الفصل الثامن في االتناقض 2التميز والكونية في الماركسية اللينينية الجزا الثاني مهدي عامل


عليه اخرس
2016 / 12 / 7 - 09:26     

الفصل الثامن في االتناقض
2التميز والكونية في الماركسية اللينينية
الجزا الثاني
مهدي عامل
ومن شروط النقد أن يكون واعيا شروطه، فيكون علميا، ولا سيما إذا كان البحث ■
الذي يتناوله يفترض العلمية. ومن شروطه أن يكون واعيا منطق الآلية التي تتحكم في
218
عملية إنتاج المعرفة في حقل معين من حقولها، فالآلية هذه هي بالذات موضوع النقد.
ولفهمها في تميزها، لا بد من فهم هذا القانون الكوني الذي استخلصه الفكر الماركسي
اللينيني والذي هو قانون تفاوت التطور. هذا القانون يتحكم في حركة التاريخ المعاصر
وتخضع له مختلف أشكال هذه الحركة في حقولها الاجتماعية كافة. وهو الأساس
النظري لفهم علاقة التميز بالكونية، أو قل لفهم حركة التميز من حيث هي حركة تميز
الكونية نفسها. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الشمولية الهيغلية والكونية الماركسية:
فعلاقة أجزاء الكل في الأولى علاقة تماثل تسير في أفق التماثل، بسبب من انتفاء تفاوت
التطور فيها، أما في الثانية فهي علاقة تفارق، أي تميز، لأن حركة الكل هنا، من حيث هي حركة تكونن، ليست سوى حركة تفاوت تطور هذا الكل نفسه. (يمكن الملاحظة بهذا الصدد أن الشمولية السارترية، كما تظهر في كتاب « نقد العقل الديالكتيكي »هي شمولية هيغلية).

ومن الخطأ فهم تفاوت التطور على أنه حركة تفاوت كمي تلحق به أجزاء « متخلفة » من الكل بأجزاء اخرى « متقدمة » منه، داخل منطق واحد من التماثل النوعي بينها
إّن تقسيم العالم إلى بلدان « متطورة » واخرى ،« متخلفة » قائم في وجه منه على ،
أساس هذا الخطأ في فهم ذلك القانون الكوني. فتفاوت التطور يولد بالضرورة التميز
لأنه في أساسه تفاوت كمي ونوعي معا، أي تفاوت بنيوي تترابط فيه أجزاء الكل بشكل
تتميز فيه بعضها من بعض في حركة ترابطها داخل الكل الذي هو بنية بنياتها المترابطة.
في ضوء هذا الفهم لقانون تفاوت التطور نظرنا إلى علاقة التعقد بين التناقضات
البنيوية للبنية الاجتماعية، أي للكل الاجتماعي، وفي ضوئه أيضا نظرنا إلى بنية العلاقة
الكولونيالية في القسم الثاني من هذا البحث. فإذا نحن نظرنا الآن إلى تطور الفكر
الماركسي اللينيني في حركة تكوننه، رأينا أنه هو أيضا يخضع لهذا القانون الكوني الذي
استخلصه. فتفاوت التطور ظاهرة طبيعية في تطور الفكر الماركسي اللينيني، وليس،
كما يظن البعض، ظاهرة مرضية. ولا يعني القول هذا منا تبرير ً ا أو تفسيرا لما قد يكون
219
من هذا الفكر تقصيرا في بعض حقول المعرفة، فالمشكلة التي نعالج ليست مشكلة هذا
لها علاقة بحركة إنتاج الفكر الماركسي اللينيني في مجتمعاتنا الكولونيالية، وبعلاقة هذه الحركة بحركة تكونن هذا الفكر. لقد تكون الفكر الماركسي في عملية من نقد الاقتصاد السياسي كانت تتم في
إطار حركة تاريخية من نقض المجتمع الرأسمالي هي حركة صراع طبقي تقودها الطبقة
العاملة الثورية، فكان هذا الفكر النظرية العلمية لهذه الحركة الثورية، وكان في تميزه
نفسه كونيا:
أولاً: بسبب من كونية نمط الإنتاج الرأسمالي، بمعنى أن منطق التراكم الرأسمالي
كان يقود بالضرورة إلى توحيد العالم، فاكتسبت حركة نقض الرأسمالية بهذا طابعا كونيا
هو الأساس المادي لكونية النظرية الماركسية.
ثانيا: بسبب من كونية قانون الصراع الطبقي، بمعنى أن هذا الصراع هو القوة
المحركة للتاريخ في جميع مراحله، فكانت الماركسية الأداة العلمية الوحيدة التي تقدر
على فهم مراحل التاريخ هذه، وبالتالي، على فهم المجتمعات السابقة على الرأسمالية.
لذا، أمكن القول: إن الماركسية هي هي علم التاريخ بشكل عام، وعلم التاريخ هو العلم
الاجتماعي الوحيد، وهو بالتالي نقد لكل ما يظهر بمظهر « العلوم الإنسانية »من مختلف
الأيديولوجيات المعاصرة. فتفاوت تطور الفكر الماركسي في هذا الحقل لا يعني إذن،
تخلفه عن الإسهام في بناء هذه العلوم » او هذه الأيديولوجيات، كالأنتربولوجيا ،
مثلا، أو علم النفس الاجتماعي إلخ...، بل التخلف إن وجد ففي عدم نقده هذه
الأيديولوجيات بالذات من حيث هي أيديولوجيات.
ومع ثورة أوكتوبر الكبرى دخل التاريخ في طور انتقاله من الرأسمالية إلى ،
الاشتراكية، وكانت اللينينية النظرية العلمية لهذا الانتقال، فحددت قوانينه العامة، أي
استخلصت من تحقق العملية الثورية نفسها قوانين هذه العملية، فأتت القوانين هذه
220
كونية في تمييزها الماركسية بالذات. وما دام التاريخ يمر في دور انتقاله هذا، فإن
الماركسية اللينينية، تبقى النظرية العلمية الوحيدة لتاريخنا المعاصر.
ويستحيل فصل الماركسية عن اللينينية كما يستحيل فصل الكونية عن حركة
تميزها، أي عن حركة تحققها في وجودها الفعلي. ونحن من الماركسية اللينينية ننطلق
في إنتاج فكرنا الماركسي اللينيني، وحركة هذا الإنتاج تتم بالضرورة في إطار الحركة
التاريخية لنقض العلاقة الكولونيالية، وبالتالي، في إطار الحركة التحررية الوطنية.
فطبيعي إذن، أن يكون إنتاجنا الفكر هذا تمييزا له، بحكم قانون تفاوت التطور نفسه.
إن الحركة الثورية، في هذا الإطار من انتقال التاريخ من الرأسمالية إلى الاشتراكية،
تتصدى لمشكلات عملية ونظرية تختلف في البلدان الامبريالية عنها في المجتمعات
الكولونيالية أو في المجتمعات الاشتراكية. وما هذا الاختلاف سوى نتيجة لاختلاف
الشروط الموضوعية لعملية الانتقال هذه، أي نتيجة لتفاوت تطور الحركة الثورية
نفسها. لا شك في أن وحدة هذه الحركة تظل قائمة، برغم وجود ذاك الاختلاف، أو قل
بسبب منه، لأنها وحدة معقدة تترابط فيها حقولها بالشكل الذي يتفاوت فيه تطورها، أي
بالشكل الذي تتحدد فيه ماديا كنقض لمختلف الأشكال التاريخية المتميزة من وجود
الرأسمالية. هذا التعقد في وحدة الحركة الثورية يفرض على النظرية الثورية شكل
وجودها العلمي الذي ليس سوى ضرورة تميزها في كونيتها، أي ضرورة تمييز كونيتها.
هذا النهج من الممارسة النظرية هو هو النهج اللينيني. فالمنطق التاريخي لحركة تكونن
الماركسية اللينينية يضعنا إذن، في عملية إنتاج فكرنا الماركسي اللينيني، أمام ضرورة
مزدوجة، هي في الحقيقة واحدة في تعقد هذه العملية من الإنتاج المعرفي.
1 أن ننطلق من واقع الحركة الثورية في مجتمعاتنا، فيكون إنتاج فكرنا هذا إنتاجا
للوعي النظري لهذه الحركة في تميز تناقضاتها بالذات، داخل الحركة العامة لانتقال
التاريخ إلى الاشتراكية. فالبشرية حسب تعبير ماركس لا تطرح إ ّ لا مشكلات تقدر
على حلها، لأن طرح المشكلة يتضمن حلها بالضرورة، بسبب من كونها في أساسها

221
مشكلة مادية. وكل مشكلة لا حل لها هي مشكلة خاطئة، أي مطروحة بشكل خاطىء.
فالوصول إلى الاشتراكية لا يكون إلا بحل مشكلات، أي تناقضات فعلية يطرحها دومًا
بشكل متميز تطور حركة الصراعات الطبقية في بنية اجتماعية معينة. من هنا أتى الارتباط
الضروري للممارسة النظرية بهذه الحركة المحددة من الصراعات الطبقية. ومن هنا
أيضًا أتت الضرورة في أن تكون الممارسة النظرية، في تميزها بالذات كممارسة نظرية،
ممارسة حزبية، لقد ولى ذلك العهد الذي كان فيه الفرد يقوم وحده بعملية يقوم بها
الآن حزب الطبقة العاملة، أي الطليعة الواعية المنظمة من هذه الطبقة الثورية. لقد كان
ماركس وإنجلز، في القرن التاسع عشر، يمثلان هذا الحزب بالذات، في شروط تاريخية
لم تكن بعد فيها قد تكونت أحزاب شيوعية. وعظمة لينين تكمن بوجه خاص في بناء
أول حزب شيوعي قاد الطبقة العاملة وحلفاءها إلى النجاح في تحقيق ثورة اشتراكية
غيرت مجرى التاريخ البشري، فأدخلته في طور انتقاله إلى الاشتراكية، بعد أن كان
تطور الرأسمالية يميز طابع كونيته. إن النزعة الفردية البورجوازية هي التي تدفع بعض
المتفكرين إلى القول: إننا، في مجتمعاتنا الكولونيالية، بحاجة إلى ماركس آخر، أو لينين آخر،
أي إلى فرد « عبقري » يقود حركتنا التحررية إلى منتهاها الاشتراكي، وكأن
عقدة العقد في مشكلات هذه الحركة تكمن في غياب أو حضور هذا الفرد المنفذ.
وقد لا يقولون القول نفسه بالنسبة إلى البلدان الامبريالية، فيقعون، بتناقض القول منهم،
في هذه النزعة الأبوية الكريهة التي نجدها دوم ً ا في ظاهرة « الاستشراق » أي في هذه
الظاهرة الاستعمارية في نشأتها وتطورها ويفترضون ضمنا أن العملية الثورية ليست بحاجة إلى « نبي »
فرد إلا لأنها تتم في مجتمعاتنا .« المتخلفة »وإذا نظرنا بعين النقد العلمي إلى هذا القول، وهذه النزعة،
وجدنا أن منطقا ضمنيا واحدا يحركهما، هو اليأس من تحقق العملية الثورية في المجتمعات الكولونيالية،
لأنها لم تصل بعد في تطورها إلى مستوى تطور المجتمعات الرأسمالية الامبريالية، حيث العملية الثورية ممكنة. ولن تصير العملية هذه بدورها ممكنة في تلك المجتمعات « المتخلفة »
222
إلا بوصول هذه المجتمعات الى ذلك المستوى من التطور الرأسمالي .هذا القول نتيجة منطقية للنظر إلى مجتمعاتنا من زاوية الإنتاج الرأسمالي الامبريالي، وهو يفترض وجود التماثل البنيوي بين الإنتاج الكولونيالي والإنتاج الرأسمالي، فيظل بهذا عاجزا عن فهم واقع التميز في تطور البنية الاجتماعية الكولونيالية، في إطار علاقة تبعيتها البنيوية للامبريالية.
هذا القول، في منطقه الضمني، يناقض الماركسية اللينينية، حتى وإن كان قائله شيوعيا.
نحن لسنا بحاجة إلى ماركس آخر، ولا إلى لينين آخر، نحن بحاجة إلى حزب ماركسي لينيني، وهذا ما نقوم ببنائه في بناء حزبنا الشيوعي اللبناني. إّن التاريخ لا يعيد نفسه، ولئن فعل، ففي شكل مهزلة. فدور الممارسة النظرية لا يقع على الفرد، وإن قام به أفراد، بل على الحزب، لأن الممارسة النظرية هي إنتاج الوعي العلمي للحركة التاريخية
الثورية، داخل هذه الحركة بالذات. والوعي هذا، من حيث هو وعي تاريخي، ليس وعيا
فرديا، بل هو وعي جماهيري، أي وعي الجماهير التي تصنع التاريخ في عملية معقدة من
الصراع الطبقي الذي تقوده الطبقة العاملة المنظمة تنظيما ً ثوريا.
وطبيعي جدا أن ينطلق الحزب الشيوعي من الواقع الفعلي لحركة الصراعات
الطبقية في رسم خطه الطبقي الثوري العام، أي في بلورة استراتيجيته الثورية. فعملية
إنتاج فكرنا الماركسي اللينيني هي إذن، هذه العملية الحزبية من رسم الخط الطبقي
الثوري، أي من وضع الستراتيجية الثورية لحركة الصراعات الطبقية. فالممارسة النظرية
إذن، ممارسة طبقية. والمعرفة العلمية لحركة التاريخ ينتجها نشاط وعي طبقي يتناول
هذه الحركة المادية من زاوية الطبقة التي عليها أن تحقق ضرورة التاريخ نفسه، لأنها،
في صيرورتها الطبقية التي تحددها حركة الصراعات الطبقية في بنية اجتماعية معينة،
ليست سوى هذه الضرورة التاريخية بالذات. لقد أحدث ماركس قطعا معرفيا ثوريا مع الفكر السابق عليه، حين انتزع الفكر من تأملاته وألزمه، في نشاطه العلمي بمهمة عملية هي التحويل المادي للعالم.. فلا سبيل على الإطلاق لفكرنا العلمي إلى الوقوف موقف الحياد من هذه العملية، بل هو ملزم فيها بإنتاج معرفتها، والتزامه هذا هو شرط لاكتساب
223
طابع علميته. وليس بوسعه أن يقوم بعملية هذا الإنتاج إّلا إذا كان، في حركة الصراع
الطبقي، ممارسة نظرية للصراع الطبقي نفسه. فطريقنا إلى إنتاج فكرنا الماركسي اللينيني
هي هي طريق هذا الصراع، نمارسه بقيادة حزبنا الشيوعي، بالشكل الذي يتحدد فيه ببنية
علاقات الإنتاج في بنيتنا الاجتماعية الكولونيالية، في إطار تحدد بنية هذه العلاقات ببنية
العلاقة الكولونيالية، أي ببنية علاقة التبعية البنيوية للامبريالية.
هذا هو، بكل دقة، فهمنا لطابع التميز من فكرنا الماركسي اللينيني، أي لعملية
تمييز هذا الفكر الكوني في إنتاجنا فكرنا الماركسي اللينيني.
2 لكن كونية هذا الفكر التي تجد أساسها كما سبق القول في كونية حركة
انتقال التاريخ البشري المعاصر من الرأسمالية إلى الاشتراكية، تفرض علينا ضرورة
الانطلاق منه، فيما وصل إليه من تطور علمي، وبالتالي من تكونن، في انطلاقنا نفسه
من واقع حركتنا الثورية، أي من تميز الحركة الثورية العالمية في واقعنا الاجتماعي
الكولونيالي. هذا يعني أننا، في إنتاج فكرنا الماركسي اللينيني، ليس علينا أن نستعيد
تكرار ً ا مختلف مراحل تطور هذا الفكر، ولا سيما أن تكوننه قد تم في تمييزه، وبتمييزه.
بل علينا أن نميزه فيما وصلت ومما وصلت إليه حركة تكوننه من تميز. لذا، كان
تمييزه في إنتاجنا له، أي في ممارساتنا النظرية، يستلزم بالضرورة « انفتاحا » منا على
تجارب الحركات الثورية في العالم، وعلى ما أسهمت به الحركات هذه من إغناء
للمفاهيم النظرية الأساسية لهذا الفكر، بتمييزها لها. وكلمة الانفتاح هنا أفقر بكثير مما
نود قوله: فالذي نقصد هو أننا حين ننطلق في ممارساتنا النظرية كما حددناها سابقا
من هذه المفاهيم، لا ننطلق منها كما نجدها عند ماركس أو إنجلز أو لينين، بل ننطلق
منها في اغتنائها بما ميزته به الحركة الثورية العالمية في تاريخها الطويل، وبالتالي في
اغتنائها بإسهامات مختلف الأحزاب الشيوعية وممارساتها النظرية. إذا كان هذا هكذا،
وضح لنا وجه آخر من قولنا السابق من أن الممارسة النظرية بالضرورة ممارسة حزبية،

224
أي ممارسة الحزب نفسه، لا ممارسة الأفراد، وإن كانوا أعضاء فيه. وهذا الوجه يكشف
أيضا ضرورة الطابع الأممي في الخط الطبقي للحزب.
غير أن هذه الممارسة النظرية الحزبية تتميز، في كل حركة ثورية، بتميز الشروط
التاريخية الاجتماعية المحددة من هذه الحركة، وهذا طبيعي كما سبق القول
بحكم قانون تفاوت التطور. وهي أيضا، بحكم هذا القانون نفسه، تتميز بتميز الحقل
الأيديولوجي والحقل المعرفي بوجه عام الذي تتم فيه وهنا لا بد من وقفة سريعة
عند هذه القضية الأخيرة.
مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني
مهدي عامل
النسخ الالكتروني عليه اخرس
يتبع