قانون السير بالمغرب :الواقع الرمادي والأفق الأسود

اسماعين يعقوبي

2007 / 10 / 27

كثرت حوادث السير، وتزايد عدد القتلى والجرحى في المغرب إلى حد دفع بالكثيرين إلى الحديث عن حرب الطرق ما دامت الطرق بالمغرب تحصد من الأرواح أكثر مما تحصده الحروب في دول دائمة التوتر والصراعات. وهو ما حدا بمجموعة من الدول إلى تنبيه مواطنيها إلى هذا الخطر ونصحهم بعدم التوجه إلى المغرب، فالطريق لدينا أصبحت مرادفا لتنظيم إرهابي يزهق أرواح المختطفين.
وفي المقابل،عمدت الدولة- وكعادتها- إلى التقليص من هذه الحوادث عبر القيام بحملات توعية في وسائل الإعلام السمعية والبصرية وكذا بالقيام بإجراءات تأديبية في حق المخالفين أثناء الحملات الميدانية التي تقوم بها عناصر الشرطة والدرك.
إلا انه، ورغم كل هاته الإجراءات، لا زال عدد الحوادث، ومن خلالها عدد القتلى والجرحى، في تزايد مستمر، مما يدل على ان ما تقوم به الدولة يفتقد لدراسة معمقة تحدد الأسباب والنتائج، وتصب بكل جهودها نحو نتائج الحوادث وليس على الأسباب، كما ان الآليات يعتريها خلل كبير يجب الاعتراف به.
وعوض تعميق الدراسة في هذه الأسباب والآليات، تلجا الدولة –وكعادتها كما هو معمول به في الأزمات الأخرى- إلى استيراد قوانين بعيدة كل البعد عن واقعنا. حيث أصبحنا أمام واقع أشبه بمن يريد حماية حدوده البرية عبر استيراد غواصات بحرية وليست لديه موانئ ولا ساحل يطل من خلاله على البحر.
1- بداية، يقولون ان السرعة هي المسئولة عن حوادث السير. ولكن نريد ان نعرف ان كان فعلا المغاربة يتحركون بالسرعة التي يجب تماشيا مع مستلزمات المعيشة. فإذا كان مثلا سائق سيارة أجرة يكفيه التنقل بسرعة 80 كلم للحصول على أجرة تلبي له حاجياته المعيشية، فمع الزيادات والتضخم الذي يعرفه المغرب فعليه ان يرفع السرعة بما يقارب ./. 200 ما بين 1980و 2007، أي ان تصبح سرعته 240 كلم في الساعة لكي يحافظ على نفس مستواه الاقتصادي وقدرته الشرائية وهذا محور أساسي يجب ان يدمج في أي قانون للسير.
2- ثانيا،إذا كان الجميع يدرك جيدا عدد المخالفات التي ترتكب يوميا في المغرب، وعدد المخالفات التي تتخذ بشأنها إجراءات تأديبية والذي لن يصل على ابعد تقدير إلى نسبة 10./. حيث سيفضل جميع السائقين أداء مبلغ 10 او20 درهم للمراقب عوض دخول متاهات الإجراءات الإدارية وأداء مبلغ 400 أو 500 درهم. ولذلك، وعوض رفع مبلغ العقوبات الذي جاء به القانون، كان الأجدى هو تخفيضها وتبسيط المساطر الإدارية لأدائها كي يتربى في السائق روح المواطنة، وروح الحق والواجب وتتربى لدى المراقب فكرة القيام بالعمل الموكول له وليس الاغتناء الفاحش عبر اقتسام"الصبر"مع السائقين.
3- ثالث هذه الأشياء وهو مطلب قد يبدو مستحيلا وهو كذلك في هذه الشروط ، ويتعلق بدمقرطة القانون. القانون من الجميع، للجميع وعلى الجميع، لكن ما نراه هو أحياء لمقولة نيتشه الخالدة القانون (قانون السير) شبكة وضعها الأقوياء لاصطياد الضعفاء. فمن يستطيع ان يوقف سيارات البعض، وحافلاتهم، ودوابهم، ومواشيهم...فلهؤلاء حق السرعة التي يختارون، والسياقة في حالة سكر، والتجاوز في جميع الاماكن بل وشتم بعض المراقبين. فمجرد "بيب" واحد يكفي بقلب جميع الموازين، كما ان قتلهم لمواطن عادي في الطريق لا يكلفهم ولو عناء الترحم عليه، فهم الكل في الكل. هم أصحاب الحق والباقي لا يحسن التصرف ويجب عليهم ان يتفهموا بان الوزير أو ابنه لا يمكن لدركي ان يوقفه والا فهي الفوضى. "هل يعقل ان يطلب دركي أوراق السيارة من وزير" ان الوزير والبرلماني وما فوقهما وما تحتهما وما يلف حولهما وزوجاتهم وأصحابهم وبناتهم ...، كلهم أوراق فلا مجال لطلب الأوراق منهم.
فهل يستطيع قانون السير الجديد ان يضمن تطبيق القانون على الكل أي دمقرطته. لا أظن ما دامت صياغته لم تستحضر الديموقراطية أي استشارة المعنيين بالأمر وما بني على باطل فهو باطل.
4- رابع هذه الأمور ان كل حادثة تسفر عن إصابات أو أموات. لكن حوادثنا في غالبيتها لا تنتج سوى الأموات ما عدا تلك التي يكون ضحيتها أجانب. فلهؤلاء تتحرك سيارات الإسعاف, الطائرات, طائرات الهيليكوبتير, المستشفيات العسكرية والمدنية ...الكل في خدمتهم للإنقاذ. أما إذا كان المغاربة ضحايا الحوادث, فمن لم يمت في أربع ساعات فلديه كامل الوقت للفظ أنفاسه. فسيارات الإسعاف معطوبة وتحتاج إلى بنزين وسائقوها في رخصة والمستشفيات ممتلئة, الكل خارج التغطية. انه خطؤهم فليتحملوا العواقب.
5- خامسا ودون الولوج في كثير من الأشياء الأخرى، هناك صيغة أي قانون لأية أرضية.
فمجرد إطلالة على طرقنا وسياراتنا وحافلاتنا وسائقينا ومواطنينا وحيواناتنا تعطي فكرة مهمة محورها ألا مقارنة مع وجود الفارق:
* الطرق في غالبيتها محفرة وما ان تغطى حفرة حتى تظهر أخرى، حالتها اقل من المتوسط حتى بالنسبة للتي تفتح حديثا أو بالنسبة للطرق السيارة.
* السيارات والحافلات في حالة ميكانيكية يرثى لها، يساهم في ذلك قدمها واستعمالها في دول أخرى، فقد أصبحنا كسلة المهملات بالنسبة للدول الأخرى بل لدينا حافلات نقل عمومية يتم استعمالها وهي ما تزال تحمل كتابات وإشارات أجنبية إما اسبانية أو هولندية أما الفرنسية فهي منا ونحن منها من كثرة الاستعمالات والاحتكاك والاستغلال.
* السائقون، لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل لديهم. غياب التمدرس، غياب التغطية الصحية، غياب الانضباط للساعات القانونية، غياب التقاعد، غياب الحد الأدنى للأجور، الإحساس بالحماية الفوقية "أنا سائق حافلة س ..." مما ينتج سائقا عبارة عن عبوة ناسفة مستعدة في أي مكان وزمان ان تؤدي بحياة العشرات من الأرواح.
* المواطنون، ومن فرط القهر والاستغلال وغياب ثقافة الحق والواجب، وغياب الإمكانيات أصبحوا سلعا في يد أصحاب النقل، حافلة مخصصة ل 50 شخصا تقل على متنها 70 أو 80شخصا والكل يحمد الله انه لم يضطر للمبيت يوما آخر قبل السفر. أما ان يفكر في المطالبة بحافلة أخرى تلبي الخصاص فذاك غير حاضر في وعيه في الوقت الحالي.
* الحيوانات المتواجدة على جنبات الطرق تموت وتقتل، هي لا تفهم شيئا ولكن من سوء حظها أنها لم تنوجد في دولة تحترم حيواناتها كالهند. فكم من سائق يشتم حمارا وقف في جانب الطريق ويستغرب من كون هذا الحمار لا يفهم ولا يترك المسافة القانونية بينه وبين الطريق.
هذا هو العجب ان تستغرب من كون الحمار لا يفهم.
ان هذا شيء قليل من كثير، كان على قانون السير ان ياخده في الحسبان قبل النزول بطريقة كن فيكن: الم يعرف وزيرنا ان السرعة ضرورية للحاق بالأسعار الملتهبة؟ الم يعرف ان كل زيادة في الغرامة زيادة في الرشوة ؟ الم ير ان القليل من الناس هم من يطبق عليهم القانون؟ الم يع ان بنيتنا التحتية لا تستوعب قانونها؟ الم يدرك ان الحمار المغربي لا يفهم؟.
والى حين ان يستوعب وزيرنا هذه الأسئلة، يبقى جيب المواطن البسيط يتحمل، يتحمل غلاء المعيشة جراء انعدام النقل، غلاء النقل جراء المضاربات، انه الهدف النهائي لهذه المسرحية كلها.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن