العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية


عبد الله أوجلان
2009 / 11 / 20 - 00:56     

مانيفستو الحضارة الديمقراطية
المجلد الأول
(العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية)
المـدنيـة
- عصر الآلهة المقَنَّعة والملوك المتسترين –


مدخل:

أولُ شخصٍ استقبَلَني عندما أوتي بي إلى سجن إمرالي، كان على مستوى ممثلِ الهيئة الرئاسية لـ"لجنةِ مناهضةِ التعذيب" التابعة للمفوضية الأوروبية . وكان أول ما قاله لي: "ستبقى في هذا السجن، ونحن سنراقب وضعك، وسنسعى لإيجادِ بعضِ الحلول عبر المفوضية الأوروبية". لقد سَلَّمَتْني الدولةُ اليونانية القومية إلى مراقبةِ الولايات المتحدة الأمريكية واستخباراتها CIA وذلك على أساسِ خيانةٍ للصداقةِ لا مثيل لها في التاريخ. وعندما أُضيفَت معادلةُ المصالح المنفعية إلى علاقاتها مع جمهورية تركيا، أصبحتُ مقيَّداً إلى صخورِ إمرالي في "عصرِ الملوك العراة والآلهة غير المقنَّعة"، وحُكِم عليَّ بقدَريَّةٍ تضاهي أسطورةَ بروماتوس .
والمعادلة التي مهَّدَت لهذه المرحلة بخروجي من سوريا أكثرُ لفتاً للأنظار. فالمفهوم الذي أخرجَني من سوريا يرتكز في مضمونه مجدداً إلى تصادمِ التناقض بين الخط الذي رسمتُه للصداقة، وبين سياسةِ إسرائيل تجاه الكرد. فإسرائيلُ المنهمكة بِرُبُوبِيَّتِها للقضية الكردية، وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، أضحَت بالغةَ الحساسية تجاهها، لدرجةِ أنها لم تحتمل طراز الحل الكردي الثاني، الذي تَزايَدَ تأثيرُه ووقْعُه متمثلاً في شخصي. ذلك أن طرازي في الحل لم يَكن يتناسب وحساباتِهم على الإطلاق. عليَّ ألا أنكر حقَّ الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) التي دَعَتني بشكلٍ غيرِ مباشر إلى طريقتها في الحل. ولكني لم أكن مستعداً أو منفتحاً لذلك، لا أخلاقياً، ولا سياسياً. لم تَرغَبْ إدارةُ سورية العربية بتاتاً بتجاوزِ شكلِ العلاقات التي يغلب عليها الطابع التكتيكي مع قيادة PKK، علماً بأن رئاسة حافظ الأسد تحققت اعتماداً على صراع الهيمنةِ بين كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي. ومع انهيار السوفييت، لم يكن الوضعُ الحَرِج يساعده في الحفاظ على أية علاقةٍ تكتيكية. فعندما كان (حافظ الأسد) يُحَقِّقُ التوازنَ مع تركيا من خلالي أنا (عبر PKK)، كان يبحث عن ردٍّ إزاء تهديداتِ جمهورية تركيا لسوريا والمبتدئة منذ عام 1958 من جهة، وانحيازها المتطرف لإسرائيل من جهة ثانية. وباعتبار أن PKK أداةٌ مناسِبة في هذا الشأن، فقد وفَّر إمكانيةَ إقامةِ علاقةٍ تكتيكية معه على المدى الطويل. ولم يكن يُراد رؤية إمكانيةِ أنْ تُمهِّد هذه العلاقة لسياسةٍ كرديةٍ ثانية، ولم تتمكن جميعُ مساعي الإدارات التركية من التأثير في هذا السياق.
هذا التذكيرُ الموجَزُ وحده كافٍ للإشارة إلى أنّ إسرائيل هي القوةُ الأساسية التي أَخرَجَتني من سوريا. ولا ريب في أنّ التهديداتِ السياسيةَ الأمريكيةَ والضغوطاتِ العسكريةَ التركيةَ لَعبَت دورها في ذلك أيضاً. علينا ألا ننسى أنّ إسرائيل كانت ضمن معاهداتٍ سريةٍ مع تركيا منذ أعوام الخمسينات. وللمرة الثانية، اكتمل التحالفُ المناهِض لـPKK بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وجمهوريةِ تركيا، لدى إضافةِ المعاهدة المسماة بـ"مكافحة الإرهاب" في عام 1996.
العاملُ الآخر الهام الواجب إضافته إلى هذه المرحلة هو اتفاقُ جمهوريةِ تركيا مع إدارةِ PDK وYNK على أساسِ مناهضةِ PKK، وبمعنى آخر، اتفاقُها مع المجلس الكردي الفيدرالي المتكون في عام 1992، ومع إدارته التي هي على علاقةٍ مع كلٍّ من أمريكا وإسرائيل. لا شك في أنّ حكوماتِ جمهوريةِ تركيا وقواتها المسلحة كانت تتحرك بمفهومٍ تكتيكي في ظروف تلك الأيام. ولكنْ، للتاريخ سيره الخاص. فالإدراكات المتغايرة للغاية تُعَيِّن مجرى مستجداتٍ هامة. ويعود هذا الخطأ التاريخي، الذي طالما اغتاظت منه تركيا في راهننا، إلى وعيها الضيق والسطحي والأناني والأحادي الجانب. وهكذا تَحَقَّق خروجي من سوريا في عام 1998 بِاتحاد مجموع هذه العوامل على حسابها.
أقولها علناً أني، أنا أيضاً، كنت منتبهاً لضرورةِ خروجي من سوريا. وقد مررتُ بمرحلةِ انتظارٍ زائدةٍ في هذه الساحة. إلا أنّ جاذبيةَ النهجِ السياسي المتنامي لأجل كردستان، والصداقةَ التي طالما سعيتُ للرقي بها إلى المستوى الاستراتيجي، كانتا وكأنهما تَأسِراني. عليَّ الاعتراف بأنّ الإدارة السورية على أرفعِ المستويات كانت تشدد بإصرارٍ على مخاطرِ هذا الأمر. لكني لا أزالُ أدافع عن أهميةِ وحياتيةِ الصداقة الإستراتيجية بين الشعوب. وهذا هو المفهوم عينه الذي وجَّهني إلى اليونان. فتطويرُ علاقاتِ الصداقة القَيِّمة مع الشعب اليوناني، وإنْ لَم يَكُن مع الدولة اليونانية، كان يثير اهتمامي من الدرجة الثانية. فالتواصل المتبادَل مع ثقافتهم الكلاسيكية وتاريخهم المأساوي كان مهماً للغاية. وضرورةُ الصداقة معهم كانت تفرض ذاتها بكل عناد.
جبالُ كردستان كانت الاحتمالَ الثانيَ لطريقِ الخروج. فمنذ نعومةِ أظافري كانوا يلقبونني بـ"Dînê çolê, dînê çiya"، أي "مجنون البراري، مجنون الجبال". ولكنّ حسابي لِمُؤثِّرَين اثنَين جعلني أُرجِئ هذا الدربَ للمرتبة الثانية: فالمنطقة التي سأكون فيها في الجبال، في الوطن، كانت ستتعرض للغارات والقصف المتواصل بكافةِ أنواعِ الأسلحة كأمر لا مفر منه، مما كان سوف يُلحِق أضراراً جسيمةً بالشعب والرفاق؛ إضافة إلى عاملِ ضيقِ نطاقِ العلاقات. ولدى الإمعان في كلِّ ذلك، فإنه كان يعني التركيزَ بالضرورة على السبل العسكرية فحسب، والانزلاقَ فيها كلياً. الأمرُ الآخر الهام الذي كان يصدني عن الخروج إلى الجبال هو افتقارُ الشبيبة للتدريب بشكلٍ لا يُصدَّق، وضرورةُ تدريبي وإعدادي لها بكلِّ تأكيد.
باختصار، فإنَّ مزاعمَ العديد من الأوساط الرسمية وغيرِ الرسمية في تركيا بأنه "حاصرناهم، انظروا كيف نلنا النتائج" لا تعكس الحقيقة كثيراً. بَيْدَ أنَّ كلَّ المحاولات الحثيثة التي لا تزال قائمةً في سياسةِ التضييق على كلٍّ من إيران والعراق قد أدت إلى بروزِ عقيدةٍ عمياء ثابتة، بدلاً من إعطاءِ النتيجة المتوخَّاة. في حين أنّ العلاقاتِ التكتيكيةَ المقامةَ مع سوريا وإيران حاملةٌ بنتائجَ لا يمكن التكهن بها منذ الآن. ولكنْ، يمكن القول أنّ هذه العلاقات تُعتَبَر وسيلةً لسياسةٍ تحتضن في ثناياها الكثير من الأمور. ولدى الحسمِ بأمرِ الثنائية: "إما العلاقة مع أمريكا – الاتحاد الأوربي – إسرائيل، أو مع إيران – روسيا – الصين"، تُرى، هل حكوماتُ جمهوريةِ تركيا مستعدةٌ لتَحَمُّلِ كلِّ النتائج الناجمة عن ذلك؟
لا شك في أنّ الدروسَ التي استخلصتُها من مغامرتي خلال الأشهر الثلاثة على خطِّ أثينا – موسكو – روما ذاتُ قيمةٍ تاريخيةٍ ثمينة. فَقُدرَتي على التعرف على الحداثة الرأسمالية المتحصنة بألفِ درعٍ وقناع – والتي تُشَكِّل المصطلحَ الأولي لمرافعتي هذه – مرتبطةٌ مباشرةً بمغامرتي تلك. فلولاها، دعكَ من قيامي بهذه التحليلات، ربما كنتُ سأتَسَمَّر وأتعلَّق بالدولتية القومية كقومويٍّ بدائي، أو كنتُ سأُنهي مصيري كحركةٍ يساريةٍ كلاسيكية، مثلما حَصَلَ في مئاتِ الأمثلةِ المعاشة حتى لدى مؤسِّسي الدول. إني أضع نصبَ عينيَّ عدمَ التحدث بشكلٍ حاسمٍ كمبدأٍ للمعرفة الاجتماعية، ولكنْ، لديَّ حدسٌ قوي بأني لن أستطيعَ الوصولَ إلى قوةِ الحلِّ التي أمتلكها الآن.
بالنسبة لي، ساطعٌ تماماً أنّ القوة الحقيقية والأصلية للحداثة الرأسمالية لا تنبع من مالها أو سلاحها، بل من قدرتها على خنقِ كافةِ اليوتوبيات – بما فيها يوتوبيا الاشتراكية الأخيرة والأقوى – وكتمِ أنفاسها ضمن ليبراليتها المتنكرة بألبسةٍ متغايرةِ الألوان بما يَفُوق قوةَ أمهرِ ساحر. وإذا لم يُحَلَّلْ موضوعُ خنقها لكافةِ اليوتوبيات الإنسانية في بوتقةِ ليبراليتها، ناهيك حينها عن الكفاح ضد الرأسمالية ، فإنّ أعظمَ تيارٍ فكريٍّ واثقٍ من نفسه لن يتخلص من التحول إلى خادمٍ مطيعٍ لها في أحسن الأحوال. ما مِنْ أحدٍ حلَّل الرأسمالَ بقدرِ ماركس ، وقِلةٌ نادرةٌ تَعَمَّقَت في موضوعِ الدولة والثورة بقدرِ لينين . ولكنْ، اتضح للعيان اليوم أنّ التقاليد الماركسية – اللينينية قد أهدت كَمَّاً لا يُستهان به من المواد والمعاني إلى الرأسمالية، حتى ولو بَدَت مضادةً لها. وكثيراً ما نصادف أوضاعاً ينمُّ فيها التاريخ عن نتائجَ تَفُوقَ توقعاتِ إراداتنا التي هي مجموعُ مختلفِ أشكالِ الوعي المتباينة. لا أوضح ذلك كقدرٍ محتوم، أو كعلاقةٍ جدليةٍ لا مفر منها. بل، وعلى النقيض، أستنبط منه نتيجةَ ضرورةِ التركيز بعمقٍ أكثر على يوتوبيا الحرية.
إذا لَم نحلل الفردَ والمجتمعَ اللذَين تُحرِّضهما الليبرالية ، ولم نُوَجِّه الإنسانَ إلى مساره الطبيعي؛ فلن تَكُونَ النتيجةُ أبعدَ من الموت بالسرطان الاجتماعي. سأسهب في شرحِ ذلك مطوَّلاً.
أود الوصولَ إلى القولِ بأني لن أستطيع تحليلَ مصيري بشكلٍ سليم، ما لَم أحلل الحداثةَ الرأسمالية، أي، النظامَ الساحر المتستر وراء تلك السيدة ذات السبعين من العمر، ممثِّلةِ المفوضية الأوروبية التي تَفَضَّلَت بي إلى سجنِ إمرالي. فهذه المرحلة قد ابتُدِعَت من بدايتها إلى نهايتها على يدِ كلٍّ من إسرائيل وأمريكا والاتحاد الأوروبي بِمَعِيَّة روسيا السوفييتية المنهارة. في حين أنّ دورَ الحكومات السورية واليونانية والتركية في المؤامرة لا يذهب أبعد من الخدمات البيروقراطية من المرتبة الثانية.
لقد ذكرتُ في فترة التحقيق أنه لا معنى للفرح باعتقالي. قلتُ ذلك علناً للمسؤولين الأتراك، أي، لممثلي المؤسسات الأربع الأساسية: استخبارات هيئة الأركان العامة، منظمة الاستخبارات القومية MIT، مديرية الأمن العام، والمخابرات العسكرية (مخابرات الجندرمه). فاستغلالُ علاقاتِ الصداقة بهذه الدناءة والغدر التعسفي، وتحامُلهم عليَّ، ورميي في الطائرة بمؤامرةٍ فريدةٍ من نوعها؛ ليس بطرازٍ شهمٍ في الحرب. حتى هذه الحقيقةُ تُعتبَر مثالاً ضارباً للنظر في الإشارة إلى ماهيةِ ليبراليةِ الحداثة الرأسمالية التي هي شكلُ نفوذِ الولايات المتحدة الأمريكية. إنها النظام الذي لا يعرف حدوداً للقمع والاستغلال.
لستُ جاهلاً لدولتيةِ القومية التركية في نَسَق كفاحي. فقد أبديتُ الجرأةَ على مناهضتها حتى عندما كنتُ وحيداً وفي أضعف حالاتي. وكلُّ شاهدٍ يدرك أني ناضلت بشكل جيد، ولا عجبَ في ذلك. فما كان في الميدان هو قرارُ وفرمانُ الموت بحق الكردايتية. وفي هذه الحال، إما كنتُ سأقاوم وأتشبث بإنسانيتي وكرامتي، أو كنت سأنتهي متخبطاً في عبوديةٍ مجهولةِ اللون والهوية. لا أناقش هذا الواقع هنا، ولا أغتاظ منه. ولكنَّ النقطة الأساسية التي كنتُ أغتاظ منها هي العجزُ عن وضعِ حدٍّ للحماقة الفكرية والأيديولوجية بأيِّ شكلٍ من الأشكال. إنه نظامٌ يزعم أنّ ما يسمى بحقوق الإنسان تكاد لا تتسع لها الأرض ولا السماء. بينما الحقيقةُ هي نسبةُ الاستغلالِ والحروب التي خَصَّصَتها حفنةٌ من الأناس لِتُسَلِّطَها على بَنِي جلدتها، بل وعلى البشرية جمعاء بنحوٍ لا مثيل له في نظامِ أيٍّ من الكائنات الحية. وهي لا تكتفي بذلك وحسب، بل وتُسمِّم البيئةَ برمتها، بما فيها سطحها وباطنها، ومن ثم تمنحها للبشرية.
كان المجتمعُ الذي وُلِدتُ فيه مشحوناً بالمؤثرات الثقافية للقرية النيوليتية . والأساسُ في هذه الثقافة هو الصداقة الشفافة والنضال غير التعسفي. كنتُ ترعرعتُ بهذه العواطف. لكنْ، وكأنه لا يكفي الإبقاء علينا خارجَ مسارِ كافةِ المراحل الحضارية، وتحويل التأثيرات السلبية المريعة للمدنية إلى اغترابٍ قاسٍ كقدَرٍ مكتوبٍ منذ أمدٍ بعيد؛ بل وتَوَحَّدت التقاليدُ الصارمة الأشد تعصباً مع الحداثة الرأسمالية، فحوصِرنا بإطارِ الدولةِ القومية من خلالِ القومويةِ الأثنية ضمن الحدود القصوى للشوفينية؛ لِيَغدوَ كلُّ ذلك تسلطاً ونفوذاً أيديولوجياً معقداً يصعب تفكيكه. وبإضافةِ العنفِ المكشوفِ الواضعِ إصبعَه على الزناد متأهباً في كلِّ لحظة، يغدو الاسمُ الثاني للقدر المحتوم متجسداً في التحولِ إلى ما هو أَشْبَهُ بمسمارٍ مدكوكٍ في الأرض حتى قبل الولادة.
لَم يَكُن خروجي من حدودِ جمهوريةِ تركيا حصيلةَ مقاومةٍ باسلةٍ باهرة. أما الدافع وراء خروجي هذا، فكان البحثَ عن ساحةِ حياةٍ جديدةٍ لحل القضية الوطنية التي تَعَلَّقنا بها بِعِدَّةِ تحليلاتٍ يساريةٍ دوغمائيةٍ وثوقية . وPKK في الشرق الأوسط، لَم يَكُن حظُّه يذهب أبعدَ من تحقيقِ بعضِ المنجزات بالاستفادة من ثغراتِ النظام. لكنْ، ومع ذلك، لا يمكن الاستخفاف بمساعيه وطموحاته في تطويرِ وتعزيزِ ذاته كقوةٍ مناهِضةٍ للنظام القائم.
إنّ توجُّهَ PKK نحو الكفاح المسلح الدائم، وخاصةً في الجبال بالدرجة الأولى، أمرٌ جِدُّ هامٍّ من حيث النتائج التي سيولِّدها. في حين أنّ هذا بالنسبة للكرد يعني التوجهَ قدماً صوب التسيُّس. أما الانقطاعُ عن العناصر المتواطئة الكلاسيكية، فَوَلَّدَ معه الإدراكَ بإمكانيةِ وجودِ بديلٍ حرٍّ لأول مرة. لَم تَكُن انطلاقتنا متوَقَّعَةً ولا مقبولةً من جانبِ النظم الاستبدادية المتبقية من العصور الوسطى الكلاسيكية، ولا من الدول القومية الملحَقة بها والمسماةِ بالعصرية. وهذا هو السبب وراء تفاهمِ وتحالفِ قوى الهيمنة الإمبريالية والدولِ القومية الإقليمية مع الكرد المتواطئين حول الإصرار على أن "PKK تنظيم إرهابي". فالكردي الحر، بفرده ومجتمعه، يُعطِّل ويُفسِد كلَّ حفظياتِهم (ما حفظوه عن ظهرِ قلب) رأساً على عقب. وأيديولوجيةُ الفتوحات الإسلامية، وأيديولوجيات القوموية الليبرالية قد مَحَت الكردايتية الحرة من دفاترها منذ زمنٍ غابر، واعتبَرَتها خارجَ مجرى التاريخ.
ما يتم دحضه أساساً والسعي للحكم عليه في سجنٍ انفراديٍّ في عَرضِ جزيرةٍ معزولةٍ متجسداً في شخصي هو هذه الكردايتية الحرة. والسياساتُ اليوميةُ المطبَّقة عليَّ في سجنِ إمرالي الانفرادي طيلةَ تسعِ سنوات، إنما هي مدروسةٌ وممنهجة. والنظر إليها على أنها سياساتُ المعتقلاتِ التركية فحسب يؤدي إلى مغالطاتٍ جدية، ويسفر بدوره عن صراعاتٍ حادةٍ وعن سيادةِ العقم السياسي بالنسبة للكرد والترك على حدٍّ سواء.
لكني أدركتُ جيداً أنّ التركياتيةَ عاجزةٌ عن ممارسةِ الحرب أو السلم باسمها. فالدور الذي أناطته الحداثة الرأسمالية بها هو أنْ تَكُونَ الحارسَ الأمين والشرطي والدركي الفظ الساعي لجعلِ كافةِ شعوبِ الشرق الأوسط، بما فيها الشعب التركي، منفتحةً لقمعِ واستغلالِ النظام الرأسمالي.
وسواءً الذين داخل أوروبا أو خارجها، ما يهمهم هو أنْ تَكُونَ تركيا وثقافاتُ الأناضول موثوقةً بأوتادٍ متينة. ما يُطبَّق هنا ليس كأيِّ سياسةٍ أخرى، بل يتم تسيير أدقُّ أنواعِ السياسات والاستراتيجيات، وبنسبةٍ عليا من الخفاء والشمولية والتماسك. وبموجب ذلك، يمكننا استيعاب علاقات الناتو والاتحاد الأوروبي بشكلٍ أفضل.
حتى هذه الأمور التي سعيتُ لشرحها إلى الآن تشير إلى أني لن أستطيعَ تقديمَ مرافعةٍ قيِّمة، ما لَم أَقُمْ بإدراك الحداثة الرأسمالية والغوص في أعماقها. ساطعٌ أيضاً أنّ ركائزَ مرافعتي لن تَكتَسِبَ معانيها عبر الحقوق الصرف المجرد. فالتناول السياسي والاستراتيجي السطحي لن يَكشِفَ النقابَ عن أسبابِ التكتم على سياقِ مرحلةِ "إعادة المحاكمة". كما أنّ استيعابَ معنى إعادةِ المحاكمة يتسم بأهميةٍ قصوى لتسليطِ الضوءِ على حلِّ الكردايتية الحرة. وانطلاقتي في "الجمهورية الديمقراطية" تجاه القضاء التركي الصوري، وكذلك أطروحاتي الشاملة باسم "من دولة الرهبان السومريين نحو الحضارة الديمقراطية" و"دفاعاً عن شعب"، والتي قدمتُها في دعواي المرفوعة إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية؛ إنما كانت في مضمونها سعياً لتحقيقِ فهمِ الديمقراطيةِ الحقة والعدالة الحقة. في حين أنّ مرافعاتي الأخيرةَ هذه تهدف إلى استيعابِ ضرورةِ "تحويل الحداثة الرأسمالية إلى قضية، وتجاوزها"، بقدرِ ما تهدف إلى إضفاءِ المعاني الغنيةِ والشاملة للدمقرطة كَحَلٍّ بديلٍ، سواءً بنظامها السياسي، أو بروابطها مع الحرية. بالتالي، فهذا ما يدل مرةً أخرى على أنّ مرافعاتي بمجملها متكاملةٌ ومتمِّمةٌ لبعضها.
كنتُ ذكرتُ أنّ المحاكمةَ الأولى في إمرالي كانت لعبةً استعراضية. فحقيقةً، لَم تَكُن الشروطُ أثناءَها وفيرةً للقيام بدفاعٍ حقوقي. بل كان كلُّ شيءٍ مخططاً مسبقاً وبأدقِّ التفاصيل. كان كلُّ شيءٍ يسير وفق المخطط المرسوم، بدءاً من يومِ إصدار القرار، وموطنِ رئيسِ القضاة المعيَّن وخاصياته ومزاياه، إلى المشاركين في مرحلة المحاكمة، ومن فترةِ المحاكمة إلى كيفيةِ استخدامِ الوسائل الإعلامية. وكان قد حصل الاتفاق في هذا الصدد مع كلٍّ من أمريكا والاتحاد الأوروبي. وما كان يقع على عاتقي تجاه هذا الواقع هو ألا أَكُونَ مدافعاً حقوقياً مزيفاً. وبالأصل، لَم يَكُن ثمة حقوقٍ في الوسط. والوضع عينه كان سارياً على الاتحاد الأوروبي. فالمشكلة كلها كانت تتجسد في كيفيةِ استخدامي أساساً ضمن مجملِ إطار القضية الكردية. وكان على كلِّ شيءٍ أنْ يُسخَّرَ لخدمةِ هذا الغرض. وبالأصل، فمرحلة كينيا، من البداية وحتى النهاية، لَم تَكُن سوى خرقاً لقوانينِ وحقوقِ الاتحاد الأوروبي. بل وحتى قوانين كينيا ونظام الحقوق التركي أيضاً كان قد تم خرقهما. أما الإبقاءُ على موضوعِ الإعدامِ قائماً في الأجَندة، فكان متعلقاً بالنتائج السياسية للدعوى. كانوا يَزعَمون أني خائف. ومن هنا، كان التطرقُ الدائم لتهديدي بالإعدام سيكون مفيداً لهم. ما كان عليَّ القيام به تجاه هذه الأوضاع هو تقديم مساهَمةٍ في المسار السياسي. ولهذا السبب كانت ماهيةُ الرسالةِ السياسية للمرافعات مهمةً جداً. كما كان من الضروري البحث عن أجوبةٍ جذرية للمغالطات الجدية التي أسفرت عن هذه المحصلة. وهذا ما سعيتُ لعمله. كان هذا هو الأساس الذي ترسخ عليه المفهومُ السائد في كافةِ مرافعاتي في تلك المرحلة. ولَم تَكُن المساهَمةُ في نضالِ الحرية، وتخفيضُ نسبةِ التحول إلى أداةٍ في هذه اللعبة لأقلِّ درجةٍ أمراً ممكناً إلا بهذا المنوال.
أقولها علناً أني كنتُ بانتظار أنْ تَحكُمَ محكمةُ حقوقِ الإنسان الأوروبية على اعتقالي بِكَونِه مُنافياً للحقوق والقوانين. وهكذا كان بالإمكان أنْ تَتَوَلَّدَ الفرصةُ لمحاكمةٍ عادلة. لكنّ هذا الحكمَ لَم يَصدُر، فكان دليلاً صارخاً على الإجحاف. وما تبقَّى من الأمر تَجَسَّدَ في الاضطرار للقولِ بعدمِ عدالةِ المحاكمة. بالأصل، فكلُّ شيءٍ جرى كاستعراضٍ للمشاهدةِ علناً. وبعد انتظارٍ طويلٍ من الأمل بمحاكمةٍ عادلة، صدر الحكمُ المطابق لسابقه على الملفات مِن قِبَلِ المحكمتَين الجنائيتَين الحادية عشرة في أنقرة والثالثة عشرة في إسطنبول، واللتَين هما من بقايا محاكِمِ الدولة القومية القديمة. لقد صدر هذا الحكمُ بالفضيحةِ الحقوقية الشنيعة، والمبادرات المنافية كلياً للحقوق في عشراتِ البنود، وبمزاعمِ الانشغال والإجراءات الخاصة بالملفات، وحصيلةَ اللقاءاتِ الطويلةِ المدى والأحاديةِ الجانب من قِبَلِ مفوضيةِ الاتحاد الأوروبي مع الحكومة التركية، مقابل التنازلات السياسية الهامة التي حصلت عليها الأولى لصالحها. لقد حصل الوفاق مع اللجنة الوزارية للاتحاد الأوروبي على هذا الأساس، فأعيدت الملفاتُ ثانيةً إلى محكمةِ حقوقِ الإنسان الأوروبية. ولا يزال الجميعُ ينتظر بفارغِ الصبر موقفَ محكمةِ حقوقِ الإنسان الأوروبية إزاءَ قرارها في المحاكمة العادلة. هكذا أُفرِغَت جهودي من محتواها حينما كنتُ أتأهبُ للقيام بالدفاع الحقوقي الأساسي خلال مرحلةِ إعادةِ المحاكمة. ولذلك، لَم تَذهب المحاكمةُ الحقوقية أبعدَ من كونها استعراضاً.
الأمرُ المستوعَبُ بشكلٍ أفضل في هذه المرحلة هو كونُ أمريكا والاتحادِ الأوروبي وجمهوريةِ تركيا في تواصلٍ كثيفٍ وبحثٍ عن وفاقٍ فيما بينهم بخصوص PKK وشخصي، وبخصوصِ عمومِ القضية الكردية. فبينما تُقدِّم تركيا التنازلاتِ الاقتصاديةَ الواسعة مقابل تصفيةِ القضية الكردية لديها، فهي تُصِرُّ من جانبٍ آخر على مواقفها في الدعم المشروط لتأسيسِ الدولة الفيدرالية الكردية في العراق. ومع مرورِ كلِّ يومٍ يتضح أكثر أنه ثمة لقاءاتٌ مكوكيةٌ مركَّزةٌ تَجري في هذه المواضيع. وبينما سُيِّرَت هذه التنازلاتُ والمساوماتُ علناً مع أمريكا، فقد كان أهمُّها متعلقاً باعتقالي، والإبقاءِ عليَّ محكوماً بالإعدام دون محاكمة، وبتصفيةِ القضية الكردية في تركيا، وإعلانِ PKK كـ"تنظيمٍ إرهابي". في حينْ كان صندوقُ النقد الدولي IMF ومعاييرُ كوبنهاغن للاتحاد الأوروبي ستاراً حسناً لهذا الوفاق القذر.
أقولها علانيةً أني لَم أَكُن أتَصَورُ حصولَ كلِّ هذه المواقفِ الشنيعةِ والمريبة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وقد حثتني هذه الحقائقُ على القيام بِتَحَرٍّ وتَقَصٍّ عميقٍ بصددِ حقوقِ الإنسان والمعايير الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي. وقد تبين خلالَ تعمقي في هذه المواضيع أنّ القضايا أعمقُ مما نتصور، وتتطلبُ مواقفَ جذريةً بنفسِ الدرجة من العمق لِحَلِّها والتغلب عليها. لا ريب في أنّ الاتحادَ الأوروبيَّ قطعَ أشواطاً متقدمةً على صعيدِ حقوقِ الإنسان والديمقراطية، ويُعَدُّ نافذةَ الأملِ لعالَمنا الراهنِ في هذا المضمار. لكنّ الحداثةَ الرأسمالية القابعةَ في أسسه وركائزه تجعله موثوقاً بأغلالٍ غليظةٍ تتسبب في التشاؤم وخيبةِ الأمل إزاء قدرته على تحقيقه انطلاقاتٍ أخرى.
كان الثوارُ الروسُ يعتقدون أنّ قيامَ الثورات، ولو في جزءٍ من أوروبا، سيشكل صمامَ الأمان لانتصارِ ثوراتِهم. ولكنْ، معلومٌ أنّ طموحاتِهم هذه لم تتحقق. وعلى النقيض، فقد قامت الثورةُ الأوروبية الليبراليةُ المناهِضةُ بِصَهرِ روسيا السوفييتية ومجملِ النظام الذي رادَته وتَزَعَّمَته في بوتقتها. والأمرُ ينطبق على كافةِ الثورات الديمقراطية في راهننا. ولكي لا تَلقى الآمالُ المعقودةُ على أوروبا نفسَ المصير، فإن التطلعَ إلى الدمقرطة العالمية يُعتبَر السبيلَ الأكثرَ واقعيةً في عصرِ ازدهارِ رأسِ المال العالمي. ولا يمكن للديمقراطية وحقوقِ الإنسان والحرياتِ القائمة في أوروبا أنْ تَكتَسِبَ معانيها السامية إلا في ظلِّ هذه البراديغما .
هذه الدوافعُ والعللُ التي سعينا لشرحها بخطوطها العريضة تستلزم التحليلَ العميق للأصنافِ الأساسية التي أدت إلى عدمِ الرغبة في "إعادة المحاكمة"، وتَجعلُ إسقاطَ البنود الأساسية التي تطرقتُ إليها سابقاً في واقعِ مرافعاتي على مصادرها الأصلية أمراً مهماً. ورغم أنّ الاختزالية المفرطَةَ تؤدي إلى ضلالٍ وخداعٍ جديَّين في الوعي، لكنه من المهمِّ بمكان تَحَمُّل مثلِ هذه المخاطر، باعتبارِ أنَّ القضية نابعةٌ من الحداثة. وبالأصل، فالفصول الأساسية التي نحاول حلَّها تتسم بتكاملٍ داخلي، مما سيَحُدُّ من مخاطرِ الاختزالية إلى الحد الأدنى.
يشكل "الأسلوب ونَسَق الحقيقة" Hakikat Rejimi الفصلَ الأول الذي رغبتُ معالجتَه بعد المدخل. من المعلوم أن الأسلوبَ يعني السبيلَ أو الطريقة المألوفة في البحث والتدقيق. وسيساعد تعريف هذه العادات المجرَّبة في التاريخ واليوم الراهن في تسليط الضوء عليها. ذلك أن إيضاحَ الأسباب الأولية للمفاهيم الأسلوبية بجوانبها الإيجابية والسلبية سيؤَمِّن السهولةَ في تحليلاتنا. إذ، لا بد من وجودِ طريقٍ لسلوكه دائماً، ولو أننا لسنا متشبثين بالأسلوب على نحوٍ مَرَضيّ.
ما قصدناه بنَسَق الحقيقة هو أفضل الأساليب للوصول إلى معنى "الحياة". ما هي "الحقيقة" التي طالما شغلت بال الإنسان وفكره؟ كيف يمكن الوصول إليها؟ بمعنى آخر، فالبحث عن أجوبةٍ لقضاياها العالقةِ الممتنعةِ يأتي في مقدمة المواضيع الواجبِ تحليلها في سبيل بحثٍ وتدقيقٍ جديَّين. سنسعى في هذا الفصل إلى إزالة الستار عن بعضِ النظرياتِ الفكرية الأولية، وعن مصطلحَي "الموضوعانية الشيئية" و"الذاتانية المثالية" اللذَين وكأنهما أسَرا وسحرا مخيلة وذهنية البشرية جمعاء.
وفي فصل "تمييزٌ قَيِّم بين الزمان والمكان في التطور الاجتماعي"، سنسعى أساساً لإيضاحِ استحالةِ تناولِ قضايا إنشاء الفئات الاجتماعية الأساسية بشكلٍ منفصل عن الزمان والمكان. فتناوُلُ أشكال نشوء المجتمعات ومضامينها على نحوِ "أحداثٍ تاريخية" صرفة، أو شرحُها بشكلٍ تجريديٍّ وكأنه لا وجودَ لأبعادٍ مكانية فيها؛ إنما يَجُرُّ وعينا الاجتماعي نحو اعتلالاتٍ جدية وتيهٍ تام، ويجعله أداةً لأشدِّ المصالحِ رذالةً، وينتهي به المطاف ببلاغةٍ زائفة ولَغَطٍ ديماغوجيٍّ لدى المجتمع باسم "الحقيقة". عندما تؤخذ الأبعاد الزمَكانية للمضامين أساساً بكل سطوعها وجلائها لدى إنشاء الوقائع والحقائق الاجتماعية، ستزداد إمكانياتُ إضفاءِ المعاني القيِّمةِ على "حياة الإنسان". وحينئذ، سيتم إدراك أنَّ الكثيرَ من المصطلحات والنظريات ليست سوى مفارقات كبرى في السفسطة والخداع والمغالطة، و"قوالب كلامية" (كليشيهات كلامية محفوظة). سنعمل بشكلٍ ملموس على إضفاء المعاني على التطور التاريخي والمكاني للمدنية الراهنة (نقصد الأساسية منها) على نحوِ عناصر أولية.
وفي فصل "عصر الملوك العراة والآلهة غير المقَنَّعة" سنجهد لإيضاحِ ولادةِ الرأسمالية كشكلٍ إنتاجي، والسرطنة الناجمة عنها في المجتمع. سنحاول الكشفَ عن جوهرها الباطني، حيث تتبدى ظاهرياً وكأنها واضحةٌ للغاية، في حين أنّ الرأسمالية جوهرياً قد أَوثَقَت عُرى السلطة السياسية بذاتها. سنكشف حقيقةَ معاني حربِ الكلِّ ضد الكل، والمسَيَّرةِ بأساليب العلموية ونظرياتِ ومصطلحاتِ العلم، بحيث غدت دوامةً يستحيل النفاذُ من تسلُّطها في الميدان الذهني. كما سنعمل على إنارةِ مهارةِ النظام الرأسمالي في تحويلِ جميعِ التيارات المكافحة ضده إلى آلةٍ ملائمةٍ لتسخيرها في خدمته، وفي مقدمتها التيارات الماركسية والفوضوية والتحررية الوطنية، وحتى الديمقراطية – الاجتماعية. كيف تَحوَّل التبضُّع وقيمة المقايضة (التبادل) إلى آلهةٍ جديدة تتحكم بجميع المجتمعات، بعد أن كانت تزدريها في البداية؟ والحفنةُ النادرة من الملوك القدامى المرتدين للملابس المختلفة الألوان والمتمتعين بحقوقٍ وامتيازاتٍ خاصة في حياتهم الاستثنائية داخل ردهات قلاعهم وقصورهم، كيف تكاثروا بإفراط، وكيف أصبحوا عراةً مكشوفين، بحيث لم يعد بالإمكان تمييزهم عن أتباعهم؟ ورغم أن هذا النظام علميٌّ للغاية وسلطويٌّ للغاية وماديٌّ للغاية، فلماذا يتم التحول إلى جماعاتٍ تَفنى في ظلِّ بيئةِ هذا النظام وبنيته الداخلية بالموت والأمراض التي لا يتسبب بها حتى أكثرُ الناس جهلاً؟ سنجهد لوضعِ اليد على ألغازِ هذه الأسئلة وإيجادِ الأجوبةِ لها. سنفحص كيفيةَ إضفاءِ المعاني أو عدمية المعاني على الأدوار والحياة الحقيقية، سواءً بصدد انقسامات الدولة القومية المتصدعة ببناها الاقتصادية والاجتماعية ومؤسساتها السياسية، أو بصدد التقسيمات العلمية الناجمة عن هذه المفاهيم والنظريات. سنشرح الدورَ الأصليَّ للِّيبرالية التي تُعَدُّ دِيناً رسمياً، مثلما هي حال النزعاتِ القومويةِ والفردية . وسنُظهِر كيف تَكُون الرأسماليةُ حرباً دائمة مسلَّطةً على المجتمعات ببناها الداخلية والخارجية، وبالتالي، كيف تُكَوِّن حالةَ الأزمة والفوضى المتوترة والمضطربة في الحياة.
وفي الفصل المُعَنوَن باسم "عصر الحياة بيوتوبيات الحرية مجدداً"، سنسترسل في فحصِ كيفيةِ الخلاص من الحياة المتأزمة والفوضوية للحداثة الرأسمالية، والوصولِ مجدداً إلى أنماطِ حياةٍ مشحونة بيوتوبياتِ الحرية. سنتطرق فيه إلى كيفية الوصولِ لتكاملِ المعاني الروحية والذهنية الجديدة في سبيلِ الحصول مجدداً على تعابيرِ الحياة المثالية والخلابة المطرودة والمنفية من الحياة العصرية الرأسمالية القابعةِ تحت سيادةِ البنى المادية. سنتحدث كذلك عن كيفيةِ بسطِ الأجنحة للتحليق نحو الكون المسمى بـ"الحياة الحرة" في ظل تكاملِ تلك المعاني. وبينما تكون قوالبُ الحياةِ العصرية الرأسمالية المزيلةِ للمعاني حالةً من الهروب من الموت، سنكشف عن كيفية إفراغهم ثنائيةَ الموت – الحياة من معانيها، وكيف أفسدوا المقدساتِ، وبتروا الحياةَ عن جوانبها الساحرةِ والجذابة والشاعرية، ليُنشئوا بذلك عصرَ موتٍ أبدي ومحشرٍ سرمدي. كما سنسعى لإضفاء المعاني على خَيار الحياة الحرة المثالية كحالةٍ من العيد الكوني، رغم أنها لم تعد تُدرَك بسهولة بسبب الرموز التي أضفيت عليها عبر العديد من الاصطلاحات من قبيل مصطلح ما وراء الحداثة ، ورغم مصادفة العديد من تعبيراتها التوفيقية المتمفصلة. حيث سنستعرض ونَخُطُّ طريقَ الوصولِ إلى حياةِ الجماعات اللحظية واليومية ذات المعاني الغنية، بدلاً من اللجوء إلى أشكالِ المجتمع والإنتاج مثلما جرت العادة، وبدلاً من الاعتماد على المصطلحات والنظريات الفاسدة بسبب مثل هذه التصنيفات المسدودة.
هذا وسنتناول "الشرقَ الأوسطَ في عصرِ الرأسمالية" بشكلٍ منفصلٍ ضمن خصوصياته. ما هي المؤثِّراتُ الأولية التي تصون الشرقَ الأوسط وتجعله صامداً ثابتاً أمام محاولاتِ الرأسماليةِ الفاشلةِ في إسقاطه خلال الحربين العالميتين؟ لماذا تَحوَّل الشرقُ الأوسطُ إلى بؤرةِ المشاكلِ العقيمة في العالم؟ وأيُّ الاحتمالات يحتويها في طواياه كساحةٍ وزمانٍ أساسيَّين للحرب العالمية الثالثة الناشبة بشكلٍ من الأشكال في راهننا؟ كيف علينا إضفاء المعاني على مقاومةِ الشرقِ الأوسط وصمودِه إزاء الحداثة الرأسمالية؟ هل يمكن لهذه الساحة، التي هي مهدُ الحضارات، أن تتحولَ بشكلٍ معاكس إلى مقبرةٍ لها لتصبح ساحةَ الانتقال والتوجهِ نحو عصرِ يوتوبيات الحياة الحرة؟ هل سيكون باستطاعةِ هذه الساحة الملطِّخة لمقدَّساتها بالطين والداهِسةِ لحياتها تحت الأقدام أن تعيد صياغةَ مقدَّساتِها وتولِّدَ "أنماطَ الحياة الحرة" الخلابةِ والشاعرية والموسيقية المشحونة بالمعاني الفاضلة؟ وفي سبيل ذلك، هل ستقدر على تحطيمِ الأوثان والقوالبِ الماديةِ والعلمية للحداثة الرأسمالية، لتتمكن من تأسيس أشكالِ الإدارةِ الديمقراطية ذات الإمكانيات الأوفرِ لحياةٍ أكثرَ حريةً، وتشكيلِ مجموعاتٍ إنتاجية متكاملةٍ مع البيئة، وبناءِ مجالسِ الحكمة المفعَمَة بالمعاني السامية؟ سنبحث عن ردودٍ لمثل هذه التساؤلات.
هذا وسنتناول في فصلٍ آخر "دورَ الكرد في الحرب الفاصلة"، تلك الحرب التي أشعلت الرأسماليةُ شرارتَها في الشرق الأوسط، بحيث أصبحَتْ المنطقةُ ساحةً من الوغى أَشْبَهُ بالمعركة الفاصلة التي أسمَتْها المسيحيةُ والموسوية "هَرْمَجَدُّون" ، والتي سمَّاها الإسلامُ "المحشر، القيامة" متأثراً بالديانتين الأُخرَيَين. وبمعنى من المعاني، يمكنُ نعتُ الكردِ بأنهم "شعبٌ ليس بشعب"، حيث من المحال مصادفةُ شعبٍ آخر يَهرُبُ أو يُهَرَّب ويُجَنَّبُ من قيمه ومُثُله الجوهرية لهذه الدرجة، أو رؤيةِ مجموعةٍ من البشر متباينةٍ بهذا القدر. لا يمكن الزعمُ بأنّ الكردَ شعبٌ خائرُ القوى أو مفتقرٌ لمهاراتِ الحرب والقتال. ذلك أنهم من أكثر جماعاتِ البشر القادرة على خوضِ غمارِ الحرب والانتصار فيها، نظراً لجغرافيتهم الاستراتيجية وخصائصهم الأنثروبولوجية . كما إنّ طاقاتِ الجرأةِ الكامنة لدى نسائهم وشبابهم عاليةٌ جداً، لكنهم أُحيلوا إلى جبناءَ يخافون حتى ظلالَهم. ستضطر أمريكا لاختيار هذا الشعب حليفاً أساسياً جديداً لها في الشرق الأوسط، في حين أن إسرائيلَ صاحبةُ مشروعٍ كرديٍّ مختلفٍ كلياً.
إن هذا الشعب، الذي فَرَضَ الإسلامُ عليه النسيان وإنكار الذات، سيحتل مكانَه بالأغلب في مصافّ المسيحيين والموسويين ضمن حَلَبَةِ معركةِ هَرْمَجَدُّون الفاصلة إزاءَ كافة البنى الطرائقية والعقائدية (الإسلامية). وبالأصل، تتشكل الغالبية الساحقة من هذا المجتمع الكردي من علمانيي المذهبَين العلوي واليزيدي والمذاهب الأخرى التي فقدَت معانيها وعفا عليها الزمن منذ دهرٍ غابر بين صفوف الشرائح الفقيرة البائسة. أما الحفنةُ القليلة من أصحابِ الطبقة العليا وزعماءِ المجموعات والطرائق الإسلامية التقليديةِ والعصرية، فيتخلون بسرعةٍ عن دورهم في التواطؤِ مع العرب والعجم والترك، ويبحثون لأنفسهم عن أسيادٍ جددٍ في مدنِ ومتروبولاتِ الإمبريالية؛ وهم يشكلون مجموعاتٍ صغيرة وشخصياتٍ يمكن إفناؤها بكل سهولة.
ولكن، من الخطأ الفادحِ النظرُ إلى دورِ الكرد في هذه المرحلة الجديدة من الصراع والفوضى داخل الشرق الأوسط بأنه مقتصرٌ على التواطؤ. فالغالبيةُ العظمى من الكرد المتعطشين لفلسفةِ "الحياة الحرة" ستبقى في انتظارِ روّادها الأفاضل لتروي ظمأها. وبينما تُعتبَر هذه الغالبيةُ قابلةً للتخلي بسرعةٍ عن قوالبِ حياةِ العصور الوسطى المستهلَكة التي عفا عليها الزمن، فهي لن تتشبث كثيراً بقالبِ الدويلة القومية المعروضة عليها، والتي لا تسمح بفرصةِ الحياة الحرة لأي شعب، في حين تُعتَبَر العمادَ الأمتنَ للحداثةِ الرأسمالية. وبالمقابل، فإنَّ شكلَ الإدارة الكونفدرالية الديمقراطية الأكثر ملاءمةً لتحقيق طموحاتهم في الحرية والمساواة، يُعَدُّ الشكلَ السياسيَّ الأكثرَ مناسَبةً للكرد، نظراً لخصائصهم ومزاياهم التاريخية والجغرافية. من هنا، تؤدي "منظومة المجتمعات الكردستانية KCK" (Koma Civakên Kurdistan) دورها، وتتميز بمعانيها النبيلة وبحلولها الأصلح والأنسب بصدد المشاكل المتمخضة عن البنى القالبية للدولة القومية المطوَّقة إياها، ولأجل عدمِ الانزلاقِ نحو وسطٍ جديدٍ من الهمِّ والغمِّ بسبب تشكيلِ بنىً مادية لدويلةٍ قوميةٍ جديدة. كما يُعَدُّ KCK نموذجاً ريادياً للكونفدرالية الديمقراطية الشرق أوسطية، التي تُعتبَر بدورها الصياغةَ الأساسيةَ القادرة على إيصال كافة المجتمعات والأثنيات ذات الأصول العربية والإيرانية والتركية والكردية والأرمنية والرومية واليهودية والقوقازية، وجميعِ المذاهب والأديان، وكذلك الجماعاتِ ذاتِ الأصول الأوروبية والمفتقرةِ لحقوق الإنسان والديمقراطية؛ إيصالها مجدداً إلى مقدَّساتها واصطلاحاتها في الحياة الحرة ومنجزاتها المادية؛ بعد أن كانت معرَّضةً للإبادة والتطهير العِرقي ومفتقرةً ليوتوبياتها في الحياة الحرة بسبب القمع والاستغلال والاضطهاد في معمعانِ حروبِ الدولة القومية النابعة من الحداثة الرأسمالية والمفروضة على موزاييك شعوبِ الشرق الأوسط. وإذا ما تولَّدت جمهوريةٌ فيدراليةٌ ديمقراطية من أحشاءِ فوضى العراق، فقد تلعب دوراً ريادياً في تحقيقِ تطوُّرٍ في هذا الاتجاه.
إن الحربَ العالمية الثالثة للحداثة الرأسمالية حاملةٌ في أحشائها بالعديد من التطورات المترامية الأطراف بإيجابياتها وسلبياتها ضمن الأبعاد الجوهرية والزمكانية للشرق الأوسط. ومحصلةُ هذه الحرب ستحدِّدها مبادراتُ وجهودُ المجموعات المحمَّلة بالمعاني النبيلة. وPKK ليس سوى واحدٌ من هذه المجموعات التي ترتقي بذاتها على الدوام، وتتميز بتطلعها إلى الحياة الحرة وطموحها في الريادة، وتتسم بثقل معانيها الفاضلة.
من المفهوم تماماً أسباب عدم القيام بمحاكمةٍ عادلة في ظلِّ شروطِ الحداثة الرأسمالية، سواءً بحقي، أو بحق شعبي الذي اختارني رائداً قيادياً له، أو العديد من الشخصيات والجماعات الشعبية الأخرى. سأتطرق في فصل "النتيجة" إلى هذا الخصوص. أو بالأحرى، سأسعى لتسليط الضوء عليه وإثباته مع هذه المرافعة. لا يمكننا التغلب على نظامٍ يقتات دائماً على الحرب داخلَ المجتمع وخارجه، إلا بالالتفاف حول يوتوبياتنا في الحرية، وبتأسيس بؤرِ المقاومة والعدالة في كلِّ مكانٍ يتواجد فيه الاضطهاد والاستغلال والسلطة. وكلُّ السبل الأخرى أَشبَهُ بدوامةٍ عقيمةٍ للحياة، حيث لا هدفَ ولا نتيجةَ لها سوى استهلاكُ العمر واستنفاذه.
أدوِّن هذه المرافعة ضمن شروطِ العزلة المطلَقة في جزيرةِ إمرالي. ومثلما أني لا أمتلك إمكانياتِ البحث والتدقيق المألوفة، فهي ليست بالطريقة التي أُرجِّحها. إنَّ رُوَّادَ البشرية الذين يُتمِّمون بعضهم البعض بمساهماتهم، يُعتبَرون المرجِعَ الأوليَّ بالنسبة لي أيضاً. لكني لا أرى داعياً لذِكْرِ أسمائهم وإنجازاتهم. ذلك أنه لا يمكنُ تحويلُ المحاربين العِظام فكراً وعملاً في سبيلِ حياةٍ حرة إلى كَمّ. وأنا ضد البنى العلمية للحداثة بجانبها هذا. وإيماناً مني بأنه ما مِنْ صوتٍ أو إرادةٍ للحياةِ الحرة يمكن أنْ تكونَ عادلةً أو مواليةً للحرية مثلما أنا عليه في ظروف العزلة هذه، أهدي مرافعتي إلى كلِّ مَن عَرِفَ وسيعرفُ السيرَ برفاقيةٍ وصداقة.


[email protected]