أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود كرم - أشخاص ومواقف 1














المزيد.....

أشخاص ومواقف 1


محمود كرم
الحوار المتمدن-العدد: 1945 - 2007 / 6 / 13 - 04:53
المحور: الادب والفن
    


أصابته ( هند ) بسهم قاتل ، أردته صريعاً يتجرع كأس الهوى ، فكل يوم يضرب جعفر ملفاً بملف ، كيف السبيل إلى الطابق العلوي ، علّه يحظى بنظرةٍ من ( هند ) أو بابتسامةٍ منها أو بحديث عابر ، وحينما يأتيه النداء عاجلا ، يا جعفر : خذ الملف للطابق العلوي واقفل راجعاً لاتتأخر ، تنفرج الأسارير عنده ، وتدب الحياة بعروقه ، وتغدو الإبتسامة في عينيه بريقاً يشع بالأمنيات الجذلى ..

وهكذا بين صعود ونزول قصة جعفر كل يوم ، هذا العاشق المعنّى ، لا يلبث أن يصعد إلا والأمنيات العِذاب تتدفق في قلبه دفعةً واحدة ، ومع سبق الإصرار والترصد تبقى آذان جعفر ( شاخصة ) على مدار الوقت لأيّ نداء قادم يحمل له الأمنيات والأحلام من جديد ، وحينما لا تأتيه الأوامر بالصعود إلى الأعلى يحاول أن ينسج من خيالات مكره أية حجة ترسل به إلى هناك ، وهكذا تجري الساعات في يومه ، تارة بطيئة ، وتارةً أخرى سريعة وصاخبة كالأمواج ، وهو فيها زورق مثقوب , يطفو هنا ويغرق هناك في الأعلى ..

بينه وبين الحاج ( يسري ) مسافة متر لا أكثر ، وجيرة تجاوزت الثلاث سنوات ، ورغم هذا وذاك لم يسلم ( يسري ) المثقل بداء السكري ، وبالسنوات العجاف التي قضاها في خدمة الملفات ، من مناوشات ومشاغبات جعفر له كل يوم ، ففي بداية مجيء جعفر إلى قسم الملفات كان يراه الحاج يسري حملاً وديعاً ، ولكن بعد مضي أشهر قليلة أصبح يراه كابوساً مزعجاً يأتيه حتى في منامه ، فلم تكن سنوات الجيرة عند جعفر ذات أهمية ولم يحسب للحاج يسري كبر سنه ، فضلاً عن نصائحه المفيدة وخدماته الجليلة له كل يوم ، هكذا هي العلاقة بينهما ، مد وجزر , تصفو مرة وتتعكر مرات كثيرة وكانت تصل القطيعة بينهما إلى أشهر في أحيان كثيرة , وفي أحيان أخري إلى يوم أو يومين ، والمضحك في الأمر أن الخصام والقطيعة بينهما تختفي فجأة ، لتعود بينهما حالة الود والتصافي بسرعة فائقة ومن دون أية مساع حميدة أو تدخلات أجنبية أو محلية ، فكان يسامحه الحاج ( يسري ) ويصفح عنه , لأنه يعلم جيداً بأن ازعاجات جعفر شر لابد منه شاء ذلك أم أبى ، مردداً : حسبي الله ونعم الوكيل ..

إما أن يموت مدنياً زاهداً في هذه الدنيا , أو أن يحيا مهنياً مبتهجاً بمزايا المهنية ( المدنية درجة وظيفية عادية إما المهنية فهي أرقى بكثير وهذه الدرجات تخص غير الكويتيين ) ، هذه قصة جعفر كل يوم ، من الصباح إلى أن يلفظ الدوام أنفاسه الثقيلة ، وحسب أخبار الأرصاد المهنية التي تترى على جعفر كل دقيقة وكل ساعة من مصادره القريبة والبعيدة ، تصيبه كل لحظة في مقتل ، لكأنَ بينه وبين المهنية مسافة عمر لابد أن يفنى ..

في باديء الأمر لم أكن أعلم شيئاً عن قصة جعفر هذه ، ولكن مع الأيام عرفتُ بأنه يتقاضى راتباً زهيداً بالكاد يسد به رمق الحياة الطاحنة ، وأنه يتمنى أن تشمله الرعاية الوزارية ليتحول مهنياً تتفتح أمامه أبواب الحياة ، ويدخل من خلالها جنات النعيم حسب اعتقاده ، ونحن نتعاطف معه كثيراً ، ولانملك غير ذلك كونه أباً لثلاثة بنات هنّ ضحايا ما جناه جعفر من حظه العاثر في هذه الدنيا ، ولكنه يريد منا أكثر من مجرد التعاطف ، وكأنما نحن السبب في كونه مدنياً بائساً ، ففي كل يوم يصبّ ُ جام غضبه علينا متهماً إيّانا بالتقاعس وعدم السعي لرفع معاناته اليومية ، ونحن لانملك إلا البكاء عليه ضحكاً ، والبعض منا كان يزيده هماً وغضباً باستفزازه من خلال مصارحته أن المهنية بالنسبة إليه عشم ابليس في الجنة ، بينما كان بعضنا الآخر يؤمله دائماً بقرب رفعه إلى درجة المهنية وأنها قادمة إليه على طبق من ذهب ، وهو يعلم جيداً بأن أمله في المهنية كأمل القطب الجنوبي في الشمس الساطعة ..

ويريد منا ثمناً تعويضياً كونه ( مدنياً ) بفرضه علينا أتاوات يومية ، على شكل إفطار مجاني وسجائر وقهوة وشاي وخدمات أخرى معيشية ، وكثمن آخر يجب علينا تقديمه له ونحن لا نملكه ، بالتغاضي عنه قليلاً للخروج مبكراً من العمل يوم الأربعاء تحديداً بصورة متكررة ..

وهكذا ينام جعفر مدنياً ليصحو أيضاً مدنياً عاجزاً عن فعل أي شي سوى إبداء مهاراته الوظيفية الحركية ، والتي يرى أنه يستحق عليها درجة المهنية ، والاكثار أيضاً من التباكي أمام حائط الملفات وأمامنا صباح كل يوم لإنقاذه من أوضاعه المتردية ..

معدم من كل شيء هذا الإنسان المطحون بظروفه القاسية ، لا حبلَ نجاة ، ولا قلبَ عاشق ، ولا مصروف شهر ، ولا أملا في غد ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,863,703,867
- الحياة أصغر بكثير
- الانفتاح صفة المجتمعات الخلاقة
- لمحات من كتاب أزمنة الحداثة
- أطفالنا بين بشاعة العنف وثقافة الكراهية
- العُمر وبريق الغوايات
- سلطة الموروث الديني
- الهدّامون
- الإبداع .. نزعة الإنسان الجوهرية
- حوار في المشهد المعاصر 2 / 2
- حوار في المشهد المعاصر 1 / 2
- خطورة أن يهيمن الديني على المدني
- لذة المغفرة
- الداهية غارفيلد
- مَن يسرق الدهشةَ منا !؟
- إليكِ .. في يوم الحب
- الأنثى وفتنة المؤامرة
- الاستبداد صناعة عربية
- الواعظ وثقافة الوعظ الديني
- الكتابة .. وعي الإرادة وانتصار الحرية
- حياة


المزيد.....




- إعلان أسماء الفائزين فى مسابقة مشروع قصص القاهرة القصيرة 201 ...
- إطلاق أول خريطة رقمية للمكتبات ومراكز المعلومات من -بيت العر ...
- الحرة الأمريكية تسأل: ما الذي تريده قطر بالتحديد؟
- شاهد... خاتم خطوبة الممثلة الهندية بريانكا شوبرا يلقى رواجا ...
- شقيق أليسا يكشف عن تفاصيل جديدة حول مرضها!
- بعد زيادة الشكاوى... -يوتيوب- يحذف إعلان فيلم رعب
- لغزيوي يكتب: -عصمنلية بلا خبار أفندينا- !!!
- وزارة الثقافة السورية تعلن الفائزين بجائزة الدولة
- سيارة مادونا للبيع على موقع للسيارات المستعملة
- صدور النسخة العربية من كتاب (النسوية وحقوق المرأة حول العالم ...


المزيد.....

- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود كرم - أشخاص ومواقف 1