بطاقة اعتذار إلى قارئ مُدمن !

وفاء سلطان

2007 / 8 / 4

عزيزي فلان.........
أنا على سفر وغيابي سيطول أسابيع.... حقائبي تملأ المكان.... أتعثر في مكتبي بالأوراق والكتب والأسلاك... أبحث عن مفاتحي فأجدهم بعد ساعة من البحث في الثلاجة... صوت ابنتي الصغرى يأتيني عبر الهاتف: ماما... كنت في طريقي إلى المدرسة ونسيت أن أضع حزام الأمان، استوقفني البوليس وعليّ أن أدفع المخالفة قبل تاريخ الإستحقاق!
أطلب منها التريث كي أردّ على مخابرة ثانية. الأخرى على الخط: ماما... الكلبة روكسي مصابة بإسهال ودوامي في الجامعة من الصباح حتى المساء، هل تستطيعين أن تأخذيها إلى الطبيب؟
ألقي نظرة على فاتورة النادي الرياضي والتي تركها ابني على طاولة مكتبي كي أدفعها قبل أن يُلغى اشتراكه.
إيرما السيدة المكسيكية، والتي أحبّها حتى العبادة لأنها بالنسبة لي عصب الحياة، تلتقط من يدي فنجان القهوة وتقول مؤنّبة: انتبهي يا سيدتي لقد سكبت القهوة على الأرض في كل مكان!
رسالة الكترونية مباشرة تصلني بالإنترنيت: مرحبا دكتورة وفاء...هل أنت على الخط؟ أنا ميرفت من مصر أريد أن أتحدث اليك! قارئ من المغرب يملّ من الإنتظار فيرسل لي إشارة بظ...بظ! وآخر يقول: لماذا هذا الغرور، ردّي على تحيتي! بينما يكرر محمد المكّاوي رسالته التي بدت أملّها: نحن مجموعة من القاعدة سنقتلك هذا المساء!!
أشعر بعبء اللحظة فأقرر الإسترخاء. ألقي بجسدي التعب فوق مقعدي فأهرس طبقا من العنب كنت قد نسيته هناك. أركض كي أغير ثيابي فتصرخ بي الساعة المعلقة على الحائط في غرفتي: انتبهي، إنها العاشرة ولم يعد يفصلك عن زمن الإقلاع إلا بضع ساعات!
طرقٌ على الباب..... أفتح لأرى عامل الحديقة خوسيه: ياسيدتي أريد شيكا عن الثلاثة أشهر الماضية!
استغرب: ثلاثة أشهر؟!
- نعم فأنا لم أر أحدا هنا منذ ثلاثة أشهر.
ناولته الشيك وكنت على وشك أن أغلق الباب لأفاجئ بسائق التاكسي يقترب وهو يقول: حاولت الإتصال أكثر من مرة وكان الهاتف مشغولا. جئت باكرا لأن الطريق المؤدي إلى المطار مغلق، لا أعرف لماذا، وعلينا أن نأخذ طريقا آخر وأطول.
تنفست الصعداء وتذكرت جدتي رحمها الله " الهرب ثلثا المرجلة".
تركت كل شيء خلفي...أوراقي.. كتبي.. أسلاكي.. فواتيري.. أولادي..إيرما.. روكسي.. وهربت. جلست في المقعد الخلفي وسرحت في عالم رحب يترامى على جانبي الطريق ويبدو أكثر تنظيما وأكثر متعة مما تغصّ به غرفة مكتبي. نبشتُ من حقيبتي وجبة الظهيرة ورحتُ التهمها بنهم، لا لأنني أحبّ "التاكوز" المكسيكية المطهيّة في مطابخ إيرما وحسب، بل خوفا من أن يسبقني الوقت.
في المطار، وأثناء انتظاري أمام باب الطائرة تذكّرتك عزيزي القارئ المدمن، كما يحلو لك أن تسمي نفسك، فأدخلت التشيبز التي تحمل كتاباتي في كومبيوتري ورحت "أبحبش" في أرشيفي علني أجد ما يستحق النشر كبطاقة أعتذر بها عن غيابي الطويل. انتقلت ببصري بين العناوين....يا إلهي! كل مقالة تحتاج إلى إعادة تنقيح قبل نشرها، ووضعي العقلي الذي يشبه إلى حد بعيد في تلك اللحظة غرفة مكتبي يحتاج هو الآخر إلى تنقيح!
إذا لا أملك في تلك اللحظة من النقاء العقلي والصفاء الذهني ما يسمح لي أن أخوض تلك التجربة.
السيرة النبوية العطرة........!!!!
عمر بن الخطاب الخليفة العادل.....!!
خذوا نصف ديني عن عائشة، ونصفه الآخر عن فيصل القاسم!!
القنبلة الإسلامية من اختراع وتصميم أحمد نجادي........!!
لن تدخل النار بطن امرأة شربت من بولي....!!
هل تدخل فتاوى القرضاوي كتاب جينيز للأرقام........!!
إذا انتخبتم حماس وفتح اقتلوا هنيّة أو عبّاس...!!
إذا رشكم صدّام بالكيمائيّات السامة أطيعوه....!!
كلّها مواضيع في غاية الأهمية وتحتاج إلى عقل لا يفكر بروكسي ولا يقلق حيال حالة الإسهال التي اُصيبت بها. وقع بصري على فصل من كتاباتي تحت عنوان "خرابيش" وهو عادة ليس للنشر، وتساءلت: لماذا ينشر محمود درويش خرابيشه ويسمّيها شعرا ولا أفعل ذلك؟!!
ومن باب المساواة قررت أن أنشر بعضا من تلك الخرابيش كهدية أعتذر لك بها عن غيابي الذي سيطول....شكرا لقرائتها......تحياتي وإلى لقاء...........وفاء
************
كوابيس في ليل غريب.....
.......
.......
يأتي الليل ويغزوني..
أسقط في قلب العتمة..
تخرج من خاصرتي اليمني صرخة هيفا:
"أمي..ولدي..وطني..
لم يبق في الدنيا مأوى.."
تنشب في اليسرى طلقة..
يهوي نجمٌ..
يسقط صخرٌ..
تندب خنسا..
..........................
يجتاح هولاكو مملكتي..
يَشرخُني دربا للجُند..
في جفني تُعسكر أقدامٌ...
وخيولٌ تسرح في جسدي..
.............
يأتي الليل ويغزوني..
أسقط في قلب العتمة..
يحضرني درس التاريخ وعصا اُستاذي سُليمان:
"في هذا الجزء من خارطة العالم يرقد غولٌ يا أطفال.."
أمريكا "الغول" تسرق من عمري الطفلة..
تنينُ الرعب يصهرُني..
من جَذري الضارب في العمق يقلعُني..
مكسورا يجرفني السيلُ للسيل..
عن شطري الآخر يسألُ شطري.......
.................
يأتي الليل ويغزوني
أسقط في قلب العتمة..
.......
من دمعة أمي...
من جرح الخنسا..
من صرخة هيفا..
من أحذية العسكر تتوسد صدري..
في زمن يُوغل
بالقحط...
بالعُهر...
بالزيف...
اُسلم للريح أشرعتي...
أرحل...أرحل ....أرحل...
أبحث عن مملكتي..
في زمن ِ آخر..
في وطن آخر..
وطن لاتغزو طفولتي فيه العسكر..
لاتغتال أُمومتي فيه العسكر..
كذابٌ استاذ التاريخ.....
كذابٌ استاذ التاريخ....
........................
يأتي الليل ويغزوني..
أسقط في قلب العتمة..
في فنجان القهوة تطفو أمي..
تحرقني الدمعة والوجنة والشفتان..
جاري محمودٌ يرسمني في القاع..
تفاحا أخضر..قنديلا
ورغيفا يخبزُني للفقراء....
أحتاج ألملم أشلائي وأعود اليه
عصفورا أنقر شباكه:
أين الشاي.. من في الدار؟
....................
يأتي الليل ويغزوني
أسقط في قلب العتمة..
تمسخني الوحشة ظلا...
يتسللُ عبر الأزمان...
يبحثُ عن وجه يعرفه..
عن لغة تفهمُه..
يبحثُ عن بيت..عن عنوان
...........
أتقيأ من ذاكرتي وطني
زمنا يرميني للزمن..
أشطبُ وجهَ سعاد ينشدُ أحمدَ راح يُقاتل....
أشطبُ دمعة أحمد يبكي وطنا
يغتالُ بَنيه ثمّ يُهاجر..
أشطب أمي..
أشطب أختي..
اُسقط عمرا من ذاكرتي...
..............
يأتي الليل ويغزوني
أسقط في قلب العتمة
أتقيأ من ذاكرتي وطني
زمنا يَرميني للزمن....................



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن