أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - مصطفى البحري - مكامن ضعف الحركة النقابية و أزمتها الذاتية















المزيد.....


مكامن ضعف الحركة النقابية و أزمتها الذاتية


مصطفى البحري

الحوار المتمدن-العدد: 6205 - 2019 / 4 / 19 - 09:20
المحور: ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي
    


عوامل الضعف النقابي و أوجهه

ترتبط قوة التنظيم النقابي بمستوى البطالة، ودرجة التركز العمالي، أي وجود تجمعات عمالية كبيرة متماسكة، و باستقرار الشغل أي درجة الهشاشة. هذا ما جعل التنظيم النقابي يشهد تراجعا كبيرا في العقدين الأخيرين بالقطاع الخاص. فمستويات البطالة العالية، حتى بين خريجي نظام التعليم، و نسبة المقاولات الصغيرة و المتوسطة في النسيج الصناعي و الخدماتي، و سياسة تهشيش أوضاع الأجراء، التي صعدتها مدونة الشغل منذ 2004، بفرض عقود عمل لا تؤمن استقرار الشغل [العمل المؤقت، التشغيل بشركات الوساطة، و المناولة ...] نالت بدرجة مرتفعة من قدرة الأجراء على التنظيم و الدفاع.

و الجانب المقابل من الصورة المؤكد لهذه الحقيقة الأولية هو استمرار نسبة مهمة من التنظيم النقابي في قطاعات استقرار الشغل [أجراء الدولة بشكل رئيسي]، وحتى تنامي النشاط النقابي بقطاعات عامة مثل الجماعات المحلية، علاوة على قلعة العمل النقابي التقليدية المتمثلة في التعليم.

تجلى تراجع التنظيم النقابي بالقطاع الخاص في تراجع الإضرابات كميا و كيفيا. حيث بات السعي للحفاظ على فرصة العمل ضاغطا، ما جعل الرد العمالي يكتسي طابعا دفاعيا عميقا، آخر خطوط الدفاع. و هو ما يعبر عنه أيضا تنامي شكل الاحتجاج بالاعتصام بعد التسريح و الإغلاق، أو التصدي لاجتثاث التنظيم بطرد النقابيين، وكذا نسبة مندوبي العمال غير المنتمين نقابيا ( الثلثان في انتخابات 2009).. وقد انعكس التهشيش في تجزئ التنظيم النقابي في المقاولة الواحدة، وهي ظاهرة بارزة في القطاع المنجمي، مثلا، حيث عادة ما يوجد مكتب نقابي لأجراء مرسمين و آخر لأجراء شركات الوساطة في التشغيل.

كما يتمثل تراجع التنظيم النقابي في تجارب النضال المهزومة المؤدية الى مغادرة العمال النقابة (حالة البحارة بعد طرد أكثر من 2000 منهم بعد إضراب متم العام 1999)، و في ما يحطمه القمع البرجوازي بالغ الشراسة في القطاع الخاص عبر التفعيل المستمر للفصل 288 من القانون الجنائي (السجن بتهمة عرقلة حرية العمل).

و يفاقم هذا الضعف واقع التعدد النقابي، بوقوع التنظيم العمالي ضحية تجاذبات قوى سياسية غير عمالية تتدخل نقابيا لأهداف غير عمالية. وأدت سياسات بيروقراطيات الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية.د.ش إلى فقد هاذين الاتحادين النقابيين الصدقية، ليس بالتخاذل الناتج عن منطق "الشراكة الاجتماعية" وحسب، بل حتى بالمتاجرة في النضالات، ومن ثمة إنعاش نقابة الاسلامويين، الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، لدرجة تبؤها مكانة متقدمة كما جرى في تجارب نقابية عديدة لعل أبرزها المنطقة الصناعية بطنجة، وحتى بدرجة اقل العمال الزراعيين في شتوكة ايت باها.

في كبريات المقاولات الصناعية بالقطاع الخاص، ومنها المخصخصة، يحظى الشغيلة بمستوى مكاسب يرجح الميل الى السلم الاجتماعي، و أكبر مؤشر بهذا الصدد مستوى الأجور قياسا بالحد الأدنى القانوني، ناهيك عن عدم تطبيقه بقسم كبير من المقاولات الصغرى و المتوسطة وما يسمى القطاع اللاشكلي. وإن كانت بعض قطاعات الدولة قد شهدت تململا في سياق دينامية 20 فبراير وما ايقظت، فقد ردت الدولة بتنازلات بلغت مستوى استتباب السلم الاجتماعية [سكك الحديد، الفسفاط، ...]. و يمثل قطاع البنوك نموذج قطاع خاص بات السلم الاجتماعي به مؤمنا منذ سنوات عديدة بفعل تنازلات أرباب العمل من جهة، و تعاون الجهاز النقابي المهيمن (إ.م.ش) من جهة ثانية.

وقد تميزت السنوات الأخيرة بانضمام قطاعات عمالية فتية، يمثل الشباب نسبة عالية بها. أبرزها العمال الزراعيون بسهل سوس (شركات كبار رأسماليي الزراعة ، الأجانب بوجه خاص)، و قطاع شركات الحراسة التي مثلت معركة عمال G4 الوطنية في العام 2007 إحدى ذراها، و مؤخرا شغيلة الطريق السيار، و بدرجة متزايدة أجراء مراكز الاتصال (centres d appel). و تعاني تجارب نضالية من هذا القبيل من الواقع المريض للحركة النقابية، حيث تصطدم بالتحكم و الكبح البيروقراطيين، وضعف تقاليد التضامن، ما يؤثر سلبيا جدا على إمكانات التراكم النضالي و التنظيمي.

وفي قطاعات الدولة [الوظيفة العمومية، والمؤسسات و المقاولات العمومية،...]، حافظ الأجراء على مستوى تنظيم أرقى بكثير من القطاع الخاص، لا بل شهد الوضع النقابي تدفق قوى جديدة، مثل شغيلة الجماعات المحلية منذ سنوات عديدة، وشغيلة وزارة العدل في السنوات الأخيرة. بيد أن الحالة النقابية بالوظيفة العمومية مبتلية بأوجه الضعف العامة للحركة النقابية، من تسلط البيروقراطيات، و تضارب توجهاتها، و تعاونها مع الدولة. وقد أنتجت خيبات أمل القاعدة العريضة من مستخدمي الدولة من تقاعس القيادات ظواهر منها الايجابي، مثل التنسيقيات المتجاوزة للتقسيمات النقابية، ومنها السلبي مثل تعمق النزوع الفئوي، المرتبط طبعا بغياب منظور طبقي شمولي لدى جميع مكونات الحركة النقابية.

ومع كل ما حققت نقابات شغيلة الدولة من مكاسب جزئية، بفعل قوتها النسبية، فإنها لم تنجح في التصدي للسياسات النيوليبرالية الاجمالية، بسبب غياب منظور التصدي هذا في سياسات النقابات الناتج عن هيمنة بيروقراطية وثيقة الارتباط بالنظام (حالة إ.م.ش بوجه خاص) و /أو بيروقراطية تابعة لأحزاب ليبرالية (ك.د.ش – ف.د.ش) إو اسلاموية (إ.و.ش.م). فرغم تحسينات في الدخل (زيادات في الأجور، ترقيات...)، تتمكن الدولة من تمرير إصلاحها الإجمالي للوظيفة العمومية تدريجيا، الرامي إلى إدخال الهشاشة في التشغيل (العقود، و تفويض للشركات الخاصة...)، و تتقدم في سياساتها المدمرة للخدمات العامة، و للحماية الاجتماعية، وسياستها الجبائية، و هي سائرة نحو المزيد بما تـُعد لأنظمة التقاعد،الخ. لا تقاوم النقابات توجيهات البنك العالمي و الاتحاد الأوربي المتحكمة بمجمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للبلد، بمنطق رفضها الكلي، بل ضمن إطار الاستسلام لتلك التوجيهات، و استبطان أضاليل تنافسية "الاقتصاد الوطني" و مستلزمات الاندماج في العولمة.

جوهر الأزمة الذاتية:

هذا التردي النقابي نتاج تاريخي لمميزات الوضع السياسي، و لخصوصيات الحركة النقابية في طور نشوئها. ولدت النقابة المغربية الأم في حضن حركة التحرر الوطني ذات الطبيعة البرجوازية. و مثل تأسيس الاتحاد المغربي للشغل، بإيعاز من قسم من حزب الاستقلال، انتزاعا للحركة النقابية المغربية من أيدي الشيوعيين. و كانت آخر محاولات هؤلاء الحفاظ على هيمنتهم تأسيس "لجنة تحضيرية لمؤتمر تأسيس اتحاد نقابي وطني ديمقراطي"بعد شهر من تأسيس إ.م.ش ( ألبير عياش:الحركة النقابية المغربية. الجزء الثالث ، ص. 195 ).

وكان بناء الجهاز النقابي برعاية من الملكية سببا في تبلور فئة بيروقراطية سرعان ما عبرت، بفعل مصالحها المادية، عن ميل إلى التحرر من عرابيها بيسار الحركة الوطنية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، الذين اصطدموا بنزوع الملكية إلى الانفراد بالسلطة. اصطفت بيروقراطية المحجوب بن الصديق الى جانب النظام، مستنكفة عن أي نضال فعلي ضد سياسته الإجمالية، ُمبقية الرد العمالي في مستواه المحلي و مفكك الأوصال، مع تغطية هذه المسايرة بجذرية لفظية غير مكلفة.

مهد هذا الطريق للمشروع البوعبيدي، وهو نوع من إضفاء طابع اشتراكي-ديمقراطي على حركة من أصول وطنية شعبوية بحاجة إلى قاعدة عمالية. كان هذا جوهر تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في متم سنوات 1970.

وقد بلغ تخاذل البيروقراطية المحجوبية مستوى أتاح للاتحاديين دفع "نقابتهم" الى واجهة النضال العمالي، مستقطبين طاقة نضال الأجراء بالقطاع العام، لا سيما الوظيفة العمومية، في طور أول (النصف الثاني من السبعينات)، ثم بمؤسسات عامة و نسبيا بالقطاع الخاص في الثمانينات و التسعينات ( الفسفاط، سكك الحديد، لا سمير، قطاع السكر، جرادة...) .

كانت تلك السنوات حقبة توغل بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل في الفساد ومراكمة الثروات، عبر عدد من المؤسسات العمالية ، مثل مؤسسات الأعمال الاجتماعية بقطاع الطاقة، و الضمان الاجتماعي حيث أتاح النظام لبيروقراطية إ.م.ش التصرف في جزء من أمواله لقاء سلم اجتماعي يستلزمه ملف النزاع على الصحراء.

بفعل كفاحية اقتضاها إثبات وجود منظمة نقابية ناشئة، و في إطار مناوشات الاتحاد الاشتراكي للنظام، حتى باستعمال الإضراب العام كما في يونيو 1981، تمكنت الكونفدرالية من إزاحة الاتحاد المغربي للشغل بقطاعات عمالية أساسية عديدة.

و بلغت دينامية النضال النقابي الكونفدرالي الذروة في متم سنوات 80 و مطلع سنوات 90، بنضالات غير مسبوقة [جرادة ، لا سمير، الفسفاط، إضرابات وطنية قطاعية (التعليم و الصحة،...) و إضراب 6 أشهر بمنجم ايميضر عام 92، البنوك، سكك الحديد،...)، إضراب عام ديسمبر90...]. وقد كانت خلفية تلك النضالات النقابية الرد على نتائج التقشف ثم التقويم الهيكلي، لكنها سياسيا كانت مندرجة في سعي المعارضة الليبرالية (ما سمي الكتلة الديمقراطية بعمودها الفقري الاتحاد و الاستقلال) إلى تحسين شروط مشاركتها في لعبة النظام الديمقراطية، أي مجمل الحملة السياسة بدءا من العام 1989، من ملتمس رقابة، ومذكرات دستورية إلى القصر، و حملة حول حقوق الإنسان، ... و كان التنسيق النقابي بين نقابتي الاتحاد والاستقلال (ك.د.ش و إ.ع.ش.م) استعمالا لطاقة العمال النضالية في ذلك المسعى السياسي غير العمالي.

وقد كانت تلك الحقبة مطبوعة بتعمق أزمة اليسار الجذري والثوري المنتسب الى القضية العمالية ، منه تمأزق يسار الاتحاد الاشتراكي، و أزمة الحركة الماركسية- اللينينية المستفحلة، علاوة على ضربات القمع المجتثة لهذا اليسار.

بفعل أزمة هذا اليسار، ومن ثمة افتقاد العمال إلى الأداة السياسية الخاصة بهم، لم يندرج نضالهم ضمن المفترض من مشروع إجمالي بديل. بل حتى الخطاب "الاشتراكي" ذي النبرة الطبقية ، الذي طبع بداية الكونفدرالية، تآكل تدريجيا إلى أن انتفى، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي و مجمل المنظومة الشرقية.

انتهت دورة " كفاحية " كدش النسبية في منتصف سنوات 1990، مع التحضير لصفقة "حكومة التناوب" حيث قبلت المعارضة التاريخية الإشراف على حكومة الواجهة لتأمين استقرار فترة انتقال الحكم، بعد تبين الحسن الثاني اقتراب موته، وبقصد مواصلة سياسة المؤسسات المالية الدولية (ص.ن.د- ب ع).

سعت القيادة الكونفدرالية إلى الاضطلاع بدور النقابة الداعمة للحكومة، بتسهيل تمرير المخططات النيوليبرالية (ميثاق التعليم الليبرالي، إلغاء ما تبقى من مجانية خدمات الصحة، قانون الشغل المعدل في اتجاه مزيد من المرونة و الهشاشة، التقشف في الإنفاق الاجتماعي،...)، و بمهزلة ما سمي "الأوراش الكونفدرالية"، و بالاتفاقات مع الدولة و أرباب العمل ،ثم بتبني ما سمي "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، و هلم جرا. ونفس السياسة نهجتها عمليا القيادة المحجوبية، بصمت أو بمزايدة كلامية انفضحت بالكامل لما استجابت لدعوتها للمشاركة في الإجماع على مدونة الشغل، بعد سنوات من رفض لفظي"للحوار الاجتماعي".

و رغم انفراط عقد تحالف نقابتي ك.د.ش و ا.ع.ش .م ، بعد انتفاء الحاجة السياسية إليه، يواصل الدراع النقابي لحزب الاستقلال تأطير نضالات قطاعات عمالية وازنة أحيانا، من قبيل موجة إضرابات شغلية النقل الحضري الخاص بالدار البيضاء عام 2000، و إضراب عمال شركات الوساطة في مناجم جبل عوام صيف 2007.

ومع الطابع المزمن لأزمة الحركة النقابية، لم يقتصر الامتداد البرجوازي داخل النقابات العمالية على الاتحاد العام للشغالين، بل تعزز، بتأثير أزمة اليسار و انهيار مصداقية الخطاب الاشتراكي، المفاقم بمشاركة الاتحاد الاشتراكي في حكومة الواجهة، بتنامي القوة "النقابية" لحزب الإسلاميين الملكيين –العدالة والتنمية- لا سيما في قطاعات الأجراء الذهنيين، مثل التعليم ( نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب هي ثالث أكبر النقابات في التعليم بنسبة تمثلية باللجان الثنائية بلغت عام 2009 نسبة 17,8 % بعد كدش % 24.20، و فدش %19 ).

و بوجه العموم تمكنت الدولة منذ بداية النصف الثاني من التسعينات من تحقيق دمج متقدم للأجهزة النقابية في تدبير المسألة الاجتماعية، بتمثيل النقابات في مؤسسات رسمية عديدة، علاوة على البرلمان، و تفعيل أكثر لما يسمى "الحوار الاجتماعي"، ترتب عنه عدد من الاتفاقات "الثلاثية" (دولة-أرباب عمل- نقابات عمال)، اتفاقات تفيد أكثر الدولة البرجوازية في نزع فتيل القنبلة الاجتماعية و ربح الوقت، ثم تصعيد الهجوم.

باتت النقابات العمالية تهجر أكثر فأكثر دور الدفاع عن شروط عمل و حياة المستغلين (بعد التخلي الكلي عن مشروع التغيير المجتمعي)، لتنهض أكثر فأكثر بدور حزام إيصال الأهداف الاقتصادية الاجتماعية البرجوازية الى الطبقة العاملة.

و بات سلوك القيادات محكوما بحاجتين:أولاهما الحاجة إلى نضالية العمال لإقناع أرباب العمل ودولتهم بفائدة تلك القيادات كشريك، و الثانية الحاجة إلى سلبية العمال للحفاظ على أيدي طليقة، فنتج عن ذلك التحريك المتحكم به لقوى النضال حسب حاجات الضغط من أجل "الحوار الاجتماعي" وأدى هذا التعاون المتزايد مع أرباب العمل و دولتهم، بمنطق "الشراكة الاجتماعية"، إلى استفحال التحكم البيروقراطي في الحياة التنظيمية و النضالية للنقابات. لم يكن ذلك بالجديد في نقابة الاتحاد المغربي للشغل حيث كرست المحجوبية استبدادا مطلقا، لكنه تعزز في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ليبلغ مستوى غير مسبوق في منعطف المؤتمر الرابع [2001]، وما تلاه من انشقاق الفيدرالية. فالاشتغال الداخلي مخنوق، لدرجة تنحية أي تعبير عن رأي معارض لتوجه القيادة، و المؤتمرات أفرغت من كل محتوى متصل بتحديد فعلي لإستراتيجية نضالية، و انتخاب الأجهزة مفبرك بالكامل.

و تزايد تدخل القيادات العليا للجم النضالات حتى المحلية، وبلغ العسف البيروقراطي حد التضحية بالتنظيم النقابي، كما فعلت قيادة كدش بوجه الحركة الرافضة بقطاع البلديات عام 2007، حيث نتج عنها انسحاب مناضلين وفروع عديدة وانضمامهم الى إ.م.ش، وهو تقليد عريق في هذا الأخير ذاته، كان من ابرز أمثلته الانقلاب على نقابة البحارة بعد هزيمة 1999. و لا شك ان تهميش النساء في المنظمات النقابية، في تناقض صارخ مع مكانتها المتنامية ضمن اليد العاملة، ودورها الصاعد نضاليا، يمثل إحدى أبشع أوجه انعدام الديمقراطية في الحركة النقابية المغربية.

و برز قصور النقابات العمالية في مواجهة الهجوم النيوليبرالي المتصاعد في استنكاف القيادات عن أي عمل وحدوي لبناء جبهة نقابية، و تأجيج نعرات تقسيم الصف العمالي، و الامتناع عن التعاون مع الحركات الاجتماعية، لا سيما حركة الشباب المعطل التي نهضت بدور ريادي في الاحتجاج في الشارع و تطوير أشكال النضال. و بالمثل غضت القيادات النقابية الطرف عن موجة النضال الشعبي بالعالم القروي المهمل، تلك الموجة الصاعدة منذ سنوات حكم الحسن الثاني الأخيرة. طبعا كان لمناضلي القاعدة النقابية دور فعال في حفز بعض تجارب النضال بالمناطق المهملة، لكن القيادات ظلت صامتة جامدة. كذلك شأن تجربة تنسيقيات مناهضة الغلاء التي ظهرت في العام 2006 و استمرت حتى 2008.

وفيما انخرطت قوى نقابية متنوعة، عبر العالم، في موجة مناهضة العولمة المنطلقة بقوة عام 1999(سياتل)، مارست البيروقراطيات باسم الحركة النقابية المغربية دبلوماسية شبه رسمية في المنتديات الاجتماعية العالمية، داعمة السياسة الخارجية للدولة في مسألة نزاع الصحراء.

إنها اللوحة القاتمة الناتجة عن وقوع الحركة النقابية المغربية تحت هيمنة قوى سياسية غير عمالية (ليبرالية تاريخيا، و اسلاموية على نحو متنام). وتلك هي الحالة التي وجدت فيها السيرورة الثورية التي هزت المنطقة حركتنا النقابية. هذا السيرورة التي حفزت ديناميات نضالية بالمغرب، منها الخاصة بالمعطلين، ومنها ذات الصبغة السياسية الجلية (حركة 20 فبراير)، ومنها الاجتماعية في طول البلد وعرضه.

ولدت الدينامية النضالية بالمغرب بعد فرار بنعلي و سقوط مبارك، تململا في الساحة العمالية، حيث ظهر التنظيم النقابي بمقاولات بالقطاع الخاص، و أبدت بعض قطاعات الدولة ميلا الى التحرك (سكك الحديد...)، وخشية تفاعل النضال العمالي مع باقي مكونات الحالة النضالية (20 فبراير و النضال الاجتماعي، وحركة المعطلين...)، سارع الملك إلى إرسال مستشاره للاجتماع بالقيادات النقابية بعد أسبوع من انطلاق حركة 20 فبراير، و قدمت تنازلات غير مسبوقة تحسن أوضاع عدد من فئات الأجراء ...

و اجبر عنفوان حركة 20 فبراير، و تجاوب الجماهير الكادحة بالمشاركة غير المسبوقة في المظاهرات، القيادات النقابية على إعلان التأييد اللفظي، لكنها أحجمت عمليا عن أي فعل يقوي حركة النضال. و لم تتردد قيادة الكونفدرالية في طرد مناضلين وحل أجهزة محلية (زاكورة) قمعا للرأي الناقد. ومن جانبها أقدمت القيادة المحجوبية بتصفية حساب تاريخي مع مناضلي اليسار داخل الاتحاد المغربي للشغل. انطلقت حملة تصفية لوجود اليسار شهر مارس 2012، بالطرد و بإغلاق مقر الاتحاد الجهوي بالرباط، الذي ظل طيلة سنوات قلعة صمود عمالي و شعبي (معطلون وكل المضطهدين)، و لا تزال الحرب دائرة.

تمثل حرب استئصال اليسار هذه انعطافا في مسار الاتحاد المغربي للشغل، ومؤشرا نوعيا على التطور المحتمل لهذا الاتحاد النقابي. أنهت حملة طرد اليساريين من إ.م.ش مرحلة من عمل هؤلاء النقابي، وبات المستقبل مفتوحا على تجربة جديدة. فالتمسك بالاتحاد المغربي للشغل سيظل بلا محتوى بفعل تحكم البيروقراطية الكلي بالجهاز [ اللجنة الإدارية، المالية، المقرات...]، و العزل الفعلي للقطاعات المطرودة عن باقي جامعات الاتحاد بفعل تقليد عريق قائم على الفصل العمودي بين القطاعات (جزر لا جسور بينها). هذا العزل أدى عمليا إلى بتر الوجود اليساري (تعليم، بلديات، اتحاد موظفين...) دون تأثر مجمل الجسم النقابي.

. كما أن المراهنة على تعارضات أو انفلاق داخل البيروقراطية غير واقعي، ما يجعل التجربة تسير نحو اتحاد نقابي جديد طالما ليس واردا الانضمام الى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وهو إمكان لا يناقش حتى. من جهتها ستسير البيروقراطية المحجوبية بالاتحاد إلى مزيد من التعاون مع النظام، كانت إحدى أولى خطواته النوعية الدعوة إلى التصويت لصالح دستور العبيد في يوليو 2011. وثانيها توقيع ميثاق اجتماعي مع منظمة ارباب العمل شهر يناير 2013.

تلكم المميزات العامة لحركتنا النقابية، ويظل سؤال اليسار النقابي فيها جوهريا، وكذا آفاق العمل من منظور ماركسي ثوري. هذا ما سيكون موضوع مقال مقبل
2013





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,407,743
- لا لإستئصال النقابة العمالية بمناجم بوازار، الحرية فورا للمن ...
- طرد اليسار الجذري من الاتحاد المغربي للشغل: إلى أين؟
- القيادات النقابية تضيع ثمار قوة الضغط التي خلقتها حركة 20 فب ...
- في أسباب غياب نقاش يساري حول الحركة النقابية
- -الحوار الاجتماعي- بعد المسيرة العمالية الملغاة: تلاعب في ال ...
- مخاض نقابة الكنفدرالية الديمقراطية للشغل في الجماعات المحلية ...
- انتفاضة القواعد بالنقابة الوطنية للجماعات المحلية -كدش
- ملاحظات على حالة الحركة النقابية على ضوء مظاهرات فاتح مايو 2 ...
- الساحة العمالية: هجوم برجوازي كاسح ...وقيادات نقابية سائرة إ ...
- هجوم جديد على التنظيم النقابي للعمال الزراعيين
- التكوين النقابي: العمال فقراء الى وعي فقرهم الفكري
- مشاكل الضمان الاجتماعي والبديل العمالي


المزيد.....




- الحوثيون يقولون إنهم استهدفوا مطار جازان السعودي وقوات التحا ...
- 12 قتيلاً على الأقل في هجوم جوي سوري على سوق شعبي في قرية يإ ...
- المعارضة السودانية ترفض الحصانة المطلقة للحكام العسكريين
- بيان مشترك لستة دول يدعو لوقف العنف في ليبيا
- الحوثيون يقولون إنهم استهدفوا مطار جازان السعودي وقوات التحا ...
- المعارضة السودانية ترفض الحصانة المطلقة للحكام العسكريين
- بيان مشترك لستة دول يدعو لوقف العنف في ليبيا
- 3 علاجات منزلية للنزلة المعوية
- لأول مرة.. الشاطر يكشف أمام المحكمة ما طلبه مسؤولون أجانب من ...
- طهران تكشف مصير ناقلة النفط المفقودة في هرمز قبل يومين


المزيد.....

- الاتحاد العام التونسي للشغل والشراكة في بناء الدولة الوطنية: ... / عائشة عباش
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من مطالب الحركة العمالية / سعيد العليمى
- الحركة العمالية والنقابية في اليمن خلال 80 عاماً.. التحولات ... / عيبان محمد السامعي
- الحركه النقابيه العربيه :افاق وتحديات / باسم عثمان
- سلطة العمال في ظل الأزمة الرأسمالية / داريو أزيليني
- إيديولوجية الحركة العمالية في مواجهة التحريفية / محسين الشهباني
- الحركة النقابية في افريقيا وميثاقها / كريبسو ديالو
- قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية / إبراهيم القصاب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - مصطفى البحري - مكامن ضعف الحركة النقابية و أزمتها الذاتية