هكذا تدعم أميركا الدكتاتورية و الإرهاب

حسين جمو

2007 / 8 / 4

تتسارع وتيرة الأحداث في منطقة الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق منذ أحداث 11 سبتمبر , و أقل ما يمكن قوله على صعيد العالم هو انهيار مفهوم "عدم الانحياز" كلياً بغض النظر عن ارتباط هذا المفهوم بحقبة الحرب الباردة , ليصبح العالم مقسماً على عدة محاور . دول تحارب الإرهاب و على رأسها الولايات المتحدة الأميركية , ودول تساند الحرب على الإرهاب في منطقة منتجة للإرهاب دون أن تكون لهذه الدول القدرة على محاربتها بنفسها مثل الصومال ,ودول متهمة بدعم الإرهاب مثل إيران. و أخيراً التنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة".
وأفرز امتداد الصراع بين هذه المحاور ظواهر "سيا- دينية" حديثة تتميز بسرعة تشكلها و لجوئها للعنف . و ما شهدته باكستان من مواجهات بين طلبة المسجد الأحمر و القوات الحكومية و تعرض الرئيس الباكستاني برويز مشرف لمحاولة اغتيال مؤخراً , إضافة إلى أحداث مخيم نهر البارد و بروز ظاهرة "فتح الإسلام" تجسيد مباشر لطبيعة الظواهر الآنفة الذكر وخطورتها على المجتمعات .كل ذلك يترك تساءلا جوهرياً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة و حلفائها في الحرب على الإرهاب يدركون السبب المتعلق بهم في بروز مثل هذه الظواهر المحكومة و الحاكمة بالعنف في المجتمعات الشرق أوسطية ؟
بدأ الأميركيون مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر بما يشبه اعتذاراً مبطناً لشعوب المنطقة على دعمها لحكومات غير ديمقراطية في المنطقة و التي نتج عنها تفريخ الإرهاب حسب استنتاجات الأميركيين , فبادروا إلى إسقاط نظام طالبان في أفغانستان و صدام حسين في العراق اللذان يمكن الاختلاف حول درجة و طبيعة دكتاتورية كل منهما لكن لا خلاف في كونهما نظامان قمعا شعبيهما سنوات طويلة . لكن درجة سوء هذه الأنظمة لم تشفع للولايات المتحدة عن الأخطاء التي وقعت فيها خاصة في العراق , فمساوئ قرار بول بريمر حل الجيش العراقي لم توازنها الفضائل المزعومة لإنشاء مجلس الحكم الانتقالي عقب سقوط النظام العراقي . ونتيجة هذه الأخطاء وتفاقم الأوضاع في فلسطين و لبنان أهدر الأميركيون و حلفائهم فرصة ذهبية للتصالح مع شعوب المنطقة , لتدخل الولايات المتحدة مرحلة من الحرب المفتوحة يقودها في الطرف المقابل جماعات إسلامية "جهادية" مثل القاعدة التي لا يعرف لها مقر أو موطن.
إهدار فرصة التصالح جاءت نتيجة الانقلاب أو التراجع الأميركي السريع على ما أعلنته بداية الأمر بضرورة الكف عن دعم الحكومات التي تقمع شعوبها , لكنها سرعان ما عادت إلى سياستها القديمة بدعم انتقائي لحكومات توصف بأنها غير ديمقراطية . فكان أكثر من استفاد هي "الدكتاتورية" بكافة توجهاتها و "التنظيمات الإرهابية" . فأصبح مساندة أي دكتاتورية للحرب على الإرهاب بمثابة جواز سفر ديمقراطي لها عند الأميركيين , أما النوع الآخر من الدكتاتورية استفادت من تهمة دعمها للإرهاب لتظهر لشعوبها أنها " القلعة الأخيرة" في مواجهة الفوضى التي يسعى الأميركيون لخلقها – أسوة بالعراق- حسب رأيهم في بلادهم. أما التنظيمات الجهادية استغلت الدكتاتورية المدعومة أميركياً في حشد بعض الناقمين على الدكتاتورية التي سرعان ما تتحول في نظرهم بعد انخراطهم في هذه التنظيمات بدولة "موالية للكفر" . ربما ما كان بالإمكان أن يصبح الطالب المتحصن في المسجد الأحمر بباكستان أقرب إلى تنظيم "طالبان" و"القاعدة" لو لم يكن برويز مشرف يحارب هاتين الأخيرتين بالتنسيق المباشر مع الأميركيين .
ما يمكن استنتاجه وفقا لهذه القراءة أن الديمقراطية و دعاتها في الشرق الأوسط هي الخاسر الأكبر في ظل ما يجري , وكذلك أميركا إذا كان يهمها استمالة الشعوب و ليس الحكومات , ووفقاً لذلك على الولايات المتحدة مراجعة خطاب دعمها للحكومات غير الديمقراطية لأن زعماء هذه الحكومات غير قادرين على تحمل ضريبة "التحالف مع أميركا" لفترة طويلة . وفي دول كثيرة حتى في تركيا أصبحت معارضة السياسة الأميركية رأسمال ثقة الناخب في هذه البلدان بمن يريد ترشيحه . و بالوقوف على أسباب هبوط شعبية حسن نصر الله في المنطقة رغم الانجاز الذي حققه في حرب تموز على إسرائيل , حيث كانت الهتافات الطائفية التي رافقت عملية إعدام صدام حسين هي السبب الرئيسي في تنكيس صور حسن نصر الله و أعلام حزب الله في شوارع العالم العربي بسبب التقاطع الطائفي بين نصر الله ومقتدى الصدر الذي اعتبرته الشعوب مسؤولاً عن إعدام صدام و بالتالي هو ينفذ المخطط الأميركي في العراق لا أكثر ,وهنا يتكشف بوضوح مدى خطورة الاقتراب أو حتى التقاطع غير المقصود مع السياسة الأميركية أو الخطوط الطائفية في المنطقة.
وفي حال بقيت السياسة الأميركية على هذه الوتيرة , فإن هناك خطراً حقيقياً أن تلفظ الديمقراطية انفاسها الأخيرة في السجون و ليصبح الأمن ليس فقط قضية الأنظمة بل الشعوب أيضا . هنالك مقولة للصحفي الأميركي توماس فريدمان يقول فيها " إذا لم تذهب … لن تتعلم" ., لكن المشكلة هنا أن الأميركيين هم أكثر الغربيين الذين يذهبون إلى الشرق الأوسط ورغم ذلك لا يتعلمون . السبب أنه بعد أن تذهب إلى الشرق الأوسط "إذا لم تمش في الشارع… لن تتعلم "و الأرجح أن الأميركيون لا يفعلون ذلك.





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن