أكتوبر و عثرات البناء الاشتراكي


سعيد مضيه
2008 / 10 / 17 - 09:36     

وفق أي الاعتبارات وضع البلاشفة بقيادة لينين خطة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي؟
دافع لينين عن خطة بناء الاشتراكية في روسيا ذات الاقتصاد المتخلف والثقافة ما قبل الرأسمالية. فطالما البرجوازية تستنكف عن إنجاز المقدمات الضرورية للاشتراكية فما المانع أن تتولى المهمة الجماهير الكادحة، وقد تسلمت مصائرها بأيديها؟ هنا تعوض العوامل الذاتية نقص العوامل الموضوعية ، وذلك عن طريق استنفار أقصى طاقات التنظيم والتربية وتوفير المواد والموارد لبناء القاعدة الموضوعية لبناء الاشتراكية. " إذا كان ينبغي ، في سبيل بناء الاشتراكية بلوغ مستوى معين من الثقافة فلماذا لا يمكن لنا أن نبدأ أولا بالظفر، عن طريق الثورة ، بالشروط المسبقة لهذا المستوى المعين ، لكي نتحرك فيما بعد للحاق بالشعوب الأخرى مستندين إلى حكم العمال والفلاحين ،وإلى النظام السوفييتي؟" طرح التساؤل لينين وهو تساؤل تقريري. فالثقافة المنجزة ضمن خطة البناء الاشتراكي تعزز مواقع الديمقراطية، التي بدورها ترسي قواعد الاشتراكية.
كانت الخطة اللنينية ، لو أنجزت كما قدر لها ، أن تطمس وجه الديمقراطية البرجوازية وتفضح طابعها المزيف. فالديمقراطية الاشتراكية ، إذ تشترط الديمقراطية بمستوى معين من الثقافة يشمل المجتمع بأسره، لا تجعل الديمقراطية اختيارا عشوائيا وحرية عمياء جهولة؛ بل ديمقراطية تستند إلى الوعي المستنير بالمعرفة العلمية والمرشد بإدخال منهجية العلم نمط حياة.

في المؤتمر العاشر للحزب (آذار ـ مارس1921) جرى إقرار اقتراح لينين حول السياسة الاقتصادية الجديدة ( نيب) والتخلي عن نهج شيوعية الحرب. بنى لينين اقتراحه على ضرورة الحفاظ على تحالف العمال والفلاحين. والتحالف لا يتحقق بوسائل القسر؛ فقد اظهر الفلاحون التعب من انتزاع فائض الإنتاج الزراعي مجانا ، وأحيانا ما يزيد عن الفائض، لإطعام الجيش وعمال المدن. لم تعد مصلحة للفلاحين في خدمة الأرض فتخلوا عن مساحات شاسعة وتركوها بورا. في النشاط السياسي يحتفظ بأهمية عالية التعامل مع مزاج الجماهير ومراعاة نفسيتها الاجتماعية ، ومن ثم مخاطبة مصالحها وحاجاتها. بدون ذلك تنفرط علاقة التعاون والتحالف بين الحزب الطليعي والجماهير. إن احترام الجماهير ومراعاة نفسيتها أمر على غاية الأهمية في الاحتفاظ بثقتها والتمسك بها قوة بناء للحياة الجديدة. من أسخف المواقف لدى الثوريين التعامل مع الجماهير بالأوامر والأحكام العرفية. وهذا مع الأسف الشديد لم تتم مراعاته من جانب الفصائل الوطنية الفلسطينية، فلم تراع الأوضاع القاسية والتي لا تطاق، التي حشرت الجماهير فيها، وتعاملت معها كما لو انها قطعات عسكرية عليها إطاعة الأوامر دوما وفي كل الظروف.

برزت في مقدمة الأولويات لإنجاح عملية البناء استبدال الضريبة العينية المحددة بثبات ورسوخ بمصادرة الإنتاج؛ وترك للفلاح حرية التصرف بالفائض المتبقي ليبيعه في السوق. وهذا ما أقام علاقة بضاعة بين الريف والمدينة، وأنعش العلاقات الرأسمالية في الريف والمدينة؛ لكن الإجراء عزز التحالف بين الفلاحين والعمال.
كما فرضت ذاتها مهمة تطوير فن الإدارة. كان لينين يخشى البيروقراطية أكثر مما يخشى التسمم الذي يسري في دمه. اقترح لينين أن تجتمع اللجنة المركزية للحزب في دورات موسعة منتظمة كل شهرين او ثلاثة بغية إعطاء حلول جماعية بعد التفكير في كل قضية، خاصة قضايا التنظيم السياسي والاجتماعي؛ ثم تحسين أداء مفوضية الشعب للتفتيش العمالي والفلاحي ووضعها تحت إشراف اللجنة المركزية ( كانت تحت إشراف مباشر لستالين). كما أوصى لينين بتكثيف العمل النظري داخل الحزب وعلى النطاق العام. وقد نشرت مقالة لينين بصدد إعادة تنظيم لجنة التفتيش الفلاحي والعمالي في البرافدا وحذف منها حول التجاوزات عبارة " من جانب الأمين العام أو من جانب أي من أعضاء اللجنة المركزية". حذر لينين من أن الثورة لم يقم بها المثاليون وحدهم، وأن الأوامرية قد تعزز الجوانب السلبية في الشخصية ؛ كما شدد على ضرورة انتقاء الكوادر من المتعلمين لضمان انها " لا تصدق شيئا استنادا إلى الأقوال،وأنها لن تقول ما يخالف وجدانها". وإلى جانب الصلابة والأخلاق السامية، وبما لا يقل أهمية عنها أولى لينين سمات الثقافة العامة وسعة الاطلاع ومستوى التعليم. يجزم لينين، الخبير بالنفسية الفردية والاجتماعية ، وطالما استرشد بهما في أمور التنظيم والقيادة السياسية، " إنه سيكون من النادر للغاية إيجاد قائد مثالي يخلو من هذا النقص أو ذاك ، وأنه يجب بالتالي الجمع بين عدد من القادة ، بحيث يكون الإداري معاونا للمتعلم المثقف وخارق الرخاوة. وهذا رأي على غاية الأهمية فإن" المعرفة من دون الإرادة تعجز عن تحويل الحياة، ولكن يجب إخضاع الإرادة للمعرفة". المعايير اللينينية لاختيار الكوادر تقوم على النزاهة والاستقامة ونزعة المعرفة ومهارة الإدارة، وذلك بسبب ملابسات الثورة ومضاعفاتها. إذ " بحكم طبيعة الشر الذي لم يندر أن يتغلب في سياق التاريخ على الخير ويتقنع ولا يتردد في اللجوء إلى أية وسائل لأجل بلوغ أهداف أنانية" ينبغي دوما التحوط . كتب لينين في مقالته حول مفوضية التفتيش " يجب عليهم أن يستعدوا ، وأنا لا أستحي إذا سميتها بأعمال التحضير للصيد ، ولا أقول لصيد المحتالين، بل لصيد شيء ما من هذا القبيل، وبأعمال اختراع الحيل المعدة لإخفاء حملاتهم وهجماتهم، الخ.". هذا في مجال التنظيم الإداري. وكأن لينين يحملق في المستقبل ويضع إصبعه على سوء القصد وعكر النوايا.
أما في مجال البناء الثقافي ، والذي اعتبره لينين المهمة الأولى للثورة ، فقد ناقشه لينين في مقالة " حول التعاون"، ورجع إليه مرارا في مقالات أخر. لماذا اقترنت الثقافة بالتعاون؟ يعود إلى قناعة لينين بأن عملية بناء الحياة الجديدة لا تتم بالتمنيات او بالمواعظ والفزعات ؛ إنما بواسطة تهيئة الشروط الفعلية لاجتذاب الجماهير إلى العمل الواعي المنظم ؛ فالوعي شقيق سيامي للتنظيم ، والتوأمان يشكلان أساس الظروف التي تضمن تفجير الطاقات الثورية للجماهير . وضمن هذه الظروف نشأت ظاهرة الستاخانوفية ( مجموعات من العاملين تتعهد ب وتنفذ برامج استثنائية للعمل)، ثم السبوتات الشيوعية. والتعاون ضمن برنامج البناء الاشتراكي يختلف عن التعاون في كنف الرأسمالية ؛ ذلك أن التعاون يخدم النظام الاقتصادي القائم. " ما أن تستولي البروليتاريا على زمام السلطة حتى يغدو من الممكن والواجب ان يصبح التعاون الوسيلة الأساس لقيادة جماهير السكان، وفي المقام الأول الفلاحين، إلى الاشتراكية." ودون تنفيذ ثورة ثقافية ستغدو مستحيلة عملية تعميم التعاونيات الزراعية. نصح لينين بالتريث في إدخال أفكار الشيوعية وعلاقاتها على الريف. " يمكن البت بأن ذلك سيعني القيام بعمل ضار ، بعمل مشئوم على الشيوعية ، طالما لا نملك في الأرياف قاعدة مادية من أجل الشيوعية... إذا حالفنا التوفيق نتمكن من اجتياز المرحلة في مدى عشر سنوات أو عشرين سنة... دون تعميم التعليم ، دون إدراك الأمور إدراكا كافيا ، دون تعويد الناس إلى حد ما على استخدام الكتب، دون أساس مادي لذلك، دون بعض الضمانات، مثلا ضد رداءة الموسم ، ضد المجاعة الخ. بدون كل ذلك لن نبلغ هدفنا".
استند لينين إلى تقرير إحصائي عن الحالة الثقافية في روسيا بيّن كم هي متردية وبائسة . كان مضمون التقرير في ذهنه عندما كتب يقول:" بينما نثرثر بصدد الثقافة البروليتارية وعلاقاتها بالثقافة البرجوازية ، تقدم لنا الوقائع أرقاما تدل على أن الأمور تسير بصورة سيئة عندنا حتى فيما يخص الثقافة البرجوازية... وهذا تحذير صارم ولوم لأولئك الذين كانوا ولا زالوا يحلّقون في سماء الثقافة البروليتارية ــ تركت روسيا القيصرية لروسيا السوفييتية ميراثا شديد الوطأة ، الفلاح الجاهل ، العامل شبه المتعلم، الموظف البليد الخامل، التاجر على الطريقة الآسيوية ، المثقف المفصول عن الحياة.. هذه هي النماذج الاجتماعية الأساس التي كان على السلطة السوفييتية التعامل معها." ثم ينتقل إلى القول : " فحسبنا في البداية أن تكون لدينا ثقافة برجوازية حقيقية . حسبنا أن نستغني في البداية عن النماذج الغليظة الفظة جدا من الثقافات السابقة للثقافة البرجوازية ... وهنا لا يمكن حل المشكلة بقوة أو بهجوم مفاجئ، بشجاعة أو بعزم، على العموم بصفة من خير الصفات الإنسانية، أيا كانت". تعني الثورة الثقافية " الانتقال من العمل السياسي ، من الثورة من الظفر بالسلطة إلى العمل التنظيمي "الثقافي" السلمي على وجه الدقة ، إلى النشاط التثقيفي". في مقالة أخرى نشرت في البرافدا عنوانها" من الأفضل أقل شرط أن يكون أحسن"، ربط لينين كل صيرورة إعادة بناء أجهزة الدولة بالعمل الثقافي، والتحصيل والتعليم . قال لينين: " وإني أطرح هنا مسألة الثقافة في الحياة اليومية، في العادات". وكرس لينين للثقافة كل مقالاته اللاحقة ، خاصة مقال " من دفتر مذكرات". أكد لينين ان الثورة الاشتراكية تكفينا كي نصبح بلدا اشتراكيا. لكن مع التركيز " بأن يدخل العلم حقا في العادات ، ويصبح جزءا لا يتجزا من حياتنا ، كليا وفعليا" ، وذلك بالطبع من خلال إدخاله في عملية الإنتاج الزراعي والصناعي والثقافي. حينذاك تغدو المنهجية العلمية منهجية للحياة ، وتكتسب صفة العادة السلوكية .

طبيعي أن تبتهج الجماهير ويتضاعف حماسها للعمل وهي تتلقى أنباء صنع السيارة الأولى والجرارة الأولى والطيارة الأولى الخ. عارض ستالين مقترحات في أوائل الثلاثينات بكبح وتائر التطور: " إن كبح الوتائر إنما يعني التأخر، والمتأخرون يضربونهم، ولا نريد أن نكون مضروبين. كلا لا نريد !....لقد تأخرنا عن البلدان المتقدمة 50ـ 100 سنة؛ يجب علينا أن نقطع المسافة في عشر سنوات. فإما أن نفعل هذا أو أن يهرسوننا." خلال السنوات 1927- 1929 استعادت روسيا المكانة الخامسة عالميا في الإنتاج الصناعي ؛ وفي عام 1937شغل الاتحاد السوفييتي المكانة الأولى في أوروبا والثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
اقتضى البناء الاشتراكي في البداية رشوة المديرين والفنيين البرجوازيين كي يقتنعوا بالعمل في البناء الاشتراكي. وكلف هذا الأمر مبالغ طائلة بينما الأجور متدنية للعمال. وفي أجلى دعوات الشفافية والصدق مع الجماهير قال لينين في إحدى مقالاته يجب أن لا نخفي هذا الأمر عن الشعب، فأي تغطية أو استغفال إنما تعني الانحدار إلى درك السياسة البرجوازية. كان بعض المهندسين يغشون في البناء وتنهار المباني على رؤوس العمال أو طلبة المدارس.
واقتضت الصناعة المتطورة في زمن لاحق مركزة الإدارة بأيدي البيروقراطية ؛ الأمر الذي أضعف مراقبة الحزب ، "والأهم الرقابة الاجتماعية العمالية، واغتراب جهاز الإدارة البيروقراطي عن الشعب وفصل آمري الإنتاج عن أبناء الطبقة العاملة العاديين" . تركت الأمور للعفوية ؛ ولم تتوفر عقلية مثل عقلية لينين تلحظ وتلتقط سلبيات العمل والحياة، وتقدم المصل المضاد لأمراض الكساح البيروقراطية، وتنبه إلى ضرورة القيام "بتحضيرات صيد المحتالين" والكشف عن حيلهم للالتفاف على كل مراقبة وتغطية دسائسهم، خاصة والأجهزة البيروقراطية للدولة تتضخم بعكس التوقعات السابقة حول ضمور الدولة واستبدالها أخيرا بإدارة ذاتية عمالية. هنا بدأت تنحسر إمكانات المراقبة الشعبية، وبدأت تذوي حماسة الشغيلة وتنفك ارتباطاتها بقضية تطوير القوى المنتجة وبالنشاط الاقتصادي بصورة عامة. وكان الإكراه يتسلل إلى العمل الحكومي من فوق يشغل مواقع الحماسة والمبادرة الذاتية التي بدأت تجف وتنضب.
لم توضع نظرية مرشدة لعمل الدولة الاشتراكية ؛ فالأوامرية أغنت عن القوانين والدساتير وعطلت القرارات الحزبية. كان بوخارين قد اقترح في المؤتمر السابع للحزب (عام 1918)بتضمين برنامج بناء الاشتراكية وصفا للدولة تكون فيه بمثابة هيئة للعنف ، طبقا لما جاء في كتاب لينين "الدولة والثورة". رد عليه لينين بصورة صارمة وقاطعة فقال،" المسافة إلى هذا لا تزال بعيدة...نحن لا نستطيع إعطاء وصف عن الاشتراكية ... الإجراءات التي تبنى منها الاشتراكية لم يتم صنعها بعد .. نظريا تبدو الطريق إلى الاشتراكية ، بالطبع مستقيمة .. أما في الحياة فإنها لن تكون أبدا مستقيمة ؛ بل ستكون عسيرة بشكل لا يصدق". تلك هي نظرة العلماء! لا يتحزرون ولا يغامرون بالنظر في المجهول، بل يتركون الأمور لظروفها وملابساتها. وفي مناسبة أخرى بعد أن حدد حقبة جيل لإنجاز الثورة الثقافية قال لينين لا نعرف بالتحديد شكل بناء الاشتراكية؛ فهي تتوقف على شكل العلاقات الطبقية حينذاك. رغم نفاذ بصيرة لينين ، وكما كتب عنه مكسيم غوركي " نصف عقله يعيش في الحاضر ونصفه الأخر يسكن في المستقبل"، ورغم أن مسيرة البناء الاشتراكي بدأت تغذ الخطو، إلا أنه أحجم عن تحديد شكل للحركة الآجلة لأن موادها لم تجهز بعد .
وأعلن بناء الاشتراكية عام 1936ـ 1937. فهل حقا بنيت الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي في ذلك التاريخ؟ لم يشك ملايين السوفييتيين ممن استنهضهم الحزب وانخرطوا في البناء الجليل المهيب في أنهم يبنون الاشتراكية وليس شيئا آخر. والملايين ممن تصدوا للغزو النازي إنما كانوا على ثقة بأنهم يدافعون عن الوطن الاشتراكي. لكن الوعي الاجتماعي شابه قدر من الوهم ، فبدا غير مناسب للعهد، رغم أن بالمستطاع أن يحرك الملايين . إلا انه لا بد من أن تتطابق الصيغ الإيديولوجية مع الواقع ، وإلا تحدث الخيبة وتهبط "القيم العظيمة":
الاشتراكية تتطلب إنتاجية عمل عالية وأعلى منها في أي من بلدان الرأسمال. وكانت الإنتاجية أدنى منها في عدد من البلدان الرأسمالية.
والاشتراكية تتطلب مستوى عاليا من تطوير الاقتصاد ؛ وكان المستوى الاقتصادي يتأخر 4 ـ 5 مرات عنه في البلدان الرأسمالية المتطورة.
وتتطلب الاشتراكية تأمين حاجات الناس المادية والروحية وفق مستوى أرفع مما في البلدان الرأسمالية . غير أن "أوضاع العمال والفلاحين والمثقفين المادية تدنت عما كانت عليه في عهد النيب". هذا ما يؤكده كتاب " وصية لينين السياسية بناء على بيانات جهاز الإحصاء. وكان الشغيلة مستبعدين عن إدارة المؤسسات الإنتاجية والتصرف بثمار الإنتاج.
والبناء الفوقي خلا من الديمقراطية . بينما أوصى لينين أن الاشتراكية غير ممكنة وغير معقولة بدون "الديمقراطية الكاملة".
سارت عملية البناء الاشتراكي بوتائر سريعة . وتميزت قيادة ستالين "بالجرأة في اتخاذ القرارات وبالصلابة في تنفيذها، وبالقدرات التنظيمية العظيمة والمنطق الساحق أثناء الجدال.... من النادر ان يقدم التاريخ شخصية متناقضة إلى هذا الحد : انتزع البلاد من براثن التخلف وبتعليماته المباشرة والصريحة تشبع النظام الاجتماعي بعناصر العنف وروح الثكنة العسكرية. والزعيم الذي رُفع إلى ذروة غير مسبوقة يعرف كيف يطلق مبادرات الجماهير .. كان يعرف كيف ينتقي ويضع في المناصب الأساسية عاملين جديرين ، أفرادا قادرين على اتخاذ القرارات الجريئة ، وكان في نفس الوقت يطمسهم ويفرق صفوفهم". في هذا المناخ يتقن المتسلقون والواشون والوصوليون التدرج في المراكز ويدبرون أمورهم القذرة في جو الإرهاب. في هذا المناخ تسلل بيريا إلى مركزه الحساس ونفذ مؤامراته ضد خيرة الكوادر الحزبية والعسكرية.

في مقالة نقدية لرواية اليكسندر بيك " التعيين الجديد"، والتي تطرقت إلى " ظاهرة بيريا"، كتب الناقد البروفيسور بوبوف " ان النظام الإداري الذي أنشأه ستالين في سنوات الخطط الخمس الأولى ـ نظام الأوامر القاسية التي لا تقبل اعتراضا أو استئنافا الصادرة من فوق وتنفيذها من تحت بلا قيد ولا شرط وبكل دقة ـ لم يكن بوسعه إطلاقا أن يؤدي وظائفه بدون " نظام معاون للخوف"، يؤمن من حيث الجوهر عمل الآلية كلها بلا خلل. " لولا بيريا لما استطاع ستالين يوما أن يصبح السيد ، ولولاهما معا لما استطاع النظام الإداري أن يبلغ خاتمته المنطقية والاكتمال والفعالية العملية". نظام السلطة وجانبه المقابل ـ هما اللذان أوصلا النظام الستاليني إلى خاتمته المنطقية. (يتبع)