حالة الطبقة العاملة في الصين الشعبية


مجدي الجزولي
2007 / 2 / 15 - 09:47     

الشمس تغرب
والأفق أحمر
ها هو دينغ شاوبنغ قادم
للموسرين خير خادم
أما لغيرهم فقوله: لا يتدخل أحدكم في ما لا يعنيه!!

الأبيات القليلة أعلاه مقطع من أهزوجة شعبية راجت بين العمال الصينين في السنين التي أعقبت التوجه الصيني (بناء الاشتراكية بوسائل رأسمالية)، والذي أعلنه الرئيس دينغ شاوبنغ في العام 1979م، ثم تطور وتوطد لاحقاً عبر عدة مراحل أهمها السياسات التي أقرها المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر 1997م. بفضل هذه السياسات حققت الصين معدلات نمو من رقمين لكل عام خلال العقدين الماضيين. هذا بحساب الأرقام الباردة؛ أما بحساب الواقع الذي يطرح إجابة السؤال المكروه "لصالح من؟" فقد حققت الصين (بناء الرأسمالية باستغلال الاشتراكية)، وفي ذلك أجادت وأفرطت، حتى تأبد زورها في ألحان الطبقة العاملة الصينية.

مناسبة هذا الانتباه إلى النمط الصيني للتنمية هي الجولة الإفريقية للرئيس هو جنتاو والتي اختار فيها بلادنا محطة فنزل ضيفاً مكرماً، ولا تثريب. لكن بخلاف مسار العلاقات الصينية السودانية منذ الاستقلال أخذت العلاقة تحت حكم النظام الحالي أبعاداً لا يمكن التغافل عنها عند اعتبار شأننا الداخلي، فالصين هي الحليف الأكثر بأساً للنظام، هي في حساب مصلحته المصدر الأول للسلاح والتكنولوجيا ورأس المال والقروض الميسرة والهبات، وآخرها سخرية ربما نية الرئيس الصيني بناء قصر رئاسي لرصيفه السوداني! بالإضافة إلى المصالح المعلومة تنضح نبرة المسؤولين السودانيين بالنشوة والانبهار كلما جاء ذكر المثال الصيني. ومثار الدهشة بالطبع ما حققته الصين من (قفزة) تنموية خلال العقود الأخيرة. ليس غرض هذه الكتابة إفساد الحبور بالصين هكذا دون تعليل، فذلك مما يؤلم، آخذين في الاعتبار أن الصين كانت حتى عهد ليس ببعيد رمزاً من رموز التحرر الوطني والاستقلال في العالم الثالث، ومناراً لطريق مستجد في النهضة الوطنية، هذا رغم تعقيدات الوضع الداخلي في الصين شداً وجذباً بين مواقع القوى داخل جهاز الحكم على حساب الشعب وباستغلاله. بتعبير بسيط: في عصر التنمية الصينية قفزت أقلية إلى الأعلى بينما كان نصيب الأغلبية السقوط إلى حضيض من البطالة والاستغلال والخراب البيئي والتلوث المهلك. ليس هذا وحسب وإنما كان نصيب الصينين تراكب البطش باسم الاشتراكية (أم دق) والاستغلال تحت رايات التنمية الرأسمالية، حتى عادت صورة الرئيس ماو تعلو قناة المظاهرات العمالية كونه أصبح أسطورة للزهد والنقاء الثوريين. والداعي أنه بالمقارنة مع كبائر الليبرالية الجديدة تبدو أهوال (القفزة العظيمة إلى الأمام) و(الثورة الثقافية) مجرد لمم يسهو عنه الوعي.

"لي سيلينغ عاملة مهاجرة تبلغ من العمر 37 عام، واحدة من 130 مليون تركوا مجتمعاتهم الريفية للعمل في المدن المزدهرة شرقي الصين. عادة ما تعمل اليوم كله وكذلك جل الليل حتى الساعات الأولى من الصباح. تشكل تحويلات هؤلاء العمال المهاجرين إلى الأرياف أكثر من 50% من دخل الفلاحين والعمال الريفيين في الأقاليم الصينية. غادرت سيلينغ بلدتها في محافظة أنهوي بالقرب من شنغهاي وهي بعد مراهقة في الخامسة عشر من العمر، ذلك بعد وفاة والدها مباشرة. في البدء وجدت عملاً في مطعم براتب قدره 12 دولار أميركي في الشهر بينما كان أقرانها من سكان المدينة يتلقون خمسة أضعاف هذا المبلغ لذات العمل. بعد ذلك أصبحت بائعة في محل للملابس نظير 42 دولار في الشهر، لا تقارن مع مبلغ 900 دولار التي يحصل عليها زملاؤها من سكان المدينة" (نيو إنترناشيوناليست، سبتمبر 2004م). تتطلب إضاءة هذا التقرير النظر في بعض السياسات التي اختطها ماو لدفع "تصنيع" الصين، ومن ثم أصبحت جزءاً من الترسانة الإدارية التي تضبط بها السلطات الصينية الحراك الاجتماعي في البلاد لما يصب في تخفيض سعر العمل قسراً وخارج أطر السوق. مباشرة بعد الثورة في 1949م أصدر قادة الحزب قراراً بإغلاق المدن في وجه المهاجرين من الأرياف بدافع الحفاظ على الأمن وتقييد حركة السكان، وبالدرجة الأولى الحيلولة دون انفجار المدن سكانياً بالنظر إلى ما يصحب ذلك من صعوبات في الإدارة وتوفير الخدمات. في منتصف الخمسينات من القرن الماضي ازداد هذا التقييد صرامة بهدف المحافظة على تقسيم العمل بين المدن والأرياف بحيث يبقى الفلاحون في مزارعهم لضمان الإنتاج الغذائي، ويمكن هندسة سكان المدن في اتجاه التحول الصناعي بتركيز الاستثمارات الحكومية. لذا تضمنت سياسات التصنيع القسري التي أعلنها ماو زيدونغ تحت شعار (القفزة العظيمة إلى الأمام) أوامر بإعادة الفلاحين الذي تسللوا بطريقة أو أخرى داخل المناطق الحضرية إلى قراهم طبقت بحرفية تامة. لاحقاً أخذ هذا النظام طابع "الآبارثايد" وذلك بتدشين جهاز إداري للتسجيل السكني (نظام هوكو) في أول الستينات. تبعاً لهذا النظام فرضت السلطات على سكان الأرياف البقاء في الأقاليم التي ولدوا فيها، بحيث يواجهون بالحرمان من حقوق السكن والتعليم والعمل والمعاش، وكذلك الحصص التموينية، وبالطبع حق التصويت والترشيح، إذا خاطروا بالهجرة إلى المدن (زولينغر، 2004م). بالطبع ما كان لهذه القبضة الحديدية إلا أن ترتخي في إطار سياسات الرسملة التي إتبعها دينغ شاوبنغ، إذ انهارت (الكومونات) الفلاحية التي كانت عماد نظام (الهوكو)، لكن تبقت الإجراءات الإدارية التي تحاصر حراك السكان فاعلة. لذا فإن على لي سيلينغ أن تدفع رسماً نظير الحصول على إذن مؤقت للسكن في المدينة يخضع للتجديد الدوري، وليس لأطفالها الحق في تعليم مجاني، ولا تحق لها المشاركة السياسية، فهي عملياً مواطنة من الدرجة الثانية. كما تتعرض كغيرها من المهاجرين للتحرش والابتزاز المنتظم من قبل البوليس ورجال الأمن.

إن الوضع القانوني لهذه الفئة من العمالة يجعلها عرضة لأقسى أشكال الاستغلال الرأسمالي، فهؤلاء العمال إما غير قانونيين أو يتكسبون في لحظة غفلة قانونية متعمدة. بجانب الحرمان من حقوق السكن والمعاش والرعاية الصحية غالباً ما يتم توظيفهم دون عقود ملزمة. وتتراوح أجورهم على أفضل حال ما بين 60 و125 دولار في الشهر لساعات عمل تبلغ 12 ساعة في اليوم وعلى مدار 6 أو 7 أيام في الاسبوع. وفي حالات أخرى لا تزيد أجورهم على دولار لليوم الواحد يدفعون جلها لتغطية تكاليف السكن والإعاشة وأذونات السكن والعمل. كما يرزحون تحت ظروف سكن تماثل الاعتقال أو تكاد، عادة ما يتشاطرون سقف مجمع مغلق موزعين عشرين أو يزيد على عنابر بمساحة 20 متر مربع. لا يسمح لهم بمغادرة مجمعات السكن هذه إلا بإذن مكتوب. بحكم أن هؤلاء العمال لا يمكنهم قانوناً الانتظام في نقابة تمثلهم فلا سبيل لديهم للاحتجاج إلا اللجوء إلى محاكم تثقل كاهلهم بالرسوم، أو العنف. إذا تجاهل المرء هذه الأوضاع فإن مظلمتهم البارزة هي عزوف مخدميهم عن دفع أجورهم لشهور تمتد إلى عام كامل. في العادة يتلقى العمال من هذه الفئة جزءاً فقط من أجرهم السنوي مرة في العام، وذلك في موسم (مهرجان الربيع) عندما يعودون إلى قراهم للاحتفال بالأعياد. تقدر مسوحات رسمية أن 70% من العمال المهاجرين في الصين، أغلبهم في قطاع البناء، لديهم مستحقات أجور متأخرة على مخدميهم تبلغ في مجموعها الكلي 15 مليار دولار. علاقة عمل كهذه لا تعريف لها سوى (العبودية)، فهؤلاء العمال يكدحون ويكدون نظير سقف يأويهم ووجبات تسد رمقهم لا غير. بهذا المعنى فإن اقتصاد الازدهار الصيني يقوم في جانب عظيم منه على أكتاف 10 ملايين من (الرقيق) بحسب تقدير متواضع (غلوب آند ميل، 22/10/04م).

في بحثها الذي اعتمدنا عليه آنفاً قدرت دوروثي زولينغر أستاذة العلوم السياسية بجامعتي كولومبيا وكاليفورنيا أن الطبقة المسحوقة الجديدة في الصين تتكون من ثلاث فئات رئيسة: العمال العاطلين عن العمل والذين تم الاستغناء عنهم؛ والعمال المهاجرين من الأرياف إلى المدينة؛ وفقراء المدن. ثلاثتها كانت إما غير موجودة على الإطلاق أو تضاعف حجمها بمعدلات مهولة منذ الانقلاب الرأسمالي في 1978م. هذه الفئات ليست كماً ساكناً وإنما هي كتلة سياسية يخشى الحزب الحاكم في الصين أن تخرج عن الطوق. مثال ذلك ما سجلته الإحصاءات الصينية الرسمية عام 2003م من حوادث احتجاج وتظاهر علني بلغت 58 ألف وشارك فيها ما يزيد على ثلاثة ملايين من العاطلين والمفصولين والفلاحين. في الوقت الحالي يقدر عدد العاطلين عن العمل في الصين بستين مليون شخص، أما عدد العمال المهاجرين فيقدر ما بين 100 و200 مليون. جدير بالذكر أن مكتب الإحصاء المركزي الصيني أصدر تقريراً جاء فيه أن ما بين 20 إلى 30 مليون من سكان المدن قد انحدروا إلى مستوى الفقر في السنين الأخيرة. بحساب أفراد أسرهم يصل العدد الكلي إلى 40 أو 50 مليون، مع ضرورة الانتباه إلى أن هذه التقديرات لا تشمل المهاجرين إلى المدينة من أهل الأرياف (زولينغر، 2004م). في الواقع تتسق هذه الإحصاءات تمام الاتساق مع السياسة الرسمية التي ابتدرها دينغ شاوبنغ عام 1992م في جولته جنوبي الصين ثم أثبتها المؤتمر الخامس عشر (1997م) بإعلانه الجهير أن 35 مليون من العمال لا ضرورة لهم في الحقيقة، ويجب التخلص منهم في الحال غرض تعميق الإصلاحات الاقتصادية. في ذات المؤتمر أعلن الحزب الشيوعي الصيني أن قراراً قد صدر بإلغاء السكن المدعوم وطرح الإسكان الحكومي للتعامل التجاري. حمى التجارة لحقت حتى بالجيش الصيني الذي أصبح يضغط بشدة في إتجاه إلغاء حقوق المجندين في التأمين الصحي والمعاش. كما تناقصت لذات السبب نسبة طلاب الجامعات من أصول عمالية وفلاحية لتبلغ 1% فقط بالمقارنة مع 20% في عهد مضى.

كما تذبح الصين عمالها قرباناً لمعجزات التنمية كذلك تفعل مع البيئة الطبيعية، فبين أكثر 10 مدن في العالم مصابة بالتلوث الجوي تفخر الصين بسبعة أبرزها شانغهاي التي تتفوق على نيويورك من ناحية تركيز الجزيئات الملوِّثة أربعة عشر ضعفاً. أما المخزون المائي فقد تجاوز بتلوثه سقف السلامة، إذ لا تحظى النفايات الكيمائية ولا الفضلات البشرية بأية معالجة قبل أن أن تصب في أنهار الصين، هذا ما عدا نسبة لا تتجاوز 20%. لهذا السبب لا يمكن في أي موقع في الصين الشرب مباشرة من شبكة المياه، باستثناء بضع فنادق مخملية مزودة بنظم خاصة للتنقية. بالإضافة إلى أن الصين قد فقدت تقريباً كل غطائها الغابي إلا 3%.

أكثر المعلومات إيلاماً في صدد القفزة الصينية وردت في دراسة أعدتها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع جامعة هارفارد: تنتحر أربعة ملايين من النساء الصينيات كل عام، أي 57% من نسبة الانتحار وسط النساء على مستوى العالم، مع الإشارة إلى أن مواطنات الصين لا يزدن على 21% من ساكنات العالم.

يتبع
فبراير 2007م


المصادر
(1) Chris Richards: To Whose Voices is the Chinese Communist Party Listening – the Capitalists or the Workers? The New Internationalist, September 2004.
(2) Dorothy Solinger: The Creation of a New Underclass in China and its Implications; Paper prepared for POSRI International Forum on China’s Development: “Key Challenges for China’s Sustained Growth”, Seoul – Korea, 10 – 11 November, 2004.
(3) Geoffrey York: China’s Slave Workers, Globe and Mail, 22/10/2004.