أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إكرام يوسف - العروبة بين الأغنيات والمصالح المادية















المزيد.....


العروبة بين الأغنيات والمصالح المادية


إكرام يوسف
الحوار المتمدن-العدد: 1935 - 2007 / 6 / 3 - 11:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما قرأت تصريحات الكاتب التليفزيوني الأشهر أسامة أنور عكاشة الأخيرة، وعن تراجعه عما عرف به طوال عقود من دفاع مستميت عن انتماء مصر العربي؛ لم أندهش كثيرا في الحقيقة. وكذلك لم أستغرب كثيرا موقف الفنان السوري دريد لحام، حين أعلن مؤخرا نفس التراجع وهاجم تجربة الوحدة المصرية السورية التي انتهت عام 1961. اعتبرت الأمر حالة إحباط مبررة وسط ما يمر به الجميع من مرارات نجمت بالأساس عن تراجع متواصل في دور مصر الإقليمي، وارتفاع صوت النزعة القطرية داخل البلدان العربية وأصوات الداعين إلى البحث عن حلول فردية منذ كامب ديفيد 1977. وكالعادة كانت مصر الرائدة حتى في المنحنى السلبي؛ فارتفعت الدعوة إلى "مصر أولا" ، وسرعان ما جاء رجع الصدى: "الكويت أولا".. "الأردن أولا".. "لبنان أولا" وهكذا...
ولم يكن الأمر مفاجئا نظرا لما قرأت ولامست ـ أيضا ـ عن علاقات العرب بعضهم ببعض على المستوى الشعبي خصوصا في البلدان العربية التي يكثر فيها استقدام العمالة العربية من مختلف الجنسيات؛ وما يرتبط بهذا الوضع من ظواهر سلبية تتعدد مسبباتها : من ظروف اقتصادية سيئة في البلد التي دفعت أبنائها للنزوح إلى بلدان شقيقة بحثا عن لقمة عيش لم يجدونها في بلدانهم، واضطرتهم للقبول بشروط قاسية للعيش وفقا لنظام الكفيل العبودي؛ وصراع بين الوافدين العرب وبعضهم البعض على فرص التوظف في البلدان الشقيقة، وما ينتج عن هذا الصراع من تصرفات سلبية وانتهازية من "البعض" تهدف للإزاحة بزميل في سبيل الفوز بمكانه، أو التسفيه من قدر كفاءته للنيل من مكانته؛ واستغلال "بعض" أصحاب العمل في البلد المضيف حاجة القادمين الملحة إليهم ؛ بل أن بعض أصحاب العمل يتفنن في استغلال الصراع الدائر بين العاملين لديه، ويغذيه رغبة في الإلمام بكواليس ما يجري في مؤسسته، ويستغل رغبة "بعضهم" في إظهار قد أكبر من الولاء للمؤسسة وصاحبها على حساب الزملاء. ويعرف العرب العاملين في البلدان الشقيقة عشرات الآلاف من القصص من هذا النوع، أبطالها (سواء الظالمين أو المظلومين) من جميع الجنسيات بلا استثناء.

هستريا السباب
وكان دافعي لعدم استغراب تراجعات بعض المثقفين العرب عن فكرة الانتماء العربي، خصوصا بعض المثقفين المصريين، ما قرأته، ولامسته من تحول سلبي في مشاعر العديد من الأخوة العرب تجاه المصريين بالذات. فإذا حركت مؤشر البحث بين منتديات الانترنت الشبابية وحتى بين مواقع المفترض أنها رصينة، مثل مواقع محطات فضائية إخبارية، تتيح لقرائها فرصة التعليق على الأخبار، لوجدت العجب العجاب، فما أن يرد أي خبر عن مصر؛ سواء سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو فنيا، إلا وتجد المعلقين من مختلف الجنسيات، قد خرجوا بالحوار من التعليق على الخبر نفسه، لينهالوا بصورة هستيرية سبا على مصر والمصريين. وتخرج من هذه التعليقات سواء كان خبر الخلاف على إنشاء جسر بين مصر والسعودية، أو أخبار المسلسلات والأفلام المصرية، مرورا بأخبار الأندية الرياضية، ووصولا إلى فتاوى بعض الشيوخ المصريين؛ إلى نتيجة مؤداها أن المصريين شعب من الشياطين اجتمعت في جينات أبنائه صفات النصب والكذب والانحراف الأخلاقي، وأنهم "عبدة الجنيه" كما تردد تعليقات كثيرة، كل شي يفعلونه من أجل المال: بداية من الدعارة وحتى إصدار الفتاوى الشرعية. ورغم أن هذه المواقع تذخر أيضا بملاسنات بين أبناء الشعوب العربية الأخرى وبعضهم (الخليجيون ضد الشوام وضد أهل المغرب العربي،الذين سرعان ما يردون التحية بأحسن منها) مما يؤكد استفحال مرض الشوفينية بين الجميع، إلا أن نصيب المصريين عادة يكون نصيب الأسد من حفلات السباب أو ما يمكن تسميته حفلات شواء جلود المصريين؛ ولا يعدم الأمر، أن ينبري مصريون تأخذهم الحماسة للدفاع عن بلدهم، فينزلقون إلى سب جميع الأشقاء بلا هوادة، ويوزعون السباب بالعدل والقسطاس على جميع. ولم يكن الشعور بعدم الاستغراب راجعا فقط إلى ما قرأته على الشبكة العنكبوتية، التي أعرف أن التعليقات بأسماء مستعارة ربما يتستر بها بعض من هم ليسوا عربا أصلا لإيقاع الفتنة بين العرب من جميع الانتماءات. لكن التعرف على أخوة عرب من مختلف الجنسيات في أكثر من بلد زرتها ترك عندي الانطباع ذاته. فعندما سافرت من مصر إلى دولة عربية للمرة الأولى عام 2001 كان كل ما أعلمه عن علاقات العرب بعضهم ببعض ـ رغم أنني لم أكن في السن التي يمكن وصفي فيها بقلة الخبرة أو السذاجة ـ أننا جميعا أخوة من المحيط إلى الخليج رغم ما يحدث بين حين وآخر من اختلافات بين الحكام؛ فقد تربى أبناء جيلي الذي عاش طفولته في الستينيات من القرن الماضي، على أغنيات وأناشيد "بلاد العرب أو طاني"، و "من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر"، وأوبريتات فريد الأطرش ومحمد فوزي التي تتحدث عن روح الأخوة العربية، وما إلى ذلك. لكن صدمتي في البداية كانت كبيرة بالفعل، وأنا أرى بعض أبناء السودان الشقيق، الذين عشت عمرا بأكمله أردد ما أنا مؤمنة به أننا "أخوة من الرضاع" حيث رضعنا جميعا من مياه النيل الذي يجري في دمائنا مشكلا ما يشبه وحدة الدم. فباستثناء بعض المثقفين، وكثير من أبناء السودان الطيبين (الذي تعرف عليهم في رحلة إلى الخرطوم)، وجدت البعض الذين يتعاملون مع المصريين باعتبارهم سارقو الحضارة الفرعونية، بل أن بعضهم قال لي أنهم هم الذين بنوا الأهرامات التي ينسبها المصريون لأنفسهم!. ومازال البعض يذكر أن جنودا مصريين هم الذين استخدمهم الاستعمار العثماني والاستعمار الإنجليزي في فتح السودان. ويتناسى هذا البعض أن مصر في ذلك الوقت كانت بلدا محتلا وأن هؤلاء الجنود البسطاء كانوا مستعبدين في خدمة الجيوش الغازية، كما يتناسى أن ما تم أيضا في عصر الاحتلال الانجليزي من شق الطرق وبناء المرافق في السودان، كان يجرى بأموال تصرف من الخزانة المصرية التي فرض الانجليز استقطاع حصة منها سنويا لإنشاء البنى التحتية في السودان الشقيق. وهالني في أول الأمر أيضا ما لمسته بالتحديد من "بعض" أشقائنا الفلسطينيين من مرارات تجاه مصر والمصريين، فالبعض يعتبر أن مصر تخلت عن واجبها الأساسي في تحرير بلادهم، والبعض يعتبر أن مصر بالأساس كانت تتاجر بقضيتهم، وقال لي زميل "حتى المناهج التعليمية التي كانت مقررة علينا من وزارة التعليم المصرية كانت تجعلنا نحفظ تاريخ مصر من عهد مينا موحد القطرين، مرورا بمحمد علي باعث النهضة الحديثة وحتى عبد الناصر، بينما لم تكن تعلمنا بنفس العمق والتفصيل تاريخ بلدنا فلسطين". أضف إلى ذلك ما يراه عليه أخوة عراقيون من أنهم أصحاب الحضارة الأقدم وأنهم مخترعو الكتابة الحقيقيون لكن مصر لقربها من البحر المتوسط حظيت بالتلميع الإعلامي على حسابهم... ولا يفرق هؤلاء الأشقاء بين مواقف حكومية ومشاعر شعبية، فالجميع لديهم مصريون، مقصرون ومتخاذلون، وأحيانا نصابون أيضا!! ورغم وجود أمثلة راقية وواعية بين مثقفي مختلف البلدان العربية، تنأى بنفسها عن هذا السجال الشوفيني وترفضه، إلا أن الشاهد أن هناك موجة من المشاعر السلبية التي بدأت تأخذ سبيلها إلى أوساطة العامة.

وللحقيقة، كنت في بداية الأمر أفزع من حقيقة وجود هذه المشاعر على المستوى الشعبي، فالخلافات على المستوى الرسمي بين الحكومات، سرعان ما تعالجها تطورات الأحداث والمصالح، ولكن عندما يصل الأمر إلى تكريس مشاعر سلبية على مستوى الشعوب يصبح من الصعب تجاوزها. ورغم إدراكي أن قدرا كبيرا من المسئولية يقع على عاتق الجانب المصري، سواء على المستوى الرسمي؛ بعد نحو أربعة عقود من تراجع الدور الإقليمي الرائد سياسيا واقتصاديا وثقافيا، أو على مستوى سلوكيات بعض المصريين في الخارج؛ إلا أنني ألاحظ أيضا دورا خارجيا يعمد لتوسيع شقة الخلاف العربي ـ العربي، باستخدام أبواق عربية أيضا تنفخ في النعرات العرقية، فبرزت الدعوات الكردية والتركمانية والفينيقية والفرعونية والنوبية والأمازيغية، وغيرها في محاولة لطمس الهوية العربية الجامعة.

صدمة عاطفية
ومن ثم كانت تعليقات مثقفين بحجم أسامة أنور عكاشة، ودريد لحام، بالنسبة لي تطور تطبيعي يعكس صدمة من آمنوا عاطفيا بفكرة الوحدة العربية ورددوا أغانيها وأناشيدها كما رددنا؛ ثم أفاقوا على ما نعيشه من وقع تمزق وتنافر. ولأن فكرة العروبة اتخذت لدى المؤمنين بها من الأساس شكل التعلق العاطفي الذي يتحدث عن وحدة اللغة والتاريخ والدين والمصير؛ كان من الطبيعي، أن تنهار على صخرة إحباطات عاطفية أيضا، فتتحول المشاعر "المحبة" للعروبة، إلى "كارهة" للعروبة ورافضة لها.
لكن قضية عروبة مصر أو بقية البلدان التي مازال يطلق عليها ـ حتى الآن ـ مصطلح العالم العربي(من الخليج الذي لم يعد ثائرا، وإلى المحيط الذي توقف عن الهدير) هي في الأساس قضية "وحدة مصالح"، كانت هكذا وستظل هكذا، والمشكلة أن الشعر والغناء العربي لم يتعود أن تكون "المصلحة" من مفرداته، وتعامل الوجدان العربي مع فكرة "المصلحة عادة" باستعلاء مثالي عاطفي؛ وهذا في اعتقادي أس البلاء. فكان من المفترض أن ننتبه منذ بداية الأمر إلى أن العالم منذ خلقه الله لا تحركه سوى المصلحة، وأن "المصلحة المادية" ليست كلمة قبيحة أو بذيئة يتعين على أبناء الأصول العريقة اجتنابها. فعندما ظهرت المصلحة تحركت المجتمعات المشاعية البدائية إلى السطو على بعضها البعض فظهرت مجتمعات السادة والعبيد، وكانت المصلحة هي سبب استقرار بعض الشعوب حول مياه الأنهار فظهرت الزراعة، وظهر نظام الإقطاع. وبدافع المصلحة أيضا قامت الثورة الصناعية، وظهرت المجتمعات الرأسمالية؛ التي كشفت عن مصلحة أصحاب الأعمال في قيام تكتلات صناعية وتجارية ثم أحلاف عسكرية، وظهرت أيضا مصلحة العمال في إقام تنظيمات عمالية ونقابية. وبالمثل كانت المصلحة هي الدافع وراء إدراك الدول الاستعمارية لأهمية "العمل الجماعي"، فنشأت الاحتكارات الرأسمالية متعدية الجنسية، والأحلاف العسكرية والاتحادات التجارية والأسواق المشتركة، بينما بقينا نحن في العالم العربي أسرى الأناشيد العاطفية، نتعالى عن الحديث عن المصالح المادية؛ حتى صدمنا الواقع بحقيقة هشاشة التعبيرات العاطفية التي تربت عليها مشاعر شعوبنا، وهي لا تصلح أساسا لأي وحدة أو تكامل أو تنسيق؛ في حين لم تكن هذه الشعوب تعودت على احترام مصطلح "المصلحة المادية"، فالجميع وإن كان يسير حياته وفق "مصالحه" إلا أنه يخجل من التصريح بذلك علنا، ويظل يتغنى بالمثل والمبادئ العذرية. ولعل هذه الازدواجية من بين أسباب حالة الارتباك التي تمر بها شعوبنا، فالجميع يتحرك وفقا لمصالحه بينما يتغنى بالمبادئ السامية التي تتنافى مع المصالح الضيقة، والكل يهاجم الكل لأنه يبحث عن مصلحته!! متجاهلين أن خلاصنا الحقيقي هو في إدراك وحدة مصالحنا، وتحقيق التكامل الذي يحقق التنسيق بين هذه المصالح، بما يفيد الجميع، ويحمي الجميع من أطماع القوى المستعمرة. كان يجب أن ننتبه من البداية لأهمية عامل "المصلحة" لتمتين اللحمة بين شعوب العالم العربي؛ بدلا من أن نتصارع كما تتصارع الأسماك الصغيرة، غير منتبهة لحوت قادم لابتلاعها جميعا. فالمعروف، أن أي قوة عظمى كانت تطمع في السيطرة على العالم، منذ بداية التاريخ وقبل ظهور العروبة أو الإسلام أو أيا من الديانات السماوية الأخرى، كانت تضع نصب عينيها أولا السيطرة على هذه المنطقة المعروفة باسم العالم العربي الآن، باعتبارها صرة العالم التي تحوي الكثير من الموارد الطبيعية ومقومات القوة الاقتصادية والبشرية والعسكرية. وكانت القوى الاستعمارية العظمى تنجح في تحقيق هذا الهدف، فقط في فترات ضعف الدولة المصرية، منذ الحثيين والهكسوس والفرس واليونان والرومان وحتى الاستعمار الحديث مرورا بالتتار والصليبيين. ما أن تقوى الدولة في مصر وتستطيع طرد هؤلاء المستعمرين؛ فإنها لا تطردهم فحسب من الأراضي المصرية وإنما من كافة أراضي الجوار. وقد استوعب الأمريكان والصهاينة هذا الدرس وأدركوا أن قوة المنطقة تكمن في وحدتها وتماسكها حول دولة مصرية قوية، فعملوا على إضعاف مصر و تهميش دورها في محيطها العربي، وبذر بذور الفتنة بينها وبين أشقائها في الجوار، والترويج لنعرات عنصرية وشعوبية، تسببت فيما نراه حاليا ن ارتباك وعدم وضوح الاتجاه وتدهور في أحوال الجميع عل كافة الأصعدة.
ولا شك أن هناك في الخارج من يهمه أن تستمر حالة الارتباك هذه، ويرتب خططه مقدما على أساس خلق هذا النوع من "الفوضى" التي لم يخجل من أن يسميها "خلاقة"!. فقد استوعبت القوى الكبرى الطامعة في ثروات العالم، أن التناقض بينها وبين بعضها البعض ثانويا، يمكن حله بإنشاء التحالفات والاتحادات التي تسمح بالتنسيق بين مصالحها لضمان أن يحصل كل منها على نصيبة في كعكة نهب بقية ثروات العالم، بدلا من العمل بشكل فردي يسفر عن تصارع يهدد مصالحها جميعا. وفي نفس الوقت تحرص هذه القوى على الترويج بين بلداننا لفكرة العمل الفردي، ونبذ أي أفكار تجمعية، سواء على المستوى الرسمي، أو على مستوى الشعوب بتغذية المشاعر السلبية، وإثارة النعرات بين الشعوب بعضها وبعض، أو حتى بين أبناء الشعب الواحد؛ فلم يعد بلد عربي واحد يخلو من صراعات طائفية أو عرقية أو مذهبية. وهاهي مظاهر الفوضى "الخلاقة" تتبدى من المحيط إلى الخليج؛ تنبئ بانقسام لن يمكن علاجه قبل قرون. لأنه انقسام لن يكون بناء على "حدود مصطنعة مصطنعة وضعها المستعمر" كما كنا نردد منذ سايكس بيكو؛ لكنه سيكون انقسام بناء على مصالح ضيقة قامت على أطلال مشاعر سلبية نجحت في زرعها سياسة فرق تسد، ونمت في تربة خصبة من وعي تربى على الأغاني والأناشيد والتعبيرات العاطفية، ولم يدرك أهمية "المصلحة المادية" التي هي الأساس القوي للبناء الحقيقي.

مصطلح جديد يروَج له

بالفعل لم أستغرب كثيرا لتصريحات أسامة أنور عكاشة وادريد لحام؛ لكنني توقفت مليا أمام عبارة قالها الأستاذ عكاشة في برنامج "الساعة العاشرة" خلال مناظرة مع كتلة من دماثة الخلق والتهذيب اسمها الكاتب الرائع بهاء طاهر. فبينما كان الأستاذ بهاء طاهر يشرح ـ بتمكن وتواضع وأدب ـ أن الوحدة العربية ليست حلما خياليا وإنما هي ضرورة تقتضيها المصلحة، ويؤكد أننا جميعا عرب لا من حيث العرق وإنما من حيث المصلحة الواحدة بالأساس؛ إذا بالأستاذ عكاشة يقول العبارة الفاجعة "لسنا عربا وإنما دول ناطقة بالعربية"!! ومبعث إحساسي بالفاجعة، لم يكن هو العبارة في حد ذاتها. وإنما أن هذه العبارة بالذات سمعتها بنصها للمرة الأولى قبل عامين، من شخص لم أكن أتخيل يوما ما أن يكرر كاتب، سواء كان عربيا أو مصريا، كلامه. هذه العبارة قالها دانييل بايبس رئيس المركز الأمريكي لدراسات الشرق الأوسط، وهو كما يعرف الجميع عنصري صهيوني حتى النخاع، قال عبارته ـ ولا يطاوعني قلبي أن أقول عبارة أسامة أنور عكاشة أيضا ـ في برنامج على قناة الجزيرة أثناء حوار مع المذيع اللامع غسان بن جدو. فخلال الحوار قال بايبس "إن الدول الناطقة بالعربية..." فقاطعه بن جدو "تقصد الدول العربية"، فإذا بهذا البايبس يجاوبه بصرامة وحزم وبنظرة قاسية "أصر على هذا المصطلح: الدول الناطقة بالعربية"!!.. لم أكن أحب أبدا أن يكرر كاتبنا هذه العبارة، التي أعتقد أنه بدأ الترويج لها ـ بقصد ـ على يد الباحثين الأمريكيين والصهاينة وبالذات، المركز الأمريكي للشرق الأوسط. وأعتقد أنها ستصبح المصطلح المقرر علينا خلال الفترة القادمة، وهي الفترة المخطط لها أن تلغي تدريجيا أي حديث عن العروبة، أو العالم العربي، ليستقر بعدها مصطلح "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشرق الأوسط الجديد" الذي يضم "دولا ناطقة بالعربية" و"دولة ناطقة بالعبرية" وأخرى "ناطقة بالتركية". ولا شك أن هذا "الشرق الأوسط" الذي يخطط لبنائه على أنقاض ما تخلفه "الفوضى الخلاقة"، يستلزم العديد من إجراءات "التغيير"، وهو المصطلح الذي بدأ الترويج له في السنوات الأخيرة ودفع تيارات معارضة ـ معظمها شريف ويهدف فعلا للتغييرـ لجذب الشعوب العربية التي تنوء تحت ثقل مشكلات اقتصادية واجتماعية تهاونت حكوماتها في حلها. لكن مصطلح "التغيير" الذي تروج له الدعاية الأمريكية والصهيونية، لا يعني في الحقيقة سوى الكشف عن مفاسد حكومات قائمة، لتغيير كافة الحكام الذي ارتبط جودهم بالحديث عن "العروبة" أو "العالم العربي". فلا شك أن الدعاية الأمريكية والصهيونية لا يهمها وقوع تغيير حقيقي يحقق مصالح الشعوب. لأنه من المفهوم أن التغيير الذي يحقق مصلحة الشعوب لن يكون في صالح القوى الطامعة لنهب هذه الشعوب. فأي تغيير ينتج عنه وصول قوى وطنية حريصة على مصلحة شعوبها سيكون أقوى حائط صد في وجه أطماع الأخرى في ثروات هذه الشعوب. لكن التغيير الذي حشدت له الدعاية الصهيونية، ليس في الحقيقة أكثر من تغيير أشخاص ارتبط وجودهم بمصطلح "العالم العربي"، بأشخاص آخرين ينتمون إلى مصطلح "الدول الناطقة بالعربي" ضمن "الشرق الأوسط الجديد".
ولا شك أن جميع بلداننا العربية تجثم على قلوبها مشكلات هائلة تستدعي تغييرا فعليا. ولكنه تغيير غير الذي تدعو له القوى الطامعة في تفتيت العالم العربي لإقامة شرقهم الأوسط على أنقاضه، وفقا للمشروع الذي كان أول الداعين له علنا شيمون بيريز عام 1994، بهدف تكريس الوجود الصهيوني وتأبيده ضمن الجسم العربي الذي يلفظه. والتغيير الحقيقي الذي ننشد، سيبدأ بالفعل أولى إذا أدركت الشعوب العربية، أن خلاصها الحقيقي هو وحدتها القائمة على "المصلحة المادية" التي تعني تكاملا حقيقيا لمنفعة جميع العرب، ولحماية جميع الثروات العربية، ولتعزيز السيادة العربية والاستقلال العربي. وهذا بالدوره يعني نبذ المصطلحات الجديدة التي تحمل بصمات صهيونية، وفي نفس الوقت نبذ الشعارات القديمة التي تحفل بالتعبيرات العاطفية والغنائية؛ ومن ثم التمسك بالعروبة الحقيقية: عروبة اللغة، وعروبة الهم، وقبل كل ذلك: عروبة المصالح الحقيقية والمادية. ولا بد أن نضع في الاعتبار أنه أصبح من الصعب جدا تحقيق تغيير حقيقي في بلد عربي واحد بمفرده. ولنتذكر تجربة التغيير المتمثلة في الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789، والتي كان أول المتآمرين عليها ممالك الجوار الأوروبي التي خشيت انتقال العدوى إليها. لكن التغيير الذي نأمله يتطلب نبذ الصراعات الضيقة وتحقيق الوحدة الوطنية فعلا في كل بلد عربي على حدة، وعلى نحو مواز، التعالي على النزعات الشعوبية العنصرية الحافلة بالمشاعر السلبية، ودحر سياسة فرق تسد، بصعود تيارات شعبية قوية تدرك أهمية التنسيق بين الشعوب العربية في ضمان استقلالها وسيادتها على ثرواتها، وصيانة كرامتها.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,825,517
- خطر يهدد البشرية ونحن نيام
- الفتنة لم تعد نائمة..
- البديل البوليفاري ..والوصفة السحرية
- بين نقص الغذاء وتلوثه أي غد ننتظر؟
- دع الشعارات.. وابحث عن النفط
- العنف المسلح يكشف وجها آخر للديمقراطية الأمريكية
- العراق الذبيح على درب الآلام
- هل يصلح الاقتصاديون ما أفسده الساسة؟
- نجيد إطلاق المبادرات ونفشل في مواصلتها
- عندما تتخلى الدولة عن الرعاية ويختفي الدور الاجتماعي لرأس ال ...
- ..إلا طعام الفقراء!
- ..شاهد من أهلها
- الذهب الأسود الإثيوبي والذهب الأبيض المصري
- زيارة بوتين.. وفرصة لعلاقات متكافئة مع الكبار
- تركمانباشي ..ديكتاتور تغافلت عنه واشنطن
- هل اتخذت مكانك في الطابور؟
- بينوشيه.. رجل زعم السيطرة على أوراق الشجر
- ليس دفاعا عن الوزير.. لكن رفضا لاحتكار الدين
- تأملات في مسألة طرح ورقتي نقد جديدتين ..سقى الله أيام -أم مئ ...
- بعد تساقط الأقنعة تباعا.. الوجه الحقيقي للديمقراطية الأمريكي ...


المزيد.....




- ترامب يريد الانسحاب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع ...
- ترامب: لا نعرف أين جثة خاشقجي لكننا سنكتشف ذلك
- بعد 75 عاماً: بريطانيون يعودون إلى مصر لاسترجاع ذكريات معركة ...
- ترامب: الولايات المتحدة ستنسحب من معاهدة نووية بسبب انتهاك ر ...
- ترامب وزعماء أوروبيون يطالبون السعودية بتقديم المزيد من الإج ...
- بعد 75 عاماً: بريطانيون يعودون إلى مصر لاسترجاع ذكريات معركة ...
- 6 أخطاء.. احذروها عند طبخ البطاطا
- الاحتلال يرجئ هدم الخان الأحمر والأهالي مستنفرون
- صحيفة أمريكية: جيش جديد في السعودية ما بعد حادثة خاشقجي
- بعد قرارات ملكية بشأن -مقتل خاشقجي-... مستشار العاهل السعودي ...


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إكرام يوسف - العروبة بين الأغنيات والمصالح المادية