حقائق عن جورج أورويل / 1


حسين علوان حسين
2015 / 9 / 3 - 17:24     

أولاً / المقدمة
بتاريخ 2015 / 8 / 22 – في العدد 4904 من الحوار المتمدن – ظهرت المقالة الموسومة : "اشتراكية جورج أورويل" من تأليف الأسترالي "لوكا تافان" ، و ترجمة محمد عصام معوض ، للناشر : "وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية" . و قد تضمت تلك المقالة مجموعة من المزاعم عن "إلتزام أورويل بالاشتراكية " ؛ و عن "نضاله ضد اللامساواة و الاستغلال و القهر" ؛ و عن كون المليشيا الإسبانية الفوضوية "پوم" تروتسكية المنحى ؛ و عن "أن أورويل كان يعد لبناء منظمة سرية للقيام بأنشطة غير شرعية (سرية) لمناهضة الحرب" ؛ و عن براعته الأدبية و السياسية في روايتي "مزرعة الحيوان" و "1984" . و لم تتطرق المقالة إلى ما هو ثابت و موثق بصدد دور أورويل المخابراتي التخريبي في أسبانيا و بريطانيا ضد كل ما هو تقدمي ، و لا دوره القذر في تدشين و إدامة زخم الحرب الباردة ضد الشيوعية قبل و بعد الحرب العالمية الثانية و لغاية وفاته في كانون الثاني من عام 1950 . و عليه ، فقد علقت ، تحت عنوان : "المقالة غير حيادية" ، بما يلي :
"السادة المحترمون في وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية
تحية طيبة
هذه المقالة غير حيادية البتة ، أولاً ؛ كما أنها تهمل ذكر الحقائق المعروفة عن عميل السيآي أي و المخابرات البريطانية جورج اورويل الذي كان غريباً تماماً عن الماركسية و عن الإشتراكية و عن التروتسكية ، ثانياً . و لعل أصح جملة في كل المقالة هي توصيفها لمشاركة أورويل بالثورة الاسبانية بكونها "نزوة" ، و لكن كاتبها يتناسى أن تلك النزوة كانت محسوبة من طرف اورويل للمعايشة الميدانية أولاً ، و من ثم لتدبيج المؤلفات عن تلك الثورة و عن الحركة الشيوعية في أوربا . . و التي ما كان ليُعرف من دونها ...
في قادم الأيام ، سأكتب للحوار المتمدن ورقة مفصلة و موثقة بصدد حقيقة مشاركة أورويل في الثورة الأسبانية ، و مدى إيمانه بالفكر الإشتراكي ، و القيمة الفنية لمنجزة الروائي .
مع التقدير ."
أنتهى نص تعليقي .
في هذه السلسلة من المقالات عن أورويل ، سأستعرض أولاً سيرة حياته بإيجاز ؛ ثم أوضح عدم فهمه المزري للاشتراكية العلمية و احتقاره الرهيب لها و معاداته العمياء لكل ما هو شيوعي بدعوى محاربة الستالينية زوراً و بهتاناً ؛ و أتطرق إلى الأسباب الحقيقة لانتصار الفاشية في إسبانيا ؛ و دور أورويل كمخبر سري للمخابرات البريطانية-الأمريكية خلال الفترة 1945-1950 ضد على الأقل (138) من أعظم و أنزه الأدباء و الكتاب البريطانيين و الأمريكان التقدميين . بعدها ، أصف مدى عنصرية أورويل ضد السود و اليهود و المثليين و الحركة النسوية و غيرها . و أخيراً ، أحلل قيمة المنجز الأدبي لأورويل في روايتي : "حديقة الحيوان" ، و" 1984" .
ثانياً / موجز بسيرة حياة جورج أورويل
الإسم الحقيقي لجورج أورويل هو أرِكْ بلَير الذي وُلد بـ "موتيهاري" في الهند عام 1903 . كان أبوه ، ريتشارد بلير - مثل جده - موظفاً لدى حكومة الإمبراطورية البريطانية في الهند ، يعمل في قسم الأفيون مشرفاً على استنبات الخشخاش من طرف المزارعين الهنود و أستخلاص الأفيون الذي تتاجر به الحكومة البريطانية في مستعمراتها . أما أمه آيدا بلير (ني ليموزين) ، فهي أبنة تاجر أخشاب إنجليزي في الهند . و له شقيقة تكبره بخمس سنين ، مارجوري ، ولدت هي الأخرى في الهند . عندما بلغ أريك السنة من العمر ، إنتقلت أمه مع طفليها إلى إنجلترا . بعدها بأربع سنين ، ولدت شقيقته الصغرى : أڤ-;-رِل .
درس أرِك أولا في المدرسة الداخلية "سِنت سپريان" ، ثم في ثانوية "إيتِن" الشهيرة خلال الأعوام : 1917 – 1921 . و لم يواصل الدراسة للمرحلة الجامعية ، بل سافر إلى بورما – التي كانت هي الأخرى تحت الحكم الاستعماري البريطاني – ليعمل هناك شرطياً إمبريالياً . في بورما ، أصبح أرك بلير مفوض الشرطة المسؤول عن ( 200000 ) نسمة . و بعد خمسة أعوام من الخدمة الإمبريالية ، أصيب بحمى الدنغ ، فترك الخدمة الإمبريالية في بورما و عاد إلى إنجلترا عام 1927 ليعيش حياة المشردين في لندن و باريس بعد أن قرر التفرغ للكتابة . بعدها ، عمل في عدة وظائف : معلماً شخصياً ، و مدرساً ، و بائع كتب ، حتى نشر أول عمل له عام 1929 بإسم جورج أورويل .
في حزيران من عام 1926 ، تزوج أورويل بآيلين أشونيسي (1905-1945) إثر تعاقد الناشر الإنجليزي فيكتور غولانكز معه للكتابة عن ظروف العمل السيئة لعمال المناجم شمال إنجلترا . و لكونه عنيناً ، فلم يرزقا بأي وليد ، فتبنيا بعدئذ الطفل اليتيم "ريتشارد" . و عندما اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية ، سافر أورويل إلى برشلونة عام 1937 ، و لم يلتحق – مثل الشاعرين لوري لي و ستيفن سبندر و الصحفي اسمند رملي (أبن أخ تشرتشل) و العشرات غيرهم - بالفرقة الإنجليزية في الفيلق الأممي ، و أنما أنضم للمليشيا الأناركية المتمردة "پوم" التي كانت تحارب أولاً ضد القوات الفاشية ، و من بعدها ضد قوات الجمهورية للحكومة الإسبانية المنتخبة ديمقراطياَ بقيادة الزعيم "مانويل أزانيا" و "لارغو كباليرو" و حلفاءهما من الجمهوريين و الاشتراكيين و الشيوعيين المنظومين تحت تحالف "الجبهة الشعبية" الإسبانية . كان الهدف الأساسي وراء سفر أورويل إلى إسبانيا هو كتابة شيء عن تجربته هناك حسب تعاقده على ذلك مع الناشر غولانكز .. و هناك ، في 20 مايس ، 1937 ، أصيب أورويل – الطويل القامة ( ستة أقدام و بوصتين) – بجرح في الرقبة من رصاصة قناص فاشي ، إثر وقوفه خارج خندقه للاستطلاع غير مبالٍ بتحذيرات جماعته .
و لكون مليشيا "پوم" كانت متمردة على الحكومة الجمهورية المنتخبة ، لذا ، فقد أُعتبرت منظمة موالية للفاشية ، و صدر الأمر بحلها . أما أورويل ، فقد عَدَّ ذلك خيانة شيوعية لپوم ، و تأجج حقده الأعمى ضد كل شيء شيوعي ، خصوصاً عندما لفتت نشاطاته المعادية للشيوعية انتباه المخابرات السوفيتية هناك و التي داهمت فندقه في برشلونة بعد إفلاته هو و زوجته منه ، و استطاعت الاستحواذ على مذكراته الإسبانية التي قد تقبع الآن في أراشيف (NKVD) بموسكو . هذه الحادثة ، جعلت أورويل – المتطير أصلاً – يرتاب بكون كل صديق له و كل شخص يتعرف عليه أو يسمع به عميلاً متخفياً للسوفييت . و لقد كان شك المخابرات السوفيتية به في محله لأن الثابت الآن هو أنه كان يزود الفاشيين بستراتيجيات قوات الجمهوريين و تحركات قطعاتهم العسكرية حسبما فضحه بعدئذٍ الأديب و الصحفي البريطاني المعروف : "دوغلاس غولدرنغ" . فما كان من أورويل إلا أن أدرج اسمه نكاية به في قائمته الثانية لمن اعتبرهم شيوعيين بريطانيين متخفين عاملين لحساب المخابرات السوفيتية و التي زود مكتب المخابرات البريطاني الأم آي سِكس بها ، أسوة بأسماء غيره من أعظم الشخصيات الأدبية و الفنية في القرن العشرين من أمثال : جورج برنارد شو و تشارلي تشابلن و كاثرين هيبورن و هارولد لاسكي و سيسل داي لويس و شون أوكيسي و جون شتاينبك و أورسون ويلز و بول روبسن و سولي زوكرمان و أسحق دويتشر و وِل ديورانت ووو .
المصدر :
www.theparisreview.org/.2013/.12/animal-farm-tim
ARTS & CULTURE, Animal Farm Timeline, April 12, 2013 by John Reed.
و لقد بقي جنون الارتياب من الشيوعيين ملازماً له طيلة حياته حتى ووري الثرى معه في القبر . أما في إسبانيا ، و خلال شهري تشرين الأول و الثاني من عام 1938 ، فقد انعقدت محكمة الجمهورية الإسبانية الخاصة بالنظر في دعاوى الخيانة العظمى و التجسس ببرشلونة للنظر في القضية المرفوعة ضد قادة پوم ، ومنهم أورويل نفسه الذي حوكم غيابياً ، حيث تم تجريمهم و الحكم عليهم بالسجن (15) عاماً لمعاداتهم الجمهورية الإسبانية المنتخبة ديمقراطياً و لتواطؤهم مع الفاشيين . و كالعادة ، فقد اعتبر أورويل ذلك الحكم مؤامرة شيوعية أخرى ضده .
المصدر :
Gordon Bowker, Orwell, p.218 ISBN 978-0-349-11551-1
Facing Unpleasant Facts, p.xxix, Secker & Warburg, 2000
بعد عودته من إسبانيا إلى بريطانيا ، تم تشخيص إصابته بمرض التدرن الرئوي المتقدم ، فسافر للنقاهة إلى مراكش حيث الهواء النقي ، و لبث هناك لستة شهور . أما الكتاب الذي ألفه عن تجربته الإسبانية - و عنوانه : "الحنين إلى قطلونيا" - فقد رفضه ناشره غولانكز بسبب الأكاذيب الفاضحة المسطرة فيه ، فاضطر أورويل لنشره عام 1938 عبر دار نشر أخرى . بعدها ، عاد إلى دارته في وولنغتون ، و راح يربي الحيوانات فيها ، و بضمنها كلبه "الپودل" الذي أسماه - عملاً بقواعد "الكياسة و العدل الجنتلماني الإنجليزي" التي كان يتبجح بهما – بإسم : "ماركس" .
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 ، ، عمل أورويل مقدماً للبرامج الدعائية في إذاعة البي بي سي ، فيما عملت زوجته في قسم الرقابة على المعلومات في وزارة الإعلام البريطانية ، و من بعدها في وزارة الغذاء . و بسبب فشله في جذب المستمعين الهنود ، فقد قدم أورويل استقالته من البي بي سي بعد أن أمضى فيها سنتين ، ليشتغل محرراً في صحيفة "التربيون" حيث دأب من على صفحاتها على انتقاد التحالف السوفيتي – البريطاني – الأمريكي ضد النازية و الفاشية ، ليدشن بقلمه الحرب الباردة قبل موعدها بأربع سنين ، و ليثبت أنه أسوأ حتى من كلب الحراسة الإمبريالي تشرتشل في تريثه حتى نهاية الحرب قبل مهاجمة السوفييت إعلامياً ، مجدداً . و بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، فقد إلتحق مراسلاً بقوات الحلفاء إلى باريس و كولونيا . في غضون ذلك ، توفيت زوجته فجأةً و هي ترقد وحيدة في المستشفى خلال إجراء عملية جراحية لها لإزالة الرحم في انجلترا . و في 17 آب ، 1945 بعد عودته إلى إنجلترا ، نشر روايته المعروفة : "حديقة الحيوان" – التي سأتكلم عنها و عن غيرها من أعماله لاحقاً . علماً بأن تلك الرواية كانت جاهزة للطبع منذ عام 1943 ، و قد رفضها غولانكز في حينها ، مفسراً بعدئذ موقفه هذا بالقول الحكيم : " ما كان بالإمكان نشرها في حينه . هؤلاء الناس (السوفييت)... كانوا قد أنقذوا رقابنا تواً في ستالينغراد ".
في صيف عام 1946 ، انتقل أورويل و سكرتيرته سوزان و ابنه ريتشارد للسكن في جزيرة "جورا" الكائنة مقابل الساحل الاسكتلندي . و لاعتقاد أورويل بأن صديق سوزان لا بد أن يكون جاسوساً روسياً ، فقد اضطرت الأخيرة لمغادرة الجزيرة بعد عام واحد . أما أورويل ، فقد أستثمر مقامه في جزيرة جورا لتأليف روايته الأخيرة "1984" في غضون الأعوام الثلاثة التالية ، و التي نشرت عام 1949 . و في شهر أيلول من نفس العام ، تمت خطبته مع سونيا براونيل التي تصغره بخمسة عشرة سنة ، ليُنقل بعدها إلى المستشفى بسبب استفحال مرض التدرن عنده ، حيث أقيمت مراسيم الزواج بإحدى ردهاتها في 32 تشرين الأول ، 1949 .
في نهاية عمره ، زارته في المستشفى صديقته القديمة سيليا كيروان - التي كانت قد رفضت الزواج به سابقاً ، و أصبحت تعمل الآن في الأم آي سِكس – فزودها أورويل ، و هو على فراش الموت ، بقائمته السوداء عن الكتاب و الفنانين التقدميين البريطانيين و الامريكيين المتخفين و المتعاطفين مع الاتحاد السوفيتي ، ثم ألحقها بعدئذ بقائمة ثانية . و كان أورويل قد حرر النسخة الاولى من تلك القائمة بخط يده في كتيب صغير منذ عام 1945 . أخيراً ، في الصباح الباكر من يوم 21 كانون الثاني ، 1950 ، أنفجر شريان في رئته مسبباً موته اختناقاً في الحال و هو لمَا يزل في السادسة و الأربعين من العمر ، فدفن جثمانه في كنيسة "كل القديسين" بـ "ستن كورتني" ، أوكسفوردشير ، انجلترا .

ثانياً / التعريف بأفكار أورويل المعادية للاشتراكية العلمية
في 15 كانون الثاني 1936، قدم أورويل إلى الناشر الإنجليزي المعروف " فكتور غولانكز " نسخة مطبوعة على الآلة الكاتبة من كتابه "احتفظ بالأسْبِدَسْترا طائرةً " (Keep the Aspidistra Flying) . هنا ، تعاقد معه غولانكز للعمل في مشروع جديد ، و هو تأليف كتاب حول البطالة والظروف الاجتماعية البائسة لعمال المناجم في شمال إنجلترا . كان غولانكز ناشراً ناجحاً و داعية سلام اشتراكي التوجه ، و أحد المحكمين الثلاثة (مع هارولد لاسكي و جون ستراتشي) لنادي الكتاب اليساري (Left Book Club) البريطاني الشهير الذي ينشر كتاباً واحداً في كل شهر . دفع غولانكز مبلغ (500) ليرة إسترلينية مقدماً لأورويل كأتعاب (و هو مبلغ كبير كان يكفي وقتها للعيش الرغيد طوال سنتين) ، فأمضى أورويل الفترة من 31 كانون الثاني و لغاية 30 آذار ، 1936 في ويغن . إستأجر أورويل كوخاً ببدل إيجار شهري يقل عن ليرتين إسترلينيتين في قرية نائية من وولينغتون ، هيرتفوردشاير ، حيث كتب "الطريق إلى رصيف ويغن" ؛ و في نفس الوقت ، فقد شغَّل الكوخ دكاناً لبيع الحلويات لأهل القرية .
قدم أورويل النسخة النهاية لمسودة الكتاب في أيلول عام 1936 ، و نُشر في آذار من السنة التالية . الجزء الاول من "الطريق إلى رصيف ويغن" هو سرد وصفي يوثق لظروف العمل المزرية صحياً و مادياً و اجتماعياً لعمال مناجم لانكشير و يوركشير في مكان العمل و السكن ، و لا غبار عليه . أما في الجزء الثاني ، و بدلاً من المناداة بالحل الاشتراكي ، فإن أورويل ينقل الموضوع إلى مناقشة أسباب عدم اعتناق العمال للاشتراكية . و هو يفسر ذلك بالقول بأن العمال ينأون عن الاشتراكية ليس لأنهم لا يؤمنون بإمكانية تحققها و لا لدوافع أنانية ، و أنما لأسباب عاطفية هي أعقد من ذلك بكثير . هنا يشخص أورويل خمسة أسباب كامنة وراء ذلك ، مؤكداً أن الاشتراكيين الإنجليز لا يستوعبونها مطلقاً . أولاً ، لأن الاشتراكيين ينحدرون من الطبقة الوسطى و لكنهم يتظاهرون بكون تلك الطبقة غير موجودة في تمجيدهم للعامل ؛ لذا ، فإنهم بفعلهم هذا يغرِّبون أولئك العمال الذين "ينتمون ثقافياً للطبقة الوسطى" [الرأسمالية] و "اقتصادياً للطبقة العاملة" ! ثانياً ، لأن الاشتراكيين يَعبُدون المكائن – مثلما هو حاصل في الروايات الطوباوية عند هـ . ج . ويلز خصوصاً - و هذه العبادة تفضي إلى الانحطاط و النعومة ! و السبب الثالث هو غياب اللياقة في المظهر و السلوك لدى دعاة الاشتراكية بسبب "إطلاقهم للحى الطويلة و احتذائهم للصنادل أو لأنهم نباتيون أو من هواة التعرّي" ، و هو ما يثير ضدهم حفيظة الشريحة المحافظة من العمال ! أما السبب الرابع فهو استخدامهم للغة المفخمة في الكلام أو المنفعلة في عرضهم للمادية التاريخية ، الأمر الذي يجعلهم غير قادرين على الفوز بمساندة العمال . و أخيراً – يقول أورويل – لأن الاشتراكيين يتجنبون الخوض في أسس الاشتراكية و التي هي – حسب فهمه – ترتبط فقط بالكياسة المشتركة (Common Decency ) ، و الحصص العادلة للجميع (fair shares for all) ؛ و ليست هي التماسك الفلسفي ، و لا الأصولية السياسية ! و لهذا السبب - يدَّعي أورويل - نجد أن الكثير من الناس – ممن تصب الاشتراكية في مصلحتهم و يفترض بهم منطقياً مساندتها - يقفون بالضد منها !
المصدر :
http://www.george-orwell.org/The_Road_to_Wigan_Pier/index.html
إذن ، حسب أورويل ، فإن مشكلة عمال مناجم يوركشير و لنكشير ليس هو النظام الرأسمالي وحفنة الرأسماليين المستغلين لهم – مثل مصاصي الدماء – أبشع الاستغلال ؛ و أنما مشكلتهم هي في الاشتراكيين المنحدرين من الطبقة الوسطى من ذوي اللحى و اللغة المفخمة ! المشكلة هي في الحزب الاشتراكي و ليس في النظام الرأسمالي ! أما أس الاشتراكية فهو عنده ليس أكثر من رشوة العمال بزيادة أجورهم بهذه الدرجة أو تلك ، و التعامل معهم بكياسة جنتلمانية أصيلة ! يقول أورويل : "برأيي فإن العامل غالباً ما يكون الاشتراكي الأخلص من الماركسي الأصولي لأن العامل يتذكر فعلاً ما ينساه الآخرون في الأغلب الأعم : أن الاشتراكية تعني العدالة و الكياسة . الطريق إلى رصيف ويغن ، ص 154" . وفقاً لأورويل ، فإن الاشتراكية التي يريدها العامل هي ليست أكثر من الأجر الأفضل و ساعات العمل الأقل (العدالة) و عدم وجود رئيس مزعج يحوم حواليهم (الكياسة و الحرية ) .
الأمر الأكيد هنا بصدد أسس الاشتراكية هو أن مفهوم أورويل العقيم لها متخلف فكرياً على الأقل نصف قرن من الزمان .
و لقد اضطر غولانكز لكتابة "مقدمة" لكتاب أورويل هذا يوضح فيها البلبلة الفكرية التي سقط أورويل بها في توصيفه السمج للطبقتين العاملة و المتوسطة ، و في فهمه السنديكالي لمعنى الاشتراكية . و منذ ذلك الحين ، و لكون غولانكز يهودياً ، فقد دأب أورويل – مثل هتلر - على معاداة ليس فقط الشيوعية ، و بل وكذلك السامية ، مثلما سنرى . و بمناسبة ذكر هتلر ، فإن أورويل يصرح في معرض مراجعته الفضيحة لكتاب هتلر "كفاحي" عام 1940 (عندما كان بلده في حالة حرب عالمية مع ألمانيا النازية) ، بأنه : "لا يستطيع أن يكره هتلر" . إذن ، هتلر - الذي كان يضرب المدنيين الإنجليز العزل في لندن و غيرها بصواريخ أرض- أرض - لا يمكن كراهيته ، أما كراهية الشيوعيين (الذين أنقذوا بريطانيا من الهزيمة) فهي واجب وطني عند أورويل الذي لا يخفي إعجابه بهتلر فيقارنه بالأبطال التاريخيين : بروميثيوس و نابوليون . المصدر :
www.openculture.com/.george-orwell-reviews-mein-kampf-1940.html

كما أنبرى السياسي و الفيلسوف الإنجليزي الكبير "هارولد لاسكي" للتصدي للأفكار الأورولية الواهية المدبجة في "الطريق إلى رصيف ويغن" حول كيفية حل مشكلة بؤس الحالة المعاشية و الصحية و الاجتماعية لعمال مناجم الفحم الحجري في شمال إنجلترا . يقول لاسكي في مراجعته التي تعود لآذار من عام 1937 للطريق إلى رصيف ويغن :
" بعد أن كشف عن المرض بكفاءة عالية ، قام السيد أورويل بعمل نفس ذلك الشيء الذي يلجأ اليه العديد من الناس من ذوي النيات الحسنة : فبفعل الحاجة إلى الدواء (و هو يعلم أنه : الاشتراكية) فإنه يقدم التعويذة السحرية بدلاً منها . إنه يتصور بأن المناشدة لـ "الحرية" و "العدالة" من شأنها ، استناداً إلى الحقائق من النمط الذي يصف ، جعل الناس يهرعون متزاحمين إلى الحزب الاشتراكي ... هذا الرأي يستند إلى تلفيقات هي من السذاجة بحيث ينبغي لي أن أشكك في ضرورة شرحها كتلفيقات لو لم يكن العديد من الناس يشاركون السيد أورويل في هذا الرأي . و الخطأ الأساسي فيه هو الإيمان بكوننا جميعاً إنما نعني نفس الأشياء عندما نتحدث عن الحرية و العدالة ؛ في حين أن الأمر المؤكد هو استحالة ذلك تماماً."
المصدر :
Laski, H. J. Untitled Review. Meyers 104
ما الذي يمكن استنتاجه من كل هذه التلفيقات ؟ الاستنتاج الأول هو أن أورويل يحكم على كل الأحزاب الشيوعية و الاشتراكية بكونها تنظيمات سياسية "غريبة" و "مغرِّبة" للطبقة العاملة عموماً ، و خصوصاً الطبقة العاملة الإنجليزية التي تعتبر فكر الملتحين : ماركس و أنجلز و لينين و أتباعهم "غريباً" عنها لكونه فكراً "متورماً" و "غير كيس" بالنسبة للجنتلمان الإنجليزي . الاستنتاج الثاني هو أن وجود هذه الأحزاب – و ليس سرقة أقطاب الرأسمالية لقوة عمل العمال - هو المشكلة بالنسبة للعمال لكون تلك الأحزاب هي السبب في منعهم من مساندة و من ثم تطبيق "الاشتراكية" في بلدانها ، و هي بالتالي تستحق حقدهم "الطبقي" لكون أغلب أعضاء هذه الاحزاب هم من الطبقة الوسطى . ما الحل لتطبيق الاشتراكية الأورولية ؟ الحل الأورويلي هو محاربة هذه الأحزاب على طول الخط لكونها لا تعي ما يعيه كل العمال الإنجليز : الاشتراكية هي أولاً و آخراً : العدالة و الكياسة !
لم يؤمن أورويل بالاشتراكية الحقيقية قط ، بل كان يعتبر كل الأحزاب الشيوعية و الاشتراكية أحزاباً لا تفهم ماهية الاشتراكية ؛ أحزاباً شريرة و فاشلة و غير وطنية ؛ لذا فهي تستحق العداء السافر و المحاربة المستدامة على طول الخط ، بغض النظر عن اختلاف تلاوينها الفكرية : ماركسية ، ماركسية لينينية ، ماركسية تروتسكية ، ستالينية ، إلخ . في مقالته : "التدرجية الكارثية" (Catastrophic Gradualism) لعام 1945 ، يكتب أورويل قناعاته عن قادة الحزب البلشفي :
" ... التوجه الحاصل هو جعل كل التطورات السيئة ترتبط تاريخياً بصعود ستالين للسلطة ؛ في حين يجب على المرء ، حسب اعتقادي ، أن يعترف بأن كل بذور الشر كانت موجودة هناك منذ البداية ، و أن الأشياء ما كانت لتكون مختلفة كثيراً لو أن لينين أو تروتسكي كانا قد استمرا في السلطة . " (أورويل ، الأعمال الكاملة ، المجلد الرابع ، صفحة 35) .
لم يكن اورويل ماركسياً ولا لينينياً و لا تروتسكياً ... لإيمانه بأن ماركس و إنجلز و لينين و تروتسكي و ستالين ووو لم يكونوا اشتراكيين "كيسين عدول" حسبما يليق بالطبقة العاملة الإنجليزية و غيرها في أوروبا . من هو الاشتراكي الجنتلمان اللائق و العادل ، إذن ؟ إنه حزب العمال البريطاني بقيادة أمثال أتلي و بِڤ-;-ِن و بلير و براون ! في كتابه "الأسد و الحصان الأحادي القرن" (1941) يصرح لنا أورويل :
"لا يوجد في إنجلترا سوى حزب اشتراكي واحد يمكن أخذه بعين الاعتبار على نحو جدي : إنه حزب العمال . و لم يستطع هذا الحزب [لغاية عام 1941] أنجاز أي تغيير كبير لأنه ، باستثناء الشؤون المحلية ، لا يمتلك سياسة مستقلة أصيلة . لقد كان هذا الحزب و ما زال حزب نقابات العمال المخلص في رفع الأجور و تحسين ظروف العمل" .
إذن ، كل المطلوب من حزب العمال البريطاني ، ليتمم "اشتراكيته الأورويلية الأصيلة - كذا" ، هو النبذ التام للأفكار الاشتراكية الماركسية "الأجنبية" و غير الأصيلة و الغريبة عن العمال الإنجليز عبر اتباعه "سياسة" مستقلة . لقد سمعنا و نسمع هذه الأطروحة الفجة المغلفة بهذا الوهم الاجتماريخي أو ذاك قبل و بعد أورويل على لسان زعماء كل الأحزاب "الاشتراكية" القومية من موسوليني و هتلر إلى صدام و الأسد . و لهذا نجد أورويل يهرول لتقديم خدماته للمخابرات البريطانية حال فوز حزب العمال البريطاني في أول انتخابات تجري بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لكون حزب العمال الجديد (بعد إزاحته عام 1946 لزعيمة الاشتراكي التاريخي المستقل و الفذ : هارولد لاسكي) قد انقلب إلى معاداة الشيوعية علناً ، و هو بالتالي "ينتهج سياسة جنتلمانية مستقلة كيِّسة و عادلة" (إقرأ : سياسة تقمص دور الإصبع السادس في قدم الولايات المتحدة الأمريكية) بتدشينه للحرب الباردة ضد الشيوعية ، مثلما سيمر بنا . و لذلك ، لا نستغرب عندما يعمد أورويل إلى إدراج اسم "هارولد لاسكي" نفسه في الكتيب الذي أعده بنفسه للمخابرات البريطانية بأسماء الشيوعيين البريطانيين و الأمريكان من عملاء الاتحاد السوفيتي أو المتعاطفين معه المتخفين ، خصوصاً و أن لاسكي هو الآخر يهودي الأصل .
يتبع ، لطفاً .