حركات التحرر الوطني... - 8 -


جميل عبدالله
2011 / 3 / 24 - 00:20     

الاستقلال الاقتصادي : هناك حقيقة لا مراء فيها , ناهيك عن أنها مؤسفة جدا , تفقأ عين كل من يطلع على الحياة " للعالم الثالث الذي نعيش فيه ألان " وهي أن بلدان العالم العربي تتأخر كثيرا في الميدان الاقتصادي عن كل الدول المتطورة صناعيا وهذه حقيقة واضحة !! ولدى الإحصاء العالمي جملة من الأدلة تتيح تقدير كل شدة التأخر الاقتصادي في البلدان المتحررة ومقدار الحرمانات المادية التي تعانيها شعوبهم , وأكثر هذه الأدلة الإحصائية انتشارا هي مقدار الدخل الوطني بكل فرد من السكان , يستفاد من معطيات هيئة الأمم المتحدة أن متوسط دخل الفرد في دول الرأسمالية العالمية التطور كان يبلغ في مستهل الستينيات 1500دولار في العالم , بينما كان يبلغ في البلدان المتحررة 82دولار فقط !! وإذا استخدمنا هذين الرقمين لقياس تأخير المستعمرات واشباة المستعمرات السابقة , فليس من العسير أن تتبين أنها تأخرت في تطورها الاقتصادي عن الدول الرأسمالية الصناعية أكثر من 10 مرات ! حيث تجدر الإشارة بخاصة إلى أن التأخر النسبي لبلدان العرب لا يقل مع مر السنين, بل العكس حتى يشتد أيضا أكثر فأكثر.
إن هذه الأرقام تشوبها , رغم كل الأدلة على مذله العرب الاقتصادية , فجميع النواقص الملازمة عادة للأرقام الإحصائية الوسيطة , فهيا تشوه الوضع الفعلي في جملة من الحالات الملموسة , إليكم مثلا : في السنوات الأخيرة , تأتي جملة الدول العربية المصدرة للبترول على رأس القائمة للبلدان التي تتميز بأكبر دخل قومي وطني بالفرد الواحد من السكان , فهل هذا يعني إن هذه الدول هي أعلى بلدان العالم تطورا من الناحية الاقتصادية !؟؟ إن مثل هذا الاستنتاج سيكون سطحيا للغاية , فان المداخل الرفيعة من البترول تتحول إلى ثروات أسطورية بالنسبة للفئة العليا الحاكمة في هذه الدول , ولكنها لا تخل أساسا متينا , موثوقا لأجل تطوير الاقتصاد الوطني , فان مصادر الاقتصاد الوطني لا تزال تتوقف كليا على الأسواق الرأسمالية الخارجية , ناهيك عن أن احتياطيات البترول ليست دائمة لا ينضب لها معين , وبموجب المعطيات المتوفرة لن يكفي البترول في العديد من بلدان العالم العربي المتخلف أكثر من ثلاثين سنة إذا استمر الاستخراج مقاديره الحالية , وهذا يعني أن المداخل الرفيعة الحالية قد تنقلب غدا إلى كارثة اقتصادية كاملة , ثم إلى الفقر الكامل والشامل كما هو حادث ألان , إن علامات الدخل المتوسط بالفرد الواحد من سكان واهية بخاصة لكونها تخفي التوزيع الحقيقي لهذا الدخل ضمن البلدان التي ينقسم المجتمع فيها إلى طبقات متناحرة , واليكم ما قاله في هذا الصدد ممثل احد الدول في مؤتمر التجارة والإنماء لهيئة الأمم المتحدة في جنيف عام 1964حيث قال :" الأبحاث الأكاديمية والكتب المدرسية الاقتصادية تتحدث أبدا ودائما عن دخل سنوي بكل فرد من السكان يبلغ 30دولارا أو 60دولارا أو حتى 100دولار , ولكن هذا الإحصاء لا يعطي لوحة حقيقية عن الظروف التي يعيش فيها ملايين الناس , فان كثيرين منهم لا يملكون أي دخل على الإطلاق !! وهم لا يعرفون ما سيأكلون غدا ولا أين سينامون عندما يحل الليل, وهم لا يرون أي قرش من تلك الدخول بكل فرد من السكان التي تتحدث عنها الكتب ". والحقيقة أن هذه الكلمات صحيحة جدا وتلفت انتباهنا إلى التناقضات الفعلية التي تكمن وراء العلائم الإحصائية الوسيطة .

الاستعمار : نعم إن الاستعمار هو الذي يتحمل المسؤولية التاريخية عن هذه الظاهرات المخزنة والمخزية في القرن السابق والحالي , إن نصيب البلدان المتحررة في الإنتاج الصناعي العالمي اقصد هنا بدون البلدان الاشتراكية ! يبلغ 12.6%فقط ولكن هذا الرقم يشمل فروع الاستخراج البترولي ولمنجمي والزراعي الخ .., أما إذا أخذنا في الحسبان الصناعة التحويلية وحدها , فان نصيبها يتجاوز العشر بقليل حسب المعطيات الحالية وهذا مع العلم أن الكلام يتناول هنا بلدانا يزيد عدد سكانها على مجمل عدد سكان القسم غير الاشتراكي من العالم , كل هذا يدل على تأخر البلدان المتحررة اشد التأخر في الميدان الصناعي .

الخلاصة : إن الأزمة الاقتصادية التي بدأت وهزت اقتصاد الرأسمالية العالمية لم ترحم من حيث الجوهر أي بلد في القسم غير الاشتراكي من العالم , ولكن رغم أن المطالبة الجماهيرية وانحطاط الإنتاج , والتضخم النقدي المنفلت كانت كذلك من نصيب الدول البرجوازية المتطورة , عانى الاقتصاد والجماهير الشعبية في البلدان النامية عواقب هذه الأزمة بأشد الأشكال إيلاما , إن كثيرين من الاقتصاديين يحاولون أن يلقوا نظره إلى المستقبل , فلا يجدون ما يطمئن ويعزي , ومن المؤسف أن الكثير من التنبؤات السوداء التي وردت فيما مضى قد تحقق فعلا ...نهاية الجزء "8" .

سلامتكم,,
المصادر والأدلة:
1- أبحاث التخرج لدفعة التاريخ والعلوم السياسية لعام 1990م .
2- التيارات الاشتراكية الثورية في البلدان العربية والغربية .