العمل الجمعوي والتنمية

محمد باليزيد

2007 / 9 / 20

في أرضية نقاش قدمت في الجمع التأسيسي لإحدى الجمعيات جاء ما يلي: "إن فتح المجال أمام المجتمع المدني ليقوم بدوره في التنمية ليُبرهن على النية الصادقة للدولة في التحول الديمقراطي." فعلق على هذا أحد المتدخلين قائلا: "إذا لم يجد المجتمع المدني, بعد تخلي الدولة عن مهامها, بدا من التدخل. فليس معنى هذا أنه علينا أن نصفق لأن الدولة تخلت عن مهامها."
إننا هنا أمام مفهومين أساسيين لن يستقيم تحليلنا ما لم نوضحهما. أو لنقل بتعبير آخر: إن المعنى الذي سنعطيه لهذين المفهومين سيكون بمثابة مسلمة يبنى عليها تحليلنا, يستقيم باستقامته ويعوج باعوجاجه.
فالدولة, في اعتقادنا, هي مجموعة أجهزة تحكم وتسير شؤون الناس في مجال ترابي معين. ولقد اختلفت أشكال الدولة ومهامها حسب الزمان والمكان. فمثلا في المغرب قبل الاستعمار كانت الدولة عبارة عن "جهاز مخزني" يجمع "الضرائب" لإعالة عسكره. أما المقابل الذي يحصل عليه "دافعوا الضرائب" تلك فهو حماية مجالهم من سيادة "السيبة", أي قانون الغاب. ومباشرة بعد الاستقلال وجد المغرب نفسه في عصر الدولة التي تتجاوز مهمتها منع السيبة. إنها الدولة التي تتدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها. الدولة التي تهتم بالتنمية الاقتصادية وتتدخل مباشرة في كيفية توزيع الدخل غير تاركة هذه المسألة مطلقا لمنطق السوق. فجعل مستوى معين من التعليم والصحة والطرق مثلا في متناول كافة المواطنين هو تدخل ضد منطق السوق الذي يمكن أن يحرم من التعليم, حتى في مستوياته الدنيا, من لا يمكنه مستواه المادي من ذلك. كما يمكن أن يحرم من الطرق سكان منطقة لا تملك منطقتهم من الموارد, فلاحة أو معادن, ما يدر ربحا على الدولة/الرأسمال.
أما المجتمع المدني فنرى أن نعرفه كما يلي: هو كل الإطارات, جمعيات, أحزاب... المستقلة عن أجهزة الدولة. إنه إذن هيكل مواز لهيكل الدولة. دون أن تعني كلمة مواز أنهما يسيران في نفس الاتجاه. إنه مجموع الهيئات والجمعيات التي تعمل إما في اتجاه تكميل دور أجهزة الدولة وملء فراغ لا تتمكن أجهزة الدولة من شغله لعدم اختصاص أو لعدم إمكانيات. أو في اتجاه انتقاد سلوك أجهزة الدولة والدفاع عن حقوق المواطن وإرغام أجهزة الدولة على السير وفق ما سطرته القوانين. أو في اتجاه الدفاع عن مصالح فئة معينة من المواطنين كالنقابات مثلا.
إن الانطلاق من أمثلة معينة لا يعني في نظرنا تعميم نموذج واحد على العموم بقدر ما يعني الانطلاق من الواقع وعدم الاقتصار على التنظير في فراغ. لقد وصلت مسألة كثرة جمعيات المجتمع المدني إلى درجة أنه, في مدينة صغيرة كزاگورة مثلا, تكاد تعرف فيها كل الناس لكنك تجهل أسماء وحتى عدد الجمعيات الموجودة في المدينة لكثرتها ولأن العديد منها ظل حبرا على ورق. ومن الطرائف في هذا المجال أن مجموعة من الأفراد أسسوا جمعية في الميدان الحقوقي وبقيت سرا لا أحد يعرف بوجودها لأنهم, لكثرة انشغالاتهم غير قادرين على العمل في إطارها لكن كان عليهم أن يسبقوا لتأسيسها قطعا للطريق على آخرين.(خزنوها لدواير الزمان). مثل آخر على هذه السلوكيات الحديث عما يسمى بِ"تنسيقيات الجنوب الشرقي لجبر الضرر الجماعي." فمصطلح تنسيقية يعني تواجد عدد كبير من الإطارات ذات الاهتمام. في حين أن جل الإطارات لا تعلم أصلا بوجود هذا الإطار.
قبل التسعينات كانت الجمعيات الثقافية هي المسيطرة على المشهد الجمعوي. لكن بعد ذلك بدأت الجمعيات التنموية تسيطر. فهل تجاوز المجتمع المغربي مرحلة الحاجة إلى التأطير الثقافي, هذا المجتمع الذي مازالت نسبة الأمية فيه من أعلى النسب في العالم؟ لقد تزامنت كثرة الجمعيات التنموية ودخول المساعدات عبرها مع بداية تحول الدولة من دولة تهتم بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية إلى مجرد دولة/ جهاز أمن مهمته الوحيدة الحفاظ على الأمن. لكن حين يكتمل تحول الدولة هذا وتخرج من شرنقتها سوف لن يحتاج إلى الأمن سوى الأثرياء. أما المواطن الفقير الذي فقد كل حقوقه, خاصة الاقتصادية, فلن يهمه أمنه. وحتى في هذا المجال. فإن تنامي ما يعرف بالأمن الخاص لدليل واضح على أن الدولة ستنفض يدها حتى من حماية هذا المواطن المسلوب كل شيء. وهكذا يمكن أن ننظر إلى هذه المساعدات الخارجية, وكذا إلى هذه الجمعيات التنموية التي تحاول أن تقوم بمهام من اختصاص الدولة, يمكن أن ننظر إليها وكأنها مجرد "مصاص صدمة" (amortisseur). وذلك لجعل المواطن لا يشعر بالقلق وهو يرى الدولة تتخلى عن مهامها لأن هناك من يقوم مقامها. لكن هل سيبقى هذا المجتمع المدني نشيطا وهل هو قادر فعلا على تحمل كل تلك المسؤوليات؟ وهل الدول الغنية ستظل تملأ فراغ التمويل مكان الدولة الفقيرة إلى الأبد, هذا الغرب, خاصة مؤسساته المالية, التي لا تعرف سوى منطق الربح والخسارة؟
الأرضية المذكورة تربط تخلي الدولة عن مسؤوليتها بالتحول الديمقراطي. إنه المنطق الذي لا يرى الديمقراطية إلا في كل ما هو مطابق ومساير لمنطق السوق. هذا الاتجاه العام "المنطقي" الذي فرض على الرئيس الفيتنامي أن يجيب, قبل كل شيء, عن أسئلة تتعلق بالديمقراطية في بلاده أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية..
وإذا كان فتح المجال التنموي أمام المجتمع المدني يشكل مصاص صدمة فإنه لعب دورا آخر لا يقل أهمية بالنسبة للدولة. لقد شكل وسيلة لإلهاء بعضٍ من النخبة عن ثقافة الاحتجاج. فأوهم البعض بالمشاركة في القرار والتسيير في حين اكتفى البعض الآخر بأن وجد لنفسه حصة في "الوزيعة".
لقد تحولت بعض الجمعيات التنموية إلى "جمعيات تسول" أمام أبواب الجمعيات الأوربية إلى درجة أن بعض الجمعيات صارت تقبل بأن يُتصدق عليها حتى بِ"البال". كل هذا والدولة ليست فقط غاضة بصرها وإنما تشجع على مثل هذا السلوك تحت يافطات مثل التفاعل الحضاري...(التوأمة) بين مدن أو جمعيات أو مؤسسات كالمدارس مثلا. لكن ما يهم الدولة من كل هذا هو جعل المواطنين يتوهمون أنهم قادرون على أخذ زمام الأمور في كثير من شؤونهم. فأي قدرة على أخذ زمام الأمور في مجتمع تنخره الأمية والبطالة ويستورد مائة بالمائة من حاجياته التكنولوجية؟ ثم أن هناك بعض الجمعيات ذهبت في اتجاه آخر حيث أنها تعتمد في تمويل مشاريعها على أبناء المنطقة المهاجرين. إن جمعية كهذه تنمي الشوفينية الجهوية بدل الشعور بالانتماء للوطن الواحد وترجع بالناس إلى منطق القبيلة السابق تاريخيا عن مفهوم الوطن.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن