سلطة الثقافة وثقافة السلطة من اولمب لبوابات ايمرالي


دانا جلال
2010 / 9 / 25 - 15:54     

يقول المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي: "إن الولايات المتحدة ممثلة في شركاتها الكبرى ،متعددة الجنسيات، تسيطر على العالم وتسيره كيفما تشاء، وتخطط مستقبله وفقاً لأهوائها دون اعتراض يذكر". السيطرة الأميركية الذي برز بشكل جلي بعد انهيار المعسكر الذي تم توصيفه بالاشتراكي خلق إشكاليات عديدة، لا على صعيد ميكانيزم الأزمات التي تعصف بالنظام الرأسمالي وأطرافه فحسب ، بل وعلى صعيد أزمة الذات الإنسانية و الهوية كإطار عام لخصائص مشتركة لتجمعات بشرية معينة ، بصدد أزمة الذات والهوية يشير المفكر الأمريكي "ألفين توفلر" في كتابه الشهير "صدمة المستقبل"،إلى تلك الظاهرة والتي يصفها بالصدمات الهائلة والناتجة عن التغيرات الكبرى خلال فترات قصيرة جداً وعدم القدرة على التكيف معها وفي أفضل الأحوال محدودية التكيف والانسجام . سيطرة شبه مطلقة للرأسمالية واليات عملها ووسائل تجديد ذاتها يقترن بصدمة هائلة أصابت الجميع ، هي صورة المشهد على الصعيد العالمي ، صورة تفرض أسئلة تشتق مقدماتها من أزمة بنيوية ، عن قدرة شغيلة الفكر على اكتشاف ملاذات آمنة بعيدا عن هيمنة العولمة الثقافية ، هيمنة تعمل ضمن شروط دعاوى العالمية الثقافية والحتمية الاقتصادية وعولمة المعلومة وإنتاجها وتسويقها . السؤال الذي مازال عالقا هو ( هل لشغيلة الفكر فسحة للتحرر والخلاص ) في ظل سيطرة أميركية على 56% من بنوك المعلومات في العالم وأوربية بنسبة 27% ويابانية بنسبة 12% لتبقى نسبة 1% فقط لدول العالم النامي مجتمعة. وهل يمكنهم أن يواجهوا السلاح الذي هزم المعسكر والنظام الاشتراكي والذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "جورج شولتز حينما قال (" تقنية البث المباشر " أنجع من أسلحة نووية عديدة لغزو الكتلة الشرقية، وإن شعوب أوربا الشرقية ثارت على الشيوعية لأنها تمكنت من التقاط برامج التلفزيون الغربي والأمريكي). في تحرر شغيلة الفكر خطوة ضرورية صوب ملكوت الحرية الشاملة.
إشكالات قومية وطبقية:- النظام العالمي الجديد الذي يتم توصيفه بشكل واسع بأنه نظام أحادي القطب ( القطب الأميركي) يمثل في تفاصيله أمركة شبه مطلقة للعلاقات والمفاهيم وبالأخص في مجاله المهمش ( العالم المتخلف )، لقد تغيرت العلاقات ضمن شروط الإنتاج ، بما فيها مواقع ومواقف الطبقات ،ظهرت مفاهيم جديدة ومنتجين جدد لها ، تغير الظرف الموضوعي والذاتي للصراع القومي والطبقي والذي بدا يأخذ منحنيات جديدة ، الطبيعة الثورية والتحررية لكثير من الطبقات الاجتماعية وحركات التحرر القومي أصبح جزء من تراث تاريخي يتم اجتراره بغرض التضليل الطبقي والقومي ، فعلى سبيل المثال لا الحصر فان البرجوازية الصغيرة والتي وصفت في الأدبيات الكلاسيكية الماركسية بالوطنية فقدت الكثير من ثوريتها إن لم نقل وطنيتها بعد أن ارتبطت سياسيا واقتصاديا بالمشروع الرأسمالي، أما حركات التحرر القومي فقد فقدت اغلبها طابعها التحرري والديمقراطي ، لتتحول إلى ورقة سياسية يمكن استخدامها لضمان تحقيق الأجندة الأميركية لإعادة رسم الخارطة الجيو سياسية في مناطق رخوة بحاجة إلى رسم خارطتها من جديد كي تواكب شروط العولمة ، انهيار المعسكر الشرقي وضعف حركة الطبقة العاملة في الغرب التي فقدت نفسها الثوري الأخير بعد أن تحولت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوربا إلى أحزاب إصلاحية تناضل ضمن حدود النظام الرأسمالي وشروطه فرض على شغيلة الفكر في صراعهم الطبقي والقومي البحث عن أشكال جديدة لإدارة الصراع وبالأخص بالنسبة للشعب الكوردي الذي تأثر أكثر من غيره بتلك المتغيرات الدولية .
الطبقة والقومية في جنوب كوردستان:- مالذي جعل الأحزاب القومية وبالذات بعد استلامها لما يمكن وصفه لظلال الدولة القومية في جنوب كوردستان بان تفضل صور مخيمات الثورة التي دُجنت بوعود أميركية وشعار ضرورة الحفاظ على المتحقق في جنوب كوردستان على صورة الثورة في الجزء الآخر كعمق استراتيجي وقوة مضافة لإعادة هيكلة اختلال التوازن مع العامل الإقليمي، ولماذا تعمل تلك الأحزاب على إلغاء مخيمات أخرى بتعاونها مع الولايات المتحدة الأميركية وتركيا ضمن مشروع يهدف إلى اغتيال الصوت الديمقراطي القومي في مخيم مخمور، اختلاف الموقف من المخيمين يمثل افتراقا لمفهوم الثورة الكوردية الكلاسيكية التي أنتجت سلسلة من الهزائم السياسية مع ثورة تمثل نقلة نوعية في إيديولوجية الحركة التحررية القومية الكوردية ووسائل نضالها والتي انطلقت مستندة على الفكر الاوجلاني ، موقف الأحزاب القومية وبالذات التي في السلطة يمثل موقف البرجوازية الكوردية في جنوب كوردستان والتي تظهر من خلال مواقفها تلك حقيقة فقدانها لدورها الوطني والثوري ناهيك عن دورها الطبقي والتاريخي المتمثل بعملها من اجل توحيد السوق القومية من خلال الدولة القومية الموحدة، البرجوازية الكوردية في جنوب كوردستان تملك من المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية مع الدول التي تحتل كوردستان وبالأخص مع تركيا ما يجعلها في موقف انتهازي وتساومي مع المحتلين ، إن سبب التحول في الموقف القومي للبرجوازية الكوردية في جنوب كوردستان هو إن " الدولة القومية " لم يعد يلعب دور الإطار السياسي للسوق القومية الذي هو ضرورة اقتصادية ، فليس هناك برجوازية ديمقراطية تقدمية في أي بلد فقد اخضع فيه الرأسمال جميع الأمم والدول لقوانينه وقواعده لان الرأسمالية المعولمة تجاوزت كل الأطر القومية لتضع العالم أو أجزاء منه تحت سيطرتها المباشرة او غير المباشرة .. ووفقا لهذا المنظور فقد أصبحت الدولة – القومية في المحيط الرأسمالي كما يقول ميخائيل لووي : (( ما عدا الاستثناء ، تشتغل كقناة توصيل لفائدة نظام السيطرة الإمبريالية ، وتخضع دون تردد لمتطلبات الرأسمال المالي و لأوامر صندوق النقد الدولي ، وتضع أداء الديون الخارجية على رأس أولويات الميزانية ،وتطبق بحماس سياسات التقويم الهيكلي النيوليبرالية. )) .إن معظم الطبقات السائدة فيما كان يسمى العالم الثالث تقوم بدور مزدوج تخدم من جهة متطلبات العولمة أو تتكيف مع ضغوطها بهذا القدر أو ذاك لخدمة مصالحها الاقتصادية وتقوم في ذات الوقت بممارسات سياسية قمعية تجاه شعوبها مبنية على تكريس الفقر والغلاء والتفاوت الاجتماعي والطبقي وهذا يفسر الأداء السياسي والاقتصادي جاهز الدولة وأحزابها في جنوب كوردستان. فهل من مخرج للازمة؟
الاوجلانية فكر الطبقات الكادحة والشعوب المضطهدة في عصر العولمة : بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع دور اليسار والقوى الاشتراكية على الصعيد العالمي كان لابد من طرح جديد لقضية الطبقة والصراع الطبقي من جهة ولقضية الشعوب المضطهدة من جهة أخرى بشكل مختلف عن السائد من الإيديولوجيات التي لم تواكب التطورات الهائلة التي عصفت بالبشرية وبالذات على صعيد قدرة الرأسمالية على تجديد ذاتها وفرض عولمتها التي تمثل نهايات أطراف الامبريالية كمرحلة وخاتمة للنظام الرأسمالي ، لمواجهة مأزق البرجوازية وانتهازيتها وخيانتها للقضية القومية وبالأخص في الحالة الكوردستانية حيث عملت ظروف التجزئة والتطور اللامتكافي للحركة التحررية في أجزائها إلى مضاعفة الدور الانتهازي للبرجوازية القومية من خلال ارتباطها بالرأسماليات المتخلفة في الدول التي تحتل كوردستان ،اكتشفت الاوجلانية في المجال النظري وفي مجال الممارسة العملية إضافات نوعية للمنظومة الفكرية المتحكمة بأشكال الصراع وتحديد أولوياتها وقدرتها على التكيف والتطور مع المتغيرات السريعة و التي تحدث عنها المفكر الأميركي "ألفين توفلر"، بعض أفكار اوجلان تمثل بداية جديدة لإدارة الصراع على الصعيد العالمي ، فمشروع الكونفيدرالية الديمقراطية بين شعوب المنطقة يمثل بديلا ديمقراطيا وعمليا عن العولمة الأمريكية ويمثل ما طرحه اوجلان ومن بعده حزب السلام والديمقراطية في شمال كوردستان من مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية كوسيلة لتحقيق مشروع الكونفيدرالية الديمقراطية لا يمثل وسيلة لتحقيق المشروع الكونفيدرالي الديمقراطي فحسب بل يعتبر إسهاما لحل مشكلة ( الطبقة – الدولة القومية ) فالطرح الاوجلاني يسمو على الطرح القومي الذي بقي مؤثرا حتى على الفكر الماركسي من خلال مفهوم الدولة القومية التي بقيت مقدسة في الأيديولوجيتين، الاوجلانية لا تجد في الدولة القومية في عصر معولم إلا إضافة جديدة للمشاكل بين شعوب المنطقة حيث يصف الدولة والدولة القومية مصدر المشاكل، لذا وضع حلا ديمقراطيا يمثل خروجا عن حدود الدولة القومية وإلغاء لمفهوم شائع لم تتحرر منه حتى النظرية الماركسية وذلك من خلال مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية للشعوب الكوردية والعربية والفارسية والتركية، حيث يقول المناضل والمفكر اوجلان (مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية لا يقتصر على كردستان وحدها وإنما على منطقة البحر الأسود ومنطقة الأناضول الوسطى ومنطقة " ايجة". هذا مفهوم يتجاوز مفهوم القومية والدولة، انه مفهوم ديمقراطي حر ينشد حقوق المجتمعات والشعوب في منابتها الجغرافية. ) إن مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية والذي يمثل الخطوة الأولى لكونفيدرالية ديمقراطية لا يمثل حلا كورديا للكورد بقدر كونه حلا للمشاكل المشتركة والمتداخلة لشعوب منطقتنا بمن فيهم العرب والأتراك والفرس حيث يقول اوجلان ( مشروع الإدارة الذاتية الموسعة يضمن للمجتمعات حرية الإدارة واتخاذ القرارات المهمة بمعزل عن الدولة المركزية، والاستئثار الواضح بجزء كبير من صلاحية المركز. الدولة المركزية ستحول الصلاحيات طائعة إلى الأطراف والمجتمعات) ان المشروع الاوجلاني المتمثل بالكونفيدرالية الديمقراطية بالية الإدارة الذاتية الديمقراطية يمثل طرحا ديمقراطيا لدور الطبقات الكادحة والشعوب المضطهدة في عصر معولم إعادة ترتيب دور الطبقة والحركات القومية من خلال تدجينها وفق شروطها ... الاوجلانية بداية عصر جديد وحرية شاملة في مرحلة السلطة المطلقة للعولمة التي تمثل المرحلة الأخيرة للامبريالية التي وصفت بأنها أعلى مراحل الرأسمالية.