أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مزهر جبر الساعدي - تراجيديا الليالي المعتمات















المزيد.....

تراجيديا الليالي المعتمات


مزهر جبر الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 6259 - 2019 / 6 / 13 - 13:21
المحور: الادب والفن
    


( تراجيديا الليالي المعتمات)
لم يجب أحد منهم على أسئلتي. شعرت بأنهم يتجاهلون وجودي، لذا، لم يرد احد منهم على اسئلتي. هذا الجمود الصخري، زاد من قسوة الوضع الذي أنا فيه، على الرغم مني. فما كان مني الا أن استعين بالصمت لأقلل من غضبي الذي اشتعل في نفسي. يفترسني القلق والترقب وأنا أسمع اصوات احتكاك عجلات العربة العسكرية بالاسفلت كأنه هزيع رعد في ليلة معتمة. مما جعل الرغبة الجامحة في تمزيقهم وتدمير هذه العربة اللعينة، تزداد شدة وقوة من غير ان تجد طريقها الى العمل. فقد كانوا قد سلبوا مني، قدرتي على الحركة،عندما قيدوني وادخلوني الى العربة واغلقوا بابها. استمر في تحديقي في العتمة. عيناي تدوران بألم في الحيز الضيق الذي طوق رأسي بطوق محكم الاغلاق.. اتابع بأنبهارالحركة المدهشة لقطع الغيوم وهي تتحرك ببطء على سطح السماء، التى تتماوج عليها، بقية اضواء في طريقها الى الانطفاء لشمس، بدأت منذ هنيهة رحلة المغادرة. الامر حدث بسرعة ربما لا ابالغ اذا قلت ان الامر ومافيه؛ كان اسرع من ان يمهلني لحظة للتفكير بما جرى لي. كانت امي، منذ زمن بعيد، تقول لي حين كنت صغيرا:" يا بهاء اني خائفة عليك، اسئلتك الكثيرة تقلقني، وصفانتك تثير فيً الهواجس اكثر.". الرطانة التى سمعتها الآن، فجأة، في التو، ركزت مسامعي على الحديث الذي كان يدور بينهم، على بُعد اشبار مني، لم افهم اي كلمة من حوارهم مع اني اعرف تماما اللغة التى يتحاورون بها، فقد كانت الكلمات مدغمة بالاضافة الى ان الاصوات كانت واطئة النبر، مما حدا بي ان اتوقف عن الانصات. أذ، بدأ حديثهم ينأى، بعيدا عني أو أني انأى عنهم..عندما ادخلوني في الغرفة التى لاتتسع إلا لشخصين، خالية من النوافذ، إلا من كوة في اعلى الجدار. صمت مخيف يتسيد المكان. اصوات كائنات الليل تأتيني من تحت اقدامي ومن صدري وبطني ورقبتي. ظللت واقفا لا ادري كيف اعمل او ماذا علي ان اتصرف للتغلب على هذه الوحشة وعلى هذه الحشرات الليلية التى بدأت في الحال، رحلة التنقيب عن امكنة الغذاء في جسدي. الخوف يقتلني والاسئلة الكثيرة ما انفكت تقلقني. كنت بحاجة ماسة الى التدخين. أخذتُ أتآمل الجدران واتساءل؛ هل انادي على احدهم كي ينجدني ولو بسيكارة واحدة أطفأ بها نار حسرتي. لكن المكان كان غارقا في الصمت الوحشي. لماذا جاءوا بي الى هذا المكان؟. حين قيدوني واقتادوني في ساعة متأخرة من الليل، كنت اغط في نوم عميق او كنت في صحوة ماتعة في نوم عميق، بعد ساعة من سياحتي في حلم جميل، خلقته من خيالي. الاحلام كانت لي سلوى، ألجأ إليها كي افتح بها ابواب الحياة التى اشتهيها ولو في الخيال، بالاضافة الى الكتب التى اقرأها فهي الاخرى كانت الأكثر امتاعا. استرخى جسدي الذي كان قد تمدد في فراشي بإرادتي. انظر في السقف، بعينين ناعستين، اثقلهما الوسن. فيما كانت اصداء الحلم تتردد في رأسي. كان الحلم جميلا وممتعا، عبر بي حدود الدهشة، لذيذا كان. حتى انه جعلني احلق بعيدا عني، في مواطن الحميمية التى تنعش الروح وتخدر الجسد. سمعت صوتا غاضبا: أنهض. فززني الصوت الغاضب واخرجني عنوة من رجع الصدى لحلمي الماتع. حين فتحت عيني على سعتيهما، رأيت ابي يقف مأخوذاً وخائفا، لصق الجدار. أمي هي الاخرى قد تملكها الخوف الذي رأيته هائلا وصارخا في عينيها التى أغرقها الدمع. دفعوني الى داخل السيارة ذات الزجاج المظلل. اسمع صرخات امي اما ابي فقد كان يلفه الصمت ورعب اللحظة. لا احد تكلم معي منهم، كانوا ساكتين كأن فيهم شيء من الخوف والتوجس. وإلا لماذا لا يقولون اي شيء؟. ولم يجب اي احد منهم او لم يردوا على اسئلتي التى كررتها سواء وهم ينتزعونني من منامتي في القطع الاخير من ذاك الليل المشؤم. " أنا والله لم اشتم الحكومة او اسيء إليها باي شكل كان؟.وقتي كله اقضيه في القراءة. لم يكن عندي وقت فائض، انشغل فيه، في موضوعات الحكومة. تئز الرياح في كوة الغرفة. بركت على ركبتي انظر في الفراغ وانا مسلوب الارادة والتفكير. حائرا، لا اعلم اي جرم اقترفته ولا ادري. الغرفة هذه، ذات الكوة الوحيدة تقع في زاوية من بناية منعزلة عن البناية الفخمة التى ادخلوني فيها وهم يدفعونني بالركالات، البناية تقع في قلب المدينة. كنت اعرفها فقد مررت في سبعينيات القرن المنصرم، قريبا منها، في الجانب الثاني من الطريق الواسع التى هي فيه، في الزمن الذي انقضى وصار الآن ماضيا. ففي السنوات التي تلت، تحاشيت المرور بالقرب منها حتى وان كان طريقي يمر بها. بكاء او مايشبه البكاء او انه غناء موجع اخذ شكل النواح، نواح حزين. دخل عليَ من الكوة. "أذا، لم اكن وحدي، حتما هناك اخرون". لا اعلم هل اني نمت ام لم انم حين دفعوا الباب ودخلوا علي، كانوا ثلاث او اربع او اكثر او ربما لم يكن إلا واحدا من رفس الباب وضربني ببسطاله على قمة رأسي مما جعلني افز مرعوبا وخائفا ودائخا من شدة الضربة التى افقدتني سيطرتي على نفسي وجسدي الذي خانني، لذا، سقطت على وجهي.- والله صدقوني لااستطيع ان اقف على أرجلي. أخ، أخ، اخ..هذا الصوت ليس غريبا عني. من هو؟. كدت اسقط على وجهي من قوة الركلة.- ادخل قشمر. اصطفق الباب خلفي. عندما فتحوا او فكوا العصابة عن عيني؛ وجدتني في غرفة فخمة. غارة لفصيل خيالة. الخيول المغيرة والتى يمتطيها، فرسان ملثمين، تترك خلفها حزمة من الغبار والرمل الناعم، راكضة في صحراء لا حدود لها او هكذا بدت لي وأنا انظر الى اللوحة التى كانت على الجدار، قبالتي. صورة لرئيس الدولة باللباس العكسري وهو يطلق النار نحو السماء التى تراءت لي، غائمة. وثمة منضدة فخمة هي الاخرى، يجلس وراءها رجل، مكفهر الوجه على الرغم من محاولته ان يتبسم او يبدوا او يحاول ان يكون، رقيقا ومريحا، لكنه لم يستطع ان يكون إلا ما هو كائن. تبدوا العافية على معالم وجهه واضحة وهو يتفحصني من اخمس اقدامي الى قمة رأسي، بنظرات ثاقبة، اخترقتني. في عينيه وتحديدا في بؤبؤيهما رأيت هناك، في حركيتيهما، وحش يتحرك او ذئب يتهيء للانقضاض عليَ وخنقي. جميع هذه الافكار حضرتني وانا انتظر ما يطلب مني او ما يريد مني ولماذا اعتقلوني واخذوني من بيتي؟. كانت هناك على المنضدة مجموعة من الكتب وقد صفت كأنها سلسلة. حاولت ان اقرأ عناوينها، مددتُ عنقي، بحلقتُ بعينيَ، علني اتمكن من قرأتها على الرغم من المترين اللتان تفصلاني عنها. لم اتمكن او لم يكن باستطاعتي قرأت جميع العناوين فقد كان فوق الكتب بندقية ألية، إلا كتاب وليمة لأعشاب البحر، المسدس الذي كان يستقر عليه كما السجان الذي يقوم بمهمة منعه من الهروب، لم يحجب عني العنوان - اجلس هنا واشار الى كرسي بجانب المنضدة. كانت جميع الكتب هي كتبي وهي كتب مستنسخة وممنوعة. بعتها بعد ان قرأتها، بعتها كمجموعة واحدة بسبب ضغط الحاجة التى كانت في حينها، شديدة الوطأة، في تسعينيات القرن الذي عبر على جسر المصيبة. استل من علبة سكائر الروثمان الموضوعة على المنضدة، دخنها وقدم لي واحدة. دخنتها بلهفة. فقد كانت حاجتي للتدخين كبيرة جدا. لم ادخن منذ ليلة امس.اشعرتني نظراته العنيفة وانا ادخن بالرعب. لاادري لماذا؟، تملكتني الرهبة والتوجس اللذان كانا كلي الحضور على عقلي ونفسي من أني لن اخرج سالما من هذا المكان او اني لن اخرج حيا، ابدا.- هذه الكتب من المؤكد انك تعرفها واضاف؛ هي كتبك. اردت ان انفي من ان هذه الكتب هي كتبي. لكنه سبقني وكأنه يعرف اجابتي مسبقا، لذا قال بسرعة: لاتتبرأ منها، فنحن نعرف انها كتبك ولدينا الدليل. لم يقدم الدليل. ظل يسألني في البداية بهدوء ومن ثم وبالتدريج تصاعد العنف في أسئلته التى انحصرت في شق واحد لاغير؛ من اين حصلت عليها. اجابة واحدة هي التى كنت اصر عليها وهي انني لا اتذكر او لاادري. على هذا المنوال، استمر الحال الذي تخلله السب والشتم وايضا البصاق الذي ملء وجهي، بيني وبينه لأكثر من ساعة. في الاخير وضع امامي ثلاث اوراق قائلا أقرأ يا ابن....كانت قصة كتبتها وأسمي كاملا مكتوب في نهاية اخر صفحة. ونسيتها في بطن احد الكتب التى بعتها الى الشخص الذي لا اعرفه والذي ابتاعها مني. الآن وانا في هذا الخانق المميت والذي ربما لم اخرج منه سالما؛ ألوم متأخرا نفسي كيف سولت لي وبعت كتبي الى شخص لااعرفه. لكنه كان قد علق برأسي وظل يلح من انه يقرأ الكتب الممنوعه ولايجد من يثق به..- ماذا تقول الآن يا ابن... احتميت منه بالصمت. اما هو فقد ظل يلح بتهديد ما ينتظرني ان لم اعترف واقول الحقيقة وبكلمات، محملة بالموت المنتظر... فتح باب الغرفة التى لاتتسع إلا لشخصين. دفعوني بقوة الى داخلها واغلقوا الباب. وقعت على الارض الاسمنتية. كنت دائخا لا اقوى حتى على تحريك جسدي او الاستدارة او رفعه من على برودة الارض تحتي فقد كنا في برد كانون الاول. أخذت ائن واتوجع بصوت مسموع. الدماء تسيل من فمي وبقية وجهي. لكن الدم الذي ارعبني هو ذاك الذي ما انفك يشخب من مؤخرة رأسي حتى ان تدفقه اغرق بالدم قميصي ورقبتي وصدري.عيناي لم تزلا مسجونتان،هما ورأسي، في سجن، قد من القماش السميك او من البلاستك المرن. اصيخ السمع. ازيز طائرات فوقي ودوي عجلات عسكرية بالقرب من المكان او في المكان الذي دخلت سيارتهم فيه، وتوقفت. تناها ألي، صرير باب يفتح، صر صريرا قويا صم أذاني. يأتيني صوت أمي الواهن، الواهن جدا، فقد اقتربت خطوات حياتها من حافة القبر، بعد تقاعدها من مهنة التدريس منذ سنوات ورحيل ابي الى العالم الاخر: لاتخرج في هذا المساء. الامريكيون اعلنوا منع التجول في جميع انحاء العاصمة. عندما وصلت في المساء، قبل الغروب بقليل، الى المكان الذي تعودت الجلوس فيه، للتآمل، فهو متنفسي الوحيد، كان الشارع المحاذي لمقبرة الانكليز الذي يرقدون هنا، في بطن التراب منذ ما يقارب القرن، فارغا، تماما من حركة الناس. جلست على المصطبة كما هي عادتي في كل مساء، اتأمل سحب السماء المتفرقة واخر خيوط النور لشمس في الطريق الى الافول. توقفت سيارة الهمر، مرة اخرى. بعد ان تحركت لثواني. فُتحت ابوابها. انزلوني ومن ثم فكوا قيودي ورفعوا عن رأسي وعيني، الكيس الاصفر او الاحمر اللعين. أول شيء، حطت عيناي عليه، قطعة خشبية، لامعة وصقيلة، كتب عليها: مقر بلاك ووتر..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,859,849
- قراءة في رواية المخطوطة الشرقية للروائي واسيني الاعرج
- عالم تتحكم فيه، امريا لهو عالم فيه الكثير من القسوة والظلم
- النظام الاشتراكي في فنزويلا بين الاستقلال والعقوبات الامريكي ...
- إمريكا وفنزويلا ومعارك الحرية والاستقال
- الامريكيون يكذبون على الشعوب، ويستخفون بعقول الناس
- تغذية ارتجاعية
- الصراع في العالم، في جانب كبير منه، صراع اقتصادي
- قراءة في رواية ضريح الامل للروائي مانويل سكورزا من البيرو
- العلاقات السعودية الامريكية، الى اين؟


المزيد.....




- فرق من 10 دول تشارك في مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية
- النضال ضد الفضائيين أم الاستبداد؟.. الحرية في أدب الخيال الع ...
- كاظم الساهر يزف ابنه على وقع العادات المغربية - العراقية (صو ...
- الجزائر... وزير الاتصال يتولى حقيبة الثقافة بالنيابة بعد است ...
- مايكل راكوفيتز: فنان يعيد ترميم ما دُمر من آثار عراقية بأورا ...
- منصب رسمي جديد لوزيرة الثقافة الجزائرية المستقيلة بعد حادث ت ...
- منصب رسمي جديد لوزيرة الثقافة الجزائرية المستقيلة بعد حادث ت ...
- الحكومة وثقافة النقد / د.سعيد ذياب
- وزيرة الثقافة الجزائرية المستقيلة تستعد لتولي منصب رسمي جديد ...
- بانوراما الأفلام الكوردية.. أفلام كوردية خارج المسابقة في مه ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مزهر جبر الساعدي - تراجيديا الليالي المعتمات