السادة وزراء الثقافة العرب: هذه ليست ثقافتي


نضال نعيسة
sami3x2000@yahoo.com
الحوار المتمدن - العدد: 2911 - 2010 / 2 / 8
المحور: كتابات ساخرة
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

الثقافة بمضامينها الإنسانية الحضارية التصالحية المتسامحة الديمقراطية التعايشية كانت غائبة، تاريخياً، عما يسمى بالثقافة العربية التي تسببت في سلسلة من الإشكالات والمواجهات والصدامات الإيديولوجية والفكرية المؤبدة التي ما زالت تكابدها هذه الشعوب يوماً بعد يوم وجيلاً بعد آخر. والثقافة بمعانيها الإبداعية كالفن والنحت والتصوير والعمارة والرسم والموسيقى والرقص والسينما والحب والانفتاح والإبداع (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، كانت غريبة تماماً عما يسمى بالثقافة العربية عبر التاريخ، بل كان الجمود والانغلاق والتحجر والتعصب لثقافة أحادية، ووجهة نظر دينوسياسية، ومحاولة فرضها هو السمة المميزة والأبرز لما يسمى بالثقافة العربية، وهي التي كانت وراء تشرذم هذه الشعوب إلى طوائف ونحلل وعشائر متناثرة يكفر ويخون ويأبلس بعضها بعضاً إلى ما شاء الله. ومن هنا فإن إطلاق لفظة الثقافة على سلوك هذه الحضارة التاريخي فيه الكثير من المبالغة والتلبيس والتجني على مفهوم الثقافة كما عرفناه في حضارات شعوب وأمم أخرى، كان الإبداع مرافقاً لها وكان من سماتها الأساسية الصعود والارتقاء التاريخي من حالة إلى أخرى أفضل، ومن مرحلة إلى أخرى أسمى ، باستثناء الثقافة العربية التي ترى سحرها وخلاصها في ماض أفل ومات، ولا يوجد ثقافة في العالم تريد العودة للماضي والتاريخ، وتحتقر الحاضر ورموزه، سوى الثقافة العربية التي تقول علناً، وترى في ذاك الماضي مقدساً وأقنوماً لا تستطيع كل عبقريات الحاضر والمستقبل، وكل الأجيال، إعادة إنتاجه أو الإتيان بمثله.

ومن هنا فثقافة الماضي الدموي التليد الأحادية والسرديات الأسطورية ليست ثقافتي.
وثقافة الغزو والسلب والنهب والغنيمة والخراج والجباية والجزية وتبرير وتشريع ومباركة الاعتداء على ممتلكات الغير وأراضيهم وإخضاع الناس والشعوب بالقوة، باسم الفتوحات، ليست ثقافتي.
ثقافة النقاب والحجاب والجلباب والبرقع والدشداشة والنعال ليست ثقافتي.
ثقافة الأشراف والأسياد والعبيد والسادة المعصومين والمؤلهين والمنزلين، والتمييز العنصري بين الناس ليست ثقافتي.
ثقافة مدنكم الفقيرة الأسيرة السبية المسلوبة المظلمة المحرومة والمغلقة، الحزينة حزن الدهر ليست ثقافتي.
ثقافة الكآبة والأسى والتجهم والعبوس والتحسر على أمجاد الغزاة البغاة ليست ثقافتي يا سادة يا كرام.
ثقافة قتل الفرح، وتحريم الضحك والابتسام، ليست ثقافتي على الإطلاق.
ثقافة القطيع والطاعة العمياء، وفكر الجماعة، والغوغاء والرعاع، والدهماء، ليست ثقافة على الإطلاق.
ثقافة قطع الرؤوس ، وسمل العيون وفقئها وصلب وحرق وسحل المفكرين والأحرار الذين لا يدينون بثقافة الخلفاء والسيافين والولاة ليست ثقافتي ولا تمت بصلة للثقافات وللحضارات.
ثقافة السبايا والإماء والعبيد والجواري والخصيان والغلمان والحريم ووطء الصغيرات وتفخيذ الرضيعات وتعدد الزوجات وطوابير الموطوءات ليست ثقافتي.
ثقافة إفساح الطريق العنصرية التي تمايز بين الناس، وتزدري المكونات، وتقول بفرق ناجية وأخرى ضالة وناس مرضيين وآخرين ملعونين وأبالسة وشياطين مغضوب عليهم، والعياذ بالله، ليست ثقافتي على الإطلاق.
الثقافة التي تحمي قوانينها وتشريعاتها المجرمين والقتلة باسم الشرف وتحتفي بهم وتبرؤهم وتشجعهم على قتل المرأة ووأدها بشكل آخر، وارتكاب الجرائم في وضح النهار ليست ثقافتي.
ثقافة الخضوع والطاعة والسجود والركوع والتبرك بالولاة والسلاطين والطغاة ليست ثقافتي على الإطلاق.
الثقافة التي ترى في المرأة مجرد عورة وناقصة عقل دين وسبة وعاراً يجب أن تدفن في الملايات والجلابيب والبرقع والنقاب ليست ثقافتي على الإطلاق.
ثقافة التابوهات والمحرمات والممنوعات والملعونات ومسخ العقول وتقزيمها ليست ثقافتي على الإطلاق.
ثقافة العنعنة والقيل والقال وازدراء وتحييد العقل وتبليد القلب وتجميد المشاعر وتغليظ الإحساس ليست ثقافتي على الإطلاق.
ثقافة تمجيد الغزاة والتغني بالقتلة والإعجاب بمجرمي الحرب وقول القصائد الملاح العصماء بالزناة والفجار والماجنين بسفاحي التاريخ الكبار الملوثة أياديهم بدماء الأبرياء ليست ثقافة، ولن تكون ثقافتي في يوم من الأيام.

السادة وزراء الثقافة العرب: هذه هي سمات ثقافتكم كما عرفناها على مر الزمان، هذه هي الثقافة التي من أجلها نصبوكم وزراء وتدارونها برموش العين وتحافظون عليها من الضياع والاندثار وتتمسكون بثوابتها كما تقول أدبياتكم، وهي التي تحتفون بها في كل عام وتقيمون من أجلها المهرجانات، وتبجلونها وتقدسونها، فمبروكة عليك ، وألف صحة وهناء على قلوبكم على أية حال، لكني، بصدق، أخجل وأتبرأ منها وهي بالتأكيد ليست ثقافتي، ولن تكون ثقافتي في يوم من الأيام.