في ذكرى رحيل الإنسان الوطني السيد علي العوامي


نجيب الخنيزي
2010 / 2 / 27 - 18:35     

الأحبة الأعزاء ، أمسيتنا هذه الليلة استثنائية و ليست ككل أمسية ، إننا نجتمع هذه الليلة لنحتفي بذكرى مرور خمسة أعوام على رحيل الشخصية الوطنية البارزة في بلادنا السيد على العوامي (أبا كامل ) الذي غاب عنا بجسده ، لكنه الحي والحاضر أبدا في الذاكرة ، الوجدان ، والمشاعر لدى مجايليه ،و كل من عرفه شخصيا ، تأثر به ، أو تابع سيرة ومسيرة حياته العطرة والمضيئة والحافلة بالعطاء والنقاء والنبل الإنساني ، وروحه المتسمة بصفاء السريرة والبساطة والتواضع الذي لازمه حتى اللحظة الأخيرة من حياته. أنها مناسبة استثنائية في طبيعتها ، ومضمونها ، ودلالاتها. نحي فيها ذكرى إنسان نذر عمره في خدمة وطنه ومجتمعه بدون منة أو ادعاء ، بل كواجب أخلاقي ، وطني ،وإنساني. لقد عجن السيد علي من أديم هذه الأرض ،وتلحف سماءها ، وجبل على الوفاء والإخلاص والتضحية من اجلها ، وقبل كل شيء إنسانها وبشرها ،وخصوصا البسطاء والكادحين منهم . ولم يبخل بجهده، وفكره ، وتقديم الغالي والرخيص من اجلهم . لقد تحمل صابرا – ومعه ثلة من رفاقه الوطنين - ضريبة الموقف الشجاع ، والمبدئي ، وتصدى لحماية زملائه ،وجعل من نفسه ترسا لتخفيف العبء عنهم ،و حماية الآخرين . ودفع الثمن غاليا من حريته ، ومعاناته الشخصية ، ومعاناة أسرته الصغيرة التي تحملت معه بصبر وجلد وعزة نفس على غرار العديد من رفاق دربه ، و الوطنين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم ، اللذين انخرطوا في الشأن الوطني العام وتحملوا – بمستويات مختلفة –المحنة، ودفعوا ضريبة و ثمن خياراتهم . إنها أمسية نستعيد فيها تلك اللمحات الوضاءة المشرقة لإنسان حقيقي ، خرج من الدنيا وليس له من حطامها شيء ،لكنه ترك ثروة لا تنضب . كان غنيا في مشاعره الفياضة ، وبسيطا ، ومتواضعا في جميع محطات حياته ، وفي تواصله مع الآخرين على اختلاف أجيالهم ، و منحدراتهم الاجتماعية ، ومكوناتهم الفكرية والثقافية . كان منذ شبابه مسكونا بالهم الوطن ، وبقضايا الحرية والإصلاح الشامل ، وكان منحازا إلى أحلام وأمال الفقراء والمحرومين والمقهورين ، المتطلعين إلى العدالة والحرية والمساواة . لم تمنعه جذوره العائلية ، وبيئته المحافظة ، ودراسته الدينية ، وخلفيته التراثية من الانفتاح على الفكر الإنساني التقدمي ، مزاوجا بشكل خلاق بين الأصالة والمعاصرة ،الخاص والعام ، المحلي و الوطني ، القومي والإنساني. وبما أن الإنسان موقف . فقد اقرن - كمثقف عضوي- القول بالفعل، والفكر بالممارسة ، وجسده في فكره النير وعلاقاته وسلوكه وممارساته على الصعيد الشخصي ، و في الشأن العام ، تدل على ذلك كتاباته المبكرة في صحف إخبار الظهران ، والخليج ، واليمامة ، والإشعاع ،والفجر الجديد ، التي تضمنت أفكارا رائدة وجريئة في مثل تلك الأوضاع والظروف ، مثل الدعوة إلى تعميم التعليم في جميع مراحله ، والمطالبة بفتح مدارس للبنات ، وتعزيز دور ومكانة المرأة ،وتحسين أوضاع عمال النفط ، وإصدار قانون للعمل والعمال ، و تشريع إقامة منظمات ومؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والاتحادات المهنية ، كما تطرق إلى ضرورة إنهاء نظام الامتيازات والاحتكارات الأجنبية على الثروات النفطية ، وإلغاء التسهيلات العسكرية الأمريكية الممنوحة في قاعدة الظهران ، و داعيا إلى رفع سقف حرية التعبير والفكر ، وتطوير الأنظمة ،وصياغة القوانين والتشريعات المنظمة للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وبما يضمن استقلاليتها ، وغيرها من قضايا الإصلاح والتنمية . و في الواقع فأن العديد من تلك المطالب قد تحقق في بلادنا في فترات متفاوتة ، كما أصبحت مفاهيم وموضوعات مثل الإصلاح ، والتنمية ، والحرية ، والمشاركة الشعبية ، وحقوق الإنسان من المفردات المتجذرة و المتداولة على الصعيدين الرسمي والشعبي ، و يجري التطرق إليها بحرية أوسع في وسائل الإعلام المحلية المختلفة ، وخصوصا في ضوء تبني ودعم وتوجيه ورعاية الملك عبد الله بن عبد العزيز لهذا المنحى والتوجه الوطني .
في إطار تلك المرحلة التاريخية التي مرت بها بلادنا منذ الأربعينات ، على اثر اكتشاف البترول والتحولات الاقتصادية و الاجتماعية ( البنيوية ) التي رافقتها ، تشكلت معها معطيات موضوعية جديدة ، تمثلت في بدايات ظهور و تبلور الطبقة العاملة في السعودية في مناطق استخراج النفط في المنطقة الشرقية ، التي تحولت إلى منطقة جذب للأيدي العاملة من كافة المناطق والقبائل والتجمعات السكانية في أرجاء الوطن كافة ،وما ولده ذلك ( خصوصا منذ بداية الخمسينات ) من حراك اجتماعي ، وثقافي ، وتبدل في المفاهيم والقيم ، ووعي وطني واجتماعي وطبقي جديد ، تمخض عنه قيام التجمعات العمالية والسياسية ، العابرة والمتجاوزة للانقسامات (المناطقية والقبلية والطائفية والمذهبية ) الفئوية الضيقة . وعلى الصعيد العربي كانت المنطقة العربية تمور وتغلي بالأحداث السياسية في أوج كفاح حركة التحرر الوطني العربية ، بمكوناتها واتجاهاتها الرئيسية( القومية واليسارية والليبرالية والإسلامية ) المعروفة آنذاك ضد الاستعمار والصهيونية والاستبداد والامبريالية الجديدة وأحلافها في المنطقة ، ومن اجل تحقيق الاستقلال و الحرية والعدالة و التنمية المستقلة وتحرير فلسطين والوحدة العربية . ودوليا كان العالم منقسما بين معسكرين متصارعين هما المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة ، والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي ، في ما عرف بفترة الحرب الباردة . وكانت الأفكار الاشتراكية واليسارية بدأت تكتسب حيوية وجاذبية في مختلف بقاع العالم ومن بينها المنطقة العربية ، خصوصا في أعقاب انتصار الاتحاد السوفيتي السابق على الفاشية ، وتشكل المعسكر الاشتراكي والانجازات ا الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية الضخمة التي حققها والمستندة الى فكرة العدالة والمساواة , ودعمه لكفاح حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث ضد الاستعمار والهيمنة الغربية . وبالتالي كان للاشتراكية والتيارات اليسارية و القومية ، تأثيرها ونفوذها بدرجات مختلفة ، على الأوضاع السياسية والثقافية والفكرية في مجمل البلدان العربية ، ومنها بلادنا كما تأثرت بها على وجه الخصوص النخب العربية .

نسج فقيدنا الراحل الذي كان من كوادر جبهة الإصلاح الوطني ، وأحد مؤسسي وقادة جبهة التحرر الوطني ( تأسست عام 1958م) اليسارية علاقات وطيدة وواسعة ، شملت عمال النفط ، وأعضاء اللجنة العمالية التي تمثلهم ، و الشخصيات الوطنية والثقافية من المهتمين بالشأن العام ، من كافة التوجهات الوطنية ، والمشارب السياسية والفكرية السائدة -آنذاك – في مختلف أرجاء الوطن ، من أمثال الشخصية الوطنية ( اليسارية ) البارزة الراحل عبد العزيز المعمر رئيس مصلحة العمل والعمال ( بمثابة وزارة العمل ) و المستشار الخاص السابق في عهد ألملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله، و الشخصية الوطنية البارزة الأستاذ عبد العزيز السنيد رئيس اللجنة العمالية وأحد مؤسسي جبهة التحرر الوطني في الخمسينات من القرن المنصرم ، و الشخصية الوطنية البارزة مصطفى وهبة وكيل وزارة المالية السابق و هو نجل حافظ وهبة المستشار الخاص للقائد المؤسس وموحد المملكة المغفور له الملك عبد العزيز أل سعود ، والشيخ العلامة الراحل حمد الجاسر ، والشخصية الوطنية والقومية البارزة الاستاذعلي غنام ، و الكاتب والمفكر عبد الكريم الجهيمان ، وعضو اللجنة العمالية وأحد مؤسسي جبهة التحرر الوطني محمد الهوشان ، والنقابي الراحل ( توفي في محنة 1956 ) محمد الربيع ، والشاعر عبد الرحمن المنصور المدير العام السابق لوزارة العمل والشئون الاجتماعية ، والكاتب يوسف الشيخ يعقوب ، والراحل احمد الشيخ يعقوب صاحب امتياز ورئيس تحرير صحيفة الفجر الجديد ، والكاتب المعروف اسحق الشيخ يعقوب ، و النقابيان حمد و شقيقه ناصر السعيد ، والأستاذ عبد الله سلطان التميمي ، والنقابي عويضة مانع العجمي ، ومن أعضاء لجنة العمال نذكر عبد الله هاشم ، ومحمد القحطاني ، وعبد العزيز الصفيان ، وإبراهيم الفرج ، وعبد الرحمن البيهجان، وعبد الله الغانم ، ومن مجايليه ورفاق دربه من الذين جمعتهم معه محنة الإعتقال والسجن النقابي صالح الزيد ، و الراحل منصور اخوان( أول أكاديمي من القطيف تخرج من جامعة بغداد في بداية الخمسينات) وشقيقه المرحوم على اخوان ،والكاتب باقر الشماسي والراحل الكاتب والقاص موسى أل حسان ، والراحل الكاتب عبد الرءوف الخنيزي ألذي توفي أثناء قضاء محكوميته ( 10 سنوات ) في المعتقل ، وعضو اللجنة العمالية في منطقة المحايدة ( منطقة سعودية / كويتية مشتركة ) النقابي الراحل عبد الرسول العلقم ( أبو وائل ) الذي كان خطيب ابنته الكبرى بهجة قبل الإعتقال ،ووافق على أن يقترن بها أثناء وجوده لقضاء محكوميته ( 10 سنوات ) في السجن الذي جمعهما معا ، رغم المعوقات والصعوبات المعروفة ،وهو ما يبين معدن وأصالة ونبل الوالد ومعدن ابنته الوفية والشجاعة والصابرة على الغياب ألقسري لأبيها وزوجها في ألان معا ، وهناك أيضا من زملائه في المحنة الراحل رضا الشماسي ،والراحل صالح سلاط ، والراحل حسين الشماسي ، والأستاذ عبد الله الحقيل ، و الشاعر الكبير عبد الله الجشي ، والشاعر والمؤرخ الكبير المرحوم محمد سعيد المسلم ، والكاتب والناقد المعروف عابد خزندار ، ورجل الأعمال الراحل المهندس سعد الدين ) و النقابي ورجل الأعمال لاحقا المرحوم عيد الرحمن الناجم ، والنقابي الذي أصبح رئيس الخطوط السعودية ( سابقا )الكابتن احمد مطر . ومن الشخصيات الوطنية الذين زاملوه في محنة 1956 ميرزا الخنيزي ( أبو نضال ) والنقابي منصور الشيخ أل طعان ، والأستاذ عبد الرزاق الشيخ صالح االبريكي ،والأستاذ عبد العزيز علي أبو السعود ، والأستاذ جعفر النصر ، والأستاذ عبد الرزاق اليوشع ( ابوسلام ) . و من زملائه في المحنة وكان على علاقة شخصية وطيدة و تواصل معهم حتى وفاته ، عبد الله عبد الله الشماسي ( أبو وسام ) وزكي الخنيزي ( أبو سلام ) كما ربطته علاقة شخصية وثيقة مع الشخصية الوطنية والاجتماعية البارز المرحوم عبد الله رضي الشماسي ( أبو حلمي ) . اكتفي بهذا القدر من الأسماء ، فالقائمة تطول لتشمل العشرات بل المئات ممن زاملهم ورافقهم وعانوا مثله أو أشد ( عبد العزيز المعمر ) أو أقل بدرجات ، سواء في فترة الإعتقال القصيرة ( 1956- 1957) أو الطويلة ( 1964-1974 ) أو الفترات اللاحقة و التي ضمت أجيال وأطياف وطنية مختلفة . استعراض ما تقدم يلقي الضوء على طبيعة العمل الوطني ، ومكوناته وشخوصه ، واستهدافا ته ، وانه كان في الأعم عملا إصلاحيا ، وسلميا ، ضمن الثوابت الوطنية المتمثلة في الوحدة الوطنية ، كما لم يكن العمل الوطني حكرا على منطقة ، أو فئة ، أو طائفة ، أو اتجاه فكري وسياسي محدد ، بل كان وطنيا وشاملا في اتجاهه العام . وأن ما جعل تلك الفعاليات تلجأ إلى السرية و العمل تحت الأرض ، والأجهزة الرسمية إلى ملاحقتها والسعي لتفكيكها ، هي الظروف الاستثنائية السائدة آنذاك ،والشكوك و ضعف الثقة المتبادل ، والتي تغذيها بعض الممارسات الخاطئة أو المغامرة ( تشكيلات عسكرية ومسلحة سرية ) التي تحاكي تجارب عربية ، من قبل مجموعات منخرطة في النشاط الوطني من جهة ، و التقييمات والتقارير "الخاصة " المضخمة والمبالغ فيها من جهة أخرى ، وخصوصا في ظل الضغوط الخارجية ، والتجاذب والصراعات في إطار النظام العربي الرسمي ، والاستقطاب والتنافس الدولي الحاد في مرحلة الحرب الباردة . لقد انتهت تلك المرحلة ، ومن الصعب إن تعود ، لاختلاف الظروف التاريخية و الموضوعية ، الى جانب انجاز الكثير من الاستهدافات السابقة ، وسيقول التاريخ كلمته الفصل ولو بعد حين لتقيم تلك المرحلة بما لها أو عليها . بالتأكيد هناك العديد من القضايا الوطنية المهمة والأساسية الراهنة التي تتطلب معالجتها ووضع الحلول العملية لها في المجالات المختلفة ، كما أن بعض تلك المهام القديمة لا تزال حيوية وصحيحة ، لكنها تتمثل وتتجسد في هذه المرحلة من خلال العمل الإصلاحي ، والمطلبي ، واعتماد الأدوات السلمية والعلنية ، ضمن الثوابت الوطنية . الخصال الرفيعة والعطاء غير المحدود الذي تحلى به السيد علي العوامي ، وكان مثار تقدير واحترام من الجميع ، بما في ذلك من اختلف معهم ، أو اختلفوا معه ، ظلت راسخة في وجدانه وضميره حتى لحظة رحيله ، وذلك لسبب بسيط انه لم يكن يبحث أو يفتش على نقاط الاختلاف ، وان وجدت فأنه كان حريصا أن لا تكون مدعاة للمناكفة ،والنفور ، ناهيك عن العداء ، والصراع الذي يعتبره عقيما ومبددا للجهود والطاقات . ومن هذا المنطلق الذي يبدو مثاليا في عالم السياسة التي تتسم بالمراوغة والكذب والانتهازية وحتى الغدر في بعض جوانبها ، كان يفضل بحكم طبيعته الشخصية المتسامحة ، وتكوينه الفكري المنفتح ،التركيز على المشتركات الوطنية العامة بين مختلف ألوان الطيف الثقافي/ الفكري ، ومحذرا من خطورة الانجرار إلى المماحكة ، والصراعات الجانبية تحت تأثير التجاذبات والانقسامات الحادة بين مكونات النظام الرسمي العربي ، والصراع والتنافس بين المكونات السياسية والفكرية في البلدان العربية ، وإسقاطاته على الداخل ، وكان ينفر من استخدام الأساليب الملتوية والانتهازية و غير المبدئية ، و التنافس الفئوي الضيق الأفق ، الذي يؤدي في نظره إلى خسارة الجميع ، وقبل كل شيء خسارة القضية الوطنية المركزية . وما أشبه الليلة بالبارحة بل أنه اشد عمقا ووطأة وخطرا ، لأنه تقسيم المقسم ، وتجزئة المجزأ ، وتفتيت المفتت ، حيث تتزايد وتتعمق حدة الصراعات والاحتقانات في داخل المجتمعات العربية ،الذي وصل إلى حد القتل والتدمير والتهجير والخطف الأعمى المتبادل - العشوائي والممنهج - وفقا للهوية ،والمنطقة ، والقبيلة ، وحتى الاسم ، والتي يذهب ضحيتها الأبرياء في حرب الجميع ضد الجميع أو المأكلة الكبرى ، مثل ما جرى ويجري في العراق ولبنان والسودان والصومال وفلسطين والجزائر واليمن ، كما تتعمق مظاهر العنف ، والإرهاب ، والتكفير ، والتبديع ، والإقصاء للأخر ،وغياب التسامح ، والافتئات على الحريات الخاصة والعامة ، والسعي لإسقاط الحكومات ، وإخضاع المجتمعات عبر العنف واستخدام السلاح ، وذلك تحت عناوين مثل الإسلام هو الحل ، و الدفاع عن حياض الإسلام ، ، والتصدي للكفار والمبتدعة والتغريبيين ، والتي أخذت أبعادا خطيرة في كثير من البلدان العربية مثل المغرب والأردن والسعودية ومصر وغيرها . في مثل هذه الأجواء يجر استثارة الأحقاد والعواطف ، وتستفحل الصراعات السياسية ، و الانقسامات الاثنية و المناطقية و القبلية والدينية والطائفية والمذهبية ، ويجري إذكاء الفتنة الطائفية ، والصراع المذهبي ، عبر استعادة و تأجيج خلافات سياسة ومذهبية قديمة مضى عليها أربعة عشر قرنا ، وذلك وفقا لمصالح وحسابات فئوية ضيقة ، وذلك على حساب القضية المركزية المشتركة للمجتمعات والشعوب العربية والإسلامية في الاستقلال والحرية والعدالة والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، مما يعرض البلدان و المجتمعات العربية لخطر التمزق والتفتت . والتي أسهمت فيها و تتحمل وزرها ونتائجها الكارثية ، سواء بالانخراط فيها أو العجز والتردد عن مواجهتها النخب السياسية والثقافية والتكوينات المذهبية و الطائفية بدون استثناء . غير أن الوزر الأكبر تتحمله الأنظمة والنخب العربية الحاكمة ، نتيجة هيمنتها واحتكارها لانساق السلطة والقوة والثروة ، وفشلها الذر يع في تحقيق أي من شعاراتها وأهدافها الوطنية والقومية المعلنة التي رفعتها أو ادعتها ،مثل التنمية والحرية والعدالة والمساواة وتحرير فلسطين والوحدة العربية ، حيث استبدلت تلك الشعارات والأهداف على صعيد الواقع ، بحكم الفرد والعائلة والعشيرة والطائفة ، وأحكمت سيطرتها من خلال استبداد و تغول الماكينة العسكرية الأمنية التي ابتلعت الدولة ، وحولت الوطن إلى مزرعة خاصة لها ولأعوانها ، وصادرت المجتمع المدني . إزاء كل ذلك . وفي ظل تقهقر وضعف وانقسام وتبعية النظام الرسمي العربي ، تمكنت قوى الهيمنة العالمية ، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية ، من إحكام سيطرتها وتسلطها سياسيا واقتصاديا وعسكريا في عموم المنطقة العربية ، وذلك تحت عناوين مثل الشرق الأوسط الجديد ، أو الكبير ، والفوضى الخلاقة ، وعبر منهج " من ليس معنا فهو ضدنا " و " محور الشر " و " معسكر المعتدلين" . إلى جانب استخدام ذرائع وحجج ومبررات مختلفة ،مثل مكافحة الإرهاب ، والدفاع عن مصالح الأقليات ، وتعميم قيم الإصلاح والديمقراطية في المنطقة . ولتحقيق ذالك تسعى إلى توظيف وتغذية التناقضات والصراعات العربية / العربية ، وفي داخل المجتمعات العربية على حد سواء.

يا ترى ماذا سيقول السيد علي العوامي لو رأى هذا المشهد السريالي البائس والكئيب ؟ هل سيقول يأسا حسنا فعلت حين تواريت عن حياتكم ؟ أم يقول علينا انتظار الذي يأتي ولا يأتي ؟ أم انه سينبري لمعاودة العمل والنضال محكوما بالأمل ( وفقا لسعد الله ونوس ) والإصرار الإنساني على صنع مستقبله ، وتجاوز كل المعوقات ، ومقاومة مكامن الظلم و الشر والقبح ، ومعالجة القروح والدمامل التي أصابت القلوب والعقول على امتداد الساحة العربية؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل مرونة السيد على ، وانفتاحه الذاتي ، وتفاعله الاجتماعي والسياسي والفكري مع الأخر، تعن أنه لم يكن يمتلك منظورا سياسيا ، والتزاما فكريا ، وخيارا ثقافيا واجتماعيا محددا إزاء الواقع ، واليات تغيره ؟ بالتأكيد كان يملك كل ذالك ، لقد كان تقدميا ، يساريا ، أمميا منحازا إلى العمال والكادحين والفقراء ، بقدر ماكان وطنيا مخلصا وغيورا على مصالح وطنه وشعبه ، لكن الأكيد أيضا ،انه لم يكن منبت الصلة أو منفصلا عن فهم الواقع وضروراته ،ومستوى تطوره ، وشروط تغيره، بمعنى الفهم الجدلي لعلاقة التداخل والتأثير المتبادل بين الفكر والواقع المتعين ، وليس المتخيل . وذلك في مجرى الحركة ( الديالكتيك) والتطور الحلزوني المخاتل من البسيط إلى المعقد ، ومن الأدنى إلى الأعلى ،و المفارق بالضرورة لأية حتمية تاريخية مرسومة سلفا ، وهو ما يفترض انزياح ما تقادم من مفاهيم ، و ما ترسب من تصورات وأفكار عتيقة تحولت بفعل الجمود( الدوغما ) إلى أيقونات ، وأبقار مقدسة ، أو نظارات سوداء تحجب الواقع وتعمل على تزيف الوعي و تعميته . وبما إن الحقيقة والمعرفة الإنسانية – ويشمل ذلك العلم والفلسفة والنظريات الاجتماعية - هي على الدوام ناقصة ،ومتغيرة ، ونسبية في مطلقها ، تبقى الأسئلة الوجودية المقلقة قائمة ومشروعة ، تستبطن الاحتمالات ، وتعاني وعورة الطريق ، وغياب العلامات الدالة ، لذا ليس هناك اخطر على الحياة والمجتمع والوجود الإنساني والفكر من التصلب الأيدلوجي والعقائدي والمذهبي . من هذا المنظور كان السيد علي العوامي إنسانيا وتقدميا ، منحازا الى الحرية والعدالة والمساواة في كل مكان ، وظل كذلك حتى أخر يوم في حياته ، ولكن ليس بالمعنى المدرسي المبتذل والبليد ، فقد كان يمتلك القدرة على التجدد ، والتجاوز ، والتفاعل الحي مع الواقع والحياة في جدليتها المحرقة ، بين الكينونة والوجود ، وقد سع إلى تشكيل وبناء كينونته ليس عبر التأمل والجلوس بعيدا في برجه العاجي ، بل من خلال إعمال الفكر ، والفعل ، والممارسة ، بعيدا عن التنظيرات المجردة والمحلقة ذات البعد الواحد ، التي تنظر بعين واحدة وليس لها أرجل على ارض الواقع ، ومن هذه الأرضية والفرشة، كان يرى الحقيقة نسبية ، ومشاعة ، ومتجددة على الدوام ، وليست حكرا على أفكار ونظريات مهما بدت علمية تظل نسبية ، و قابلة للتقادم والخطأ والتجاوز ، وهو ما ينقض تصورات ، قناعات ، أوهام ، وأساطير مقدسة سائدة لدى جماعات وطوائف ومذاهب وتيارات فكرية وسياسية من الإتجاهات كافة ، تظن نفسها الفرقة الناجية ، وغيرها على ضلال وفي النار . كان السيد علي ، يعتبر التجاوز والتبديع في الفكر والممارسة الإنسانية تجديدا و إبداعا ، والتقليد والإتباع ( إنا وجدنا آباءنا على ملة) جمودا وموات.

لذلك أستطاع بما يتمتع به من حب واحترام ومكانة خاصة لدى الجميع أن يردم الفجوة بين الأجيال ، ويزيل الجفوة بين الأطياف ، ووظف مكانته لتخفيف الاحتقانات وإزالة الالتباسات في العديد من الحالات ، وفي مراحل لاحقة ، شجع ورعى لقاءات وحوارات عدة ساهمت في تقريب وجهات النظر ، و تنمية المشتركات ، وتعزيز الثقة بين المكونات الفكرية والثقافية المختلفة . كان الراحل الكبير منفتحا على كافة الأفكار ، والأطروحات , والمواقف بما في ذلك المجموعات الدينية ، و الشخصيات الاجتماعية التي تنشد الحرية ، والكرامة ، وترسيخ المواطنة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى هذا الأساس تفاعل مع من انبر للدفاع عن مصالح وحقوق منطقته ، و مجتمعه الصغير ، وساهم في صياغة وتوقيع الكثير من الخطابات والمطالب المرفوعة للمسئولين في الدولة ، باعتبارها قضية وطنية عامة لا تحتمل التأجيل . فالحقوق العامة لا تتعارض مع الحقوق الخاصة ، بل تتكامل وتتداخل ، من خلال العلاقة الجدلية بين المحلي والوطني ،الخاص والعام وأن ألتصد للنشاط ألمطلبي و لحل قضايا جزئية – بأفق وطني - من شأنه تطوير الحالة الوطنية العامة ، نحو قضايا اعقد وأشمل ، ولسان حاله يقول إذا لم يتعلم الناس ولم يملكوا الإرادة و القدرة على حل قضاياهم الخاصة ، و تحقيق مطالبهم الجزئية والمرحلية ، فلن يكون بالإمكان تطوير العمل الوطني / ألمطلبي/ الإصلاحي باتجاه أفاق أوسع وأعمق . وفي الواقع كان أخر نشاط قام به الراحل السيد علي العوامي قبيل رحيله كان متعلقا بالهم الوطني ، حيث التقى وحاور ثلة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام من مختلف ربوع الوطن الحبيب .

ترجل الفارس عن جواده وغاب عنا جسده في 26 فبراير 2002لكنه سيظل الأكثر حضورا وبهاء وعطاء ونبلا ، وقد كان بحق رجل الإجماع الوطني في حياته وفي مماته ، والذي تمثل في ذكرى اربعينته التي حضرها وشارك فيها ممثلي مختلف الفعاليات الوطنية والثقافية والفكرية من جميع أرجاء الوطن .

نم قرير البال والضمير يا أبا كامل فقد كنت سيدا في خيارك ونضالك وتضحياتك وكنت الإنسان الصادق والوطني الغيور ، كما كنت عليا في روحك ومشاعرك الوضاءة .

( 1 ) بمشاركة وحضور (من الجنسين) واسع شمل ممثلي مختلف الفعاليات الاجتماعية والثقافية والمهتمين بالشأن الوطني العام، وذوي وأصدقاء الراحل الكبير، أحيت ديوانية الملتقى الثقافي أمسية خاصة، هي ذكرى مرور خمسة أعوام على رحيل الشخصية الوطنية البارزة في بلادنا )المملكة العربية السعودية) السيد على العوامي (أبا كامل) . وقد عبرت الكلمات الصادقة والمؤثرة والقصائد الشعرية الحارة التي ألقيت في ذكرى رحيله والتي شارك فيها الأستاذ محمد سعيد طيب وسماحة الشيخ حسن الصفار والشاعر والكاتب علي الدميني والكاتب نجيب الخنيزي والشاعر السيد عدنان ألعوامي والدكتور حسن البريكي والشاعر شاكر الشيخ وكذلك شقيقه الشخصية الاجتماعية البارزة الأستاذ سيد حسن العوامي، وكريمة الراحل الكبير الأستاذة بهجة العوامي، عن تلك اللمحات الوضاءة المشرقة لإنسان حقيقي حظي بحب واحترام وتقدير الجميع.