الفلوس مش كل حاجة ؟!

محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن - العدد: 2605 - 2009 / 4 / 3
المحور: كتابات ساخرة
راسلوا
الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع
عبارة تتكرر في الأفلام القديمة والجديدة العربية والأجنبية. تصدر عادة من بنت الأغنياء التي وقعت في حب أحد الصعاليك. تطلقها مدوية في وجه والدها الذي يريد أن يحرمها من فحولة صعلوكها.
تطلقها وعليها أفخر الثياب وفي بطنها أشهى المأكولات وعلى وجهها أثمن مساحيق التجميل.
تقولها وبالها مطمئن ودماغها حافل بالتفاعلات الكيميائية غير المتاحة للصعاليك، تلك التفاعلات التي تجعل المزاج رائقاً و "المود" فلاً وعال العال...
وأنا لا ألومها على التمتع بما عندها، بل على العكس لا بد أن يمتع الإنسان نفسه بما لديه إلى أقصى حد.
ولكنني أحاول أن أصدق أن المسافة بين ما تقوله وما تعيشه على الأقل صغيرة فضلاً عن أن تكون غير موجودة ...
ففي الحقيقة، ليس من طبيعة الإنسان أن يقول عن " الخنقة " و "الرطوبة" مثل ما قالت لينا لمسعود في مسرحية : المتزوجون
"نفسي أبقى صحبتها !"
أما في الواقع،، فكما في الأفلام، لن تسمع تلك العبارة او ما يشابهها إلا من الأغنياء وأولاد الذوات، خاصة أولئك الذين نشؤوا على العز،، ومن تربوا في بيئات برجوازية " عريقة " ..
وذلك يشبه أن يقول لك شخص طويل القامة : "الطول ليس مهماً" ، فهي عبارة لا تصدر من شخص " قصير وقزعة" بل من شخص "طويل وأهبل" !
أو أن تقول فتاة فاتنة عنابية الخدين سنجابية العينين : "الجمال ليس مهماً بل قد يكون نقمة على صاحبته " !... وتلك عبارة لن تسمعها غالباً من فتاة متواضعة الجمال (بالمقاييس الموجودة)...
وللأمانة فقد يصدف أن تسمع فقيراً ينكر أهمية النقود ويتفشخر بأندبوريته ،، أو قصيراً يتحدث عن مزايا عدم ارتفاع قضيبه عن ركبة صديقته إذا ما قررت في يوم أن تلبس الكعب العالي... أو فتاة غير جذابة تتحدث عن حسن حظها ... لكن كل ذلك يأتي فقط في سياق آليات الدفاع النفسية والتوهم والكذب على الذات لاحتمال وساخة الواقع.. خاصة مع إمكانية حقن النفس بالجرعات الرخيصة والمتوفرة بكثرة من الأفيون ،، والتي تجعل الحياة للمتعاطي تبدو مجرد لعب ولهو ...
لاحظوا أن الأغنياء يعرفون جيداً قيمة النقود ... ويعرفون أن التقليل من أهميتها أمام الفقراء -والذي قد يُفهم على أنه مواساة لهم - لا يعدو كونه قناعاً جميلاً وفاخراً ... قناعاً مركباً من التواضع والرقي الذي هو من سمات "النبلاء" (درجت العادة غير السرية القبيحة على اعتبار الزهد والتقشف فضيلة !!) وهو قناع يتيحه الثراء للأثرياء.. فالفقير "المعثــَّر والمتعثر" لا يتاح له ترف ذلك التظاهر باللامبالاة بالنقود ، ولا تسري في دماغه كيمياء الرقي التي تصنعها مركبات مضادة للاكتئاب والنرفزة كالتي تتوفر في الشوكولا ،، التي يسهل على الأغنياء شراؤها بوفرة.
إن من السهل على السادة في بحثهم عن حياة أفضل لهم وأسهل عليهم أن يقللوا ليس من أهمية " مستوى " الحياة فقط، بل من " قيمة " الحياة نفسها أمام الفقراء، أغبيائهم وأذكيائهم..
ولا زال تمجيد من يموتون في سبيل صنم كالوطن مثلاً على لسان قنوات السادة المتعددة وشعرائهم ومغنيهم المرتزقة أو البلهاء يمر على الناس، حتى على أكثرهم ذكاء (مرة أخرى بالمقاييس الموجودة)... اطلب الموت .. توهب لك الحياة ... هه ؟ ... شغلة والله هاي
منذ فترة أسبوع تقريباً كنتُ أقود السيارة وبرفقتي صديق عزيز جداً جداً،، في وسط البلد في عَمان القديمة... حيث كنا عائدَين من زيارة آثار القلعة والآثار الرومانية الله يخلف عليها ويخلف على سياحها اللي والله ما انا عارف ليس بييجوا.. المهم أنني لم أكن متأكداً من الطريق الصحيحة للعودة، فاقترح علي صديقي السير في نزول طويل وقوي ،، وضيق ...
ورغم أن حدسي الشيطاني همس لي أنها ممنوعة رغم عدم وجود شواخص منع (في كثير من المناطق المشابهة يعتمد السائق على حدسه في معرفة الممنوع من المسموح ،،، وصدق أو لا تصدق ،، فإنه يعاقب على ذلك الحدس إذا أخطأ ... إلا إذا (...) ..) ... على الرغم من ذلك قال لي صديقي أنه طالما لم توجد أي إشارات تدل على المنع فلنتكل ونولج (السيارة في الطريق الضيق) .. وما علينا سوى قطعها بسرعة - وهي الفارغة- لنجد أنفسنا في الشارع الرئيسي المؤدي إلى حيث أردنا...
طاوعت صديقي الجميل ونزلت ... وما إن وصلنا نهاية النزول،،، حتى وجدنا في وجهنا سيارة سرفيس رمقنا سائقها بنظرة خنفشارية لم يتح لنا تفسيرها حيث أن رجلاً خمسينياً كان يقف بجوار السيارة (ربما كان سائقاً آخر) أخذ يصيح علينا موبخاً على الجريمة الشنعاء... فأخذنا نعتذر ونبوس لحيته محاولين تبرير الجريمة بعدم وجود شواخص منع... ومع أننا توقعنا من سائق السرفيس أن يتراجع بضعة سنتيمترات ليتيح لنا المرور إلى الشارع وهو الذي لم يبدأ الصعود بعد ،، إلا أن الرجل الخمسيني صرخ صرخة نشمية مدوية : ترجعش ولا صانتي !! ولا صانتي !! وأشار إلينا باحتقار برجوع النزلة كاملة ريفيرس ... وما إن بدأنا مغلوبين على أمرنا بالرجوع الصعب حتى بدأ السرفيس يصعد الطلوع بسرعة ملحاً علينا بالتزمير ونظرات أخرى خنفشارية رآها صديقي حيث كنت منشغلاً بالرجوع ... صدم صديقي الرومانسي من مستوى ذلك اللؤم وعزاه إلى طبيعتهم الخسيسة !
وبعيداً عن طبيعة شعبنا الذي أثبتت دراسة -على ذمة أحد دكاترة الجامعة- بأن سائقيه هم الأكثر أنانية في العالم (أعني كل من يقود،، لا أصحاب مهنة السواقة فقط).. فقد نبهت صديقي إلى أن تلك السيارة لو كانت سيارة فخمة ولامعة لا سرفيساً مهترئاً لابتسم صاحبها في وجهنا على الغالب ابتسامةً راقية مريحة وأشار إلينا عن طيب خاطر لنتقدمه... لكن ذلك لن يكون لطبيعة الثاني الطيبة ولا لطبيعة الأول اللئيمة التي ولدت مع كل منهما ... بل الظروف المادية هي التي تحدد طبيعتنا وتصنع أخلاقنا وأمزجتنا ... ففي حين أن الأول ربما كان كارهاً للدنيا بفعل الضغط والحرمان يبحث عن أي فرصة للانتقام ولو بمناكفة سخيفة ،، فإن الثاني سعيد ومرتاح ومطمئن .. في باله ألف طريقة وطريقة للتسلية والترفيه لا وقت معها لمناكفات تافهة من ذلك النوع !
إن من أنشأ النقود أو حدد للأشياء قيمها المادية أو وضع لنا طريقة لتحديد قيمها .... قد جعل حياتنا تعتمد بالكامل على تلك النقود..
فهي الأولوية ،، سواء اعتبرناها " شراً لا بد منه " كما اعتبر أمير المؤمنين عليه السلام النساء (يقال أنه مات عن 19 جارية وملك يمين ،، يعني بحدود عشرين شر) .. أو اعتبرنا أنها كانت شكلاً متطوراً في وقتها عن شكل أقل تطوراً وتقدماً (حتى الجواري وملك اليمين يأتيك من يستنكر عليك انتقادها قائلاً أنها كانت في زمن تشريعها ثورة في مجال حقوق المرأة ومساواتها في كافة المجالات) ... كل طق الحنك السابق لا يهم أمام الحقيقة الأهم : أن النقود أهم من أن يقال عنها تسخيفاً "مش كل حاجة!"...
وبرأيي،، فإن زياد الرحباني مثلاً لم يكن صادقاً مع نفسه عندما قال من خلال سامي حواط "بحبك .. بلا ولا شي .. تعي نقعد بالفي ... مش لحدا هالفي" .. كما كان صادقاً عندما قال "لا تفتكروا جميعكم .. المناح والعاطلين .. إنو إذا أنا شيوعي ما يحلالي اكون شيوعي إلا مع الرأسمالي !" قاصداً أنه لا يسعك في مجتمع رأسمالي أو أي نمط من أنماط الإنتاج الدنيا المتأخرةعن الرأسمالية والتي يحصل معها استغلال أكبر (وهي الشائعة عندنا) أن تقف مكانك متذرعاً بأنك لشيوعيتك غير منسجم مع طبيعة المجتمع الاستغلالية فتبقى خادماً للأسياد !فهو جو تنافسي لا يرحم !... ذلك أصدق من محاولة اصطناع رومانسية شيوعية "مثالية" كما في اغنية "بلا ولا شي" ... فحتى العطاء المعنوي في الحب القدرة عليه أكبر مع توفر المال!
أعلم أن الأسياد سيظلون يقللون من قيمة النقود محاولين التجميل أمامنا من فكرة أن نكون خدماً طائعين لهم.. وإذا ما تدهور الحال وأصبحتُ من أولئك الفقراء المحرومين (وهو احتمال وارد جداً .. فأنا لست ابن مليونير ،، ولست بالنسبة للكثيرين من مواطني بلدي "المتنفذين" ابن بلد يستحق العيش الكريم)... عندها قد يأتي إلي أحد أولئك السادة (وقد يكون من كبرائهم) ليلقي إلى برزمة من المال (وهو الذي عنده منه أكوام)... لأشتري بها طحيناً للعيال.. وقد يتصور معي أمام الكاميرات التي ستنقل ذلتي للعالم ،، وسيكون علي أن أبتسم أمامها امتناناً له.. والحقيقة أنني وقتها قد أشعر بالامتنان له فعلاً ... فهو ليس مضطراً لمساعدتي ولو لم يقرر من ذاته (ومن تلقاء نفسه) توزيع ورق المال علي ... لما أُتيح لي حتى الطحين !!
عنده أكوام الذهب ويعطيك قطعة فضة ،، وعليك أن تشكره !!
بالنسبة للسادة ،، هم لا يريدون أن يزداد عدد السادة طبعاً ... فمن سيصنع لهم القهوة ومن سيغسل سياراتهم ومن سيمسح مراحيضهم ... إن لم أكن أنا وأنت ؟!
سيقولون لي : إذا لم تشأ ذلك .. فعليك بالسفر إلى الخارج إن استطعت إلى ذلك سبيلا... البلد " ما عاد يحمل " ...
طيب بس إنو ليش البلد حاملكم إلكم ؟؟
الفلوس مش كل حاجة ؟؟ نعم هي ليست كل حاجة ... لكنها الوسيط بيننا وبين كل حاجة !! والوسيط بيننا وبينها إما شيء منها (مصاري بتجيب مصاري) أو جهد أكبر منها ... أو واسطة ومحسوبية ... أو أي شيء يؤكد حقيقة أن الفلوس هي كل حاجة...
وبخلاف ما توحي به عبارة "الفلوس مش كل حاجة" من تقليل لأهمية النقود واعتبارها ولا حاجة ... (هناك نوع من الإيحاء في العبارة)... فالدراهم مراهم ،، بتخلي للنذل مقدار..
وللكويس وحياتك
ذلك الشعار إذا ليس سوى توهم delusion
وفي النهاية ،، وككفارة للمجلس عن الآثام التي ربما وردت في الأعلى ...
أقتبس من زياد للمرة ال (...) .. :
أنا ما عم حاول غيّر شي .... وبسحب كل ياللي قلته