أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح شاهين - صور من أمريكا















المزيد.....

صور من أمريكا


ناجح شاهين
الحوار المتمدن-العدد: 1904 - 2007 / 5 / 3 - 11:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وصلت هنا قبل قليل. لا بد أن الأمور أفضل حالا مما كانت عليه قبل زمن. اعني أيام "فورة" الدم بسبب أحداث أيلول الأسود الذي أصبح أسودا بالنسبة للآمريكان أيضا بعد أن تخصص فيه الفلسطينيون سنوات عديدة من أبرزها ايلول شارون 1982 عندما وقعت مذبحة صبرا وشاتيلا المشهورة بالنسبة لأبناء جيلي على الأقل. كنت أحوز كل الشهادات الممكنة. اعني شهادات حسن السلوك و"النظافة الأمنية" وإلا كيف كان يمكن لي أن أحصل على التأشيرة العزيزة لدخول الأراضي الأمركية الموسومة ببلاد الحلم -حتى أن الأمريكان أنفسهم يتحدثون أحيانا عندما يكون مزاجهم رائقا حول ذلك الحلم العتيد-؟
لم أكن خائفا على وجه خاص بالرغم من الكلام الكثير إن يكن حقا أو باطلا الذي يتداوله الناس في كل مكان حول الرعب الأمريكي من الإرهاب الذي يبدو أنه تحول إلى ارهاب للآخرين. كنت قادما عبر منحة من يو.س.ايد الشهيرة. لم يكن هناك شيء على الإطلاق لأخشى أي مكروه أو أتحسب من سوء العاقبة. كنت على عادة العرب في آخر دهورهم متحزما بضعفي مطمئنا إليه. إذ أن القوي لن يجد أي إغراء في الفتك بالضعيف، ومن الأبهج له أن يترفع عن منازلته جملة وتفصيلا. صحيح أن ذلك يقتضي أن يقوم القوي باستعراض نفسه بين الفينة والأخرى تجاه الضعيف وعلى مرأى من الناس ليعلم القاصي والداني أن الأخير مستسلم لقدره في مواجهة القوي الذي يتركه يذهب لحال سبيله، ليس من باب العفو عند المقدرة على الطريقة العربية. ولكن من باب التباهي بأنه لا ينازل إلآ خصوما على مستوى المنازلة. ولعل هذا ما يفسر الرغبة المهووسة عام 1991 في تصوير قوات الجيش العراقي البائسة بعد حربها مع ايران مدة ثماني سنوات بأنها القوة الخامسة أو الرابعة في العالم لا أذكر على وجهة الدقة.
هكذا دخلت المطار بخطى ثابتة تدعمها براءتي من شبهات الإرهاب واستنادي إلى ضعف راسخ لا يتزعزع.
طلب مني رجل الأمن المهيب بزيه وضخامة جسده أن أصحبه إلى مكان آخر بسبب حاجتي حسبما قال إلى تفتيش وتسجيل خاصين. وهناك أودعني في عهدة ضابط آخريزدان بشرائط ونجوم أكثر ويتحلى بجسد فاره رياضي يشعر الضعيف أنه أكثر ضعفا مما كان يظن. طلب مني هذا في خشونة واضحة أن أجلس على أحد الكراسي حيث كانت تجلس امرأة جميلة مع ثلاثة أطفال. ولم يكن عسيرا علي أن أحزر بأنها عربية. فانشرح خاطري. إذ في مثل موقفي يصبح كل غريب للغريب نسيب فما بالكم إذا كان الغريب قد أصبح قريبا بسبب غرابة البلاد والموقف على السواء. على أن جمال السيدة أضاف إلى الموقف كله نكهة رومانسية يعرفها أبناء جلدتي المدمنون على عشق الغواني منذ أن وجدت الأرض ووجدوا عليها منذ فجر التاريخ. حاولت أن أظهرالشهامة بسؤالها عن حالها فترفعت عن الجواب ثم وربما لكي تجلو الموقف تماما قالت لي ما يساوي أن من الأفضل لي أن أقفل فمي. ولكي يصادق واقع الحال على صحة المقال جاء الضابط غاضبا وطلب مني صارخا أن أجلس مكاني. وقد ذهلت من ذلك. فلم أكن قد تخيلت بعد ما هي المخاطر الأمنية التي قد يحملها كلامي مع تلك السيدة بالنسبة لدولة الولايات المتحدة فانكفأت على نفسي وسط شماتة السيدة التي لم تحاول إخفاء سعادتها كأنها تقول لي: تستاهل. أو ألم أقل لك؟
بعد دقائق طويلة مرت كأنها ساعات سمح لنا بالمغادرة. ويبدو أنني عندما رفع عني الضغط سلكت سلوك الزنبرك؛ فعدت أسأل السيدة في الحاح: أين تسكنين؟ وهنا ظهرت حقيقتها التي أخفاها كما أخفى حقيقتي موقف الأمن فقد قالت في ترفع، ومن بين أسنانها كأنها تتيه على الدنيا: أنا مواطنة أسكن في فيلادلفيا. ونطقت اسم المدينة في تلمظ واضح. أردت أن أقول لها إن مدينتها تشتهر بنسبة عالية من المشردين "الهوملس" وأنها الأعلى من حيث نسب الجريمة والفقر وما إلى ذلك. ولكني وجدته انتقاما لا خير فيه فاثرت الصمت وخرجت أبحث عن سيارة تقلني الي فندقي.
سائقو سيارات الأجرة هشوا في وجهي بحرارة واضحة. أحدهم كان أفريقيا والآخر يحمل ملامح "شرق أوسطية." قالوا لي هل أنت ايراني؟ فأجبت على الفور –كأنها تهمة- كلا أنا فلسطيني، ربما أنك أنت أيراني، فقال لا أنا جزائري. ثم تضاحك البعض وقالوا هذا فلسطيتي فلنقدم له تخفيض. أخذ مني سائق صومالي 26 دولارا وأوصلني شيراتون الجامعة. كان حديثه طول الطريق مليئا بأشياء منغصة تتعلق بالسياسة والمعاناة في سبيل رغيف الخبز. وقد كرهته من أعماق قلبي إذ أنني لم أكن في حاجة إلى مثل بدايته السخيفة. كان عليه أن يقدر أن أسهل ما يمكنني قوله هو : لا تشكيلي ببكيلك. ولكنه كان يفتقر إلى الذكاء والثقافة ليقدر حالتي بوصفي فلسطيني وصل توا ولاقى في حياته تجارب قد لا تقل سوء عن تجربته. كنت أفكر في أن أبصق في وجهي بسبب ما جلبت على نفسي من مصائب. فانطبق علي المثل الشائع على نفسها جنت براقش. بعد ساعات لا عد لها من السفر من عمان إلى باريس ثم من باريس إلى فيلادلفيا، وبعد أن تم تفتيش زوايا جسدي وأخاديده عشرات المرات، كما نال حذائي شرف التقلب بين الأيدي المرة تلو المرة. بعذ ذلك كله وقفت مطولا في طابور فحص الجوازات. لكن عندما وصلني الدور وضعوا أوراقي في ملف أحمر –مثل البساط الأحمر والبدلة الحمراء، لون خاص كما ترون- ونقلوني إلى جناح آخرليصرخ ذلك الضابط في وجهي مع الاحتفاظ بكلمة ياسيدي. كانت الكلمة مشرشرة وحزينة ولا مكان لها في السياق. لم يضربني أو يشتمني أحد – وفكرت ولكنني لم أفعل شيئا-.
كانت أقدامي قد تورمت من كثرة الجلوس في وضع واحد لا يتغير عبر المطارات والطائرات فوقفت وبدأت أمشي الهوينى حول المكان مستعرضا نفسي في حضور السيدة. وعندها جلبت على نفسي المزيد من "البهدله".
فجأة انقشع عن عيوني الضباب: إن الضرب نفسه لم يكن بعيدا مثلما تخيلت. أردت أن أسأله هل أنا رهن الآعتقال –أو تحت الاعتقال كما يعبرون بالإنجليزية- ولكنني لم أجرؤ. وقد أردت أن أرجوه أن يسمح لي أن أعود لبلادي. ولكن لساني انعقد بفعل الخوف والدهشة. كنت أخيرا في أرض الأحلام. وكان علي أن أبدأ باحتساء الكأس حتى النهاية. سوف أبدأ منذ اللحظة أدمدم في الطرقات كلمات السيدة فيروز: يا هوا دخل الهوا خدني على بلادي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,008,802,997
- من إنتاج الإغاثة الزراعية
- اعتقال سعدات ومسرحة الحدث
- اليسار والانتخابات وعزلة النخب
- انفجار لندن
- الفوائد الجمة للسيجارة الفلسطينية
- حول مسلسل قتل النساء
- في عيادة الأمعري
- في دراسة للمفكر مشتاق خان: ليس لإسرائيل أية مصلحة في السلام
- اجتماع الخبير مع لجنة حقوق الإنسان
- في الفرق بين الجن والشياطين
- هكذا تمت عملية الانتخابات
- لو أن حماس تصوت لمصطفى البرغوثي
- واقع الفلسفة في فلسطين
- يحيى الفخراني ما بين الدراما والميلودراما
- الديمقراطية والمؤسسات لفتح خاصة وفلسطين عامة
- سقوط أيديولوجيا حقوق الإنسان
- حول انتهاء إضراب العاملين في وكالة الغوث
- حول المقاومة العراقية وحرب العصابات
- لا مكان للاعتدال في إدارة بوش
- من رام الله إلى الفلوجة


المزيد.....




- 13 قتيلا على الأقل في اعتداء انتحاري استهدف مكتب اقتراع في ك ...
- أطراف دولية تندد بمقتل خاشقجي وتطالب بمعاقبة الأطراف المتورط ...
- إجراءات من غزة وإسرائيل لدعم التهدئة
- مصدر: معظم ضحايا الانفجار في مصنع شمال غربي روسيا من الأجانب ...
- أيمن نور: اعتراف السعودية بمقتل خاشقجي يشبه اللحظات الأخيرة ...
- الأزمة البرلمانية في الجزائر تطال الغرفة العليا بعد استقالة ...
- مظاهرات حاشدة في بريطانيا تطالب باستفتاء على اتفاق الخروج من ...
- أيمن نور: اعتراف السعودية بمقتل خاشقجي يشبه اللحظات الأخيرة ...
- الأزمة البرلمانية في الجزائر تطال الغرفة العليا بعد استقالة ...
- اشتباكات متقطعة بين القوات الحكومية والانقلابيين غربي مدينة ...


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح شاهين - صور من أمريكا