العلاقة الأردنية الفلسطينية في ضوء خبرة عصبة التحرر الوطني في فلسطين 1948-1951*


ابراهيم حجازين
2006 / 10 / 1 - 10:46     

الحلقة الثانية
خلفية تاريخية
أعلنت عصبة التحرر الوطني في فلسطين رسميا عام 1944 وذلك بصدور أول نشرة لها تضمنت بيانها الأول وأسماء لجنتها المركزية .
جاء ظهور العصبة استجابة لضرورة موضوعية فرضتها الظروف والعوامل والمتغيرات التي جرت في فلسطين نتيجة لسياسات الانتداب البريطاني والنجاح الذي حققه المشروع الاستيطاني الصهيوني بدعم وتأييد من سلطات الانتداب ، مما أدى إلى تغيرات اقتصادية واجتماعية في المجتمع العربي الفلسطيني ،أفرزت قوى اجتماعية جديدة تتكون أساسا من فئات وسطى ومثقفين وعمال وصغار الكسبة ونشطت هذه القوى وبحثت لها عن دور في النضال الوطني خارج هيمنة القيادة العربية التقليدية بزعامة الحاج أمين الحسيني ، وتأثرت القوى الجديدة بعاملين اثنين حددا مصيرها :الأول إنها ظهرت وانخرطت في العمل الوطني في ظروف الحرب العالمية الثانية والنضال ضد الفاشية وكان للانتصارات التي حققها الاتحاد السوفيتي دور هام في مصيرها ، والثاني أن عددا من النشطاء في هذا التيار الجديد كانوا أما من الأعضاء السابقين في الحزب الشيوعي الفلسطيني وخرجوا أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى منه رافضين سياسة الحزب الذي فشل في طرح برنامج قومي واقعي لحل القضية القومية في فلسطين ، حيث إنه بحكم نشأته في صفوف اليشوف اليهودي ( التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ) كان من الصعب أن ينظر إلى القضية القومية كقضية عربية ، ولهذا لم ينجح الحزب في صياغة سياسة مقبولة من الشيوعيين العرب ، أما الآخرين فهم من الشيوعيين الذين غادروا الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1943 على إثر الانقسام القومي فيه ، هؤلاء انضموا إلى الجهود الرامية لتأسيس العصبة . ومن الجدير ذكره أن مجموعة أخرى لعبت دورا مهما في هذا المجهود ومنها بعض النقابيين والمثقفين العرب المنظمين في هيئات ومنظمات كان الشيوعيون نشطاء فيها بالإضافة إلى عدد من المتعلمين الذين درسوا في الجامعات العربية والأجنبية .
إذن تشكلت العصبة في الظروف المشار إليها ومن التيار الوطني ذي الارتباط بقواعد اجتماعية وشعبية واسعة ، مما أضفى على العصبة خصائص لحظة الولادة فظهرت كمنظمة قومية تحررية وديمقراطية ذات توجهات يسارية ، وهذا يستدل عليه من البرنامج الذي أصدرته عام 1944.
طرحت العصبة في برنامجها الموقف من القضية الفلسطينية ، حيث اعتبرت أن جوهر القضية قومي تحرري عربي ، إذ يسعى الشعب الفلسطيني كبقية الشعوب المناضلة ضد الاستعمار للتخلص منه وأن يستقل في دولته ، لهذا رفعت العصبة شعار التخلص من الانتداب البريطاني، وإقامة الحكم العربي في دولة فلسطين ، لأن ذلك "هو مطلب الشعب" .
لكن العصبة تميزت في ربطها الوثيق بين المطلب القومي في التحرر وبين مصالح أوسع الفئات الشعبية ، "وهذه الجماهير هي المشاركة بنشاط واسع في فعاليات العمل الوطني لكن مغيبة بشكل فعلي كمصالح اجتماعية وسياسية" كانت تقول العصبة في أدبياتها . وهكذا تميزت العصبة عن بقية القوى السياسية بأن رفعت إلى مستوى أرقى مطالب هذه الجماهير ورفدت بإبداعاتها وتضحياتها النضال الوطني .
لم تكتف العصبة بذلك بل رأت أن الديمقراطية مطلب أساسي لنجاح نضال الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال . فنظرت إلى الحرب العالمية الثانية على أنها حرب ديمقراطية ضد النازية والفاشية من أجل التحرر من الظلم ومن اجل الاستقلال ، لذا رأت العصبة أن هذا ينطبق على الوضع الراهن في فلسطين "لأن مطلب الشعب العربي هناك كان ديمقراطيا وينطبق عليه ما ينطبق على النضال العالمي ضد الفاشية .
وقد رأت العصبة أن تحقيق أمال الشعب في التحرر يتطلب أن تكون الديمقراطية هي أساس العلاقة بين القيادات الفلسطينية والشعب بحيث يستطيع أن يعبر عن أرائه ومصالحه بحرية وبمشاركة فاعلة في النضال التحرري .
وهكذا استطاعت العصبة في بداية انطلاقها أن تضع النضال الوطني في إطاره السليم كقضية شعب له الحق في التحرر الوطني وتقرير المصير وإقامة دولته على أرضه .
هذه السياسة سارت عليها العصبة منذ تأسيسها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، ومن ثم بدأت تطرأ تغيرات عليها ترافقت مع تصعيد حدة النقد السياسي لسياسة القيادة الفلسطينية آنذاك بزعامة الحاج أمين الحسيني .
بعد الحرب العالمية الثانية توسعت العصبة ووثقت علاقاتها مع الجماهير من خلال المنظمات الجماهيرية : العمالية والنقابية والتعاونية وروابط المثقفين والطلاب . كما استبدلت العصبة شعار إقامة الحكم الديمقراطي الذي يأخذ بعين الاعتبار حقوق الأقلية اليهودية في فلسطين بإقامة الحكم العربي وبررت قيادة العصبة ذلك بضرورة تخليص اليهود من هيمنة الحركة الصهيونية ومن أجل ربط مصالحهم بالجماهير العربية الساعية لاستقلال فلسطين والتخلص من الانتداب البريطاني ، لأن الحركة الصهيونية كما ترى العصبة لا ترغب في استقلال فلسطين الذي يتعارض مع مصالحها الاستعمارية ولأن مصلحة بريطانيا تكمن في تكريس الشقاق بين العرب واليهود حتى تطيل أمد سيطرتها على فلسطين لذا وجب العمل على إيجاد لغة مشتركة مع اليهود .
في المرحلة بعد الحرب العالمية الثانية أكدت العصبة على ضرورة توثيق العلاقات مع الإتحاد السوفيتي حيث طرحت العصبة هذا الموقف بعد الفيتو السوفيتي لصالح سوريا ولبنان في مجلس الأمن ، مما دعا العصبة للمطالبة بنقل المسألة الفلسطينية من رعاية الحكومة البريطانية ومؤامراتها إلى الأمم المتحدة ، حيث لنا " أصدقاء عديدون وفي مقدمتهم الإتحاد السوفيتي ".
هاجمت العصبة بشدة اجتماع لندن الذي دعت إليه الحكومة البريطانية بالتنسيق مع الجامعة العربية بين الهيئة العربية العليا ( القيادة الفلسطينية آنذاك ) والحركة الصهيونية وكانت ترى فيه محاولة لتكريس الهيمنة البريطانية وتنفيذ خططها وتحقيق مصالح الصهاينة خاصة في موضوع الهجرة اليهودية. وأدانت العصبة سياسة المهادنة التي تتبعها القيادة التقليدية الفلسطينية ودعت إلى انسحاب الوفد الفلسطيني من اجتماعات لندن .(وهذا يذكرنا اليوم بسعي الولايات المتحدة وإسرائيل لإبعاد القضية الفلسطينية عن الأمم المتحدة )
من المفارقات في مسيرة العصبة أنه بعد أن أحالت بريطانيا المسألة الفلسطينية إلى هيئة الأمم التي شكلت لجنة دولية لوضع حلول للقضية ،كما كان مطلب العصبة ، رفضت عصبة التحرر لقاء اللجنة خضوعا لقرار القيادة التقليدية التي طالما انتقدتها ، لكن مجموعة من قيادة العصبة التقت اللجنة وطرحت أمامها جذور القضية الفلسطينية وسبل حلها ونتيجة لذلك تمت معاقبة أعضاء العصبة المعارضين لقرار المقاطعة ، وكان هذا من النذر الواضحة لانشقاق العصبة لاحقا .
لكن بعد أن أدركت العصبة الخطأ الفادح الذي ارتكبته ، أرسلت مذكرة للجنة الدولية تحمل رؤية العصبة للأوضاع وطرق حلها آخذة بعين الاعتبار التغيرات التي طرأت في فلسطين . وجاءت أطروحات العصبة ملتزمة بإطار الحل الديمقراطي ، حيث رفضت العصبة في هذه المذكرة وفي أدبياتها اللاحقة أي حل يقترح تقسيم فلسطين باعتبار أن ذلك يتعارض مع الحل الديمقراطي ومع حق الشعب العربي في تقرير مصيره ، والتزمت العصبة بهذا الموقف حتى عشية صدور قرار الأمم المتحدة رقم 181 المعروف بقرار التقسيم .
دخلت العصبة مرحلة جديدة بعد صدور قرار التقسيم وموقف الإتحاد السوفيتي المؤيد للقرار . لقد بدأت المرحلة الأخيرة من تنفيذ الشروع الاستعماري –الصهيوني .

*هذا بحث عن موقف عصبة التحرر الوطني في فلسطين السلف المباشر للحزب الشيوعي الأردني من العلاقة الأردنية الفلسطينية وهو موضوع تم بحثه رسالة الدكتوراه للكاتب بعنوان "عصبة التحرر الوطني في فلسطين 1943-1951 " صادرة عام 1991 من بلغاريا .