له معاش أو مكأفاة وكل ما حصلت عليه أرملته بعد وفاته هو معاش نقابة الصحفيين وكان أربعة جنيهات زيدت بعد ذلك إلى اثني عشر جنيهاً، وقد نصح أرملة سلامة موسى وقتها البعض بأن تتقدم بطلب معاش استثنائي خاصة وأن المعاشات الاستثنائية تقرر سنوياً للألوف وتقدمت بالفعل بطلب لعبد الناصر وزار أبناءها محمد حسنين هيكل ووعدهم بفعل شيء لكنه لم يفعل فذهبوا لوزير الثقافة في ذلك الوقت ثروت عكاشة ولم يكن رد فعله أفضل من هيكل حيث وعد ولم ينفذ شيء مما وعد ، كما زار الأستاذ حليم متري صديق سلامة منزل طه حسين طالباً منه الدعم فقال له د طه " لقد هاجمني سلامة كثيراً " فرد عليه متري مذكراً إياه بأن سلامة وقف بجانبه منذ أن كان شيخاً معمماً وحتى عندما هاجمه هو لم يرغب في مهاجمه شخصه بل فكره وهذا وارد وسلامة أنتقد أفكار كثيرين فتمتم د طه قائلاً له " وهاهو يدفع الثمن".
ونهاية المطاف اعتمدت أسرة سلامة على بعض الموظفين الصغار في وزارة الثقافة ونجحوا في تقرير معاش استثنائي لوالدتهم قدره ثلاثون جنيهاً شهرياً واستمر حتى وفاتها عام 1969. لكن يبقى السؤال ألا يستحق سلامة موسى التكريم داخل وطنه ؟؟ ألا تستحق أسرته الرعاية المحترمة بعد وفاته؟؟ يبدو أن المبدع الحقيقي والرائد التنويري لا يلقى أي اهتمام في مجتمعات تمجيد الظلام والإعلاء من صوت التخلف على أي صوت أخر.

" أخبار اليوم وسرقة إبداع سلامة وإهمال متعمد"
بعد الثورة عمل سلامة موسى بجريدة أخبار اليوم وحقق نجاح ليس بقليل على مستوى القراء وأصحاب السلطة في بعض الأحيان مما زعزع علاقة التوازن بين سلامة وصاحبي أخبار اليوم وهو لم يكن راضياً على الكثير من تصرفات أصحابها حتى أنه كان يسلم مقالاته للرقيب الحكومي .
كتب إسماعيل يونس عن يومياته في أخبار اليوم قائلاً" عندما دخلت بلاط صاحبة الجلالة أحبو سنة 1955 محررا في قسم القضايا والحوادث الذي كان يرأسه المرحوم أحمد لطفي حسونة اختاروا لي مكتباً صغيراً في نهاية صالة التحرير التي كانت تضم كل محرري الأخبار الجديدة الوليدة بعد أيام قليلة اكتشفت أن لي شريكاً في المكتب الصغير رجل يبدو عجوزاً طيب الملامح كان يأتي إلى الجريدة في السابعة صباحاً ويحتل المكتب حتى التاسعة صباحاً ثم أتسلمه أنا بعد ذلك ، والمكتب المشترك لا تغلق أدراجه القليلة ...كان الرجل ينجز ما يريده من مقالات في الساعتين الصباحيتين بينما نبدأ نحن المحررين تحت التمرين في الحضور بعد ذلك ... وكدت أصاب بالفزع عندما عرفت شخصية صديقي العجوز في المكتب كان الكاتب المفكر العظيم المثقف سلامة موسى ... كنت أسمع عن سلامة موسى واقرأ أحياناً بعض مقالاته أو كتبه التي أجدها مع أخوتي .... ولكن كله كوم وأن أكون شريكاً في المكتب لهذا الرجل العظيم كوم .. كان سلامة موسى الكبير يهدى من روع هذا المحرر الصبي الصغير وأصبحنا أصدقاء من أول لحظة فأنا أحضر نصف ساعة بدري وأجلس أمامه أتأمله حتى يفرغ من كتاباته ثم نتحدث معاً خمس أو عشر دقائق قبل أن ينصرف كان يحدثني ويضحك معي من قلبه ويتحمل أسئلتي الساذجة ... وسألته ذات مرة لماذا تقبل الجلوس إلى هذا المكتب المتواضع ؟ فيقول ضاحكاً ليس مهماً أين تجلس عندما تكتب لكن القيمة الحقيقية هى ما تكتبه للناس الحجم الحقيقي لمقعدك في أذهان الناس هنا ويشير إلى رأسه ...أصحاب الدار أتاحوا لي فرصة الاتصال بالناس ويضحك بينما أنا أمضي في داخلي مستنكراً ألا يكون لهذا الرجل العظيم غرفة فاخرة" ونحن بالتأكيد نحمل ذات الاستنكار الذي وضحه إسماعيل يونس في مذكراته!!
في بداية يوليو عام 1958 أحس سلامة بالآلام شديدة في بطنه توقف بسببها عن الطعام وتخبط الأطباء في تشخيص مرضه وتحديد وسائل العلاج حتى قرر طبيباه يوسف رياض وأنيس رزق الله أن ينقلاه للمستشفى القبطي للعلاج وفي هذه الأثناء تدهورت صحة سلامة موسى النفسية والجسدية وفقد الكثير من وزنه واعتلت وجه إمارات غريبة من القنوط والتشاؤم والاستسلام وهو الذي ظل معروفاً طوال عمره بالابتسام والتفاؤل والاقتحام وبعد ذلك فاجأته صباح 4 أغسطس جلطة جديدة بالقلب أنهت حياته.
في صباح 5 أغسطس 1958 نعت الصحف المصرية سلامة على صفحاتها الأولى وقالت جريدة الأخبار في نص خبرها مايلى " مات سلامة موسى أمس في المستشفي دخله منذ أيام لإجراء عملية جراحية تحسنت صحته أمس ،وكتب خطاباً لأخبار اليوم يطلب إرسال البوسطة ليستأنف نشاطه . في اللحظة التي كان يستعد فيها لمغادرة المستشفى فاجأه الموت ، كان الكاتب الكبير يعد كتاباً عن الصحافة رسالة وتوجيه" وأصدرت أخبار اليوم الكتاب بعد حملة إعلانية واسعة وقد لاقى الكتاب منذ صدوره لغطاً عاماً في مصر والدول العربية كما نال استنكار الأوساط السياسية والأدبية وأنكر البعض صراحة أن يكون سلامة قد كتب الكتاب وحقيقة الأسرة تساهلت مع أخبار اليوم فيما يخص هذا الكتاب خاصة وأن سلامة كان يكتب بمنزله ولم يكن له مكتب خاص بأخبار اليوم ليحتفظ بداخله بأوراق لكتاب !! لذلك طالب الدكتور أمين عازر زوج إحدى بنات سلامة ومعه دكتور رءوف سلامة موسى مقابلة مصطفى وعلى أمين بدار أخبار اليوم وبدأت المقابلة لعلى أمين بمنتهى الكياسة واللطف وذكروه من خلال اللقاء أنهم لم يروا أصل الكتاب الذي طبعته أخبار اليوم تحت أسم سلامة موسى ويريدوا أن يروا الأصل ليكونوا شهداء لي نسب الكتاب لموسى وهنا وكما يقول رءوف صرخ على أمين في وجه ووجه زوج شقيقته قائلاً: لن أطلعكم على شيء لا يقول هذا إلا الشيوعيون أتظنون أننا دكان في حارة افعلوا مابدا لكم ... وبالطبع الأمر لا يحتاج لتعليقي فعلى أمين طبق المثل المصري الشهير " خدوهم بالصوت ليغلبكوا" .
وفي عام 1963 أصدر أبناء سلامة موسى كتاب والدهم الحقيقي " الصحافة حرفة ورسالة " ومن يمتلك النسختين يعلم جيداً أن الكتاب الأول الذي أصدرته أخبار اليوم ونسبته لسلامة موسى ماهو إلا مجموعة من المذكرات الشخصية لصاحبي أخبار اليوم مصطفى وعلى أمين.

"هوامش"

** سلامة موسى أبي لرءوف سلامة موسى
** الصحافة حرفة ورسالة لسلامة موسى



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن