الطبقة العاملة السورية تبحث عن حزبها .. 3


بدر الدين شنن
2006 / 2 / 4 - 10:28     

لم كافياً القول ، أن ا ستعصاء الأزمة السياسية السورية الشاملة على الحل ، يعود إلى ضعف المعارضة التي تتصدى لأكثر من خمس سنوات لمهمة إيجاد هذا الحل ، ولم يعد كافياً القول ، أن هذا الضعف يعود إلى القمع المتوحش ، الذي تعرضت له طوال عقود من السنين في السابق ، وإلى الحصار الأمني والإعتقال الإنتقائي ، الذي تتعرض له في الظروف الراهنة . فهذه أمور من بديهيات الصراع بين نظام ا ستبدادي وبين قوى تتصدى له ، وتعمل على تغييره " ا سقاطه " ، بل ينبغي البحث عن حقيقة هذا الضعف في داخل المعارضة ذاتها .. في بنيتها وا ستراتيجيتها وبرامجها وآلياتها ,, وفي دور قوى ثالثة " الخارج " في مسرح الصراع

ليس بشئ من الأسرار ، القول ، أن القوى الي تقود النضال حتى الآن لتحقيق التغيير الديمقراطي ، والقوى التي تقبض على السلطة في النظام ، تنتمي إلى طبقة اجتماعية واحدة . ولهذا فإن ما طرح من شعارات ديمقراطية وتغيير ديمقراطي ، كان ومازال ، من البيانات الأولى للمعارضة حتى إعلان دمشق والإعلانات الموازية والمزايدة ، جاءت في إطار النظام الاجتماعي نفسه ، أي تحرير النظام من الفساد والاستبداد ، وتحقيق المشاركة في السلطة والثروة وفي صنع القرارات السياسية والاقتصادية ، وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم على اسس دستورية تؤمن تداول السلطة سلمياً عبر صناديق الاقتراع . ولقد برهنت الأيام أن ما طرح من قبل النخب المعارضة ، كان طرحاً هاماً متميزاً ، حرك شرائح ثقافية ونخب سياسية ، وأضاء عفن النظام وضرورة الديمقراطية ، إلاّ أنه ، كما كررنا سابقاً ، ليس كافياً لإحداث نهوض شعبي واسع يحمل مشروع التغيير المعلن ، لإفتقاره إلى البعد الاجتماعي . أي تبني فهم القوى الشعبية للتغيير الديمقراطي المعبر عن مطالبها وحقوقها وحرياتها . وبدلاً من تلافي هذا النقص ، بعد اتضاح العجز ، بالتوجه إلى القوى الشعبية ، وإلى إغناء مشروع التغيير الديمقراطي بطاقاتها الكبيرة المبدعة وبمطالبها وحقوقها المشروعة ، كان طرح برامج وحلول اقتصادية منفرة للقوى الشعبية ، مثل تصفية القطاع العام والقبول باقنصاد السوق والإنخراط في عالم " العولمة " المتوحشة . وكان التفكير والتوجه للإتكاء على " الخارج " ، رغم العلم بأن همه الأساس توظيف طرفي الصراع في البلاد في مشروعه الخاص في إعادة تشكيل الشرق الأوسط ، وتأمين مصالحه البترولية ،وا ستغلال البعد الجيو - سياسي للمنطقة في بسط هيمنته على العالم ، مستخدماً في ذلك التلويح بالديمقراطية لكسب المعارضة ، والتلويح بعصا لجنة التحقيق الدولية بمقتل " رفيق الحريري " والتهديد باحتمال الحرب المدمرة لتسريع جذب النظام إلى حظيرته وخدمته . وهذا ما أضاء معطى شديد الأهمية ، وهو التقاطع في هذه المسالة أيضاً بين طرفي الصراع ، بسبب الجذر الطبقي المشترك

وفي ضوء ذلك ، تبرز الآن على السطح العلاقات والإحتكاكات والتناقضات بين اللاعبين الثلاثة في حالة من الاستقرار النسبي . المعارضة تعمل على توظيف التوتر بين النظام والخارج لتعوض النقص في قدراتها في مواجهة النظام ، لكنها وبسبب الخلفية الوطنية لمعظم قواها تتردد في الغوص إلى ما هو ابعد في التعاطي مع الخارج ، وهذا الموقف بمحصلته يصب الماء مؤقتاً في طاحونة النظام . والنظام يقوم بلعبة مزدوجة ، يوظف موقف المعارضة " الوطني " ويوظف الخوف الشعبي من عرقنة الوضع السوري ، ويوظف خوف الخارج من احتمال قفز بديل راديكالي ديني إلى السلطة ، لإيجاد التقطعات مع الآخريين لتأمين ا ستدامته

وحتى تارخه ، كما تفيد المعطيات المتواترة ، فإن تقدماً ما قد تحقق في مصلحة النظام والمعارضة والخارج . وهذا يفسر الهدوء الملحوظ في الصراع الجاري ، إذ لم يعد ديدن " الخارج " أميركا وفرنسا وبريطانيا تحديداً هو شن الحملات على مدار الساعة ضد النظام ، وظاهرة خدام تكلست ، وقضية " الحرير " حجمت مساحتها في مكاتب لجنةالتحقيق بعيداً عن الإثارة والإعلام ، والمعارضة بلغت حدأ من القناعة المؤقتة بما كسبت من تطبيع مع النظام وبما كسبت من الحضور الخارجي . بكلام آخر النظام باق بصيغة انتقالية ، ريثما تنضج شروط جديدة قادرة على تعديل سقف التفاهمات ، التي تمت بين الداخل والداخل وبين الداخل والخارج، للولوج في مرحلة جديدة

وهذا يدل بوضوح على أن معظم القوى التي تخوض معركة التغيير الديمقراطي ليست جذرية ، ولاتملك برنامجاً مطابقاً في الداخل ، ولاتخوض صراعاً حاسماً مع النظام . بل تحمل عقلية " التوافق " والمساومة والمشاركة وتداول السلطة والمصالح معه ، ولديها نزعات غزلية تجاه الخارج ، بسبب انتمائها الطبقي المتجانس مع قوى النظام ، وبسبب تقييمها المغلوط للدور الأميركي في عالم " العولمة . وهذا من جهة أخرى ما يفسر إحجام هذه القوى عن التوجه إلى تفعيل مبرمج ، مهما كان الوقت الذي يتطلبه ذلك " للحراك الشعبي وخاصة الطبقة العاملة المتمركزة في القطاع العام وفي الفضاء العمالي بشكل عام . وهوما يطرح بمشروعية السؤال حول مآل عملية التغيير الديمقراطي ذاتها ، وحول كيف وإلى أي مستوى ولمصلحة من سيتحقق التغيير ؟

وفي هذا يكمن العجز في صفوف المعارضة ، وفي النفخ في حجم الفائدة من الرهان على دور الخارج ، الأمر الذي ألحق الضرر الكبير والتباطؤ في مسار عملية التغيير الديمقراطي برمتها . وكشف أن عملية التغيير هذه .. عملية ا سقاط نظام ا ستبدادي شمولي يتمتع بإمكانيات وآليات عسكرية وقمعية وسياسية كبيرة ، وله علاقات ومصالح إقليمية ودولية ليست بالقليلة ، هي مهمة ثورية كبيرة تتطلب حراكاً هو أكبر بكثير من حركة نخبوية بينية ثقافية وسياسية .. تتطلب حراكاً شعبياً واسعاً ، يقوده تحالف قوى اجتماعية متجانسة ، صاحبة مصلحة جذرية في التغيير الديمقراطي ، قوى تحمل مشروعها السياسي - الاجتماعي المتكامل لبناء مجتمع ديمقراطي راسخ ، أكثر حرية وعدالة وكرامة ، مجتمع منفتح على إمكانيات التجديد والتطوير ديمقراطياً .. أرقى .. فأرقى اجتماعياً حسب احتياجات ومصالح وقناعات الأكثرية المجتمعية ، التي ستفضي حسب قوانين التطور الاجتماعي إلى إحدى تجليات الاشتراكية

وهذا لن يتحقق بدون أداة ثورية .. بدون حزب عمالي ماركسي .. حزب شيوعي ديمقراطي من طراز جديد نابع بالدرجة الأولى من صفوف الطبقة العاملة ومن جموع الفقراء والمثقفين العضويين ، حزب يوحد كل التيارات الماركسية واليسارية ، ويلعب دورأ أساسياً في تقوية وتعزيز عملية التغيير الديمقراطي . إن قيام هذا الحزب الآن لاسقاط الاستبداد وإعادة بناء سوريا ديمقراطية قوية منفتحة على السمت الاشتراكي أصبح ضرورة مصيرية بامتياز