أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ربحان رمضان - العمل في مؤخرة المدينة















المزيد.....

العمل في مؤخرة المدينة


ربحان رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 1893 - 2007 / 4 / 22 - 11:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



حظي عاصم (المنفي رغما ً عن أنفه) بعمل جديد حسده عليه معارفه وأصدقائه .. أبو العبد نفسه تدخل كواسطة خير وأخذه معه إلى شركة الليسنغ الجديدة ليعمل ومن خلالها في أحد فروع بلدية المدينة يعني " مصلحة التنظيفات " أو بالأحرى الزبالة ، والعامل فيها يسمّى زبالا ً .
وأبو العبد لمن لا يعرفه أقول أنه شاب من فلسطين ، تغرب أبوه بعد نكبة 1948 إلى الكويت ، وعمل حتى أصبح تاجرا ً مشهورا ، ثم وعلى ذمة الراوي أصبح صاحب بنك .
بعد الغزو العراقي لدولة الكويت طرد الكويتيون الكثير من العراقيين والفلسطينيين فاغتنمها البعض فرصة للهجرة إلى أوربا الغربية التي كان يعتقد بأنها الجنة على الأرض بعد أمريكا واليابان ، ومن أبرز المهاجرين إلى دولة النمسا في العقد الأخير من القرن العشرين عائلة كردية من أصل عراقي ، رافقها شاب تزوج إحدى نساءها ، وأبو العبد الذي لحق بزوجته بعد سنة من حصولها على اللجوء السياسي في دولة النمسا .
في دائرة مصلحة الزبالة ثلاث وعشرون سيارة كبيرة تزن كل منها ستة أطنان وهي فارغة ، بينما تزن حمولتها ثمانية عشر من " زبل " الخليط السكاني الذي مايكاد يأكل حتى يفرز أكله عرقا ً وغائط ، ورذاذ ، وبول ..
في (سروة) كل صبح يجتمع السائقون خلف باب مدير العمل الذي كان بالأصل (زبالاً) مثل البقية ، وهو قابع على كرسي دوّار يدوّره ويدور به متفحصا ً وجوه العمال ، باحثا ً بين الأوراق على العناوين الأكثر قذارة والتي يجب تنظيفها في البدء ، مع أن التنظيف موزع تقنيا ً ، وكل سيارة أو مجموعة داخل سيارة الزبالة تعرف واجباتها الوظيفية .
قال عاصم لزميليه : أرجو أن تتوقفا عند كل مقهى لنشرب قهوة ، ولا تؤاخذوني إن قلت لكم بأني مصاب بانخفاض في ضغط الدم مما يتوجب علي شرب القهوة لأرفع ضغط الدم في شراييني ، فسأله (رايز) بلهجة تهكمية : وإن لم تجد قهوة ؟!!
أجابه عاصم أشرب كأس نبيذ أو أتفرج على النسوان ..

السيد (أوستن ) الدوار على الكرسي السابق الذكر حوّل عاصم إلى إحدى الحافلات مع (هانس) و (رايز) الظريفين ..
- أنا مسرور بك يامعلم .. قال عاصم ( لرايز) وربت ّ على كتفه .
- أنا لست معلما ً .. أنا مساعد عامل .. مثلك تماما ً .
رد ّ عاصم عليه : سأعتبرك معلمي .. هكذا .. " الجميع معلمون في هذا العالم ، إلا أنا .. " .
بالمناسبة فإن الأوربيين يحبون السيادة (سبحان الله) وعندما لا يجدوا من يأمروه يشتروا كلبا ً ليتأمرّوا عليه .
لم يعد يهتم عاصم إن كان معلما ً أو أجير ، الأمر سيّان ، فهو غريب .. والغريب على رأي إحدى الإعرابيات : " كالوحش النائي عن وطنه ، لكل رام رمية ، ولكل سبع فريسة .. وهو كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه ، فهو ذاو لا يزهر ، وذابل لا يثمر " .
- تحركها هكذا ..
تدفعها إلى الزاوية ..
تشد يدك على المقبض .. سترتفع الحاوية ، ويغلق باب عليها فتغسـل ..
فيما بعد رشـّها بهذا المسدس المائي ..
عاصم يغسل الحاويتين معا ً ، يركض ليسبق الوقت ذو المساحة اللامتناهية لدى الآخرين ..
نبهه (رايز) : رجاء لا تركض .. على مهلك .. رجاء عدم الاستعجال ..
لم يهتم عاصم للأمر .. عمل بنشاط .. كاد أن يقطـّب حاجبيه الناعمين .
قال : الآلة تسجل دقات العمل ، وحينما تسرع سيظهر للمعلم كسلنا بعد أن تتحول أنت إلى سيارة أخرى .
هه .. فهمت القصة .. عاصم قال في نفسه ثم قصر في السرعة .. تنقــل معهما في كل أسواق المدينة ومطاعمها الرخيصة لشرب القهوة أو شئ من العصير ..
شـاركهم الإعجاب بعابرات الطريق أو المنتظرات على شارات المرور .. صفرّ لهن .. حكى لزميليه بعضا ً من النكت البذيئة التي تعلمها من بعض المثقفين التقدميين .
في مساء اليوم الأول ودّعهم عاصم ، وفي اليوم التالي ، واستمر الحال يودعهم يوميا ً على أمل اللقاء في اليوم التالي ...
في الأسبوع التالي حوّله السيد (أوستن) إلى سيارة ومجموعة أخرى من العمال .. لسيارة زبالة جديدة .. يسـَرون باكرا ً ، يبحثوا عن عناوين مكتوبة سلفا ً في قائمة .. ليست كثيرة ، حوالي عشرين عنوانا ً موزعة في شرايين المدينة ..
يتوقفوا عند العنوان المطلوب ، يترجلوا بسرعة ، يحملوا ما يجدوه من أنقاض ونرمي به في فم السيارة لتلتهمه وتفرمه ..
رمى ذات مرّة حاوية معتقدا ً أنها للرمي أيضا ً فابتلعتها السيارة وفرمتها ، ولكن ولحسن الحظ لم ينتبه أحد إلى هذه الفعلة الشنعاء . ..
ولمّـا حاول مرّة أن يرمي دراجة عادية صاح صاحبها من الطابق الثالث : " رجاء .. ليست للرمي .. إنها ليست للرمي ، اتركها .. شكرا ً ، قال له صاحبها .
عثر على ساعة جميلة بين تلك الأنقاض ، وستاليت ، ومدفأة أهداها لإمرأة عجوز كانت تبحث عن فوارغ قناني البيرة لتبيعها وتأكل بثمنها .
في الأسبوع الثالث عمل مع الأسطة ( فرانس) ذي الأربع والستين عام .. سيتحول فرانس إلى التقاعد مع بداية العام القادم ..
أربعون عاما ً من العمل المتواصل سأقعد بعدها في البيت ، ألتفت إلى نحلاتي وأرعاها طوال الصيف .. أما في الشتاء فأجالس زوجتي الهرمة .. سنتفرج على التلفزيون .. هكذا قال فرانس .
أما (فالتر) الزميل الثاني في السيارة فهو – صامت – طول الوقت ، يجب عليه أن ينتظر سنتين أيضا ً ليتقاعد ، يعمل بهدوء .
في كل توقف ، تحت أو عند شجرة جوز يفرمل فرانس سيارته ويترجل بسرعة ليلتقط حبات الجوز المبعثرة تحتها ، فيكسرها ويأكل اللب .. يحتفظ بقليل منها في جيبه ، كما أنه يركض نحو حاويات الورق في بوابات البنايات العالية ليبحث في أحشائها عن مجلات أو صور نساء عاريات ..
عاصم وفالتر يجترّا الحاويات من داخل النفق الغائر في البنايات العالية البنيان ، يركـّباها على الجهاز خلف السيارة .. يضغطا ساعد اليمين إلى أعلى فتتقئ الحاوية مابجعبتها داخل السيارة ، ثم يعيدانها فارغة ..
قبل أن يتوقف عاصم عن العمل في بلدية المدينة بثلاثة أيام كان متعربشا ً على السلم الخلفي للسيارة على اليمين ، حينها فرمل فرانس في منتصف الشارع ، تراجع ثم تحول بعكس السيارات ..
- ماالخطب ؟ عاصم سأل (فالتر) المتعلق مثله في مؤخرة السيارة .
- ضاعت أسنان فرانس الأمامية .
- كيف ذلك ؟!!
- أضاعها عندما أكل الجوزات التي لملمها من تحت آخر شجرة توقفنا عندها ، يجب العودة إلى آخر نفق نبحث له ‘ن أسنانه ، هكذا أجاب (فالتر) .
عادوا حوالي (2) كم ، ترجل ثلاثتهم توزعوا على حاويات القمامة ، بحثوا عن أسنانه ، حفي الممرات المؤديــة إلى الحاويات في الكاراج الأرضي التابع للمبنى ذاته ، وحتى في مجاري المياه .. لم يجدوا شيئا ً يدل عليها أبدا ً ..
في اليوم التالي أيضا ً ، تركهما فالتر ساعة استراحة الغذاء وذهب إلى مطعم مجاور ، بينما أخذ فرانس عاصما ً معه إلى نفس المكان ليبحثا عن أسنانه الضائعة ، لم يجدوها .
فرانس حظي بفردة حذاء مرمية في حاوية للورق ، ثم وجد زميلتها في حاوية أخرى ..
في نهاية الأسبوع ودعهما عاصم على أمل اللقاء .. لكنه توقف عن العمل لفترة طويلة بانتظار عمل جديد .

=========
* كاتب وناشط سياسي .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,866,777,418
- السابع عشر من نيسان – اليوم الوطني لسوريا
- تعقيبا ً على محاورة الزملاء في صحيفة ولاته مه مع السيد فرهاد ...
- سأحتفي وأنتم معي بالنوروز
- نم قرير العين ففي بقية الرفاق أمل مهداة إلى الرفيق الشيوعي س ...
- رئيس الجمهورية يعفو
- !!كلام معسول ، كلام مسؤول يمكن التراجع عنه
- اعتقادات خاطئة
- تهانيَّ القلبية للأستاذ محمد غانم (الحر) المطلق السراح
- الحرب غير المتوازية للكاتب السوري مازن بلال
- اريد أن أموت في فلسطين للروائية هدى حنا
- قراءة في كتاب الأكراد للدكتور أرشاك بولاديان
- قراءة في كتاب - سقط سهوا ً مجموعة قصصية للروائية السورية حسي ...
- الرأسمالية .. ذئب أغبر
- النوروز والجلاء يومان يوم للكرد ويوم لكل السوريين
- فلنتحرر من عقدة التبعية
- نوروزنا الكردي
- هذه المرأة شئ آخر
- نبذة مختصرة عن محلة الصالحية في دمشق
- تعقيبا على(مابين النخبتين الحزبية والعشائرية) مقال الأستاذ ص ...
- كالدرويش كنت أقول


المزيد.....




- 9 فنادق ستضمن لك ليلة لا تُنسى.. ومن بينها دبي
- جواد ظريف ينتقد -مجموعة العمل-.. ويؤكد: -الانقلاب- لن يتكرر ...
- ليونته الجسدية -تشنج- كل من يشاهده.. ما قوة هذا الرجل؟
- شاهد: بوتين الذي لا يبتسم.. يضحك ويرقص ويتحدث الألمانية
- هذا هو سر -تابوت الإسكندرية-
- إسرائيل.. بولتون يبحث ملفات أمنية إقليمية
- من هي وزيرة الخارجية النمساوية كارين كنايسل التي رقص معها بو ...
- تداعيات الحرب العراقية الايرانية بعد ثلاثين عاما على انتهاءه ...
- أزمة الليرة التركية نتاج -انفجار فقاعة أم مؤامرة خارجية-؟
- شاهد: بوتين الذي لا يبتسم.. يضحك ويرقص ويتحدث الألمانية


المزيد.....

- مختصر تاريخ اليونان القديم / عبدالجواد سيد
- حين يسرق البوليس الدولة ويحوّلها الى دولة بوليسية . يبقى هنا ... / سعيد الوجاني
- حوار حول مجتمع المعرفة / السيد نصر الدين السيد
- التجربة الصينية نهضة حقيقية ونموذج حقيقى للتنمية المعتمدة عل ... / شريف فياض
- نيكوس بولانتازاس : الماركسية و نظرية الدولة / مارك مجدي
- المسألة الفلاحية والانتفاضات الشعبية / هيفاء أحمد الجندي
- علاقة الجيش بالسياسة في الجزائر(1) - ماحقيقة تأثير الجيش في ... / رابح لونيسي
- الملكية والتحولات الاقتصادية والسياسية / تيار (التحدي ) التحرر الديمقراطي المغرب
- إذا لم نكن نحن رسل السلام، فمن إذن؟ سافرت إلى إسرائيل ولم أن ... / إلهام مانع
- أثر سياسة الرئيس الأمريكي ترامب على النظام العالمي / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ربحان رمضان - العمل في مؤخرة المدينة