أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربحان رمضان - من يوميات لاجئ سياسي أو منفي رغما ً عن أنفه















المزيد.....

من يوميات لاجئ سياسي أو منفي رغما ً عن أنفه


ربحان رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 1906 - 2007 / 5 / 5 - 11:23
المحور: الادب والفن
    



في هذا الصباح الشمس تسطع نورا ً باردا كقلوب أهل هذه البلاد ، لادفئ فيها ولا حرارة ..
عاصم يمشي في شوارع خالية إلا من الشحاذين عازفي الموسيقى ينتظرون من المارّة رمي قطع نقود في قبعة التبرعات .
البارحة بلغت درجة الحرارة في مدينته التي يعيش فيها /24/ درجة تحت الصفر ... تحمم " بعد عشر ساعات من العمل المتواصل " لإزالة الرائحة الكريهة الناتجة عن تعامله مع المواد الكيميائية ، خرج من المعمل قاصدا ً البوابة الرئيسية للموقع في مدينة المعامل وكالعادة مشيا ً على الأقدام لأنه لايملك سيارة كالآخرين ، لكن ولحظه التعيس وجد أن البوابة مغلقة ، فقد اشتغل أكثر من الساعات المحددة لوقت عمله ، ولم تعد هناك مواصلات ولا أدوات إتصال ..
جاءه الشرطي (حارس البوابة ) بسيارته فتنفس الصعداء وبدلا ً من أن يفتح الشرطي له الباب (والذي كان قد أغلقه لتوه) أجبره على تحويل طريقه إلى الباب الرئيسي الآخر الذي يبعد خمسة أو ستة كيلو مترات ..
- من فضلك ، افتح الباب .. رجاه عاصم ، فالطــريق إلى موقف الباص من هذا الباب أقرب ، والوقت متأخر ..
- لا ، بل اذهب من هناك ، الطريق يتحمل دقيقتين لا أكثر ، ردّ عليه الشرطي أو حارس البوابة .
– دقيقتين ؟؟ !!
- دقيقتان بالسيارة ، هذا إذا كنت أملك سيارة ياأخو ..
- شتمه بلغته التي تعلمها من أمه .
ومشى ، وطول الطريق كان يحاول إيقاف أية سيارة عابرة دون جدوى .. لم تقف ولا واحدة .
شعر بقساوة البرد ، نَفسه يتجمد ويتحول إلى طبقة جليدية على شـاربيه اللذين رباهما منذ ثلاثين عام ..
يتابع شتمه للقانون ، وللشرطي ، وللشرطة وهو في طريقه إلى الباب الآخر ..

تذكر تلك المرأة – المقدامة – في ربيعها الثالث ، التي تـَركت أطفالها عند جارتها (الحاجة ليلى ) وسافرت معه إلى العاصمة اللبنانية بيروت لتقدم حبا ً للوطن وتجازف من أجله ..
حملت في بطنها تحت الثوب ألفي جريدة لآخر عدد من جريدة الحزب المركزية (اتحاد الشعب) و تظاهرت بأنها حبلى ، فلم تستوقفهما في ذلك اليوم أجهزة الأمن المنتشرة على الطريق إلا في نقطة الحدود (الأمن العام) حيث أتم ّ السائق معاملة السفر ..
وفي اليوم التالي تابعت الرفيقة مهمتها ، وسـَـلمت (الأمانة) للرفاق الذين قاموا بتوزيع العدد في الوقت المحدد ..
مرّت بخاطره صورا ً لرحلة اعتاد على القيام بها كل سنة مع رفاقه وجماهير حزبه بمناسبة العيد القومي للشعب الكردي (نوروز) .
تلك الرحلة المميزة التي كانت تشارك فيها قوى ، وأحزاب ، وفعاليات فنية مختلفة لعبت دورا ً كبيرا ً في إحياء التراث وإيقاظ الشعور القومي الذي أدّى فيما بعد إلى مسيرة جماهيرية أرهبت أجهزة أمن النظام الحاكم في الوطن .
ورحلات وندوات وتظاهرات بمناسبة عيد العمال ، وعيد الجلاء ، وذكرى مولد المعلم لينين ، وبمناسبة يوم الصحافة ، وأحيانا ً للتضامن مع حركات التحرر الوطني التي كانت تتصاعد في أرجاء آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية .. ومع شعوره بالأسف تذكر أنه لم تتضامن معه أومع شعبه ولا حركة من تلك الحركات الثورجية ..

تذكر ( وهو يقطع الأوتوستراد ) كيف تمكن من أن ينفذ بجلده لمّـا هرب من البسطار وظله المخيف ، منذ عشر سنوات (عمر منفاه) ، فيحمد الله على أن عمله السياسي جعله يتقن فن الهرب ، ويتعوذ من شر ذكريات تفاجئه كوابيسا ًفي النوم واليقظة ..
يتسائل عن سبب إحجام (الحركات الثورجية) عن التضامن مع قضيته رغم أنه قبل وبعد اعتقاله في أقبية المخابرات ناضل مع رفاق دربه من أجل تحقيق شعار التآخي الذي تخوزق بسببه سليمان الأول ** ، فتنغص عليه حياته ، ويتجسد الحلم حقيقة..
يتعوذ ولا يزال في طريقه إلى موقف الباص من الخوف .. الخوف من الموت جوعا ً أو كبتا ً – أو اكتئابا ًً بسبب السكوت عن الحق والتطرق إلى الظلم القومي الذي تمارسه فئة فرضت على الناس (والناس وكما نعرف أنها : لاحول ولا قوة) ..
الخوف من تاريخ الظلم ( والتاريخ وكما نعلم يكتبه المنتصرون) الذي استفحل مع استعمار الغرب لبلاد الشرق وتقسيم المنطقة اعتباطيا ً متجاوزا ً التقسيم الأثني وتعدد اللغات فيها ، وفرض أنظمة تابعة أو مسايرة ، اعتمدت في ممارستها للسلطة على القمع وفتح عشرات فروع القمع في كل المدن والقصبات .. كل ذلك باسم الوطنية ، وضرورة استرجاع ما خسرته الأمة العربية بعد خروجها من اشبيليا وقرطبة وغرناطة ، وبقية بلاد المسلمين .
بالظلم تثبت وجودها ، بنفيها لأبناء الوطن بكل تركيباته الدينية ، والأثنية وكأن ذلك هو الانتقام ..!!

في منفاه البعيد أيضا ً ومع قبول الغرب لهذه الجموع من المغتربين ، والمنفيين ، والباحثين عن لقمة العيش كيفما اتفق وبأي عمل ، كان يرى إن القادمون إلى هذه الديار معرضون للطرد التعسفي بأي وقت ، ولأي سبب كان ، بل أن قبول بعضهم للعمل يخضع لاعتبار أنهم شئ كلا شئ البتة ..!!

في هذا العالم الغريب تضيع المسافات والأصول ، والرؤى ، والديانات ، والأفكار التي تسمو بنا إلى الوطن ..
القادمون " معظمهم " يتحاشوا الالتقاء والاجتماع لأنهم يكذبوا منذ أن تطأ أقدامهم بلاد المنفى التي وصلوها نتيجة القهر السياسي في أوطانهم التي يحكمها الطامحون لتقليد الأميركان في سيادة العالم ..

عاصم تنتابه في منفاه فكرة الصراخ ملئ فمه ..
في بيته .. في حديقة .. في أية مقبرة مغلقة الأبواب على سكانها النائمين بسلام ..
في هذي الديار العويل ، والصراخ ، والموسيقى ممنوعة إلا عبر الأسلاك التي تصل الأذن بآلة تسجيل أو مذياع يكرر يوميا ً ما تريده هيئة الأمم بقيادة الأميركان الجاهزين دائما ً للتدخل السريع في أي بلد يخالف القانون ، لأن عصر القرن الواحد والعشرين هو عصر السرعة في سقوط الحضارات ..


في العام الماضي عمل عاصم كبائع متجول لصحيفة محلية ، ليس بائعا ً بالمعنى الحقيقي للكلمة ولكنه كان يجاوب من يسأله عن مهنته بأنه بائع صحف . كان يقف على الخط الفاصل بين ممري الذهاب والإياب في نقطة عبور (سان بولتن) في مدينة لينز النمساوية الواقعة على حدود التشيك بين الساعة الخامسة والسابعة والنصف صباحا ً .. يتصنع ابتسامته لسائقي السيارات التي تمر على طرفي الطريق كي يششتروا منه بضاعته المؤمن عليه .. كان يرجف من البرد رغم أنه يلبس ثلاثة جوارب مع بعضها البعض ، وسروالين ، وبلوفر فوق بلوفر ومعطف ، ويعتمر كوفية من الصوف اشتغلتها له أمه قبل سنوات منفاه ، في تلك الفترة (تذكر عاصم) أنه تزحلق مرتين في يوم واحد كانت الأرض فيه كالصابون لتجمّدها ..

وفي الشهر المنصرم وعند الباب الأول طلب منه حارس الباب لمنطقة المعامل بطاقة العمل في الفويست ألبينا (مدينة المعامل) .. قبل دقائق معدودة من البدء بالعمل ، فأشهر له تصريحا ً من الشركة التي يعمل بها تثبت أنه من عمال الفويست ، لم يرضى به الحارس ، وأرغمه على تغيير طريقه إلى الباب الثاني ..

صفاته توحي لأهل البلد وشرطتها بأنه من الشرق .. رغم ذلك لم يحلق شاربيه ..

قبل ستة أشهر ذهب إلى بلدية المدينة لكتابة وصيته " فيما لو مات في المنفى " :
أنا الموقع أدناه .... مواليد 00/0/0000 أتبرع بعيــوني " إذا بقيت هكذا فيكسونيرت " * لأي فنان من بلادي يرى الجمال فيخلقه من جديد على لوحة زيتية ، أويلحنه لحنا ً في موسيقى تطرب له حبيباتي ، وكل النسوة الجميلات ..
أو لغجري لا يشبع من رؤية جمال الوطن عبر ترحاله الدائم ..
أصرح بأني أريد أن يحرق جسدي بعد الموت وتجمع بقايا رماده في زجاجة عطر ، تعود إلى الوطن في جيب شخص عائد ، أو لاجئ زائر خلسة ، بدون جواز سفر (كما أتيت من هناك) لأني مازلت ممنوعا ً من تجاوز حدود بلادي منذ السادس والعشرين من آذار عام 1979 ..
ردّ عليه الموظف بجواب واف ٍ قائلا ً :
يجب عليك حجز صندوق في مقبرة المدينة .. يمكنك تسديد القسط الأول (ثلاثة آلاف شلنغ) لدى عاملة الصندوق ، وتعود إلي لأكمل لك المعاملة ونحفظ لك الرماد المتخلف عن حرق الجثة ..
خرج ليحضر المبلغ .. مرّ بشارع المدينة الرئيسي ، توقف عند حصالة النقود (آلة البنكومات) فتح حقيبته ليخرج بطاقة البنك ، رأى صورة أبيه الجليل الذي ُأستشهد في غارة اسرائيلية على موقع مدني يجتمع فيه بقايا المحاربين القدماء ..

َترحَمَ عليه .. قرأ الفاتحة ووهبها له ولأمه ولأخيه الذي مات في مقلع للحجارة ، ولعمته التي توفت بمرض خبيث ، ولكل المؤمنين بالله ، وباليوم الموعود ..

أعاد المحفظة .. ألغى الفكرة ..
قرر أن يدفن في الوطن .



* كاتب وناشط سياسي
** سليماننا االأول : هو سليمان الحلبي (سليمان محمد أمين) الذي اغتال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر ، وهو كردي من قرية كوركان في جبل الأكراد شمال حلب . أما سليمان الثاني فهو الشاب الشهيد سليمان آدي الذي اغتالته قوات الحرس الجمهوري في مظاهرة نوروز السلمية عام 1986 بدمشق .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,867,863,530
- العمل في بطن الخزان - قصة قصيرة بمناسبة يوم العمال العالمي
- العمل في مؤخرة المدينة
- السابع عشر من نيسان – اليوم الوطني لسوريا
- تعقيبا ً على محاورة الزملاء في صحيفة ولاته مه مع السيد فرهاد ...
- سأحتفي وأنتم معي بالنوروز
- نم قرير العين ففي بقية الرفاق أمل مهداة إلى الرفيق الشيوعي س ...
- رئيس الجمهورية يعفو
- !!كلام معسول ، كلام مسؤول يمكن التراجع عنه
- اعتقادات خاطئة
- تهانيَّ القلبية للأستاذ محمد غانم (الحر) المطلق السراح
- الحرب غير المتوازية للكاتب السوري مازن بلال
- اريد أن أموت في فلسطين للروائية هدى حنا
- قراءة في كتاب الأكراد للدكتور أرشاك بولاديان
- قراءة في كتاب - سقط سهوا ً مجموعة قصصية للروائية السورية حسي ...
- الرأسمالية .. ذئب أغبر
- النوروز والجلاء يومان يوم للكرد ويوم لكل السوريين
- فلنتحرر من عقدة التبعية
- نوروزنا الكردي
- هذه المرأة شئ آخر
- نبذة مختصرة عن محلة الصالحية في دمشق


المزيد.....




- مصر.أدب الرسائل:رسالة الرفيقه عبير الصفتى الى ابنتها وروحها ...
- يُصدر قريبًا «صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد» للباحث والناقد ...
- مفتي تترستان يتحدث إلى الصحفيين عن حجاج روسيا
- وفاة الفنان المصري ناجي شاكر مصمم عرائس -الليلة الكبيرة-
- الترجمة في الحج.. 80% لا يتحدثون العربية
- صدور العدد الجديد من مجلة -إبداع- عن الهيئة العامة للكتاب
- الممثل الكوميدي الأمريكي جيم كيري يعلق على هجوم الحافلة المد ...
- قصيدة( ستالين) الساخره للشاعر الروسي الكبير- أوسيب ماندلشتام ...
- نيك جوناس وبريانكا شوبرا يؤكدان خطوبتهما
- شاهد.. بوتين يرسم على سيارة الوزيرة العروس النمساوية تهنئة ب ...


المزيد.....

- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربحان رمضان - من يوميات لاجئ سياسي أو منفي رغما ً عن أنفه