الماركسية و-تشريح العقل الرعوى--6-


محمود محمد ياسين
2017 / 3 / 4 - 21:49     

فى هذه الحلقة نود طرح مسألة أن نقد أطروحة "تشريح العقل الرعوى" من منطلق المادية التاريخية يكتسب أهميته من أن معارضة فكرة "نقد العقل" لن تكون مجدية إذا كانت بمفاهيم ثقافية أخرى.

بداية وكنقطة عامة، إن مؤلف أطروحة "تشريح العقل الرعوى" إتخذ موقفاً متجاهلاً حيال بعض نقاده الذين كشفوا ضعف أطروحتة بعدم الرد على ملاحظاتهم النقدية حول عدم علمية البحث الذى قامت عليه الأطروحة خاصة فيما يخص مصطلح العقل الرعوى ومنهجية إجراء دراسات الظواهر الإجتماعية. وقد لمح المؤلف فى إحدى مقالاته أن مثل هذا النقد لا يوبه به. لكن إختيار عدم الرد من قبل المؤلف كان موقفاً غريباً لأن الملاحظات النقدية التى وجهت لللأطروحة، حول منهجيتها، لا يمكن لأى باحث جاد تجاهلها. ولكن الأغرب والمثير للدهشة هو أنه رغم أن حق التحفظ فى الرد مسالة مفهومة، فإن مؤلف الاطروحة ربط عدم رده بان له مجموعة من المعجبين بما يكتب تراسله بشكل خاص عبر وسائل التكنولوجيا الرقمية وهذا يكفيه، "وحمدو فى بطنه". وهكذا رسب المؤلف فى الدرس الثانى فى علم السياسة (الدرس الاول ذكرناه فى المقال رقم 4 وهو إتخاذ الهجوم الشخصى بديلاً عن إبانة الاساس الإجتماعى للأفكار). والدرس الثانى تتضمنه مقولة لسياسى أمريكى: إن الحق معك فى أن تكون لك وجهة نظرك الخاصه بك. لكن لا حق لك ان تكون لك حقائقك الخاصه بك
“You are entitled to your opinion. But you are not entitled to your own facts.”

أردت من إيراد الفقرة السابقة الإشارة الى أن النقد الذى ذكرته فى الفقرة أعلاه كان نقداً فعالاً فيما يخص منهجية الأطروحة المذكورة وبرهاناً على أنها مغلوطة لإفتقارها إحترافية علمية فى إجراء البحوث المتعلقة بالظواهر الإجتماعية. ولكن مشكلة الاطروحة الكبرى هى أساسها النظرى. فإن فكرة دراسة التاريخ والظواهر الإجتماعية عبر "نقد العقل" سواء كان رعوياً أو غيره يمثل أكثر أنواع التحليل الثقافى، فى مضمار الدراسات المذكورة، بدائية لإرتكازه على مثالية بالية هى المثالية الذاتية.....

ليس مجدياً عند محاولة كشف مغزاها بالنسبة للعمل السياسى نقد الاطروحة من منطلق التفكير الفلسفى المثالى: منطلق مثالى بمعنى نقد فكرة إعتماد الاطروحة القائمة على عامل ثقافى بعامل ثقافى أوعوامل ثقافية أخرى. وغالبا ما يدافع نقاد الاطروحات اوالمقولات المصاغة بعوامل ثقافية، عن نقدهم لها بأدوات تحليل ثقافية بانه يتم على اساس ماركسى غير تقليدى. لكن الحذر يكون مطلوباً عند الكلام عن ماركسية تقليدية؛ فبالنسبة للأساس المادى للماركسية لا توجد ماركسية تقليدية وأخرى غير تقليدية. الماركسية هى ”التحليل الملموس للواقع الملموس على أساس مادى: إعطاء الأولوية للوجود المادى على الفكر“. تتطور ادوات التحليل ولكن التحليل الملموس للواقع الملموس على أساس مادى يبقى هو التحليل الملموس للواقع الملموس على أساس مادى، وهو يختلف عن التجريبية التى تجرى التحليل للواقع على أساس تقديم الفكر على الواقع. وعليه فلا توجد ماركسية تقليدية وأخرى غير تقليدية بل ماركسية متطورة فى مضمار التفكير وقانونه المنطق الشكلى والديالكتك المادى "وهو كل ما تبقى من الفلسفة". وجدير بالذكر هو أن التطور على صعيد المادية يكون فى الشكل (form) والشكل فقط.

إن الاطروحة تتنكر للسياق الإجتماعى الإقتصادى فى دراسة الظواهر وفى محاولة بائسة لشرح مصطلح "العقل الرعوى"، يذكر مخترعه بلا دليل أن ” العقل الرعوي منظومة قيمية ارتبطت بنشاط اقتصادي بعينه، وأسلوب حياة بعينها“؛ وفى الحقيقة هو مجرد كلام حشر حشرا ويتناقض مع ما جاء فى أطروحة "تشريح العقل الرعوى" بأن ” السودان لا يزال في مرحلة القبلية تتحكم في مجريات أموره بنية العقل الرعوي. فالدولة الحديثة في السودان، لم تقم بعد. وهي لن تقوم إلا بعد أن ننجح في تفكيك وإزالة بنية العقل الرعوي التي لا تزال ممسكة لدينا بخناق كل شيء.“ والشرح الذى قدمه المؤلف ما هو الا "مخارجة" فى ضوء أن مصطلح "العقل الرعوى"، كما مر، بينه وبين الواقع إنفصام مستعص. ثم إن فكرة " العقل الرعوي منظومة قيمية ارتبطت بنشاط اقتصادي بعينه" لا معنى لها إذ أن العقل، على حسب الأطروحة، هو ما يشكل الواقع فى التحليل النهائى.

إن مفهوم "نقد العقل" ليس جديداً فهو يرجع للفيلسوف المثالى الذاتى الألمانى ايمانويل كانط (1724 - 1804). كان كانط كفيلسوف مثالى ذاتى يؤمن بأن الافكار تأتى قبل المادة وأن معرفة الواقع مجرد أشياء يختارها وينظمها العقل. و عيَّب كانط الفلسفات التجريبية والعقلانية على اساس إهمالها للعقل لذاته فقد راى أنه لا يوجد فى العالم نظام لقوانين منفصلة عن عقل الإنسان، بل بالعكس فإن أفكار الإنسان هى التى تشكل العالم من حيث تركيبه المنطقى عبر التجربة. إن افكار كانط تمحورت حول نقد "العقل المحض".

إن طبيعة نقد "نقد العقل" من منطلق مثالى (آخر) يحدث عندما يتم بعقلانية تقع ضمن مجال مفاهيم وقيم الاتجاه الاجتماعى السائد. فخلافاً للمادية التى تعتبر مفهوم العقلانية مضمناُ فيها إذ أن الفكر هو انعكاس الواقع فى دماغ الإنسان وبالتالى فكل الأفكار العقلانية هى أفكاراً مادية، نجد أن التفكير العقلانى (الغير مادى) تفكيراً لانقدياً متعالياً على الواقع الموضوعى وقوانين تطوره ومنتهياً الى أن الأفكار هى ما يصنع الواقع المادى. وهكذا لا يمكن تعقل الحياة وفهمها من غير النظر اليها فى اطار العلاقات الواقعية وهى ذات طبيعة تناقضية والأشياء والاحداث فيها متداخلة ومربوطة فى اطار كلى: وهذا ما تفعله المادية التى ترى أن تطور الحياة يحدث من خلال صراع المتناقضات الذى ينتهى بانتصار الجديد ومن ثم سيطرته.

إن المادية التاريخية بخلاف المثالية التى تتنصل من الواقع فى دراسة التاريخ، لا تنطلق من البناء الفوقى فى دراسة التاريخ بل من تحليل انماط الإنتاج. ونمط الإنتاج يتكون من عنصرين: قوى الإنتاج ( وسائل الإنتاج -التكنولوجيا-، العمالة، المواد الخام) وعلاقات الإنتاج وتعبيرها الحقوقى هو ملكية وسائل الإنتاج وهى العلاقات التى يتحدد فى إطارها إستخلاص فائض القيمة من العمل المأجور. والعلاقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج علاقة تناقضية، وقوى الإنتاج لكى تلعب دورها كمحدد لتطور المجتمعات يتحتم على علاقات الإنتاج (نظام ملكية وسائل الإنتاج) ان تتغير.

إن التاريخ تحركه فى الاساس التناقضات الداخلية التى يعج بها نمط الإنتاج. فمسار التاريخ لا تحدده مكونات البناء الفوقى (كالأنظمة السياسية والإجتماعية والقانونية والأنساق الفكرية)؛ فالبناء الفوقى هو نفسه إنعكاس لظروف نمط الإنتاج ولا يُفهم الا فى إطار زمنه. إن التاريخ تحركه قوانين طبيعية ملازمة لضرورة داخلية نابعه من التناقاضات التى توجد فى المجتمع، وإن الرافعة لعمل هذه القوانين هو الاشكال الايديولوحية التى عادة ما تتخذها عملية التغيير. والافكار (مهما كان شططها وربما غرابتها) عندما تلعب دوراً مركزياً فى تواتر ومآل أحداث التاريخ، فإنها ليس أكثر من مظهر لقوانين تطور المجتمع التى تمثل العامل الحاسم فى التغيير.

إن نقد مفهوم "نقد العقل" إذا ما تم بمفاهيم فكرية مثالية يكون عراكاً ومبارزة فى البناء الفوقى بين أفكار وتصورات رغم الإختلاف بينها الا انها تنطلق من مبدأ واحد: الوعى يصنع الوعى (الذى يضطلع بالتغيير).