أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - يوسف محسن - حوار مهم مع البروفسور ميثم الجنابي انهيار النظام التوتاليتاري البعثي العراقي نتيجة حتميه















المزيد.....



حوار مهم مع البروفسور ميثم الجنابي انهيار النظام التوتاليتاري البعثي العراقي نتيجة حتميه


يوسف محسن

الحوار المتمدن-العدد: 1893 - 2007 / 4 / 22 - 12:07
المحور: مقابلات و حوارات
    


حوار مع البروفيسور ميثم الجنابي
انهيار النظام التوتاليتاري البعثي العراقي نتيجة حتمية

كيف تنظر إلى انهيار النظام السياسي السابق في 9/ 4؟.. ألم يكن تتويجاً للسياسات اللاعقلانية وبرهانا على إفلاس نمط الدولة الوطنية العراقية ما بعد الاستقلال؟
لقد كان انهيار النظام التوتاليتاري الدكتاتوري نتيجة حتمية. وهي نتيجة ملازمة لهذا النمط من التحكم السياسي البوليسي في مختلف بلدان العالم. وإذا كان له ما يبرره في بعض مراحل التاريخ الحديث، فلانه نتاج مرحلة عاصفة في الأزمات القومية والدولتية تجعل من صعوده "حلا معقولا". أما في العراق فانه كان نتاج سيادة النفسية الراديكالية. ومن ثم لم يكن محاولة للرد على "تحديات" كبرى كما جرى في روسيا وألمانيا وايطاليا وغيرها. من هنا قوته التخريبية الهائلة.
لقد كان صعود الراديكالية السياسية في العراق نتاجا لخلل الدولة ومؤسساتها في العهد الملكي. وأعطى له انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 بعدا "ثوريا"، جعل من المغامرة الصيغة المثلى للشرعية! والنتيجة هي سيادة كل ما يتعارض مع فكرة الشرعية. وحصلت العملية على صيغتها النموذجية في العقدين الأخيرين للدكتاتورية الصدامية.
وما قبلها كان تمهيدا لها. بمعنى أنها ليست نتاج ذاتها، بقدر ما انه تعكس خواء التجربة السياسية العرقي الحديثة وأحزابها السياسية قاطبة. من هنا عمق ومنظومية العداء الدفين بينها، وليس منظومة المنافسة السياسية. وهو الأمر الذي جعل من القضاء على المعارضة مضمونا للسلطة والدولة والحزب والايدولوجيا! وبلغت هذه الظاهرة مرحلتها القصوى والقاسية في ظل الدكتاتورية الصدامية، بحيث فرغت المجتمع من قواه السياسية، والجسد العراقي من روحه وأبقت على الطحالب والمستنقعات بوصفها الوسط الوحيد للحياة! مما جعل من انغلاق الدولة والسلطة أمرا محتوما. وافقد الدولة مع مرور الزمن مبرر وجودها، بينما أعطى للسلطة طابعا مقدسا! والنتيجة هو افقارها وضعفها الاجتماعي الدائم و"غناها وقوتها المفرطة" في القمع والإرهاب، بوصفه تعويضا عن انغلاقها الذاتي. مما أدى في نهاية المطاف إلى انغلاق الأفق والانحسار التام للدولة والنظام السياسي والإدارة، وبالتالي الرجوع إلى ما قبل الدولة – عصابة وحكم العائلة. من هنا فان ما حدث لم يكن إفلاسا للدولة الوطنية بقدر ما انه إفلاس نمط من الزمن السياسي أدى إلى عدم بناء الدولة الوطنية بوصفها تاريخا متراكما للمؤسسات والخبرات والتجارب. إذ لم يكن في العراق دولة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل جغرافيا محكومة بسلطة القوة. وهي حالة وضع انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 بدايتها. بمعنى استبدال تاريخ الدولة بزمن السلطة، ورجل الدولة بأزلام السلطة، والقانون بالقرارات الحزبية. وجعل من المغامرة أسلوب التعامل مع كل شيء بما في ذلك الدولة. لقد جرى استصغار واستسهال فكرة الدولة من خلال إرجاعها إلى نفسية السلطة المجردة عن كل شيء باستثناء إيديولوجيا الزيف والعنف. مما أدى تدريجيا إلى غياب فكرة القانون والشرعية والثبات وتراكم الخبرة ولتقاليد والاحتراف. والنتيجة هي تراكم ما يناقضه من القمع والإرهاب وعدم الاستقرار والمحسوبية والوساطة والعلاقات الشخصية والعائلية والقبلية والعشائرية والجهوية والطائفية، باختصار كل أصناف وأنواع البنية التقليدية. وهو سر انهيارها السريع والمريع.
العراق مخزن ضخم للاثنيات والطوائف والقوميات والأديان. هل تعيق هذه الوضعية إمكانية تشكيل دولة مدنية حديثة؟ وما هي أفاق حل هذه المشكلة؟
إن هذه الفكرة ليست دقيقة. بل أنها ليس دقيقة تماما. وهي فكرة واسعة الانتشار في الفترة الأخيرة بما في ذلك ما يسمى بفسيفساء المكونات العراقية وما شابه ذلك. نعم! يمكننا استعمال هذه الكلمات بمعناها البلاغي والتصويري وليس بمعناها العلمي والواقعي الدقيق. أولا لان العراق من الناحية التاريخية والثقافية ليس تجمع أعراق وأقليات وطوائف وقوميات. ومن الناحية الكمية هو بلد موحد القومية، أي يعتبر بالمقاييس الدولية دولة ذات قومية واحدة، انطلاقا من أن كل دولة تبلغ فيها نسبة القومية السائدة 80% تعتبر دولة قومية واحدة. ونسبة العرب إن لم تتجاوز هذه النسبة فإنها لا تقل عنها. وإذا أضفنا إلى كل ذلك تاريخ العراق الكوني ودور العربية – الإسلامية بوصفها جوهر الكينونة التاريخية الثقافية للعراق يتضح حجم التضخيم الكبير لفكرة الأثر السلبي للتعددية العرقية والقومية والدينية والطائفية.
إن العراق يتمتع بتاريخ عريق. والعراقة تحتوي بالضرورة على تجارب مختلف الأقوام والطوائف والأعراق والأديان، وبالتالي على صدى وبقايا تجاربها المتنوعة. وهي مكونات ايجابية كبرى بالنسبة لتوسيع المدى الثقافي والروحي للعراق في حال انسجامها ضمن بنية الدولة وثقافتها السياسية. لاسيما وان تاريخ العراق القديم والحديث لم يكن في يوم ما محددا بالعرق أو القومية أو الدين، بل بالثقافة. وهي أحد المصادر الجوهرية والواقعية بالنسبة للبدائل. فالدولة المدنية لا تتحدد بكمية من فيها وأصولهم، بل بنموذج النظام السياسي وتفعيل التقاليد الثقافية. ومن ثم فان أفاق حل المشكلة التي تثيرها الآن ظاهرة استفحال "التعددية"، أو لا عقلانيتها تقوم في كيفية تحويل مختلف مكونات العراق إلى أجزاء فاعلة في منظومة الانسجام والازدهار المادي والمعنوي. وهي مهمة مرهونة بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
صاحب سقوط النظام السابق استفحال ظاهرة العنف السياسي والطائفي والإرهاب. وتحت هذه الظروف العسيرة تم سن دستور دائم للبلاد وانتخاب برلمان وتثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية. باعتقادكم هل يمثل هذا الذي تحقق منعطفاً في تاريخ العراق؟
إن ما جرى ويجري من عنف وإرهاب متنوع الأشكال والمصادر هو "تفعيل" لبقايا ما ادعوه بالزمن التوتاليتاري والدكتاتوري. وهو زمن سوف يطبع لفترة طويلة نفسية وذهنية الأفراد والجماعات والمجتمع عموما، بما في ذلك نخبه الاجتماعية والسياسية. وهو أمر جلي يمكن رؤية ملامحه الخشنة حتى في صراع المثقفين وكيفية تعاملهم مع البعض الآخر ومستوى الاستعداد السريع للتخوين والتجريم والتحريم، مع أن منطق الثقافة يفترض الارتقاء إلى مصاف العقل المجرد والقلب الوجداني والمعاناة الإنسانية النبيلة. إلا أن الأمور تصبح مفهومة وقابلة للتفسير الواقعي عندما نضعها ضمن فكرة الزمن التوتاليتاري وتقاليده الراديكالية في العراق. فهو الزمن الذي دمر فكرة التاريخ بوصفه أسلوب ووريث الشرعية والحق والخبرة والكفاءة والمؤسسات والتقاليد الكبرى. وهي مكونات حالما تندثر وتلاشي، لا يبقى في الواقع سوى السراب المتراكم في ظنون الايدولوجيا وقدرتها على شحذ قيم "الأوهام المقدسة" مع ما يترتب عليه من قدرة على اقتراف اشد الجرائم بدم بارد! وما يحدث في ظروف العراق الحالية ليس إلا الاستمرار غير المباشر للماضي القريب. فقد كان زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو تيار جارف للتخريب المادي والمعنوي، وإرهاب شامل ومنظم، وعنف سياسي وطائفي. وبالتالي ليس خروجها الحالي إلى السطح سوى الصيغة "الطبيعية" في ظروف الانتقال من حالة إلى أخرى. وفيما لو تأملنا تجارب الأمم في تاريخها المشابه لحالة العراق، واقصد بذلك حالات الانعطافات الكبرى الحادة، فانه عادة ما ترافقها أهوال الحروب الدامية، ولعل أكثرها انتشارا هي الحروب الأهلية والقومية والعرقية والدينية وما شابه ذلك.
ويقف العراق أمام كل هذه الاحتمالات، وذلك لأنه لم يحسم حتى الآن بطريقة واضحة المعالم مرحلة الانتقال بصورة هائية وقاطعة. بمعنى أن التحول العاصف الكبير لم تتم معالمه، ولم تكتمل آليته. فالقوى الاجتماعية والسياسية في العراق لم تتعود على فكرة ومبدأ تداول السلطة السلمي. بل ان العراق لم يعرف بصورة عملية هذا المبدأ. من هنا اشتداد العنف. فقوى الماضي لا ترمي السلاح بسرعة، والجديدة غير مهيأة بما فيه الكفاية. وهي مأساة العراق الحديث، بحيث أصبح الاحتراب غير العقلاني والدموي هو الأسلوب "السياسي" الوحيد لوجود القوى المصارعة. وهو نكوص إلى الوراء أو استعادة حية لتقاليد الهمجية والبنية التقليدية لما قبل الدولة العصرية. وعلى خلفية هذا الزمن المرير ظهرت للمرة الأولى إمكانية أو احتمال بناء الدولة الشرعية.
فقد كان عراق المرحلة الأخيرة من الصدامية عراق بائسا متخلفا همجيا. لقد كان اقرب إلى قرية بائسة كبيرة! لهذا لم يكن بإمكان سن الدستور وإجراء الانتخابات أن تتجرد من ثقل هذه الحالة المزرية، لكنها كانت تتمتع بقدر كبير من المستقبل. وذلك لأنها المرة الأولى التي جرت فيها محالة سن دستور بصورة علنية واجتماعية وسياسية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الانتخابات. أما النتيجة فهي على قدر ما في المقدمات!
وهي الحالة التي كان يمكن رؤية ملامحها في كمية ونوعية الاستفتاء عليه الانتخابات اللاحقة. إلا أنها تعكس مع ذلك حالة العراق الفعلية. وهي حالة كانت تتسم (ولا تزال في اغلب مكوناتها) بالبؤس والتخلف المريع في كل ميادين الحياة. لكنها تبقى مع ذلك جزءا من تجربة الفكرة الشرعية. وهي تجربة مريرة وتتصف بقدر كبير من الضعف المادي والمعنوي. وضمن هذا السياق والتقييم يمكن استعمال عبارة إن "ما حدث هو منعطف تاريخي". بمعنى انه منعطف تاريخي من حيث كونه يحتوي للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث على تنوع الاحتمالات والبدائل، أي انه منعطف تاريخي هائل بالنسبة للاحتمالات والبدائل. فقد كان المستقبل فيما مضى واضحا وجليا ولا حياد فيه! أما انحدار نحو الهاوية أو موت بطيء. أما الآن فان المجهول يعادل البحث عن بدائل.
تم توصيف المشكلة العراقية الراهنة بأنها صراع سياسي. ماذا يعني ذلك؟ وهل يمكن من وجهة نظرك أن تتوصل الجماعات العراقية إلى مستويات مقبولة؟
إن الصراع الحالي في العراق هو صراع من اجل السلطة. وبالتالي فانه صراع سياسي. لكنه صراع سياسي غير عقلاني، وذلك لان المتحكم فيه ليس فكرة الدولة، بل نفسية السلطة. وهي مضلة أو إن شئت الدقة العاهة الكبرى للأحزاب السياسية في العراق. وهي عاهة لم تكن معزولة عن صعود تقاليد ونفسية وذهنية الراديكالية السياسية على مستوى الايدولوجيا والعمل. من هنا خضوع فكرة السياسة لفكرة الحزب. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الصراع السياسي في العراق هو صراع حزبي. وهو احد الأسباب الكامنة وراء نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة وحب الجاه والشعور الرقيق أمام استرقاق السلطة! وهي حالة جعل منها الزمن الدكتاتوري "منظومة" متحكمة في سلوك اغلب الأحزاب. وليس مصادفة أن يكون اغلبها ضعيفا ضعفا ذاتيا، بحيث يكون سلوكه العملي الشامل متناقضا تناقضا شاملا مع معتقداته وشعاراته المعلنة! ولعل الموقف من التعامل مع قوى الاحتلال هو نموذج "كلاسيكي" بهذا الصدد. وهي "الضريبة" التي تدفع القوى السياسية وسوف يدفع العراق لفترة طويلة ثمنها الباهظ ما لم يجر ارتقاء الأحزاب السياسية إلى مصاف القوى الاجتماعي السياسية الوطنية. بمعنى أن الحالة ستبقى هكذا ما لم يتحول العراق والمصلحة الوطنية العامة إلى العروة الوثقى لها في تعاملها مع النفس والآخرين. وذلك لان حقيقة السياسة الاجتماعية تفترض سيادة فكرة الوطنية والمواطنة. وهو الاحتمال الضروري الوحيد بالنسبة للقوى السياسية والاجتماعية. وما عدا ذلك، فان النتيجة هي الاندثار المكلل بالخزي والعار. وأمام أعيننا نهاية الزمرة الصدامية!!
ما تصوراتك السياسية بشأن قانون النفط والغاز الجديد الذي طرحته الحكومة على مجلس النواب العراقي؟
من الناحية المجردة يمكن تأييد فكرة سن القوانين تجاه كل شيء في العراق. فهو الفراغ الهائل في تاريخه الحديث. والعراق بحاجة إلى بناء قانوني حقوقي جديد. وهي العملية الأكثر تعقيدا وصعوبة في ظل الخراب المادي والمعنوي والثقافي الفظيع. إلا إننا هنا نقف أمام نفس الحالة التعيسة التي ميزت الصراع من اجل الدستور. بمعنى أن الحافز ليس فكرة الحق والحقوق، بل المصالح المادية الجزئية. إن قانون النفط قد يكون ضروريا، مع أن من الممكن الاكتفاء بلوائح فنية تعود للوزارة مازال النفط ملك الدولة. والتحكم والرقابة من خلال السلطة التنفيذية والبرلمان. وهو الحد الكافي والضروري في ظروف العراق الحالية. إلا إننا هنا نقف أيضا أمام نفسية وذهنية الاستحواذ والغنيمة المميزة للنزعة العرقية الكردية. بمعنى صعود النزعة العميقة للمطابقة بين المصالح الجزئية والقانون العام. وهو أمر جلي على خلفية انعدام أو ضعف عشرات بل مئات القوانين الضرورية الملحة بالنسبة لبناء الدولة الشرعية والاقتصاد الديناميكي والمجتمع المدني والثقافة وحقوق المواطن والتعليم والعلم والأطفال والنساء والعجزة والصحة والطب وكثير غيرها. أما بروز واندفاع "قانون النفط" إلى الأمام في هذه الظروف التي لم تحسم فيها آلية فعل الدولة ومؤسساتها والمجتمع وقواه السياسية والاجتماعية والاحتلال والأمن وكثير غيرها، فهو دليل على فقدان أو ضعف رؤية الأولويات. وهي الصفة الملازمة لضعف أو فقدان ذهنية الحقوق والقانون. مما يعطي لي إمكانية القول، بان القوى السياسية القائمة وراءه لا تتمتع بمصداقية في ميدان الرؤية الحقوقية والدولة الشرعية. والسبب بسيط، كما كان الحال في مجرى العقود السابقة، ألا وهي سيادة الحزب والحزبية في التعامل مع الإشكاليات والقضايا الوطنية الكبرى.
اعتماد الشكل الفيدرالي للدولة العراقية يتطلب مركزاً قوياً قادراً على إدارة الدولة الاتحادية ضمن ضوابط دستورية ومؤسساتية. هل العراق الراهن قابل للتشكيل الفيدرالي؟
وجهة نظري، إن العراق ليس بحاجة إلى فكرة الفيدرالية. وهي فكرة خاطئة وليست ذات معنى بالنسبة للعراق. إن العراق بحاجة إلى استعادة قوية للمركز ومستوى من الشرعية يوازيه. وهي العملية التي ينبغي أن تستعيد فكرة وأسلوب المحافظات واستقلالها النسبي، بمعنى بناء وحدة معقولة ومقبولة للمركزية واللامركزية، مع التلبية الكاملة للحقوق القومية الثقافية للأقليات جميعا على أساس فكرة المواطنة الدستورية. أما الصيغة الحالية فهي مسخ للفيدرالية والكونفدرالية العرقية(!) مع ما فيها من تجزئة داخلية دفينة. وهنا أيضا تقدم الحركة القومية الكردية نموذجا سيئا للغاية بالنسبة لفكرة المركزية واللامركزية. وهو أمر "طبيعي" بسبب ما ادعوه بالضعف التاريخي الذاتي للحركات القومية الكردية. إذ ليست "الفيدرالية" الكردية سوى تأطير "قانوني" للنزعة الانفصالية والتجزئة. إنها الصيغة المغلفة لتقاليد الدكتاتوريات الصغيرة والإقطاعيات القبلية. وهي نماذج صغيرة سوف تستعيد مع مرور الزمن كل سيئات الصدامية، ولكن بفرق واحد، وهي شحة إمكانياتها الذاتية. وهو الأمر الذي سيجعل منها مع مرور الزمن عقبة أمام فكرة بناء الدولة الشرعية في العراق. وليس مصادفة أن يكون سلوكها في مجرى السنوات الأربع يتسم بقدر كبير من "الذكاء" في تفتيت كل محاولة لاستعادة هيبة الدولة المركزية، واستغلال كل حالة ضعف فيها من اجل تقديم مطالب وليس حلولا وطنية عامة. وهي ظاهرة سوف تستغرق وقتا من الزمن لكي تسير ضمن طاقتها الفعلية. والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بفيدرالية الجنوب والوسط. فهي تجزئة لا معنى لها ولا ضرورة.
إن العراق الآن وفي مجرى العقدين القادمين بحاجة إلى فكرة المركزية، والفكرة الوطنية العامة. وحالما تتحول المركزية الشرعية والوطنية العراقية إلى مكون جوهري في الوعي السياسي والاجتماعي، آنذاك يمكن إيجاد الصيغة الواقعية والضرورية لتوسيع حدود وقواعد اللامركزية بالشكل الذي يخدم ديناميكية التطور العام والحرية الفردية والاجتماعية وفكرة المواطنة وحقوق المواطن.
العنف الطائفي والإرهاب الحاضر في العراق هل هو نتاج خلل ما في تكوين الدولة ما بعد سقوط النظام السابق أم هو صراع بين مشروعين متباينين المشروع الأصولي الإسلامي والمشروع الأمريكي؟
إن الظاهرة الإرهابية في العراق تحتوي في أعماقها على جذور سياسية واجتماعية واقتصادية وطائفية. إنها الوجه الآخر لبقايا الصدامية. لكنها اتخذت في مظهرها طابع الصراع الدموي بين ما تدعوه بالمشروع الأصولي والأمريكي. طبعا ان من الصعب الحديث عن مشروع أصولي. وذلك لان الأصولية المتطرفة في العراق (من أصول إسلامية أو عربية أو عراقية بحتة) تفتقد لفكرة المشروع. وهو السبب القائم وراء احترافها للإرهاب. أما المشروع الأمريكي في العراق، فانه ليس محكوما أو محددا بالصراع مع "الإرهاب الأصولي". فالأخير هو حلقة في سلسلة المشروع الكوني الأمريكي ومصالحه الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية. وهو مشروع "أصولي" أيضا، على الأقل في صيغته المتداولة بمعايير ومفاهيم المحافظين الجدد. من هنا انسداده وفشله في العراق. وليس ازدياد واستفحال العنف الطائفي والإرهاب سوى احد مظاهر هذا الفشل. والسبب يكمن في أن المشروع الأمريكي والأصولي لا علاقة جوهرية له بمصالح العراق الجوهرية. من هنا مواجهتهما العنيفة شأن ثيران الحلبة! أما الصراع الفعلي والقوى المحركة للعنف الطائفي والإرهاب فهو النتيجة الملازمة لمرحلة الانتقال العنيفة في العراق وضعف قواه الوطنية والاجتماعية العقلانية. وهي نتاج مرحلة الدكتاتورية. وما بعد سقوطها هو استمرار لها من حيث أن القوى السياسية جميعا هي نتاج التخريب الدائم لفكرة المعارضة الشرعية والثقافة السياسية. مما جعل منها فريسة القوى الأجنبية. إن "وطنية" السلطة الصدامية وقواها التابعة محكومة بالسلطة والعنف والاستحواذ ومصادرة العراق، والقوى "الديمقراطية" المغلوب على أمرها محكومة بخضوعها المباشر وغير المباشر لقوى الاحتلال. مما جعل منها قوة مسلوبة الإرادة ومقيدة وعاجزة في حالات كثيرة عن أن تسلك السلوك الواقعي والعقلاني. وبالتالي، فان كلا منهما يكمل الآخر في الإبقاء على جذوة الاحتراب. وهي عملية تحتاج إلى وقت من اجل استنفاد قوى الماضي لرصيدها المادي الهائل الذي جرى سرقته على امتداد عقود. لكنه غير قادر على تعويض رصيدها المعنوي الشحيح. من هنا عنفها الدموي الهائل. وهو تقليد وتقاليد وجودها. بعبارة أخرى، إن الجذر التاريخي والسياسي الرئيس للعنف والإرهاب الحالي يكمن في بقاء وفاعلية الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري والقوى المرتبطة به. وعنفها الحالي هو نتاج موتها العنيف. إلا أن ذلك لا يقلل من مسؤولية القوى الحاكمة الحالية. وذلك لان مسؤولية ما يجري بعد إسقاط الدكتاتورية تتحمله السلطة الحالية وقواها السياسية.
انحسار نفوذ التيارات الليبرالية والعلمانية في العراق؟ يوصف دائماً بأنه ضحية السياسية الأميركية في العراق باعتقادكم ألا يشكل ذلك عائقاً أمام تطور نظام سياسي ديمقراطي تعددي حقيقي؟
إن انحسار أو صعود التيارات السياسية والفكرية هو نتاج لطبيعة المسار التاريخي والسياسي للدول والأمم. والعوامل الخارجية تفعل فعلها لكنها ليست حاسمة. وتاريخ الأفكار والقيم في العراق اعرق مما في الولايات المتحدة بآلاف السنين. كما أن تاريخ العراق الحديث لم يكن شديد التأثر بالسياسة الأمريكية. ونشوء مختلف الأفكار والإيديولوجيات منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى الآن قد جرى بتأثير مختلف البلدان والثقافات، لكنه لم يتأثر بتراث أو سياسة الولايات المتحدة بشكل كبير. وقد يكون احتلال العراق في بداية القرن الحادي والعشرين هو التجربة المرة والمريرة للولايات المتحدة في المنطقة بشكل عام، التي شكل العراق ميدانها التجريبي.
إضافة لذلك، أن تاريخ الأفكار والإيديولوجيات السياسية في العراق الحديث كان يغلب عليها الطابع الدنيوي (العلماني). ولم يكن للإيديولوجية الدينية وزنا يذكر. غير أن الأمر يخلف بالنسبة للفكرة الليبرالية. وعندما نتأمل تاريخ العراق الحديث بل والعالم العربي ككل، فإننا نلحظ ضعف أو شبه غياب الفكرة الليبرالية. وهي ظاهرة ليس للولايات المتحدة دخل فيها لا عن قرب ولا عن بعد.
إن الأسباب الجوهرية بالنسبة لحالة الهزيمة المريعة للتيار الدنيوي (العلماني) وعدم نضوج الفكرة الليبرالية يرتبط أساسا بصعود التيارات الراديكالية السياسية الحزبية والفكرة الثورية بشقيها القومي والاشتراكي (الشيوعي). وفشلهما في تجسيد الشعارات المرفوعة. وهي ظاهرة معقدة لكنها تاريخية أيضا. والسبب يقوم في أن تاريخ الأمم والأفكار الحديثة يفترض أسبقية الإصلاح الديني ومن خلاله تراكم المفاهيم والقيم الدنيوية. بينما الذي جرى عندنا بالعكس. من هنا استرجاع "المرحلة المفقودة" في نمو المجتمعات، أي أهمية وقيمة وفاعلية الفكرة الدينية. وهي ظاهرة صحية بالمعنى التاريخي السياسي والثقافي. لكنها عملية لن تطول أمام الاسترجاع الجديد للفكرة الدنيوية والليبرالية، بعد أن تتخذ صيغة الفكرة الواقعية، أي المبنية على أسس اجتماعية عريضة وليست هامشية المدن والأرياف. فالإيديولوجية الدينية غير قادر على مواجهة إشكاليات المعاصرة، لكنها قادرة على تفعيل الطاقة الاجتماعية. وهي الوظيفة التاريخية التي يمكنها أن تسهم لاحقا في رفع الوعي الجمعي إلى مصاف الرؤية الاجتماعية السياسية. بمعنى صعود الفكرة الدنيوية من خلال إدراك محدودية الإيديولوجية الدينية. وهي عملية تتوقف سرعتها على عوامل كثيرة لكنها حتمية!
جاءت العملية الدستورية فرصة لبناء دولة جديدة تقوم على أسس مؤسساتية وقانونية. وقد كان العقد الاجتماعي الجديد بين المكونات السياسية العراقية ثورة حقيقة لإعادة توزيع السلطة/ الثروة. باعتقادكم هل يمثل الدستور العراقي الجديد تأسيساً للديمقراطية؟
إن سن الدستور ليس معيارا للديمقراطية. بل أن اشد الدساتير "ديمقراطية" في موادها ليس معيارا للديمقراطية. وذلك لان الديمقراطية هي منظومة سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية متكاملة. بعبارة أخرى، انها صيرورة تاريخية معقدة يشكل الدستور الحقوقي وليس السياسي احد أهم شروطها. أما بالنسبة للعراق، فان قضية الدستور هي مرآة تاريخه السياسي الحديث. إننا نقف أمام سلسلة من الدساتير الثابتة والمؤقتة. وهو بحد ذاته مؤشر على خراب فكرة الدستور بوصفه القانون الأعلى الحاكم للدولة والسلطة والمجتمع. إن كثرة الدساتير هو دليل على انعدام حقيقة الدستور، كما أن كثرة المؤقت بينها هو دليل على عدم قيمة القانون وفكرة الحق. ولا يشذ تاريخ الدستور الأخير عن هذه الحالة. بمعنى انه يسير في الواقع ضمن نفس السياق السابق. ولا يغير من حقيقة ذلك انه يحمل عنوان "الدستور الثابت". وهو أمر جلي في طبيعة الصراع السياسي السابق على الاستفتاء عليه ومواده.
فقد تحول سن الدستور إلى معركة سياسية محكومة بنفسية وذهنية المصالح الجزئية وليس بفكرة ومعايير الحق العام. وليس مصادفة أن تكون القوى القومية الكردية هي أكثر من "افلح" في هذا المجال. وهو احد الأسباب الجوهرية لخرابه وعدم نضجه. فالدستور لا ينبغي أن يكتب بمساهمة الأقليات، بل بمعايير الرؤية الوطنية والحقوقية. لهذا أصبح الدستور خليطا غير متجانس من المواد الحقوقية والطالب السياسية والقيم الإيديولوجية. انه يحتوي على أفكار ومواد قيمة وممتازة وفي الوقت نفسه تفوح منه رائحة العرقية والنزعة الانفصالية واقتناص الغنيمة ومختلف الأشكال المبطنة للطائفية السياسية والمذهبية. بمعنى انه كان نتاج مساومة سياسية سريعة ومحكومة بقوة الاحتلال وضغوط نفسية الغنيمة والتجزئة. وهي حالة لا يمكنها أن تؤسس للشرعية والمؤسساتية في إدارة شؤون الدولة. أما "العقد الاجتماعي" فلا وجود له! إن العقد الاجتماعي ليس "محاصصة" سياسية. والشرعية المؤسساتية والعقد الاجتماعي السليم يفترضان توزيع الثروة والسلطة بصورة عادلة. والواقع ليس كذلك. بعبارة أخرى، إن الطريقة التي جرى فيها ومن خلالها سن الدستور والاستفتاء عليه لم تستجب لمتطلبات تأسيس وإرساء النظام الديمقراطي الاجتماعي. إن تأسيس الديمقراطية الاجتماعية والحقوقية في العراق هي مهمة المستقبل، وبالتالي قوى المستقبل. وما جرى لم يكن من إبداع قوى المستقبل.
القوى السياسية والدينية بالغت في تدخل الدين في الدستور العراقي الدائم 2005. أين يقف الدين وتبدأ الدولة السياسية؟
إن إحدى الإشكاليات الكبرى القائمة أمام العراق وانتقاله من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، تقوم في كيفية إيجاد الصيغة المناسبة لعلاقة الدين بالدنيا، أو الديني بالدنيوي (العلماني). فالديمقراطية هي أولا وقبل كل شيء نظام دنيوي. وفكرة الحق فيه هي فكرة وضعية. ولا يمكنها أن تكون بشكل أو طريقة أخرى. بمعنى ان الديمقراطية تتعارض تعارضا تاما مع النزعة التوتاليتارية الدنيوية والدينية على السواء. طبعا ان ذلك لا يتعارض مع إمكانية ظهور وتبلور أحزاب إسلامية ديمقراطية. وهي إمكانية لها طابعها الاحتمالي حالما يجري تحرير السياسي من المقدس، وتحويل الرؤية الإسلامية إلى رصيد فكري ومعنوي في مواجهة إشكاليات المعاصرة وحلها بالطريقة التي تخدم تطوير الدولة والمجتمع والثقافة بصورة حرة. وهي إشكالية بحد ذاتها لكنها تتمتع بقدر من الاحتمال الواقعي أيضا. وقد يكون الإجماع شبه الخفي عن عدم القبول بفكرة "ولاية الفقيه" الشيعية و"الخلافة" السنية هي مؤشر أولي. لكن تطويرها صوب تأسيس الأبعاد الاجتماعية للرؤية السياسية المحكومة بفكرة الحق الشرعية والحرية هو جزء من صراع اجتماعي وسياسي كبير. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظرف العراق الحالية والمستقبلية دون تأسيس الفكرة القومية العربية وإعادة إنتاجها ودمجها العقلاني في بنية الدولة العراقية. حينذاك فقط يمكن لفكرة الدولة العراقية أن تتخذ مداها الفعلي ويعود الدين إلى موقعه بوصفه جزءا من التراث الثقافي والروحي القادر على المساهمة الايجابية في إرساء أسس الدولة الشرعية والديمقراطية.
المادة (140) من الدستور العراقي الجديد ظهرت بشكل إنشائي قابل للتأويلات المتعددة وهي تعالج مسألة معقدة قومية وسياسية وإنسانية. ما هو الحل لمشكلة كركوك؟
إن احد الأسباب التي تجعل من الدستور العراقي الأخير فاشلا فشلا مذهلا هو وجود ما يسمى بالمادة 140. فهي مطلب سياسي لأحزاب قومية صغيرة! والقبول بها باعتبارها مادة "دستورية" هو عين الاستهزاء بفكرة الدستور. ليس هذا فحسب، بل وجرى نقلها من "قانون إدارة الدولة المؤقت"، أي من لوائح حالة الاحتلال الأجنبي إلى "الدستور الدائم"، وجعلها مادة "مؤقتة" حسب مزاج الأحزاب القومية الكردية!! لهذا السبب أشرت إلى انه لا ينبغي إدخال الأقليات (لقومية والعرقية والدينية وأمثالها) أو إشراكها في سن الدستور العراقي. وذلك لان الأقلية هي بقايا لم تكتمل. وعادة ما تفرز نفسية وذهنية التقوقع والانعزال. والدستور فكرة عامة. إن الأقلية (بوصفها أقلية، أي عندما تمثل نفسها بمفاهيم الأقلية) يمكنها المشاركة، بوصفه حقا من حقوقها، في كل ما يخصها (القوانين الجزئية). أما القضايا العامة فإنها بحاجة إلى رؤية وطنية عامة، بمعنى مجردة عن نفسية وذهنية الأقلية والانعزال أيا كان منبعها ونموذجها. بمعنى أن الأحزاب القومية الكردية يمكنها المساهمة في كل ما له علاقة بالأكراد ومنطقة الحكم الذاتي من وجهة نظر "المصالح الكردية"، لكنها ينبغي أن تسلك سلوك الأحزاب العراقية فيما يخص العراق عموما. وهي حالة يصعب توقعها الآن بفعل أسباب كثيرة. وعموما هي مواقف مرتبطة بمستوى الاندماج السياسي والثقافي والوطني. وهو احتمال متأرجح. وهي الحالة التي يمكن رؤيتها على مثال ما يسمى بقضية كركوك.
إن كركوك مدينة عراقية بعيش فيها مختلف مواطني الدولة العراقية. ومن الناحية التاريخية والثقافية هي مدينة عراقية خالصة لا علاقة للأكراد بها إلا من حيث الانتقال إليها من مناطق الجبل إلى السهول والمدن في غضون القرن العشرين بشكل عام وتأسيس الدولة العراقية الحديثة بشكل خاص. وفيما لو صحت لنا إمكانية استعمال الصيغة القومية الضيقة عليها، لأمكننا القول، بأنها مدينة تركمانية خالصة من وجهة نظر التاريخ الدولتي والسياسي والقومي والثقافي. وان تاريخ كركوك يخلو تماما من أي اثر وقيمة مادية أو معنوية للأكراد. طبعا أن هذا ينطبق أيضا على مدن أربيل ودهوك وغيرها. غير أن النزعة العرقية الضيقة للحركات والأحزاب القومية الكردية مازالت تختمر بطريقة تفقدها في حالات كثيرة الرؤية الواقعية والعقلانية. كما أنها شبه خالية من أبعاد الرؤية الوطنية العراقية. وان حالة كركوك "المعقدة" هي نتاج للعقدة الكردية المحكومة في الفترة الأخيرة بنفسية الغنيمة. وهي نفسية مخربة!
إن الحل الواقعي والضروري لقضية كركوك يقوم في :
1 - الإبقاء عليها بصفتها مدينة عراقية عامة جامعة، ويعني إخلاءها من فكرة "القومية".
2 - الاستمرار بحالتها انطلاقا من صيغتها الأولية في الدولة العراقية وتطورها اللاحق بوصفها محافظة عراقية.
3 - إلغاء المادة 140 من الدستور.
4 - إلغاء فكرة الاستفتاء، انطلاقا من انه ليس في العراق "ارض قومية".
5 - حل كل المشاكل المتراكمة فيها بوصفها جزءا من مشاكل اجتماعية واقتصادية وثقافية ضمن معايير المواطنة والقانون.
وعموما يمكنني القول، بان "قضية كركوك" هي جزء من أزمة الحركات القومية الكردية. وهي ليست الأخيرة. والأفضل بالنسبة للعراق، عندما نستقري تاريخه السياسي الحديث، هو القيام باستفتاء عربي حول فصل العراق عن الأكراد. وفي حال تأييد الأغلبية، عندها يمكن طرح مهمة الفصل استنادا إلى وحدة العراق الجغرافية منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921. إن العراق ليس بحاجة إلى "قضية كردية" أو أية قضية قومية صغيرة. على العكس انه بحاجة ماسة لإعادة بنائه الذاتي الوطني والقومي. فهو الأسلوب الفعلي لإعادة بناء هويته الوطنية الممزقة حاليا ومن ثم الانطلاق بخطوات كبيرة وسريعة. وكل ما فيه يؤهله للقيام بذلك.
الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من مشكلات حقيقية في العراق بصرف النظر عن الشعارات. ما أهداف أميركا في العراق هل هي السيطرة على النفط؟ أم إعادة تشكيل المنطقة من جديد؟
ليس هناك من أهمية جوهرية بالنسبة للتخمين أو التحليل أو التكهن بصدد الأهداف الأمريكية في العراق. والشيء نفسه يمكن قوله عن الشعارات المعلنة. إن الشيء الجوهري في السياسة الأمريكية تجاه العراق يقوم في خدمة مصالحها الإستراتيجية. وهي مصالح تلتقي وتتعارض مع مصالح الدول الأخرى، بما في ذلك العراق. والمهمة تقوم في إيجاد الصيغة المثلى لتحسن وتطوير العلاقات العراقية – الأمريكية. بل يمكنني القول، بان من الضروري بالنسبة للعراق والعالم العربي عموما البحث عن صيغة متوازنة ومعقولة لعلاقة إستراتيجية بالولايات المتحدة. وهي علاقة يمكن وضع أسسها من خلال التحليل العلمي الدقيق لتاريخها المتعرج في مجرى القرن العشرين وحتى احتلال العراق.
وهو الهدف الأكثر أهمية بالنسبة للعراق، بسبب تعرضه للاحتلال الأمريكي. وهو احتلال يكشف عن طبيعة الخلل في الدولة العراقية من جهة، والخلل بينه وبين الولايات المتحدة. باختصار، إن كل ما جرى ويجري مؤشر ودليل على وجود خلل بنيوي. بما في ذلك تجاه المشروع الأمريكي في العراق. وهو مشروع فاشل بالمعنى التاريخي والقومي والسياسي. والفشل ليس نتاجا لنية سيئة أو سوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها، بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. بمعنى أنه محكوم أولا وقبل كل شيء بالحقيقة القائلة، بان مشاريع البدائل الكبرى تفترض المعاناة الذاتية من اجلها. وأنها مشاريع وطنية أولا وقبل كل شيء من حيث القوى والرؤية والأساليب والإمكانيات والغاية. إضافة لذلك، أن البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. والمشروع الأمريكي محكوم بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على جملة حقائق كبرى لعل أهمها بهذا الصدد هي، إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها. وبالتالي، لا يمكن تفصيل المنطقة حسب الذوق الأمريكي. والمنطقة العربية لا يمكنها الآن الخضوع، كما كان الحال في بداية القرن العشرين، لأية قوة أجنبية. على العكس. إن تطوره اللاحق يجعل منه بالضرورة قوة قائمة بذاتها. وتجربة العراق الحالية، رغم كل ضعفه الشديد وتمزقه الداخلي ونتائج الحروب المدمرة وزمن الدكتاتورية الرهيب، يبرن على أن العراق ليس هوليوود. وبالتالي لا يمكن تمثيل السيناريو الأمريكي فيه بطريقة مثيرة للإعجاب ومختومة بنهاية سعيدة!
*** *** ***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,651,045
- ملاحظات تمهيدية حول الظاهرة الدينية في العراق
- دفاعاعن الديمقراطيه في العراق
- الاقنعة التنكرية صناعة الهويه في الثقافة العراقية
- الخطاب الديني الاصولي او احتكار بلاغة العنف السياسي
- اسامه ابن لادن الاصولي التخيلي
- نحو حافات التنوير
- نحو صياغة جدبدة للعلاقة مع الاخر الغرب
- قراءة في اسطورة المثقفين العراقيين وخرافات الدولة الريعية
- جدل الثقافات الفرعيه نحو تشكيل رؤية ستراتيجيه لثقافة وطنية ع ...
- الاخفاق في صناعة دولة
- خرافة الدولة الوطنية العربية: نحو قراءة موضوعية للظاهرة الأص ...
- الجسد الانطولوجي الشارح الأولي لفوضى السلطة السياسية
- اثريات الطائفية السياسية / مقاربات اولية في العنف والعنف الط ...
- نحو إعادة قراءة حقل التمايزات للفضاء المفاهيمي، الإسلام/ الد ...
- إسهام نقدي حول مقولة - الأسلام مصدر للتشريع
- الحريم السياسي: مقاربات أولية حول الخطاب الجنساني في الثقافة ...
- اعادة انتاج النخب السياسية التقليدية2
- قراءة في التصميم الكولو نيالي للديمقراطية في العراق الراهن
- نقد النزعة التاريخية الأحيائية في الفكر العربي
- تحليل الخطاب السياسي حول مفهوم الديمقراطية الشعبوية


المزيد.....




- بوتين وأردوغان يبحثان في موسكو الأزمة السورية
- دي يونغ.. نجم صاعد يملك جينات -البلوغرانا-
- موسكو ترد على مزاعم وجود عناصر أمن روسية في السودان
- حقيقة منع الحفلات الموسيقية داخل إمارة مكة في السعودية
- وزير الدفاع الفنزويلي يعلن موقف الجيش من تحركات المعارضة…الم ...
- كيف يفسر علم الدماغ ظاهرة الرؤيا عند الإنسان وبما يتميز دماغ ...
- الأردن يؤكد دعمه للمبعوث الأممي إلى سوريا
- بوتين: الانسحاب الأمريكي من سوريا إيجابي
- بالصور.. إحباط محاولة تهريب أثار بين سوريا والعراق
- بيلوسي تمنع الرئيس من مخاطبة الكونغرس طالما يتواصل الإغلاق ا ...


المزيد.....

- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة
- حوار مع الناشط الصحافي السوداني فيصل الباقر / ماجد القوني
- التحولات المجتمعية الداخلية الاسرائيلية نحو المزيد من السطوة ... / نايف حواتمة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - يوسف محسن - حوار مهم مع البروفسور ميثم الجنابي انهيار النظام التوتاليتاري البعثي العراقي نتيجة حتميه