يوم في الداخل كان يعادل الف يوم مما تعدوّن

مناف الموسوي
moonymoor2000@yahoo.com

2007 / 8 / 31

لاريب أن هناك الكثير من العراقيين ممن عانوا من الاجراءات التعسفية والاساليب القسرية التي كان يمارسها النظام البائد كانوا قد غادروا العراق مضطرين وقد تمكنوا من الافلات من قبضة رجال الامن والمخابرات والرفاق لينعموا بالهدوء في الخارج.... ولكن بالمقابل هناك الكثير ممن غادر العراق أبان فترة قيام ذلك النظام كانوا قد غادروه غير مضطرين اذ لم يكونوا يعانوا من أساليب ذلك النظام بل أن بعضهم غادر للدراسة خارج العراق على نفقة ذلك النظام الا أنه فضل البقاء في الخارج بعد انهاءه لدراسته وبعضهم غادره هربا من الخدمة العسكرية ابان الحرب العراقية الايرانية أو سنحت له الفرصة للهرب بعد حرب تحرير الكويت ...ولم يكن الكثير من هؤلاء معارضا لذلك النظام المستبد ... فتوفرت لهم فرصة الهرب من جحيمه .... وعاشوا في كنف الدول الديمقراطية التي أقاموا فيها وهم ينعمون بالحرية والهدوء والطمأنية وأكل السباكتي بدلا من ( الدولمة) .... أما نحن (أهل) الداخل فقد بقينا نتجرع كأس البؤس والاضطهاد وانتظار قطار الموت في أية لحظة..
.كنا حينما نريد أن نتحدث نتلفت يمينا أو يسارا خشية أن يسترق رجل الامن أو الرفيق الحزبي لهمساتنا الحزينة .. وأذا طرق أحد بابنا يبقى بعضنا يحدق في بعض وكأننا نبحث عن من يمكنه أن يتحرى عن الطارق ... ... وكانت امهاتنا الكهلات غالبا مايتطوعن لهذه المهمة بكل شجاعة .... كانت قد ضاقت بنا السبل ... واستبد بنا اليأس حتى تشبثنا بالتعاويذ وقراءة الطالع وحملنا في جيوبنا التمائم علها تنقذنا من كابوس اسمة ( أمن) او (مخابرات ) أو (تقرير).....
كل شيء كان مرعبا ومخيفا حتى أكثر رعبا وخوفا من اعظم أفلام هيتشكوك براعة ومع ذلك تحملنا كل ذلك وتحمل أهلينا مثيله أواكثر .. لم ننعم يوما بالامان .... حتى الكتب التي كنا شغوفين على قراءتها امتنعنا عن حملها تحت آباطنا لأنها ماعادت سوى تهم قد تؤدي بك الى منصة الاعدام .. أما كتبنا المدرسية فكنا نتعمد اضهارها بمظهر يستطيع معه كل من تقع عينه عليها معرفة أي كتاب ذلك الذي بأيدينا ....
كنا مطاردين في المدرسة و الجامعة من أعضاء مايسمى بالاتحاد الوطني وفي المنطقة التي تقع فيها بيوتنا فكنا مطاردين من الرفاق ووكلائهم الاوباش.. ... أتذكر أنني في نهاية السبعينات وفي التحديد عام 1979 فكرت الهرب خارج العراق .. حملت أوراقي لدائرة الجوازات علني أحضى بجواز يمنحني حريتي التي انتضرتها طويلا ... تأمل موظف الجوازات معاملتي مليا ثم أخذ يبحث في سجلاته الاسطورية .. حدق في وجهي مليا وهوينقل نظراته بيني وبين السجلات التي أمامه ثم قال لي بنبرة حادة ..ماذا تعمل؟ أجبته والعرق يتصبب من جبيني وأنا اتعثر بكلماتي (طالب كلية) .. ودون اكتراث لجوابي رمى بوجهي (فايل المعاملة ) وقال بعصبية (عليك منع .. روح راجع الامن العامة) .. فما كان مني الا أن التقط معاملتي وأخرج مسرعا وكأنني أتحسس طريقي كالاعمى وسط ظلام دامس .. كم كنت أحسد من تمكن من الخروج من العراق ..كان يمثل لي خروجا من الجحيم .. ثم فكرت بالهرب عن طريق كردستان وهيأت نفسي لهذه المهمة وأقنعت والدي ووالدتي برغبتي لان بقائي يعني الموت .. خاصة بعد الحملة الشرسة التي تعرضت لها الحركات الوطنية والدينية آنذاك ولكن رغبتي لم تتحقق بسبب وشاية كادت أن تؤدي بي الى مالايحمد عقباه .
لم نكن بعيدين عن الحركات الوطنية آنذاك بل كنا جزءا منها حتى في أحلك الظروف التي مرت بها .... وكنا ممن جرت العادة على تسميتهم من قبل النظام البائد ب(عليهم علامة استفهام) ولم تكن علامة واحدة فحسب بل مجموعة علامات فكل صديق ارتبطنا به كان تهمة بحد ذاته مثلما كنا تهمة له فلم نكن نهنأ حتى بصداقاتنا وكم كنا نفترق حينما نمر بمكان ما أو بمجموعة من الاشخاص الموالين للنظام كي لانتهم بأننا كنا في اجتماع أو لقاء ضد السلطة...لم تكن معاناة عادية عانيناها نحن عراقيو الداخل وبالخصوص ممن حمل أفكارا معارضة لذلك النظام المستبد ولم ينتظم بحزبه الفاشي ... لذا أرجو أن لايستغرب البعض اذا قلت لكم بأنني ومعي الكثير ممن عارضوا النظام البائد لم يتمكنوا من السفر خارج العراق لهذه اللحظة .. لانهم افتقدوا كل شيء بأستثناء عزة أنفسهم وشرفهم وفخرهم العظيم بعدم انتمائهم للحزب الفاشي لذلك النظام الساقط .. ومع ذلك يأتي اليوم ممن عاشوا في (راحة بال) في الخارج ليتهموا جميع من في الداخل بأنهم كتاب تقارير وبأنهم عبيد يستحقون العصا متمثلا بقول الشاعر العظيم المتنبي ببيته الشعري الذي كان يهجو فيه كافور الاخشيدي ( لاتشتري العبد الا والعصا معه ..... ان العبيد لانجاس مناكيد) .. علما أنه كتب البيت الشعري خطأ وماتلاه ايضا بحيث أضر بوزنه في الوقت الذي يدعي احترافه للكتابة ...ولا أريد أن أطيل هنا لان مثل هذا الموضوع يحتاج الى اطروحات وليس اطروحة واحدة .. ولو كان وطنيوا الداخل حالهم حال (كتاب التقارير) لكانوا اليوم في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء أو على الاقل مدراء عامون حالهم حال الكثير ... وليعلم من قال هذا أن هناك الكثير من وطنيي وكرماء الداخل لايستطيعون الحصول على جواز سفر لابسسبب مادي وانما بسبب قدم مستمسكاتهم الثبوتية التي لم يكونوا بحاجة الى تجديدها لانها لم تكن سوى مستمسكات تعريفية فقط .. وربما لو حصلوا على جواز سفر من يدرينا انهم سيغادروا الوطن سالمين دون أن تتلقفهم عصابات الطرق الطويلة........
آخر الكلام
لاخيل عندك تهديها ولا مالُ فليسعد النطق ان لم تسعد الحالُ



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن