بريطانيا: نهاية مرحلة وبداية أخرى والعراق أبرز المحطات

محمد مصدق يوسفي

2007 / 6 / 27

بلير يتنحى عن السلطة وبراون يتسلم رئاسة الوزراء
بريطانيا: نهاية مرحلة وبداية أخرى والعراق أبرز المحطات

بتنحي توني بلير رسميا في 27 جوان 2007، من منصب رئيس الوزراء وخروجه من مقر الحكومة بـ 10 داونيينغ ستريت وسط لندن، تكون بريطانيا قد اسدلت الستار عن مرحلة استمرت 10 سنوات منذ هيمنته على الساحة السياسية سنة 1997، من خلال زعامة حزب العمال ورئاسة الوزراء، وهي أطول فترة متصلة لرئيس وزراء عمالي في التاريخ الحديث بعد أن ظل حزب العمال في المعارضة 18 سنة متواصلة.

وقد أصبح وزير المالية البريطاني غوردن براون الاحد 24 الشهر الحالي رسميا الزعيم الجديد لحزب العمال، وهى المرحلة الاخيرة الذى يجب أن يمر بها قبل أن يخلف رئيس الوزراء المغادر تونى بلير فى 27 من جوان الجاري.
وأعلن رسميا عن انتخاب براون على رأس حزب العمال بعد اقتراع داخل الحزب كان المرشح الوحيد فيه. وبموجب النظام السياسى البريطاني، لا يلزم تنظيم انتخابات تشريعية فى حال اتى زعيم جديد على رأس الحزب الحاكم فى منتصف الولاية. وبالتالي فان براون -56 عاما- سصبح تلقائيا رئيس الوزراء البريطانى الجديد بعد تسلمه زعامة حزب العمال.


البريطانيون: وداعا.. وخذ سياستك معك

وقد طالب آلاف المتظاهرين أمام مقر انعقاد مؤتمر حزب العمال فى مانشستر شمال غرب انكلترا، الزعيم الجديد للحزب غوردن براون بسحب قوات بلادهم من العراق في غضون مائة يوم. وقال رئيس الحركة اندرو موراي "نحن هنا لكي نقول وداعا لرئيس الوزراء الاكثر خطرا والاكثر حبا للحرب في التاريخ البريطاني الحديث، ولكي نطلب منه ان يأخذ معه سياسته".

بلير: الانجازات والاخفاقات

جاء إعلان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن تقديم استقالته بعد عشر سنوات من وصوله إلى السلطة الذي صور في ذلك الوقت سنة 1997 على أنه بزوع "فجر جديد" لبريطانيا لكنه تحول لاحقا إلى أجواء خيم عليها الظلام بسبب مستنقع حرب العراق.
يمكن أن نعدد أبرز انجازات واخفاقات وأيضا الرابحون والخاسرون من تنحي توني بلير أطول رئيس وزاء عمالي بفي لحكم عن السلطة بلير، في النقاط التالية:
أولا: بتنحي توني بلير عن منصبه يكون الرئيس الامريكي جورج بوش قد فقد حليفا وثيقا كما صرح هو نفسه بذلك.
ثانيا: في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 على أمريكا تحولت أولوياته الى السياسة الخارجية، فقدم أكبر دعم وسط سائر قادة الدول للرئيس الأميركي جورج بوش في "الحرب ضد الإرهاب"، وأرسل قواته لتقف كتفا لكتف مع القوات الأمريكية في غزوها أفغانستان سنة 2001 والعراق سنة 2003. كما امتنع، مثل جورج بوش، عن ردع إسرائيل عن تدمير لبنان وقصف المدنيين في حربها ضد حزب الله في جويلية 2006.
ثالثا: توني بلير خسر تأييد الناخبين البريطانيببن، وتراجعت شعبيته وأجبره تمرد داخل حزب العمال الحاكم في شهر سبتمبر على اعلان تنحيه عن زعامة حزب العمال ورائسة الحكومة، نتيجة دعمه قرار بوش والغزو الامريكي للعراق وإطاحة نظام صدام حسين سنة 2003.
رابعا: توني بلير هو ثاني رئيس وزراء بريطاني خلال قرن يبقى في السلطة 10 سنوات لكن لاحقته فضيحة فساد أصبح بسببها، كذلك أول رئيس وزراء بريطاني تستجوبه الشرطة في تحقيق جنائي، حيث استجوبه المحققون مرتين كشاهد في التحقيق في فضيحة تمويل حزب العمال.
خامسا: التاريخ سيذكر لتوني بلير أنه ساهم في إعادة السلام إلى ايرلندا الشمالية بعد عقود من العنف. وساهم في صعود حزب العمال من خلال الفوز الذي حققه لاول مرة في الانتخابات العامة ثلاث دورات متتالية بينها فوزه الاول الساحق في عام 1997 بعد أن بقي 18 عاما في الظل، وتمكن بلير من جذب الحزب من جذوره اليسارية إلى تيار الوسط.
سادسا: يعتبر بلير أكثر زعماء حزب العمال نجاحا حيث أشرف على اقتصاد آخذ في النمو وزاد بشكل كبير الانفاق في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم وقطاعات أخرى.
وقد أظهر آخر استطلاع للرأي نشرته صحيفة الجارديان أن 60 % من الناخبين يعتقدون أنه سيذكر لبلير أنه كان قوة وراء التغيير وإن كان هذا التغيير لم يكن دوما للصالح العام. وجاء في الاستطلاع أن 44 % يعتقدون أنه كان مفيدا لبريطانيا
.
براون: القطيعة النهائية

حسب عدد من المراقبين في لندن، تسلم وزير المالية البريطانى غوردن بروان زعامة حزب العمال الحاكم، ومن تم رئاسة الوزراء يكرس القطيعة النهائية مع سياسات توني بلير الداخلية والخارجية التى طبقها منذ هيمنته على الساحة السياسية البريطانية منذ العام 1997، .
وفى ما يتعلق بالخارج، اعلن براون انه لا ينوى سحب القوات البريطانية من العراق على الفور. وهو يريد مواصلة الحرب على الارهاب والتطرف كما فعل سلفه، وتثبيت تحالف بلاده مع الولايات المتحدة كما مع اوروبا.
ويذكر أن براون قام مؤخراً بزيارة إلى بغداد التقى خلالها بالمسؤولين العراقيين لتحديد أطر سياسة حكومته المقبلة تجاه العراق.وتعتزم الحكومة البريطانية تقليص عدد قواتها في العراق، التي خفضت إلى نحو 6 آلاف في شهرفبراير الماضي.
وقد فقدت بريطانيا نحو 150 جندياً منذ الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003.

+++

بورتريه

توني بلير.. معادلة البداية والنهاية..

ولد أنتوني تشارلز لينتون توني بلير في 6 مايو 1953 بأدنبره، اسكوتلندا، لأبيه ليو الذي كان محاميا ولاحقا محاضرا في القانون متمتعا بعضوية حزب المحافظين. وتلقى تعليمه في مدرسة كوريستر، دارهام، وكلية فيتيز، أدنبره. ثم درس القانون بأكسفورد. وأثناء دراسته هنا كان ايضا مغنيا وعازفا للغيتار بفرقة روك تدعى "أغلي رومرز" (إشاعات مغرضة). ولدى نيله شهادة التخرج التحق متدربا بـ "تشيمبرز اوف ديري آيرفين" محاميا مترافعا. وهنا التقى بشيري بوث التي تزوجها في 29 مارس 1980 وأنجبت له ثلاثة اولاد هم يوان ونكي وليو وبنت هي كاثرين. ويتميز ليو بأنه الطفل الوحيد الذي ولد لرئيس وزراء بريطاني في منصبه على مدى 150 عاما. يذكر ان وزوجته تعتنق الكاثوليكية، وأن الفاتيكان أعلن ان توني بلير سيتبع المذهب نفسه لدى تنحيه عن السلطة في 27 جوان 2007. وقيل عنه انه أكثر رؤساء الوزراء البريطانيين تدينا منذ وليام غلادستون.
بعيد تخرجه عام 1975، انضم بلير الى صفوف حزب العمال. وفي 1983 خاض الانتخابات العامة مرشحا عن الحزب لدائرة سيدجفيلد، قرب دارهام في شمال شرق انجلترا. ولأن هذه الدائرة كانت مضمونة للعمال، فقد نال بلير مقعدا داخل البرلمان الذي صعد فيه نجمه بسرعة. فالعام التالي عين مساعدا للمتحدث باسم الخزانة. وبفضل ولائه لزعيم الحزب وقتها، نيل كينوك، رقي بعيد انتخابات 1987 الى المتحدث باسم حي المال اللندني "السيتي" في فريق الحزب للتجارة والصناعة. والعام التالي نال مقعدا في "حكومة الظل" وزيرا للتشغيل.
كان أكبر إنجازات بلير في ولايته الأولى التوصل الى "اتفاقية بلفاست" او "اتفاقية الجمعة الحزينة" (الجمعة الأخيرة قبل عيد الفصح). وهي الاتفاقية التي أدت في نهاية المطاف الى إنهاء نزاع آيرلندا الشمالية رسميا في 10 أبريل 1998.
احتفظ العمال بالسلطة في انتخابات 2001 وأصبح بلير أول رئيس وزراء عمالي يفوز بولايتين متتاليتين، وأصبح وليام هيغ أول زعيم للمحافظين يعجز عن الوصول الى 10 داوننغ ستريت مقر الحكومة في لندن، فاستقال وخلفه إيان دنكان سميث (ليصبح الثاني لاحقا بعد هيغ). وفي الأول من اوت 2003 صار بلير رئيس الوزراء العمالي صاحب الفترة الأطول في منصبه. وعام 2005 فاز العمال بولاية ثالثة لكن أغلبيتهم البرلمانية انخفضت من 167 إلى 66، وهو ما حدا بعدد متزايد من البرلمانيين العماليين لدعوة توني بلير الى التنحي. واكتسب هذا الاتجاه زخما إضافيا بسبب حالته الصحية عندما اتضح في أكتوبر 2003 انه يعاني من متاعب في القلب، وأنه خضع وقتها لتنظيم خفقانه. في ولايته الثانية ظل بلير أشد مناصري جورج بوش في سعيه لإطاحة الرئيس العراقي صدام حسين. وسرعان ما أصبح "وجه الدبلوماسية الدولية المؤيدة لغزو العراق"، مصطدما بالرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي صار من جهته "وجه الدبلوماسية الدولية المعارضة للغزو".
وكان توني بلير ـ مثل بوش ـ يستند في دعوته تلك الى امتلاك نظام البعث أسلحة الدمار الشامل، فأرسل 64 ألف جندي (ثلث عددهم في القوات المسلحة البريطانية) لمساعدة القوات الأميركية في غزو العراق. ولما اتضح بعد الحرب ان أساس "أسلحة الدمار الشامل" كان كاذبا، أصبح العراق مثار جدل داخلي هائل ومصدر اتهام لبلير بأنه بالغ في تقدير الخطر العراقي، ليس وسط أولئك المعارضين للحرب وحسب، وإنما حتى وسط أنصاره داخل الحزب.
من عواقب الضجة التي أثيرت في أعقاب الحرب، ان ترشيحا لبلير وبوش لنيل جائزة نوبل للسلام لم يثمر عنها، وأن عدة جماعات ضغط معارضة للحرب سعت لتقديمه للمحكمة الجنائية الدولية على جرائم حرب في العراق.

+++

براون ابن قس.. القوة العمالية الحقيقية..

ولد وزير المالية الحالي جيمس غوردون براون، المولود في 20 فبراير 1951، وسيتولى رئاسة الوزراء البريطانية، بعيد تنحي بلير في 27 جوان 2007، عندما تطلب اليه الملكة اليزابيث الثانية رسميا تشكيل حكومة جديدة. وقد أعلن الحزب توليه زعامته في مؤتمر عقده خصيصا لهذا الأمر في مدينة مانشيستر يوم 24 جوان الحالي.
في 11 مايو 2007 بدأ براون حملته الحزبية "غوردون براون من أجل بريطانيا"، لخلافة توني بلير في زعامة الحزب ورئاسة الوزراء فحصل على 308 ترشيحات. وهو ما أقصى أي منافسين محتملين من السباق، وأكد انه سيفوز بأي انتخابات حزبية رسمية في الموعد المحدد وهو 16 مايو، على انه لم يجد أي منافس. وفي 17 منه أعلن الحزب رسميا انه سيصبح تلقائيا رئيسا للوزراء خلفا لبلير المتنحي قبل إكمال ولايته الثالثة.
ولد غوردون براون في كيركدي، اسكوتلندا، لأبيه القس الدكتور جون براون وأمه اليزابيث براون وترعرع فيها. وفي مدرسة كيركدي اختير ضمن مجموعة صغيرة من التلاميذ النابغين، وأخضعوا لتعليم مكثف أثمر دخوله جامعة ادنبره وهو في سن السادسة عشرة وتخرجه فيها في التاريخ بمرتبة الشرف من الدرجة الأولى. وفيها تعرض لحادث أثناء لعبه الرغبي مزق شبكية عينه اليسرى فاستبدلت بها عين صناعية.
انضم براون الى صفوف حزب العمال سنة 1969. وسنة 1972 بدأ عمله الأكاديمي مساعدا للتدريس، وفي ما بعد محاضرا في جامعة ادنبره وكلية غلاسكو للتكنولوجيا حتى عام 1980، حين انضم الى التلفزيون الاسكوتلندي، وبقي فيه حتى 1983, وانتخب براون الى البرلمان عن دائرة دنفيرملين ايست عام 1983 وصعد نجمه السياسي بسرعة داخل الحزب. ومنذ ذلك العام وحتى 1997، تسلم مناصب مهمة في حكومة الظل المعارضة لحكومة المحافظين. ومن 1989 إلى 1992 أصبح وزير الظل للتجارة والصناعة، ثم وزير الظل للخزانة من 1992 إلى 1997. وإثر عودة العمال الى سدة السلطة في فوز كاسح على المحافظين، عين براون وزيرا للمالية في 2 مايو 1997. وكانت أولى خطواته في منصبه الجديد منحه الاستقلال لبنك انجلترا (المركزي) حتى يكون حرا في تقريره أسعار الفائدة، وهو أمر كانت الحكومات العمالية السابقة قد احتكرته لنفسها. واعتبرت الخطوة حكيمة اقتصاديا وذكية سياسيا، لأن الرسالة الموجهة خلفها الى دوائر المال البريطانية والعالمية هي ان «حزب العمال الجديد» لن يضع السوق ـ كما في السابق ـ في قيود حزبية. واتخذ براون ايضا قرارات حازمة في ما يتعلق بحدود الإنفاق الحكومي وأكسبه هذا لقب "وزير المالية الحديدي".
بعد استقالة نيل كينوك، في أعقاب هزيمته على يد جون ميجر في انتخابات 1992، خلفه جون سميث. ولدى وفاة هذا الأخير الفجائية عام 1994، تنافس على خلافته توني بلير (حصل على نسبة 32% من الأصوات في استطلاع عام للرأي) وغوردون براون (9%) وروبن كوك (5%). وفي 31 مايو من ذلك العام التقى بلير وبراون في مطعم لندني، حيث وافق هذا الأخير على الانسحاب لصالح بلير مقابل ألا يخوض منافسات الزعامة ضده، ومقابل ان يتنحى له بلير عن زعامة الحزب بعد أجل معلوم بينهما. وفي 21 جويلية هزم بلير منافسيه جون بريسكوت ومارغريت بيكيت ليفوز بزعامة الحزب. ومن يومها ظل براون ينتظر تنحي بلير، الذي بدا انه يتراجع عن وعده القديم، مما أدى الى معارك شرسة داخل الحزب بين أنصار بلير وأنصار براون.
سنة 2005 اختارت مجلة "تايم" الأمريكية براون واحدا من 100 شخصية اعتبرتهم الأكثر نفوذا في العالم، لكن قائمتها لم تشمل توني بلير. وكان هذا مؤشرا الى أن براون هو القوة العمالية الحقيقية في بريطانيا وأنه، بالتالي، أحق من بلير برئاسة الوزراء أو ـ على الأقل ـ خليفته بلا منازع. وبعد انتخابات مايو 2006 البلدية، التي خسر فيها العمال اثنين من المجالس التي كانوا يسيطرون عليها، صار الانطباع في الشارع البريطاني، هو ان براون يستغل هذه الهزيمة للتأكيد على ضرورة تغيير الزعامة لصالحه. وكان بلير قد أعلن في اكتوبر 2004 انه لن يسعى لولاية رابعة، مما أدى الى تكهنات حول متانة زعامته ومدى صمودها، خاصة على ضوء سعي براون شبه المعلن لخلافته.
وبعد تلك الانتخابات أجرى بلير تغييرا حكوميا خفض فيه مراتب أنصار براون في الحكومة، مثل وزير الخارجية جاك سترو ووزير الدفاع جيف هون لصالح أنصاره مثل جون ريد، الذي صار وزيرا للداخلية. لكن هذا الأمر أثار حفيظة العماليين من نواب المقاعد الخلفية الذين قالوا ان نية بلير المعلنة التنحي أضعفت الحزب وجعلته "بلا زعامة حقيقة" وطالبوه بـ"إعلان موعد قريب لاستقالته". وفي 5 سبتمبر 2006 وقع 17 نائبا عماليا خطابا الى بلير يطالبه بالتنحي، واليوم التالي قدم سبعة من المسؤولين في الحكومة استقالاتهم احتجاجا على بقائه، وفورا وجه أنصار بلير أصابع الاتهام إلى براون قائلين انه يدبر "انقلابا" على رئيس الوزراء.
وقد وصل براون الى الكرسي الأعلى في البلاد بعد فوزه داخل الحزب بالتزكية إذ لم ينافسه أحد على الخلافة. وسيكون أول رئيس وزراء بريطاني من دائرة انتخابية اسكوتلندية منذ اليك دوغلاس هيوم (رغم ان بلير نفسه اسكوتلندي، فقد جاء الى السلطة من دائرة انجليزية). وسيكون براون أيضا واحدا من عدد قليل من رؤساء الوزراء الذين تلقوا تعليما جامعيا خارج أوكسفورد أو كيمبريدج.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن