أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد سعيد العضب - الشتراوسية وفكر المحافظين الجدد















المزيد.....



الشتراوسية وفكر المحافظين الجدد


محمد سعيد العضب
الحوار المتمدن-العدد: 1886 - 2007 / 4 / 15 - 11:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المقدمة :
تستهدف هذه المقالة تسليط الضوء ، توضيح دلالات الفلسفة " الشتراوسية " وتاثيرها على صياغة وبلورة افكار وممارسات المحافظين الجدد ، الذين يسيطرون - كما هو معلوم - حاليا على تلابيب الادارة بالولايات المتحدة الاميركية ، خصوصا عندما تمكنت هذه المجموعة السيطرة ليس فقط على المؤسسة الاكاديمية الاميركية فحسب ، بل اخترقت جماعات الضغط ، النخب الحاكمة ، صانعي الراي ، متخذو القرارات السياسية ، علاوة على تواصلها مع القوى النافذة المسيطرة على السوق الكوني : الاقتصاد والمال العالمي .
يسعى المقال ايضا الى تبيان التلاحم الوثيق بين انتشار الكتابات والدراسات التي تعالج احداثيات العصور القديمة والديانات والاخلاق ، لمحاولة مقاربتها او ربطها بمسارات التوجهات السياسية - العسكرية الامنية بالولايات المتحدة الاميركية ، كل ذلك لاجل زخرفة ، بل تغطية اسرار الاهداف الحقيقية للطغمة الحاكمة ، وانصارها المحافظين الجدد ، ةلاجل تعزيز سيطرة امريكا على العالم والتحكم بمصير الشعوب الغنية والفقيرة ، على السواء .
انها محاولة اولية ، نأمل من القارئ الكريم اغناءها بالمناقشة ، النقد والاضافات .
اعتمدت المقالة على قراءة لمقالات ودراسات عالجت الموضوع ، نورد ادناه ، بعضا منها :
1 - Die Zweite Peloponnesische Krieg - von Phillips Blom .
مقالة نشرت في جريدة ستاندرد النمساوية ، بتاريخ 11 و 12 /6/2005
2 - The Influence of Christian Right on US Middle East Policy, by Steven Zunes 3 - Neo Con.Group Is Laying about WMD Justified ,by Neo Con.Philosophy (Leo Strauss ) http://www.google.com
4 - Nobles Lies and Perpetual War, Leo Strauss , the Neo Con. And Iraq , by Dany Postel ,12/10/2003 . Interview with Shadia Durury , Prof.Regincy University in Saskatchevan.wwww.geogle.com( leo Strauss)
5 - The Strategist and the Philosopher Leo Strauss and Albert Wohlstetter , by:
Alanian Frachon and Daniel Vernet, June 2003 .
.org http://www.computerpunch
6 - Mani Pulierte wirkicheit,von Peter Bocknal , Wiener Zeitung 12.06.2005. 7 - The Sourses of American Legitimacy , by Robert W.Turcker and David Hendrickson, Forein Affaires , Nov - Dez.2004 .

اولا - الفلسفة الشتراوسية :
تبرز المتابعة السريعة لادبيات فلسفة الحكم والدولة بالولايات المتحدة الاميركية ، عمق التلاحم بين احداثيات عصور قديمة مع السياسات الحاضرة . كما تعاظم استخدام مسميات : كالاغريق الجدد او اثينا الجديدة ، كل ذلك لاجل زخرفة ، بل لاضفاء معتقدات المحافظين الجدد ، او تبطين دوافعهم - اهدافهم وغاياتهم الحقيقية - او لتبرير شن الحروب الاستباقية السرمدية ، او لاجل استخدام القوة والعنف او تبني ما يطلق عليه " التخريب الخلاق " بكل ما تحمله هذه الوسائل والصيغ في طياتها من انتهاك لقواعد القانون الدولي او مراعاة الاجماع العالمي او المحافظة على السلام العالمي . وهو الامر الذي يلاحظ في كتابات عدد من المفكرين ، المقاربة الوثيقة ، او الربط بين حرب امريكا الاستباقية ضد الارهاب مع حرب الاغريق الاولى التي اندلعت بين اثينا واسبارطة ( 404 - 431 ق . م ) لاجل السيطرة على كامل البر اليوناني ، او بزعم الدفاع عن الفضيلة المنتهكة . فضمن هذا السياق يجري اليوم نعت حرب امريكا ضد الارهاب ، بالحرب الاغريقية الثانية " بولونيس " ( المصدر 1 ) .
فالمحافظون الجدد او الاغريق الجدد يعتقدون ببدء نضالهم ليس فقط من خلال تأثيرات العصور القديمة على مسارات الحاضر والمستقبل فحسب ، بل يصرون على تسخير هذا التراث لتحقيق اهدافهم ، لبناء عالم جديد امريكي النزعة والسيطرة .
ومما لاشك فيه ، ان مثل هذه المقاربة الشائعة اليوم ، تبدو هلامية ، بل تعبر عن تصورات خرافية ، لما يعوزها من اسناد علمي ، او افتقارها للادلة والبراهين النظرية والعملية ، بكل ما يتعلق بالاختلافات الشديدة في طبيعة ، خصوصيات ، مسارات حرب حدثت قبل ثلاثة الاف سنة ، مع حرب دائرة اليوم ، اشعلتها قوة عظمى من طرف واحد .
هناك تقاليد عريقة ، ارث طويل ، بل سوق رائجة في الولايات المتحدة الاميركية للتقريب او التماثل بين الفضيلة الاغريقية اليونانية " الجمهورية الفاضلة " القديمة ، مع " الفضيلة الاميركية السائدة " التي يدعو اليها المحافظون الجدد .
فالنظرة العابرة حول الهندسة المعمارية للمباني الحكومية في العاصمة واشنطن دي. سي . تكفي للتدليل على جذور خرافة الترابط بين اليونان القديمة واميركا الجديدة . اضافة لذلك ، فالمراجعة لمقولات الرئيس توماس جيفرسون نراها تصب هي ايضا في هذا السياق ، خصوصا عند توكيده على اهمية اليونان القديمة ، ابعاد تراثها على صيرورة الكينونة الاميركية ، وتعزيز الهوية الوطنية و / او موقع اميركا بالعالم من ناحية ، او ايمانه المخلص باحتضان اليونان القديمة ، نموذج الانسان الامثل الفاضل ، الذي يجب ان يشكل قدوة للانسان الحاضر ، كما يجب ان يتسم الجميع بكافة صفاته من الناحية الاخرى ( راجع المصدر - رقم 1 ) .
فقد تحول التماثل في واشنطن اليوم الى عشق او غرام باليونان القديمة .... ان كان الحب من طرف واحد . كل ذلك من اجل تسخيره للنضال - كما يدعى - ضد البرابرة ، او للتصدي لمحاور الشر بالعالم ( مثلا ... مثلث محور الشر ، العراق - انذاك - ايران وكوريا الشمالية ) .
انه بلا شك هوس فكري واع ، استطاعت براعة التعبير الخطابي ، فذلكة الصياغات ، او فنون التسويق الاعلامي لهذه النخبة من زراعته في عقول كثيرين من الاجيال الاميركية ، خصوصا في اواسط النخب الحاكمة المسيطرة .
فالوصفة السياسية المعتمدة على الاثار القديمة او التراث اليوناني القديم ، ابتدعها الالماني ليو شتراوس (1) ... كما انه اسس عبرها فلسفة سياسية جديدة يطلق عليها اليوم " الفلسفة الشتراوسية " .
تتمحور الاركان الاساسية للفلسفة الشتراوسية في جملة قضايا نوجز اهمها فيما يلي :
- الركون الكلي على الكتب القديمة ، باعتبارها المصدر الوحيد ، او الينبوع الاوحد للحقيقة والمعرفة .
- رفض نظريات الحداثة او ما بعد الحداثة ، وبخاصة الماركسية ، الوجودية ، التاريخية ، الهيغيلية.
- النفور الكامل من مبادئ الديموقراطية والليبرالية الحقة .
- الايمان بالقوة باعتبارها اداة وحيدة لتحقيق الاهداف .- الايمان بفكرة افلاطون حول الكذبة الفاضلة .
- العدالة مجرد ميزة نسبية للقوي .
- الايمان بالعدمية ، حيث لا توجد اسس موضوعية للمبادئ والاخلاق .
- الاعتقاد بوجود درجات للسمو والوضاعة .
- تقسيم فئات المجتمع الى : حكماء ، سادة ، جماهير عامة مبتذلة .
وثمة مسالتان بلورت المقدمات الفكرية لشتراوس ، المشار اليها اعلاه ، انهما بدورهما اثرتا على فكر المحافظين الجدد ( المصدر - رقم 5 ) هما :
المسألة الاولى :
تجارب شتراوس الشخصية التي اكتسبها خلال فترة شبابه ، حيث امضى هذه الفترة اثناء انحلال جمهورية فايمار . حيث انه استخلص من هذه التجربة ، مسألة حاسمة مفادها عدم انسجام الديموقراطية - حتى تلك التي تهدف التصدي او مقارعة الاستبداد وانظمة الحكم الاستبدادية فقط من خلال بعث او تجديد القوة ، والعمل على استخدامها بكفاءة وفاعلية ( المصدر - رقم 5 ) .
عليه يعد شتراوس عدوا لدودا للديموقراطية والليبرالية ، حيث يعتقد ان غالبية الشعب هي جماهير مبتذلة ، وإن امتلكت القوة الكامنة ، بالتالي يتطلب استخدام وسائل الديموقراطية لتعبئة هذه الغالبية " المبتذلة " وتحريف ارادتها لاجل تطويعها والتحكم بخياراتها او ارادتها الذاتية ، حتى ان تطلب ذلك الامر ، حجر الحرية عنها .
ان انجاز هذه المهمة يشكل انجازا حيويا لفئة الحكماء والسادة ، هكذا تحولت عملية تحريف الديموقراطية ، الى مناورة ، كما اصبحت قاعدة يستخدمها المحافظون الجدد في كثير من الاوضاع والمناسبات ، كما حققت لهم نجاحات ملحوظة في حالات كثيرة .
ان ادعاءات المحافظين الجدد و خلفاء شتراوس حول دفاعه عن الديموقراطية والليبرالية تحولت الى نكتة مثيرة للضحك بسبب نفوره الشديد وكرهه لهما ( المصدر - رقم 3 ) خصوصا ان الشتراوسية تعتبر مسألة الحرية قضية عويصة يشوبها الغموض . كما يمكن تحريفها الى مقاصد وغايات خيّرة او شريرة ... فالفضيلة - الكلمة العتيقة الطراز - التي يستخدمها شتراوس باستمرار ويعوضها عن الحرية تنمو وتزدهر ، حسب رأيه فقط عبر التربية الجيدة ، التي تستلزم من الاباء والابناء بذل جهود كافية لتكوين الشخصية الصالحة الفاضلة . وبالنظر الى الفقر الذي يسود " العامة " فانه يحول دون تحقيق هذه التربية وبناء الفرد الفاضل ... بالتالي تتحول الديموقراطية الى ايدي الاغبياء بالمجتمع ، الذين يحاولون استغلالها وتوجيه مساراتها لخدمة مصالحهم الذاتية . عليه يمكن الاستنتاج ، ان مفهومه للديموقراطية اقتصر حصرا على حق القلة الغنية في قيادة او رعاية المجتمع ، لانها الوحيدة القادرة على توفير مستلزمات التربية الشخصية الفاضلة .
المسألة الثانية :
نشأت الفكرة الثانية عند شتراوس عبر تردده على التاريخ القديم . حينما اكد في هذا السياق مقولة مفادها ان الكتب القديمة وحدها تشكل ينبوع معرفة الحقيقة ، بل انها مصدرها الوحيدلكشف سبر مكوناتها او ادراك ابعادها . فالاصول التي تحكم اعماله تمحورت بالتمييز بين الحداثة والتراث ، كما اعتمد التفريق المتميز بين الفلاسفة القدامى والمحدثين عبر تاريخ الفكر السياسي ، حينما اعتبر القدماء حكماء واصحاب ارادة ، في حين نعت فلاسفة الحداثة سوقيون او مبتذلون . فالاستبداد الذي دافع عنه الفلاسفة القدماء ، اعتبره شتراوس حقا طبيعيا يتجاوز مسألة غياب القانون او يتعدى نظام الحكم ذاته .
لقد امتنع شتراوس عن معالجة الشؤون المعاصرة ، حينما ركز فقط على قراءات المعارف الاغريقية الكلاسيكية ، كما تعمق في مراجعة ودراسة الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية والاسلامية ( المصدر - رقم 5 ) . بالتالي حاول من خلال هذه القراءات ، تمجيد القوة التي اعتبرها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاهداف والغايات المرغوبة . هكذا حاول تأويل وتحريف مثل هذه الكتابات والمراجع التاريخية لتوفير القناعات باطروحاته ومقولاته المختلفة .
ان استخدام شتراوس للمفردات الارسطوطاليسية وترديده المكثف لها في كتاباته ، اراد منها استفزاز المفكرين المعاصرين ، خصوصا فيما يتعلق باطروحاته او توكيداته على قيام نظريات الحداثة بتخريب و/ او رفض القيم الاخلاقية والفضيلة ، التي تشكل عنده قاعدة او اساس الديموقراطية . علاوة على ذلك رفض شتراوس ، القيم الاوروبية الحديثة المتعلقة بالحضارة والعقلانية الناجمة عن حركة التنوير ، بكل ما خلفته من نظريات فكرية ، مثل " النظرية النسبية " او التاريخية او الوجودية او الماركسية ، التي رفضت جميعها وجود " السامي " او ضرورة هيمنة الحكماء والقلة من السادة .
عليه ، لابد ان تظل معرفة الحقيقة حصرا بالرجل الحكيم الذي يستطيع وحده الوصول الى مكنوناتها . وقد استخلص شتراوس هذا الحق من خلال تحريفه فكرة افلاطون حول " الكذبة الفاضلة " ( المصدر - رقم 4 ) . وهكذا ظل خلفاءه وانصاره يدافعون عن فكرته هذه ، رغم ان افلاطون اعتبر الكذبة الفاضلة ، قصة او رواية ، جميع تفاصيلها زائفة بما تحتويه مكنونها من حقيقة عميقة . ففي اسطورة " المعادن " لافلاطون ، نجد اشارة واضحة لامتلاك بعض البشر روحا خالصة مثل الذهب .... أي ان لديهم قدرة كافية لمواجهة اغراءات السلطة ونبذ استخدام القوة . وهذه الفئة يمكن التعويل عليها اخلاقيا ، كما انها جديرة بالثقة والاحترام ... انها وحدها تمتلك الحقيقة السرمدية المطلقة ( المصدر - رقم 4 ) .
انصب فهم شتراوس لهذه المقدمات الافلاطونية على جانب احادي ، حيث ركز فقط على ضرورة امتلاك الفيلسوف العاقل " الرجل الحكيم " هذه الروح الخالصة ، بالتالي يجب ان يسمو ويفوق الاخرين . انه يمتلك امتيازا فكريا ليس بالضرورة اخلاقيا لتوجيه الامة وقيادتها .
شكّل الرجل الحكيم عند شتراوس ، ترياقا ضد الحداثة عندما اعتبرها عصر اشباع رغبات الفرد العاطفية وغرائزه الحيوانية ، مثل حب الثروة والمال ، المتعة ، التسلية اللامحدودة . من هنا ، ولاجل اشباع هذه الشهوات تم اختزال الفرد ، بل حوّل بشكل مقصود الى بهيمة .
فالاقتصاد - بحسب رايه - جعل حياة الانسان مجرد " تسلية " كما قاد الى افساد السياسة ، التي اعتبرها شتراوس ، نزاعا بين جماعات ترغب الاقتتال حتى الموت .....وباختصار تعتمد انسانية الفرد - بحسب رايه - على قدرته للاندفاع في هذه المعركةاراديا حتى الموت ، خصوصا انه لابد من شن هذه الحرب السرمدية ضد الحداثة لحماية الامة من اعدائها الخارجيين ، ومقارعة موجات الانحطاط والتفسخ الناجمة عن مظاهر الكسل والترهل ، الملذات المصاحبة للحداثة ، كل ذلك من اجل تنشيط الروح الوطنية ورفع معنويات الاستشهاد .
فمثل هذه التحريفات المتعمدة او الافكار العاطفية المتناقضة استغلها المحافطون الجدد من انصار شتراوس الى ابعد مدياتها ..... كما تجلى ذلك في نطرة التعالي والسلوكية العنجهية في ممارسات الطغمة الحاكمة بالولايات المتحدة الاميركية حاليا .
علاوة على ذلك ، تناغمت افكار شتراوس مع المشاعر الدينية .... هكذا شكلت توليفة الدين والقومية اكسيرا (2) يستطيع تحويل الفرد المحب للمتعة واللذة المترهل الى شخص وطني مناضل ، مستعد للتضحية والفداء من اجل الله زالوطن .
يتجلى الركن الهام في النظرة الفلسفية لشتراوس في تصنيف المجتمع الى ثلاث فئات : الحكماء ، السادة ( الجنتلمان ) الفئة العامة " الجماهير المبتذلة " ( المصدر - رقم 4 ) . فالرجل الحكيم هو ذلك الرجل المحب للقسوة والخشونة ، المؤمن بالحقيقة الصرفة ، ينظر الى بواطن الامور دون خوف او وجل ، علاوة على رفضه الاوامر الالهية او الاخلاقية . ويكرس جهده للدفاع عن " النخبة السادة " .
الفئة الثانية هي السادة او الجنتلمان .... نخبة محبة للمجد والشهرة ، تمارس المداهنة مع تقاليد المجتمع واعرافه ، كما يجب ان تتقمص المراوغة او الاستسلام الكاذب لارادة الامة ... لاجل كسب ثقتها وتأييدها لتحقيق اهدافها ، بحسب تعاليم " الرجل الحكيم " .
اما الفئة الثالثة ... فهي الاكثرية " العامة " هم افراد محبون للثروة ، المتعة ، تتسم بالانانية ، الكسل ، الترهل ... ويشكل الموت من الخوف او من الكوارث عندها الهاما حقيقيا .
هذا ، لاجل تمكين الرجل الحكيم من دعم " النخبة " لتطويع واخضاع " العامة " لابد ان يعتمد الكتمان والسرية ، ليس لتحجيم مشاعر العامة او كبتها فحسب ، بل حماية فئة السادة من ثأر او انتقام الفئات المبتذلة .
عليه ، نرى ان التعاليم " الشتراوسية " هذه ارادت توفير القناعات لفئة السادة او النخبة الحاكمة باعتبارها قلة طبيعية يجب عليها ممارسة الاضطهاد والاستبداد لتحقيق غاياتها . .. وبناءا عليه ، ليس غريبا ان تتعاظم شكوك " النخبة " السادة ، او تتعمق ظنونها بكل ما يحيط بها في عالم اليوم الذي شاعت فيه افكار الحداثة التي تتطلب او تنادي بالحقوق والحرية والسلام . كما زادت مخاوفها من تعمق روح اللاتسامح لدى الفئة العامة مع تعليمات الرجل الحكيم .
فجميع هذه المعطيات اوجبت على فئة السادة ، الانتباه ... بل تحتم عليها استخلاص او ايجاد كافة تبريرات الكذب والتلفيق لحماية انجازاتها . عليه اصبح الكذب والتلفيق عند شتراوس حضارة ، كما هو حق متميز للرجل الحكيم ( المصدران 3 و4 ) .
لقد عمد شتراوس الى تحريف افكار الفلاسفة القدامى ، كل ذلك لتبرير او لايمانه بضرورة حجب الحرية او الحقيقة عن الجماهير " العامة " الضالة او المبتذلة ... حيث سيشعر الشعب بالسعادة عندما يؤمن بوجود حق طبيعي وحيد ... حق الشخص المتميز في حكم ، ادارة ، توجيه الفئات العامة ، أي وجود حق السيد على العبد ، او حق الرجل على زوجته ... حق الحكيم على الاكثرية ( المصدر - رقم 5 ) .
يتعلق المحور الاخر لفكر شتراوس بمسألة العدالة ، حيث انه تأثر كثيرا بمقولات الخطيب والكاتب اليوناني ثراسيماخوس ( 3) Thrasymachus ( 400 - 459 ق. م ) التي بدورها تركت اثارا واسعة على نظرية الاخلاق والسياسة . وقد شكلت فكرة ثراسيماخوس ، نقدا اساسيا للقيم الاخلاقية ، كما اعتبر العدالة ... مجرد ميزة القوي ، او طاعة وامتثال للقانون ، او انها ميزة الاخرين . هكذا
نظر شتراوس للعدالة مجرد ميزة للقوي ، اضافة الى انها حكم القوي على الضعيف ... من هنا نرى شتراوس تقاسم مع افلاطون نظرة مشتركة تؤكد ان العدالة مجرد مصلحة القوي ، كما يجب على الذين يتولون السلطة ، اعتبار العدالة هي ذاتها قواعد مصالحهم .
تعمقت هذه النظرة حول العدالة في فكر المحافظين الجدد ، الذين يؤمنون بالنظرة المتفائلة حول القيم الشمولية لنموذج الديموقراطية الاميركية ، كما انهم يحاولون فرض ارادة القوي على الضعيف بالامر الواقع ، او يؤمنون باستخدام القوة في السياسة لتوجيه الافكار والمسائل ، وضرورة ممارسة وتطبيق مذهب الفاعلية الاميركية ، أي حتمية اتخاذ الاجراءات الفعالة - مثل استخدام القوة - لتحقيق الاهداف السياسية .
اخيرا ، لابد من الاشارة الى موقف شتراوس من العدمية (4) او الالحاد ، حيث تعتقد البروفيسورة شادية دوروري (5) ان شتراوس عدمي " لاعتقاده بعدم وجود اسس عقلانية للاخلاق ، كما انه يعد ملحدا ... لانكاره ، ليس فقط وجود الله ، بل لايمانه بعدم وجود قواعد اوخلفيات للاخلاق . توجد في الحياة - بحسب راي شتراوس - مجرد مكافأة او عقاب فقط . اضافة الى ذلك فانه يعتبر عدميا بالعلاقة مع رفضه الحقائق والمعتقدات لتسخيرها في تفسير الاشياء . ولكنه - رغم ذلك - يؤكد على وجود واقع يتكون بحسب طبيعته او ترتيبات اولويات نظامه من سلم او درجات السمو والوضاعة . من هنا يلتقي شتراوس مع نيتشه ، الذي يعتقد - بدوره - ان الحضارة ستقود الى انتصار الفئات المنحطة بالمجتمع . هذه بلا شك غوغائية يرددها الاثنان معا " ( المصدر - رقم 4 ) .

ثانيا - المحافظون الجدد وحرب الارهاب :
ان افكار ومواقف شتراوس التي تم عرضها في اعلاه ، وجدت ارضا خصبة بين الطلاب المحافظين بالولايات المتحدة الاميركية بداية عقد الستينات والسبعينات . كما ان تركيز شتراوس على قراءة كتابات الفلاسفة القدماء ، كافلاطون وغيره من ناحية ، والتمشدق باصول الفلسفة اليونانية حول القيم والاخلاق من الناحية الاخرى ... كل ذلك شكّل ايقونة الهام للشباب المحافظ . فهذه اليونانية القديمة وهذه الافلاطونية ، تحولت الى مركبات او تصاميم تجريدية ، بل اصبحت رموزا مرجعية للترويج عن الفضيلة الاميركية الجديدة لتسويقها سياسيا او تسخيرها لخدمة الاهداف الجيوسياسية للنخبة المسيطرة على تلابيب وشريان الاقتصاد العالمي واسواق المال الكونية .
ترافق ترديد " الفضيلة " عتيقة الطراز ، بكل ما يعتريها من غموض مع تراتيل لاهوتية دينية تعاظمت من جراء تصاعد تأثير الحركات البروتستانتية التقليدية ، بالتالي حصل تزاوج بين افكار المحافظين الجدد المستندة على الفلسفة الشتراوسية واليمين الديني ، القائم على الاندماج المسيحي اليهودي الجديد او ظهور " مسيح جديد " . لاسيما وان هذا الجناح الديني اليميني للصهيونية المسيحية ، اخذ يلعب دورا هاما في صياغة السياسة الاميركية تجاه اسرائيل والشرق الاوسط ( المصدر - رقم 2 ) . فمن خلال تعبئة رجال الدين اليمينيين ، وتبني مواقف محافظة للشتراوسية ، تم التركيز على قضايا اجتماعية حساسة ( حقوق المرأة ، التربية الجنسية ، اللواط وزواج المثليين والمثليات ) كل ذلك ساعد في تعبئة الملايين من السكان لدعم واسناد الحزب الجمهوري واليمين المحافظ من انصار الدين الاصولي او انصار ليو شتراوس .
هكذا ، تمكن المحافظون الدينيون الاصوليون تشكيل حركة سياسية هامة ، فرضت ذاتها على الادارة ، كما تحول الرئيس الاميركي بوش الابن ، زعيما روحيا لها بالامر الواقع . ويلاحظ من تصريحات بعض زعماء " التحالف المسيحي " قولهم " اننا لا نحتاج الى رمي البناية بالحجارة ، فنحن الان داخل البناية ( يقصد الادارة الاميركية ) ان الله يعلم ان جورج بوش يمكن اخضاعه وتطويعه " ( المصدر - رقم 2 ) .
ان تعاظم ترويج مفردات الايمان اللاهوتي حول السمو والرقي والاستشراف الناجمة عن الترابط العضوي بين الاصولية الدينية التقليدية والاندماج الصهيوني المسيحي مع تفسيرات خلفاء شتراوس كل ذلك اريد به تبرير فرض المثل العليا للولايات المتحدة الاميركية ، باعتبارها القوة الوحيدة التي تستطيع التصدي للبرابرة ومحاور الشر ... او بالاحرى لتحقيق الاهداف الاستراتيجية الجيةسياسية للولايات المتحدة الاميركية التي تتمحور ضمن الامور العديدة التالية :
1 - تحييد البلدان الصناعية الاخرى ، بل السعي لاخضاعها او تقليم قدراتها لتشكيل نظام عالمي جديد بعيد عن الهيمنة الامريكية .
2 - تعزيز رقابة اميركا على حلف الناتو للتاثير على الاحداث في شرق اوروبا وبلدان الاتحاد السوفييتي سابقا ، بعد انهيار الشيوعية .
3 - ممارسة نفوذ واسع على الشرق الاوسط وآسيا الوسطى ، بكل ما تحتويه هذه الاقاليم من موارد طبيعية هائلة ، وبخاصة البترول .
4 - ضمان استقرار الشرق الاوسط لتأمين مصالح اسرائيل ليس فقط في البقاء والديمومة ، بل لتعزيز قدراتها لتشكيل وتوجيه " الشرق الاوسط الكبير " .
5 - اعاقة صعود الصين لتلعب دورا دوليا هاما، او تقييد جهودها لتشكيل تحالفات اقليمية جديدة يمكنها التصدي للهيمنة الاميركية .
ان نشاط خلفاء شتراوس وانصاره تجاوز - بالطبع - مسائل القضايا الاكاديمية المتعلقة بالقيم الدينية والاخلاقية ، صراع الحضارات ، نهاية التاريخ ن حقول المعرفة الفكرية النظرية السياسية والتاريخية ، بكل ما تنطوي عليه هذه الكتابات من تاجيج النزاعات او تلفيق الحروب بين الشعوب ، او بين اصول وثقافات مختلفة ، بل امتد نشاطهم الى ممارسة السياسة ، حيث نرى اليوم شلة من اتباعه ولجت هذا الميدان ، كما دخلت معتركاته الوعرة من ابوابها الواسعة .
فهذا بول فولفويتز - نائب وزير الدفاع الاميركي سابقا ورئيس البنك الدولي حاليا - يقود مع شلة من انصار شتراوس عجلة السياسة في ادارة جورج بوش ، كما انه يحدد اجندتها .
تتلمذ بول فولفويتز على ايدي طالب شتراوس ، الاستاذ الن بلوم ، كما انه حضر عديدا من ندوات وحلقات دراسية لشتراوس .
واليوم تتقلد مجموعة من انصار شتراوس ومريديه اعلى المناصب في ادارة بوش ، منهم : وزير العدل السابق اشكروفت ، والقاضي في المحكمة العليا كليرتر توماس ، ومدير المشروع الخاص بوزارة الدفاع ابرهام شوفسكي ، ومدير مصنع افكار التوجهات السياسية للقرن الاميركي الجديد جلبرت شميت ، اضافة الى كبار الموظفين وصناع الراي والقرار السياسي في اروقة وزارة الدفاع ووكالات الامن الداخلي ( المصدر - رقم 1 ) .
احتضن علماء " نظرية المؤامرة " الفلسفة الشتراوسية ، التي اعتبروها اكلة شهية ، خصوصا في جوانبها النظرية الاكاديمية . فالمفكر الن بووم وطالبه فوكوياما - صاحب نظرية نهاية التاريخ - هما ايضا من اعضاء حلقة شتراوس .
من هنا يطرح المتابع الواعي والمراقب المتأمل ، السؤال الحق حول مدى مصداقية هذه النخبة الحديثة عندما تقوم في ربط خيالاتها او تكهناتها السياسية - الاجتماعية ، بما حصل في دولة المدينة ( القديمة )
Polis خصوصا عندما تؤكد على امكانية التعرف على ذاتها من خلال هذه الاحداثيات .
عليه ، ليس غريبا ان تحمل صفحة شبكة المعلومات العالمية " الانترنت " للشتراوسية شعار التوجو واكليل الغار بمعية صورة بول فولفويتز ، للتوكيد على المقاربة مع العصور القديمة ، التي بدورها لا يمكن استنفاذها من خلال الرسوم المتحركة ، بل امتدت المقاربة هذه الى الكتابات الاكاديمية . منها الكتاب الصادر عن الن بووم تلميذ شتراوس واستاذ فولفويتز ، الموسوم " اقفال الذاكرة الاميركية - 1987 " ( المصدر - رقم 1 ) . حيث حاول المؤلف مقارنةاراء خلفاء شتراوس بالولايات المتحدة الاميركية مع افكار الفلاسفة القدماء ، مستهدفا من ذلك - فقط - تعزيز ادعاءات انصار شتراوس ، الداعمين للمحافظين الجدد حول انحطاط البحوث والدراسات في حقل علم الاجتماع فحسب ، بل استهدف ايضا مناقشة الاوضاع السائدة بكل ما تتميز به من سوء وحقارة .
يقول الن بووم " ان احداثا وقعت مثل وودستوك ( 6 ) او مشاهد محاكمات نورمبرغ للنازية .... جميعها شواهد تتغير ، كما يمكن تعويضها باحداث جديدة ، لكن تظل مسألة العودة الى الحقيقة السرمدية ( 7 ) امرا لا مناص عنه ، عليه لا بد لنا من العودة الى سقراط وتعاليمه ... " . ومما لاشك فيه ان بلووم يحاول في موقفه هذا ، مداعبة غريزة الاستشهاد خصوصا ان سكان اثينا احجموا عن سماع تعاليم سقراط ، بل قاموا بالتنكيل بالفلاسفة .
فجميع هؤلاء الاشخاص يمارسون ، بحسب تعبير البروفيسورة شادية دوروري ( المصدر - رقم 4 ) خدعة متماسكة تعتمد الكذب والتلفيق ، المستند على الشتراوسية الذي امتد الى حربهم ضد العراق .
يثير كثير من نقاد الحرب والسياسة الاميركية ، تساؤلات مثل " هل قامت الادارة الاميركية بتضليل الشعب الاميركي لاجل كسب تأييده في شن حرب غير عادلة ، لا شرعية تتعارض مع اصول وقواعد القانون الدولي والاعتبارات الاخلاقية ؟ ! " .
يقول الكاتبان الاميريكيان : روبرت توركر وديفيد هندركسون ( المصدر - رقم 7 ) " لقد تصرفت واشنطن لاشرعيا عند غزوها العراق ، كما ان الاحداث التي تلت العمليات العسكرية ( عدم وجود اسلحة الدمار الشامل ، حل الدولة والجيش ، فقدان الامن والفوضى ، التعذيب ، الرشوة والفساد وتبديد موارد وخيرات العراق ، الاف القتلى والمرضى ) قد ساهمت في افساد وتلويث مصداقية او الشرعية الاميركية وتعاظم الكراهية والضغينةضد الولايات المتحدة الاميركية في العالمين العربي والاسلامي . لقد اهملت ادارة بوش ، ضرورة تامين الشرعية الدولية لحربها في العراق .... حينما صممت على تبني مبدأ الحرب الوقائية في اطار استراتيجية الفعل الاستباقي لتخليص العالم من محور الشر او الحكومات المستبدة او لنشر الحرية والديموقراطية - وجميعها شعارات هلامية - وجلها صيغة استباقية للدفاع عن النفس عندما يكون التهديد وشيكا او جعله مطلبا شرعيا . فمثل هذا المنهج او المقاربة هذه غير مقنعة ، خصوصا ان حيازة مثل هذه الاسلحة قد لا تشكل حجة كافية لشن هجوم وشيك " ( المصدر - رقم 7 ) . بالطبع انهار هذا المنهج كاملا عندما اخفقت اميركا في العثور على اسلحة الدمار الشامل ...." (8) .
وهكذا ظلت الدعوة للهجوم غير مقبولة ، كما تعارضت مع القانون والشرعية ، خصوصا عند غياب دليل على وشوك حدوث الخطر المحدق ... مع ذلك ظلت الادارة تطبع حربها الوقائية بوسمة قانونية او شرعية من دون وجود اسانيد قانونية فعلية .
استفاد الداعون والمنفذون للحرب العراقية ، على كتابات زملاء لهم حاولوا تسخير التناظر في حرب اثينا - اسبارطة الاولىمع حرب الارهاب او الحروب الاستباقية . فمثل هذا التناظر يواجه صعوبات لتفسير حرب الارهاب التي شنت من طرف واحد . لان هذه الحرب التي اقحمت اميركا حلفاءها وكل العالم بها ، تبدو مسألة وهمية ، بل ربما ملفقة لتحقيق اهداف وغايات جيوسياسية ، اشرنا اليها فيما سبق ، خصوصا ان المدافعين او المنفذين لهذه الحرب يحاولون التصدي وحجب كافة الاراء الموضوعية التي تهدف تبيان دوافعها الحقيقية او استشفاف اسبابها .... كل ذلك انطلاقا من تبريرات الحفاظ على المصالح القومية العليا او التشدق بالاعتبارات العسكرية الامنية ، بضرورة السرية والكتمان .
علاوة على ذلك ، تمت اعاقة نشر واشاعة او بث مثل هذه الكتابات الجادة بسبب خضوع وسائل الاعلام لمشيئة نخبة ترويج الحرب الاستباقية او الحرب ضد الارهاب . هذا ، كما اخمدت محاولات جادة لكشف ابعاد هذه الحرب " الوهمية " . وبالتالي ظلت ترويجات واذاعات المحافظين الجدد او القائمين بها ، في سوق الاعلام فقط .
ضمن هذا السياق ، نود هنا ايراد اهم تفسيرات الحرب الوقائية ضمن استراتيجية الفعل الاستباقي من منظور المحافظين الجدد ، التي وردت في كتاب دونالد كاجان ( المصدر - رقم 1 ) من جامعة ييل الاميركية ، الموسوم " تاريخ الحروب اليونانية " الصادر عام 2003 .
يشكل الكتاب مرافعة قضائية لما يطلق عليه الحرب الوقائية ، التي تشنها قوة عظمى من طرف واحد ، لاجل دعم منظوره للحرب الوقائية للقوة العظمى ، حاول الكاتب كاجان اخفاء او تحريف بعض ما جاء في التقرير التاريخي الذي وضعه المؤرخ اليوناني ثيوكاديس ( 480 - 400 ق.م ) ( 9 ) خصوصا بما يتعلق بالتعاون الوثيق بين هذا المؤرخ مع السياسي والاستراتيجي المحنك بريكليس (10) الذي ناضل لاكثر من ثلاث سنوات لتخفيف وطأة العداء بين اثينا واسبارطة ، كما سعى حثيثا لايجاد تسوية سلمية للنزاع ... ان تحاشي ذكر هذه الحقائق الناصعة اريد بها اخفاء مقولة " القوة " وحدها تحقق الاهداف ... وهي المسألة التي ابتدعها شتراوس ، وسار عليها خلفاؤه .
فحسب الرواية التاريخية التي تعمد كاجان اغفالها في كتابه ، حصل فراغ سياسي بعد وفاة بريكليس ، كما ظلت الجماعات المختلفة تتطاحن فيما بينها ، ودخلت في جدل عقيم ... مما مكن الصقور على الاستيلاء على قيادة الدولة - المدينة بقيادة المقاتل ( كليون ) الشغوف بالحروب والمعارض لتقديم التسويات ، والداعي الى حل النزاعات باستخدام العنف والقوة .عليه تعتبر هذه الشخصية ، النقيض لبريكليس الشغوف بالحلول السلمية وتحاشي الحروب واراقة الدماء .
فعلى الرغم من اشارة الكاتب كاجان الى اسباب الحرب اليونانية القديمة ، التي شنت لاجل تعزيز الولاء والاخلاص للتحالفات بين الجماعات المختلفة وانقاذ الفضيلة المنتهكة ، نراه يتمادى حينما يتحول الى مدافع ، بل فخور بالقائد كليون وحربه التي دامت (30) عاما ، بكل ما تمخض عنها من نتائج كارثية ، تجلت في هزيمة اثينا الساحقة واستسلام سكانها عام 404 ق.م ، وقتل الالاف من الابرياء وتدمير وتخريب شامل للبنى والهياكل التحتية ، علاوة على ضياع الممتلكات .
انها نتائج حاول الكاتب المحافظ والمدافع عن الحروب الوقائية اهمال ذكرها ...وهو بالضبط ما يحصل الان في عراقنا ، حينما تعمدت الادارة الاميركية الجديدة الى عدم الاشارة لانتشار اعمال العنف والتعذيب او التخريب للدولة العراقية ومؤسساتها ... الخ ( المصدر - رقم 7 ) .
فوق كل ذلك امتنع الكاتب كاجان ، بل احجم عن استخلاص العبر والدروس من نتائج الحرب الكارثية هذه ... حينما نصح القارئ الى استخلاص الدروس من التاريخ بذاته . بذات الاسلوب يحاول اليوم ، المحافظون الجدد انكار هزيمة حربهم في العراق او ضد الارهاب ... فما هي هذه الديموقراطية و الحرية التي تدمر النسل والزرع ؟
هل هو " تدمير خلاق " كما اراده باول فولفويتز في تسويقاته الاعلامية لاخفاء او كتم فشل تخطيطه لحرب العراق او الحرب ضد الارهاب ؟ .
علاوة على ذلك ، ان المتابعة الدقيقة للحروب اليونانية ، تجعلنا نثير السؤال الحق حول اسباب تحاشي الكاتب كاجان ، الاشارة الى او التنويه بمسألة تمويل البارثيين " هيكل الالهة اثينا " في مدينة اثينا : حيث اجبر السكان على دفع الضرائب والاتاوات العشرية .... انها بلاشك معلمة واضحة للامبريالية اهملت كليا في كتابه الذي تجاوز الـ ( 500 ) صفحة .... لان اخفاءها يتماشى ، بل يتناغم مع الرؤيا الاميركية ، وابعاد الجماهير من الساؤل عن مصادر تمويل الحروب الاستباقية ، التي بلاشك من ابتلاع خيرات وموارد الشعوب والامم الاخرى او حتى من تصعيد الاعباء الضريبية .
اخيرا ، لابد من التوكيد مرة اخرى ، ان احتضان حلقات الفكر بالولايات المتحدة لمثل هذه المقاربات التاريخية او ربما الاساطير اللاهوتية او الشعوذة التاريخية ، كله يراد به تمرير و / او اخفاء اهداف وغاية هلامية سرية للنخبة ، بل زخرفتها بعبارات غامضة ، مثل الفضيلة ، الحرية ، الديموقراطية ، الاخلاق والدين . لتصب جميعها في نهاية المطاف في سمو ورقي قادة المجتمع الاميركي من ناحية ، وترك الرعية تسبح وتمجد هذه الانجازات ، من ناحية اخرى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ليو شتراوس Leo Strauss ولد في مدينة كرشن هايمن بالمانيا ( 20/9/1899 ) وتوفي في مدينة انا بوليس الامريكية في 18/10/1973 . وقد تتلمذ شتراوس على ايدي اساتذة كبار امثال Heidegger , Gassierer , Hassere حيث بدأ حياته العلمية باحثا في اكاديمية العلوم السياسية والديانة اليهودية ببرلين خلال السنوات 1925 - 1932 ثم هاجر الى الولايات المتحدة الاميركية عام 1938 . كما انه مارس التدريس بالمدرسة العليا للبحوث الاجتماعية في نيويورك عام 1949 . كما انه تقلد منصب بروفيسور الفلسفة السياسية في جامعة شيكاغو . اسس فلسفة سياسية باسم " الشتراوسية " . Brockhaus- Die Enziklopädie B d 19
(2) الاكسير مادة تعنيعتقد انها تطيل الحياة الى ما لا نهاية او انها مادة زعم اصحاب الكيمياء القديمة ، قدرتها على تحويل المعادن الرديئة الى ثمينة ، كالذهب مثلا .
(3) Thrasymachus http://www.google.com
(4) العدمية ... نظرة فلسفية تقول ان القيم والمعتقدات التقليدية ، لا اساس لها من الصحة . وان الوجود لا معنى له ولا غناء فيه .
(5) اعدت البروفيسورة دوروري ، قبل 15 عاما كتابها الاول حول الشتراوسية ، الموسوم " الافكار الرئيسية لشتراوس - 1988 " اعقبته بكتابها الثاني المعنون " ليو شتراوس واليمين الاميركي - 1994 " . واخيرا صدر كتابها الاخير " الارهاب والحضارة " .
(6) وودستوك wOODSTOCK مدينة في ولاية نيويورك ، اقيم فيها عام 1969 كرنفال لموسيقي الروك ، اشترك فيه اكثر من 500 الف متفرج ، وعزفت فيه اكثر من 32 فرقة موسيقية . وقد تحول الاسم - في ما بعد - الى رمز التجديد الثقافي والسياسي لجيل الهبيز .
(7) الحقيقة السرمدية التي اوردها منظر نخبة المحافظين الجدد الن بووم ، يبدو انها طبقت من قبل الشلة في اروقة البيت ، التي جاءت على لسان احد كبار المستشارين بالبيت الابيض ، وبرزت من خلال لقاء معه ... نشرته مجلة نيويورك تايمس ، يقول " ان يعيش المعلقون او المراسلون في الصحافة والاعلام في مجتمع واقعي صادق ، او يعتقدون بامكانية الوصول الى حلول عقلانية مناسبة ، لابد انهم غرباء عن عالمنا المعاصر .... حيث توقف هذا العالم منذ زمن بعيد . نحن الان امبراطورية تصنع حقيقتها بذاتها والخاصة بها ... ان شئتم تحليلها عقلانيا ... سنظل نكرر الحقائق الملفقة من قبلنا . نحن قوة فاعلة ، بل صناع تاريخ ... بلا شك تستطيعون الاستمرار في نقد ما نعمله .
(8) Peter Bockmal, Manipulierte Wirklicheit , Wiener Zeitung 12.06.2005
(9) Thukydides مؤرخ يوناني ، اصدر ثماني مجلدات من كتابه المذكور ، الكتاب الاول يعتبر مقدمة تاريخية واسباب الحرب اليونانية حينما اعتبرها نزاعا عنيفا . الكتاب الثاني ولغاية الكتاب الثامن ، تناول الترتيب التاريخي للحروب اليونانية . علاوة على ذلك عمل المؤلف قائدا لاسطول اثينا البحري
، ولكنه عجز عن حماية Amphilis فتم نفيه .
(10) Perkles ( 500 - 429 ق . م . ) رجل دولة ومفكر استراتيجي من اثينا . تمكن من وضع بصماته على تاريخ اثينا . تبنى اسلوب الانتخاب لتولي رئاسة الدولة - المدينة ... وظل ينتخب سنويا ، مما حول الديموقراطية الى صيغة حكم شبه ملكي . وقد تميزت سياسته الداخلية في حصر الحقوق المدنية على سكان اثينا الذين هم مولودون من ابوين اثينيين في اثينا. كما قرر صرف مكافأة نقدية للمشاركينفي المحاكم الشعبية او لحضورهم الانتخابات .


























موقع الحوار المحترمين
تحية واحترام
ارجوا التفضل بنشر هدا المقال فى موقعكم ولكم جزيل الشكر والاحترام
محمد سعيد



الشتراوسية وفكر المحافظين الجدد
اعداد : د . محمد سعيد العضب

المقدمة :
تستهدف هذه المقالة تسليط الضوء ، توضيح دلالات الفلسفة " الشتراوسية " وتاثيرها على صياغة وبلورة افكار وممارسات المحافظين الجدد ، الذين يسيطرون - كما هو معلوم - حاليا على تلابيب الادارة بالولايات المتحدة الاميركية ، خصوصا عندما تمكنت هذه المجموعة السيطرة ليس فقط على المؤسسة الاكاديمية الاميركية فحسب ، بل اخترقت جماعات الضغط ، النخب الحاكمة ، صانعي الراي ، متخذو القرارات السياسية ، علاوة على تواصلها مع القوى النافذة المسيطرة على السوق الكوني : الاقتصاد والمال العالمي .
يسعى المقال ايضا الى تبيان التلاحم الوثيق بين انتشار الكتابات والدراسات التي تعالج احداثيات العصور القديمة والديانات والاخلاق ، لمحاولة مقاربتها او ربطها بمسارات التوجهات السياسية - العسكرية الامنية بالولايات المتحدة الاميركية ، كل ذلك لاجل زخرفة ، بل تغطية اسرار الاهداف الحقيقية للطغمة الحاكمة ، وانصارها المحافظين الجدد ، ةلاجل تعزيز سيطرة امريكا على العالم والتحكم بمصير الشعوب الغنية والفقيرة ، على السواء .
انها محاولة اولية ، نأمل من القارئ الكريم اغناءها بالمناقشة ، النقد والاضافات .
اعتمدت المقالة على قراءة لمقالات ودراسات عالجت الموضوع ، نورد ادناه ، بعضا منها :
1 - Die Zweite Peloponnesische Krieg - von Phillips Blom .
مقالة نشرت في جريدة ستاندرد النمساوية ، بتاريخ 11 و 12 /6/2005
2 - The Influence of Christian Right on US Middle East Policy, by Steven Zunes 3 - Neo Con.Group Is Laying about WMD Justified ,by Neo Con.Philosophy (Leo Strauss ) http://www.google.com
4 - Nobles Lies and Perpetual War, Leo Strauss , the Neo Con. And Iraq , by Dany Postel ,12/10/2003 . Interview with Shadia Durury , Prof.Regincy University in Saskatchevan.wwww.geogle.com( leo Strauss)
5 - The Strategist and the Philosopher Leo Strauss and Albert Wohlstetter , by:
Alanian Frachon and Daniel Vernet, June 2003 .
.org http://www.computerpunch
6 - Mani Pulierte wirkicheit,von Peter Bocknal , Wiener Zeitung 12.06.2005. 7 - The Sourses of American Legitimacy , by Robert W.Turcker and David Hendrickson, Forein Affaires , Nov - Dez.2004 .

اولا - الفلسفة الشتراوسية :
تبرز المتابعة السريعة لادبيات فلسفة الحكم والدولة بالولايات المتحدة الاميركية ، عمق التلاحم بين احداثيات عصور قديمة مع السياسات الحاضرة . كما تعاظم استخدام مسميات : كالاغريق الجدد او اثينا الجديدة ، كل ذلك لاجل زخرفة ، بل لاضفاء معتقدات المحافظين الجدد ، او تبطين دوافعهم - اهدافهم وغاياتهم الحقيقية - او لتبرير شن الحروب الاستباقية السرمدية ، او لاجل استخدام القوة والعنف او تبني ما يطلق عليه " التخريب الخلاق " بكل ما تحمله هذه الوسائل والصيغ في طياتها من انتهاك لقواعد القانون الدولي او مراعاة الاجماع العالمي او المحافظة على السلام العالمي . وهو الامر الذي يلاحظ في كتابات عدد من المفكرين ، المقاربة الوثيقة ، او الربط بين حرب امريكا الاستباقية ضد الارهاب مع حرب الاغريق الاولى التي اندلعت بين اثينا واسبارطة ( 404 - 431 ق . م ) لاجل السيطرة على كامل البر اليوناني ، او بزعم الدفاع عن الفضيلة المنتهكة . فضمن هذا السياق يجري اليوم نعت حرب امريكا ضد الارهاب ، بالحرب الاغريقية الثانية " بولونيس " ( المصدر 1 ) .
فالمحافظون الجدد او الاغريق الجدد يعتقدون ببدء نضالهم ليس فقط من خلال تأثيرات العصور القديمة على مسارات الحاضر والمستقبل فحسب ، بل يصرون على تسخير هذا التراث لتحقيق اهدافهم ، لبناء عالم جديد امريكي النزعة والسيطرة .
ومما لاشك فيه ، ان مثل هذه المقاربة الشائعة اليوم ، تبدو هلامية ، بل تعبر عن تصورات خرافية ، لما يعوزها من اسناد علمي ، او افتقارها للادلة والبراهين النظرية والعملية ، بكل ما يتعلق بالاختلافات الشديدة في طبيعة ، خصوصيات ، مسارات حرب حدثت قبل ثلاثة الاف سنة ، مع حرب دائرة اليوم ، اشعلتها قوة عظمى من طرف واحد .
هناك تقاليد عريقة ، ارث طويل ، بل سوق رائجة في الولايات المتحدة الاميركية للتقريب او التماثل بين الفضيلة الاغريقية اليونانية " الجمهورية الفاضلة " القديمة ، مع " الفضيلة الاميركية السائدة " التي يدعو اليها المحافظون الجدد .
فالنظرة العابرة حول الهندسة المعمارية للمباني الحكومية في العاصمة واشنطن دي. سي . تكفي للتدليل على جذور خرافة الترابط بين اليونان القديمة واميركا الجديدة . اضافة لذلك ، فالمراجعة لمقولات الرئيس توماس جيفرسون نراها تصب هي ايضا في هذا السياق ، خصوصا عند توكيده على اهمية اليونان القديمة ، ابعاد تراثها على صيرورة الكينونة الاميركية ، وتعزيز الهوية الوطنية و / او موقع اميركا بالعالم من ناحية ، او ايمانه المخلص باحتضان اليونان القديمة ، نموذج الانسان الامثل الفاضل ، الذي يجب ان يشكل قدوة للانسان الحاضر ، كما يجب ان يتسم الجميع بكافة صفاته من الناحية الاخرى ( راجع المصدر - رقم 1 ) .
فقد تحول التماثل في واشنطن اليوم الى عشق او غرام باليونان القديمة .... ان كان الحب من طرف واحد . كل ذلك من اجل تسخيره للنضال - كما يدعى - ضد البرابرة ، او للتصدي لمحاور الشر بالعالم ( مثلا ... مثلث محور الشر ، العراق - انذاك - ايران وكوريا الشمالية ) .
انه بلا شك هوس فكري واع ، استطاعت براعة التعبير الخطابي ، فذلكة الصياغات ، او فنون التسويق الاعلامي لهذه النخبة من زراعته في عقول كثيرين من الاجيال الاميركية ، خصوصا في اواسط النخب الحاكمة المسيطرة .
فالوصفة السياسية المعتمدة على الاثار القديمة او التراث اليوناني القديم ، ابتدعها الالماني ليو شتراوس (1) ... كما انه اسس عبرها فلسفة سياسية جديدة يطلق عليها اليوم " الفلسفة الشتراوسية " .
تتمحور الاركان الاساسية للفلسفة الشتراوسية في جملة قضايا نوجز اهمها فيما يلي :
- الركون الكلي على الكتب القديمة ، باعتبارها المصدر الوحيد ، او الينبوع الاوحد للحقيقة والمعرفة .
- رفض نظريات الحداثة او ما بعد الحداثة ، وبخاصة الماركسية ، الوجودية ، التاريخية ، الهيغيلية.
- النفور الكامل من مبادئ الديموقراطية والليبرالية الحقة .
- الايمان بالقوة باعتبارها اداة وحيدة لتحقيق الاهداف .- الايمان بفكرة افلاطون حول الكذبة الفاضلة .
- العدالة مجرد ميزة نسبية للقوي .
- الايمان بالعدمية ، حيث لا توجد اسس موضوعية للمبادئ والاخلاق .
- الاعتقاد بوجود درجات للسمو والوضاعة .
- تقسيم فئات المجتمع الى : حكماء ، سادة ، جماهير عامة مبتذلة .
وثمة مسالتان بلورت المقدمات الفكرية لشتراوس ، المشار اليها اعلاه ، انهما بدورهما اثرتا على فكر المحافظين الجدد ( المصدر - رقم 5 ) هما :
المسألة الاولى :
تجارب شتراوس الشخصية التي اكتسبها خلال فترة شبابه ، حيث امضى هذه الفترة اثناء انحلال جمهورية فايمار . حيث انه استخلص من هذه التجربة ، مسألة حاسمة مفادها عدم انسجام الديموقراطية - حتى تلك التي تهدف التصدي او مقارعة الاستبداد وانظمة الحكم الاستبدادية فقط من خلال بعث او تجديد القوة ، والعمل على استخدامها بكفاءة وفاعلية ( المصدر - رقم 5 ) .
عليه يعد شتراوس عدوا لدودا للديموقراطية والليبرالية ، حيث يعتقد ان غالبية الشعب هي جماهير مبتذلة ، وإن امتلكت القوة الكامنة ، بالتالي يتطلب استخدام وسائل الديموقراطية لتعبئة هذه الغالبية " المبتذلة " وتحريف ارادتها لاجل تطويعها والتحكم بخياراتها او ارادتها الذاتية ، حتى ان تطلب ذلك الامر ، حجر الحرية عنها .
ان انجاز هذه المهمة يشكل انجازا حيويا لفئة الحكماء والسادة ، هكذا تحولت عملية تحريف الديموقراطية ، الى مناورة ، كما اصبحت قاعدة يستخدمها المحافظون الجدد في كثير من الاوضاع والمناسبات ، كما حققت لهم نجاحات ملحوظة في حالات كثيرة .
ان ادعاءات المحافظين الجدد و خلفاء شتراوس حول دفاعه عن الديموقراطية والليبرالية تحولت الى نكتة مثيرة للضحك بسبب نفوره الشديد وكرهه لهما ( المصدر - رقم 3 ) خصوصا ان الشتراوسية تعتبر مسألة الحرية قضية عويصة يشوبها الغموض . كما يمكن تحريفها الى مقاصد وغايات خيّرة او شريرة ... فالفضيلة - الكلمة العتيقة الطراز - التي يستخدمها شتراوس باستمرار ويعوضها عن الحرية تنمو وتزدهر ، حسب رأيه فقط عبر التربية الجيدة ، التي تستلزم من الاباء والابناء بذل جهود كافية لتكوين الشخصية الصالحة الفاضلة . وبالنظر الى الفقر الذي يسود " العامة " فانه يحول دون تحقيق هذه التربية وبناء الفرد الفاضل ... بالتالي تتحول الديموقراطية الى ايدي الاغبياء بالمجتمع ، الذين يحاولون استغلالها وتوجيه مساراتها لخدمة مصالحهم الذاتية . عليه يمكن الاستنتاج ، ان مفهومه للديموقراطية اقتصر حصرا على حق القلة الغنية في قيادة او رعاية المجتمع ، لانها الوحيدة القادرة على توفير مستلزمات التربية الشخصية الفاضلة .
المسألة الثانية :
نشأت الفكرة الثانية عند شتراوس عبر تردده على التاريخ القديم . حينما اكد في هذا السياق مقولة مفادها ان الكتب القديمة وحدها تشكل ينبوع معرفة الحقيقة ، بل انها مصدرها الوحيدلكشف سبر مكوناتها او ادراك ابعادها . فالاصول التي تحكم اعماله تمحورت بالتمييز بين الحداثة والتراث ، كما اعتمد التفريق المتميز بين الفلاسفة القدامى والمحدثين عبر تاريخ الفكر السياسي ، حينما اعتبر القدماء حكماء واصحاب ارادة ، في حين نعت فلاسفة الحداثة سوقيون او مبتذلون . فالاستبداد الذي دافع عنه الفلاسفة القدماء ، اعتبره شتراوس حقا طبيعيا يتجاوز مسألة غياب القانون او يتعدى نظام الحكم ذاته .
لقد امتنع شتراوس عن معالجة الشؤون المعاصرة ، حينما ركز فقط على قراءات المعارف الاغريقية الكلاسيكية ، كما تعمق في مراجعة ودراسة الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية والاسلامية ( المصدر - رقم 5 ) . بالتالي حاول من خلال هذه القراءات ، تمجيد القوة التي اعتبرها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاهداف والغايات المرغوبة . هكذا حاول تأويل وتحريف مثل هذه الكتابات والمراجع التاريخية لتوفير القناعات باطروحاته ومقولاته المختلفة .
ان استخدام شتراوس للمفردات الارسطوطاليسية وترديده المكثف لها في كتاباته ، اراد منها استفزاز المفكرين المعاصرين ، خصوصا فيما يتعلق باطروحاته او توكيداته على قيام نظريات الحداثة بتخريب و/ او رفض القيم الاخلاقية والفضيلة ، التي تشكل عنده قاعدة او اساس الديموقراطية . علاوة على ذلك رفض شتراوس ، القيم الاوروبية الحديثة المتعلقة بالحضارة والعقلانية الناجمة عن حركة التنوير ، بكل ما خلفته من نظريات فكرية ، مثل " النظرية النسبية " او التاريخية او الوجودية او الماركسية ، التي رفضت جميعها وجود " السامي " او ضرورة هيمنة الحكماء والقلة من السادة .
عليه ، لابد ان تظل معرفة الحقيقة حصرا بالرجل الحكيم الذي يستطيع وحده الوصول الى مكنوناتها . وقد استخلص شتراوس هذا الحق من خلال تحريفه فكرة افلاطون حول " الكذبة الفاضلة " ( المصدر - رقم 4 ) . وهكذا ظل خلفاءه وانصاره يدافعون عن فكرته هذه ، رغم ان افلاطون اعتبر الكذبة الفاضلة ، قصة او رواية ، جميع تفاصيلها زائفة بما تحتويه مكنونها من حقيقة عميقة . ففي اسطورة " المعادن " لافلاطون ، نجد اشارة واضحة لامتلاك بعض البشر روحا خالصة مثل الذهب .... أي ان لديهم قدرة كافية لمواجهة اغراءات السلطة ونبذ استخدام القوة . وهذه الفئة يمكن التعويل عليها اخلاقيا ، كما انها جديرة بالثقة والاحترام ... انها وحدها تمتلك الحقيقة السرمدية المطلقة ( المصدر - رقم 4 ) .
انصب فهم شتراوس لهذه المقدمات الافلاطونية على جانب احادي ، حيث ركز فقط على ضرورة امتلاك الفيلسوف العاقل " الرجل الحكيم " هذه الروح الخالصة ، بالتالي يجب ان يسمو ويفوق الاخرين . انه يمتلك امتيازا فكريا ليس بالضرورة اخلاقيا لتوجيه الامة وقيادتها .
شكّل الرجل الحكيم عند شتراوس ، ترياقا ضد الحداثة عندما اعتبرها عصر اشباع رغبات الفرد العاطفية وغرائزه الحيوانية ، مثل حب الثروة والمال ، المتعة ، التسلية اللامحدودة . من هنا ، ولاجل اشباع هذه الشهوات تم اختزال الفرد ، بل حوّل بشكل مقصود الى بهيمة .
فالاقتصاد - بحسب رايه - جعل حياة الانسان مجرد " تسلية " كما قاد الى افساد السياسة ، التي اعتبرها شتراوس ، نزاعا بين جماعات ترغب الاقتتال حتى الموت .....وباختصار تعتمد انسانية الفرد - بحسب رايه - على قدرته للاندفاع في هذه المعركةاراديا حتى الموت ، خصوصا انه لابد من شن هذه الحرب السرمدية ضد الحداثة لحماية الامة من اعدائها الخارجيين ، ومقارعة موجات الانحطاط والتفسخ الناجمة عن مظاهر الكسل والترهل ، الملذات المصاحبة للحداثة ، كل ذلك من اجل تنشيط الروح الوطنية ورفع معنويات الاستشهاد .
فمثل هذه التحريفات المتعمدة او الافكار العاطفية المتناقضة استغلها المحافطون الجدد من انصار شتراوس الى ابعد مدياتها ..... كما تجلى ذلك في نطرة التعالي والسلوكية العنجهية في ممارسات الطغمة الحاكمة بالولايات المتحدة الاميركية حاليا .
علاوة على ذلك ، تناغمت افكار شتراوس مع المشاعر الدينية .... هكذا شكلت توليفة الدين والقومية اكسيرا (2) يستطيع تحويل الفرد المحب للمتعة واللذة المترهل الى شخص وطني مناضل ، مستعد للتضحية والفداء من اجل الله زالوطن .
يتجلى الركن الهام في النظرة الفلسفية لشتراوس في تصنيف المجتمع الى ثلاث فئات : الحكماء ، السادة ( الجنتلمان ) الفئة العامة " الجماهير المبتذلة " ( المصدر - رقم 4 ) . فالرجل الحكيم هو ذلك الرجل المحب للقسوة والخشونة ، المؤمن بالحقيقة الصرفة ، ينظر الى بواطن الامور دون خوف او وجل ، علاوة على رفضه الاوامر الالهية او الاخلاقية . ويكرس جهده للدفاع عن " النخبة السادة " .
الفئة الثانية هي السادة او الجنتلمان .... نخبة محبة للمجد والشهرة ، تمارس المداهنة مع تقاليد المجتمع واعرافه ، كما يجب ان تتقمص المراوغة او الاستسلام الكاذب لارادة الامة ... لاجل كسب ثقتها وتأييدها لتحقيق اهدافها ، بحسب تعاليم " الرجل الحكيم " .
اما الفئة الثالثة ... فهي الاكثرية " العامة " هم افراد محبون للثروة ، المتعة ، تتسم بالانانية ، الكسل ، الترهل ... ويشكل الموت من الخوف او من الكوارث عندها الهاما حقيقيا .
هذا ، لاجل تمكين الرجل الحكيم من دعم " النخبة " لتطويع واخضاع " العامة " لابد ان يعتمد الكتمان والسرية ، ليس لتحجيم مشاعر العامة او كبتها فحسب ، بل حماية فئة السادة من ثأر او انتقام الفئات المبتذلة .
عليه ، نرى ان التعاليم " الشتراوسية " هذه ارادت توفير القناعات لفئة السادة او النخبة الحاكمة باعتبارها قلة طبيعية يجب عليها ممارسة الاضطهاد والاستبداد لتحقيق غاياتها . .. وبناءا عليه ، ليس غريبا ان تتعاظم شكوك " النخبة " السادة ، او تتعمق ظنونها بكل ما يحيط بها في عالم اليوم الذي شاعت فيه افكار الحداثة التي تتطلب او تنادي بالحقوق والحرية والسلام . كما زادت مخاوفها من تعمق روح اللاتسامح لدى الفئة العامة مع تعليمات الرجل الحكيم .
فجميع هذه المعطيات اوجبت على فئة السادة ، الانتباه ... بل تحتم عليها استخلاص او ايجاد كافة تبريرات الكذب والتلفيق لحماية انجازاتها . عليه اصبح الكذب والتلفيق عند شتراوس حضارة ، كما هو حق متميز للرجل الحكيم ( المصدران 3 و4 ) .
لقد عمد شتراوس الى تحريف افكار الفلاسفة القدامى ، كل ذلك لتبرير او لايمانه بضرورة حجب الحرية او الحقيقة عن الجماهير " العامة " الضالة او المبتذلة ... حيث سيشعر الشعب بالسعادة عندما يؤمن بوجود حق طبيعي وحيد ... حق الشخص المتميز في حكم ، ادارة ، توجيه الفئات العامة ، أي وجود حق السيد على العبد ، او حق الرجل على زوجته ... حق الحكيم على الاكثرية ( المصدر - رقم 5 ) .
يتعلق المحور الاخر لفكر شتراوس بمسألة العدالة ، حيث انه تأثر كثيرا بمقولات الخطيب والكاتب اليوناني ثراسيماخوس ( 3) Thrasymachus ( 400 - 459 ق. م ) التي بدورها تركت اثارا واسعة على نظرية الاخلاق والسياسة . وقد شكلت فكرة ثراسيماخوس ، نقدا اساسيا للقيم الاخلاقية ، كما اعتبر العدالة ... مجرد ميزة القوي ، او طاعة وامتثال للقانون ، او انها ميزة الاخرين . هكذا
نظر شتراوس للعدالة مجرد ميزة للقوي ، اضافة الى انها حكم القوي على الضعيف ... من هنا نرى شتراوس تقاسم مع افلاطون نظرة مشتركة تؤكد ان العدالة مجرد مصلحة القوي ، كما يجب على الذين يتولون السلطة ، اعتبار العدالة هي ذاتها قواعد مصالحهم .
تعمقت هذه النظرة حول العدالة في فكر المحافظين الجدد ، الذين يؤمنون بالنظرة المتفائلة حول القيم الشمولية لنموذج الديموقراطية الاميركية ، كما انهم يحاولون فرض ارادة القوي على الضعيف بالامر الواقع ، او يؤمنون باستخدام القوة في السياسة لتوجيه الافكار والمسائل ، وضرورة ممارسة وتطبيق مذهب الفاعلية الاميركية ، أي حتمية اتخاذ الاجراءات الفعالة - مثل استخدام القوة - لتحقيق الاهداف السياسية .
اخيرا ، لابد من الاشارة الى موقف شتراوس من العدمية (4) او الالحاد ، حيث تعتقد البروفيسورة شادية دوروري (5) ان شتراوس عدمي " لاعتقاده بعدم وجود اسس عقلانية للاخلاق ، كما انه يعد ملحدا ... لانكاره ، ليس فقط وجود الله ، بل لايمانه بعدم وجود قواعد اوخلفيات للاخلاق . توجد في الحياة - بحسب راي شتراوس - مجرد مكافأة او عقاب فقط . اضافة الى ذلك فانه يعتبر عدميا بالعلاقة مع رفضه الحقائق والمعتقدات لتسخيرها في تفسير الاشياء . ولكنه - رغم ذلك - يؤكد على وجود واقع يتكون بحسب طبيعته او ترتيبات اولويات نظامه من سلم او درجات السمو والوضاعة . من هنا يلتقي شتراوس مع نيتشه ، الذي يعتقد - بدوره - ان الحضارة ستقود الى انتصار الفئات المنحطة بالمجتمع . هذه بلا شك غوغائية يرددها الاثنان معا " ( المصدر - رقم 4 ) .

ثانيا - المحافظون الجدد وحرب الارهاب :
ان افكار ومواقف شتراوس التي تم عرضها في اعلاه ، وجدت ارضا خصبة بين الطلاب المحافظين بالولايات المتحدة الاميركية بداية عقد الستينات والسبعينات . كما ان تركيز شتراوس على قراءة كتابات الفلاسفة القدماء ، كافلاطون وغيره من ناحية ، والتمشدق باصول الفلسفة اليونانية حول القيم والاخلاق من الناحية الاخرى ... كل ذلك شكّل ايقونة الهام للشباب المحافظ . فهذه اليونانية القديمة وهذه الافلاطونية ، تحولت الى مركبات او تصاميم تجريدية ، بل اصبحت رموزا مرجعية للترويج عن الفضيلة الاميركية الجديدة لتسويقها سياسيا او تسخيرها لخدمة الاهداف الجيوسياسية للنخبة المسيطرة على تلابيب وشريان الاقتصاد العالمي واسواق المال الكونية .
ترافق ترديد " الفضيلة " عتيقة الطراز ، بكل ما يعتريها من غموض مع تراتيل لاهوتية دينية تعاظمت من جراء تصاعد تأثير الحركات البروتستانتية التقليدية ، بالتالي حصل تزاوج بين افكار المحافظين الجدد المستندة على الفلسفة الشتراوسية واليمين الديني ، القائم على الاندماج المسيحي اليهودي الجديد او ظهور " مسيح جديد " . لاسيما وان هذا الجناح الديني اليميني للصهيونية المسيحية ، اخذ يلعب دورا هاما في صياغة السياسة الاميركية تجاه اسرائيل والشرق الاوسط ( المصدر - رقم 2 ) . فمن خلال تعبئة رجال الدين اليمينيين ، وتبني مواقف محافظة للشتراوسية ، تم التركيز على قضايا اجتماعية حساسة ( حقوق المرأة ، التربية الجنسية ، اللواط وزواج المثليين والمثليات ) كل ذلك ساعد في تعبئة الملايين من السكان لدعم واسناد الحزب الجمهوري واليمين المحافظ من انصار الدين الاصولي او انصار ليو شتراوس .
هكذا ، تمكن المحافظون الدينيون الاصوليون تشكيل حركة سياسية هامة ، فرضت ذاتها على الادارة ، كما تحول الرئيس الاميركي بوش الابن ، زعيما روحيا لها بالامر الواقع . ويلاحظ من تصريحات بعض زعماء " التحالف المسيحي " قولهم " اننا لا نحتاج الى رمي البناية بالحجارة ، فنحن الان داخل البناية ( يقصد الادارة الاميركية ) ان الله يعلم ان جورج بوش يمكن اخضاعه وتطويعه " ( المصدر - رقم 2 ) .
ان تعاظم ترويج مفردات الايمان اللاهوتي حول السمو والرقي والاستشراف الناجمة عن الترابط العضوي بين الاصولية الدينية التقليدية والاندماج الصهيوني المسيحي مع تفسيرات خلفاء شتراوس كل ذلك اريد به تبرير فرض المثل العليا للولايات المتحدة الاميركية ، باعتبارها القوة الوحيدة التي تستطيع التصدي للبرابرة ومحاور الشر ... او بالاحرى لتحقيق الاهداف الاستراتيجية الجيةسياسية للولايات المتحدة الاميركية التي تتمحور ضمن الامور العديدة التالية :
1 - تحييد البلدان الصناعية الاخرى ، بل السعي لاخضاعها او تقليم قدراتها لتشكيل نظام عالمي جديد بعيد عن الهيمنة الامريكية .
2 - تعزيز رقابة اميركا على حلف الناتو للتاثير على الاحداث في شرق اوروبا وبلدان الاتحاد السوفييتي سابقا ، بعد انهيار الشيوعية .
3 - ممارسة نفوذ واسع على الشرق الاوسط وآسيا الوسطى ، بكل ما تحتويه هذه الاقاليم من موارد طبيعية هائلة ، وبخاصة البترول .
4 - ضمان استقرار الشرق الاوسط لتأمين مصالح اسرائيل ليس فقط في البقاء والديمومة ، بل لتعزيز قدراتها لتشكيل وتوجيه " الشرق الاوسط الكبير " .
5 - اعاقة صعود الصين لتلعب دورا دوليا هاما، او تقييد جهودها لتشكيل تحالفات اقليمية جديدة يمكنها التصدي للهيمنة الاميركية .
ان نشاط خلفاء شتراوس وانصاره تجاوز - بالطبع - مسائل القضايا الاكاديمية المتعلقة بالقيم الدينية والاخلاقية ، صراع الحضارات ، نهاية التاريخ ن حقول المعرفة الفكرية النظرية السياسية والتاريخية ، بكل ما تنطوي عليه هذه الكتابات من تاجيج النزاعات او تلفيق الحروب بين الشعوب ، او بين اصول وثقافات مختلفة ، بل امتد نشاطهم الى ممارسة السياسة ، حيث نرى اليوم شلة من اتباعه ولجت هذا الميدان ، كما دخلت معتركاته الوعرة من ابوابها الواسعة .
فهذا بول فولفويتز - نائب وزير الدفاع الاميركي سابقا ورئيس البنك الدولي حاليا - يقود مع شلة من انصار شتراوس عجلة السياسة في ادارة جورج بوش ، كما انه يحدد اجندتها .
تتلمذ بول فولفويتز على ايدي طالب شتراوس ، الاستاذ الن بلوم ، كما انه حضر عديدا من ندوات وحلقات دراسية لشتراوس .
واليوم تتقلد مجموعة من انصار شتراوس ومريديه اعلى المناصب في ادارة بوش ، منهم : وزير العدل السابق اشكروفت ، والقاضي في المحكمة العليا كليرتر توماس ، ومدير المشروع الخاص بوزارة الدفاع ابرهام شوفسكي ، ومدير مصنع افكار التوجهات السياسية للقرن الاميركي الجديد جلبرت شميت ، اضافة الى كبار الموظفين وصناع الراي والقرار السياسي في اروقة وزارة الدفاع ووكالات الامن الداخلي ( المصدر - رقم 1 ) .
احتضن علماء " نظرية المؤامرة " الفلسفة الشتراوسية ، التي اعتبروها اكلة شهية ، خصوصا في جوانبها النظرية الاكاديمية . فالمفكر الن بووم وطالبه فوكوياما - صاحب نظرية نهاية التاريخ - هما ايضا من اعضاء حلقة شتراوس .
من هنا يطرح المتابع الواعي والمراقب المتأمل ، السؤال الحق حول مدى مصداقية هذه النخبة الحديثة عندما تقوم في ربط خيالاتها او تكهناتها السياسية - الاجتماعية ، بما حصل في دولة المدينة ( القديمة )
Polis خصوصا عندما تؤكد على امكانية التعرف على ذاتها من خلال هذه الاحداثيات .
عليه ، ليس غريبا ان تحمل صفحة شبكة المعلومات العالمية " الانترنت " للشتراوسية شعار التوجو واكليل الغار بمعية صورة بول فولفويتز ، للتوكيد على المقاربة مع العصور القديمة ، التي بدورها لا يمكن استنفاذها من خلال الرسوم المتحركة ، بل امتدت المقاربة هذه الى الكتابات الاكاديمية . منها الكتاب الصادر عن الن بووم تلميذ شتراوس واستاذ فولفويتز ، الموسوم " اقفال الذاكرة الاميركية - 1987 " ( المصدر - رقم 1 ) . حيث حاول المؤلف مقارنةاراء خلفاء شتراوس بالولايات المتحدة الاميركية مع افكار الفلاسفة القدماء ، مستهدفا من ذلك - فقط - تعزيز ادعاءات انصار شتراوس ، الداعمين للمحافظين الجدد حول انحطاط البحوث والدراسات في حقل علم الاجتماع فحسب ، بل استهدف ايضا مناقشة الاوضاع السائدة بكل ما تتميز به من سوء وحقارة .
يقول الن بووم " ان احداثا وقعت مثل وودستوك ( 6 ) او مشاهد محاكمات نورمبرغ للنازية .... جميعها شواهد تتغير ، كما يمكن تعويضها باحداث جديدة ، لكن تظل مسألة العودة الى الحقيقة السرمدية ( 7 ) امرا لا مناص عنه ، عليه لا بد لنا من العودة الى سقراط وتعاليمه ... " . ومما لاشك فيه ان بلووم يحاول في موقفه هذا ، مداعبة غريزة الاستشهاد خصوصا ان سكان اثينا احجموا عن سماع تعاليم سقراط ، بل قاموا بالتنكيل بالفلاسفة .
فجميع هؤلاء الاشخاص يمارسون ، بحسب تعبير البروفيسورة شادية دوروري ( المصدر - رقم 4 ) خدعة متماسكة تعتمد الكذب والتلفيق ، المستند على الشتراوسية الذي امتد الى حربهم ضد العراق .
يثير كثير من نقاد الحرب والسياسة الاميركية ، تساؤلات مثل " هل قامت الادارة الاميركية بتضليل الشعب الاميركي لاجل كسب تأييده في شن حرب غير عادلة ، لا شرعية تتعارض مع اصول وقواعد القانون الدولي والاعتبارات الاخلاقية ؟ ! " .
يقول الكاتبان الاميريكيان : روبرت توركر وديفيد هندركسون ( المصدر - رقم 7 ) " لقد تصرفت واشنطن لاشرعيا عند غزوها العراق ، كما ان الاحداث التي تلت العمليات العسكرية ( عدم وجود اسلحة الدمار الشامل ، حل الدولة والجيش ، فقدان الامن والفوضى ، التعذيب ، الرشوة والفساد وتبديد موارد وخيرات العراق ، الاف القتلى والمرضى ) قد ساهمت في افساد وتلويث مصداقية او الشرعية الاميركية وتعاظم الكراهية والضغينةضد الولايات المتحدة الاميركية في العالمين العربي والاسلامي . لقد اهملت ادارة بوش ، ضرورة تامين الشرعية الدولية لحربها في العراق .... حينما صممت على تبني مبدأ الحرب الوقائية في اطار استراتيجية الفعل الاستباقي لتخليص العالم من محور الشر او الحكومات المستبدة او لنشر الحرية والديموقراطية - وجميعها شعارات هلامية - وجلها صيغة استباقية للدفاع عن النفس عندما يكون التهديد وشيكا او جعله مطلبا شرعيا . فمثل هذا المنهج او المقاربة هذه غير مقنعة ، خصوصا ان حيازة مثل هذه الاسلحة قد لا تشكل حجة كافية لشن هجوم وشيك " ( المصدر - رقم 7 ) . بالطبع انهار هذا المنهج كاملا عندما اخفقت اميركا في العثور على اسلحة الدمار الشامل ...." (8) .
وهكذا ظلت الدعوة للهجوم غير مقبولة ، كما تعارضت مع القانون والشرعية ، خصوصا عند غياب دليل على وشوك حدوث الخطر المحدق ... مع ذلك ظلت الادارة تطبع حربها الوقائية بوسمة قانونية او شرعية من دون وجود اسانيد قانونية فعلية .
استفاد الداعون والمنفذون للحرب العراقية ، على كتابات زملاء لهم حاولوا تسخير التناظر في حرب اثينا - اسبارطة الاولىمع حرب الارهاب او الحروب الاستباقية . فمثل هذا التناظر يواجه صعوبات لتفسير حرب الارهاب التي شنت من طرف واحد . لان هذه الحرب التي اقحمت اميركا حلفاءها وكل العالم بها ، تبدو مسألة وهمية ، بل ربما ملفقة لتحقيق اهداف وغايات جيوسياسية ، اشرنا اليها فيما سبق ، خصوصا ان المدافعين او المنفذين لهذه الحرب يحاولون التصدي وحجب كافة الاراء الموضوعية التي تهدف تبيان دوافعها الحقيقية او استشفاف اسبابها .... كل ذلك انطلاقا من تبريرات الحفاظ على المصالح القومية العليا او التشدق بالاعتبارات العسكرية الامنية ، بضرورة السرية والكتمان .
علاوة على ذلك ، تمت اعاقة نشر واشاعة او بث مثل هذه الكتابات الجادة بسبب خضوع وسائل الاعلام لمشيئة نخبة ترويج الحرب الاستباقية او الحرب ضد الارهاب . هذا ، كما اخمدت محاولات جادة لكشف ابعاد هذه الحرب " الوهمية " . وبالتالي ظلت ترويجات واذاعات المحافظين الجدد او القائمين بها ، في سوق الاعلام فقط .
ضمن هذا السياق ، نود هنا ايراد اهم تفسيرات الحرب الوقائية ضمن استراتيجية الفعل الاستباقي من منظور المحافظين الجدد ، التي وردت في كتاب دونالد كاجان ( المصدر - رقم 1 ) من جامعة ييل الاميركية ، الموسوم " تاريخ الحروب اليونانية " الصادر عام 2003 .
يشكل الكتاب مرافعة قضائية لما يطلق عليه الحرب الوقائية ، التي تشنها قوة عظمى من طرف واحد ، لاجل دعم منظوره للحرب الوقائية للقوة العظمى ، حاول الكاتب كاجان اخفاء او تحريف بعض ما جاء في التقرير التاريخي الذي وضعه المؤرخ اليوناني ثيوكاديس ( 480 - 400 ق.م ) ( 9 ) خصوصا بما يتعلق بالتعاون الوثيق بين هذا المؤرخ مع السياسي والاستراتيجي المحنك بريكليس (10) الذي ناضل لاكثر من ثلاث سنوات لتخفيف وطأة العداء بين اثينا واسبارطة ، كما سعى حثيثا لايجاد تسوية سلمية للنزاع ... ان تحاشي ذكر هذه الحقائق الناصعة اريد بها اخفاء مقولة " القوة " وحدها تحقق الاهداف ... وهي المسألة التي ابتدعها شتراوس ، وسار عليها خلفاؤه .
فحسب الرواية التاريخية التي تعمد كاجان اغفالها في كتابه ، حصل فراغ سياسي بعد وفاة بريكليس ، كما ظلت الجماعات المختلفة تتطاحن فيما بينها ، ودخلت في جدل عقيم ... مما مكن الصقور على الاستيلاء على قيادة الدولة - المدينة بقيادة المقاتل ( كليون ) الشغوف بالحروب والمعارض لتقديم التسويات ، والداعي الى حل النزاعات باستخدام العنف والقوة .عليه تعتبر هذه الشخصية ، النقيض لبريكليس الشغوف بالحلول السلمية وتحاشي الحروب واراقة الدماء .
فعلى الرغم من اشارة الكاتب كاجان الى اسباب الحرب اليونانية القديمة ، التي شنت لاجل تعزيز الولاء والاخلاص للتحالفات بين الجماعات المختلفة وانقاذ الفضيلة المنتهكة ، نراه يتمادى حينما يتحول الى مدافع ، بل فخور بالقائد كليون وحربه التي دامت (30) عاما ، بكل ما تمخض عنها من نتائج كارثية ، تجلت في هزيمة اثينا الساحقة واستسلام سكانها عام 404 ق.م ، وقتل الالاف من الابرياء وتدمير وتخريب شامل للبنى والهياكل التحتية ، علاوة على ضياع الممتلكات .
انها نتائج حاول الكاتب المحافظ والمدافع عن الحروب الوقائية اهمال ذكرها ...وهو بالضبط ما يحصل الان في عراقنا ، حينما تعمدت الادارة الاميركية الجديدة الى عدم الاشارة لانتشار اعمال العنف والتعذيب او التخريب للدولة العراقية ومؤسساتها ... الخ ( المصدر - رقم 7 ) .
فوق كل ذلك امتنع الكاتب كاجان ، بل احجم عن استخلاص العبر والدروس من نتائج الحرب الكارثية هذه ... حينما نصح القارئ الى استخلاص الدروس من التاريخ بذاته . بذات الاسلوب يحاول اليوم ، المحافظون الجدد انكار هزيمة حربهم في العراق او ضد الارهاب ... فما هي هذه الديموقراطية و الحرية التي تدمر النسل والزرع ؟
هل هو " تدمير خلاق " كما اراده باول فولفويتز في تسويقاته الاعلامية لاخفاء او كتم فشل تخطيطه لحرب العراق او الحرب ضد الارهاب ؟ .
علاوة على ذلك ، ان المتابعة الدقيقة للحروب اليونانية ، تجعلنا نثير السؤال الحق حول اسباب تحاشي الكاتب كاجان ، الاشارة الى او التنويه بمسألة تمويل البارثيين " هيكل الالهة اثينا " في مدينة اثينا : حيث اجبر السكان على دفع الضرائب والاتاوات العشرية .... انها بلاشك معلمة واضحة للامبريالية اهملت كليا في كتابه الذي تجاوز الـ ( 500 ) صفحة .... لان اخفاءها يتماشى ، بل يتناغم مع الرؤيا الاميركية ، وابعاد الجماهير من الساؤل عن مصادر تمويل الحروب الاستباقية ، التي بلاشك من ابتلاع خيرات وموارد الشعوب والامم الاخرى او حتى من تصعيد الاعباء الضريبية .
اخيرا ، لابد من التوكيد مرة اخرى ، ان احتضان حلقات الفكر بالولايات المتحدة لمثل هذه المقاربات التاريخية او ربما الاساطير اللاهوتية او الشعوذة التاريخية ، كله يراد به تمرير و / او اخفاء اهداف وغاية هلامية سرية للنخبة ، بل زخرفتها بعبارات غامضة ، مثل الفضيلة ، الحرية ، الديموقراطية ، الاخلاق والدين . لتصب جميعها في نهاية المطاف في سمو ورقي قادة المجتمع الاميركي من ناحية ، وترك الرعية تسبح وتمجد هذه الانجازات ، من ناحية اخرى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ليو شتراوس Leo Strauss ولد في مدينة كرشن هايمن بالمانيا ( 20/9/1899 ) وتوفي في مدينة انا بوليس الامريكية في 18/10/1973 . وقد تتلمذ شتراوس على ايدي اساتذة كبار امثال Heidegger , Gassierer , Hassere حيث بدأ حياته العلمية باحثا في اكاديمية العلوم السياسية والديانة اليهودية ببرلين خلال السنوات 1925 - 1932 ثم هاجر الى الولايات المتحدة الاميركية عام 1938 . كما انه مارس التدريس بالمدرسة العليا للبحوث الاجتماعية في نيويورك عام 1949 . كما انه تقلد منصب بروفيسور الفلسفة السياسية في جامعة شيكاغو . اسس فلسفة سياسية باسم " الشتراوسية " . Brockhaus- Die Enziklopädie B d 19
(2) الاكسير مادة تعنيعتقد انها تطيل الحياة الى ما لا نهاية او انها مادة زعم اصحاب الكيمياء القديمة ، قدرتها على تحويل المعادن الرديئة الى ثمينة ، كالذهب مثلا .
(3) Thrasymachus http://www.google.com
(4) العدمية ... نظرة فلسفية تقول ان القيم والمعتقدات التقليدية ، لا اساس لها من الصحة . وان الوجود لا معنى له ولا غناء فيه .
(5) اعدت البروفيسورة دوروري ، قبل 15 عاما كتابها الاول حول الشتراوسية ، الموسوم " الافكار الرئيسية لشتراوس - 1988 " اعقبته بكتابها الثاني المعنون " ليو شتراوس واليمين الاميركي - 1994 " . واخيرا صدر كتابها الاخير " الارهاب والحضارة " .
(6) وودستوك wOODSTOCK مدينة في ولاية نيويورك ، اقيم فيها عام 1969 كرنفال لموسيقي الروك ، اشترك فيه اكثر من 500 الف متفرج ، وعزفت فيه اكثر من 32 فرقة موسيقية . وقد تحول الاسم - في ما بعد - الى رمز التجديد الثقافي والسياسي لجيل الهبيز .
(7) الحقيقة السرمدية التي اوردها منظر نخبة المحافظين الجدد الن بووم ، يبدو انها طبقت من قبل الشلة في اروقة البيت ، التي جاءت على لسان احد كبار المستشارين بالبيت الابيض ، وبرزت من خلال لقاء معه ... نشرته مجلة نيويورك تايمس ، يقول " ان يعيش المعلقون او المراسلون في الصحافة والاعلام في مجتمع واقعي صادق ، او يعتقدون بامكانية الوصول الى حلول عقلانية مناسبة ، لابد انهم غرباء عن عالمنا المعاصر .... حيث توقف هذا العالم منذ زمن بعيد . نحن الان امبراطورية تصنع حقيقتها بذاتها والخاصة بها ... ان شئتم تحليلها عقلانيا ... سنظل نكرر الحقائق الملفقة من قبلنا . نحن قوة فاعلة ، بل صناع تاريخ ... بلا شك تستطيعون الاستمرار في نقد ما نعمله .
(8) Peter Bockmal, Manipulierte Wirklicheit , Wiener Zeitung 12.06.2005
(9) Thukydides مؤرخ يوناني ، اصدر ثماني مجلدات من كتابه المذكور ، الكتاب الاول يعتبر مقدمة تاريخية واسباب الحرب اليونانية حينما اعتبرها نزاعا عنيفا . الكتاب الثاني ولغاية الكتاب الثامن ، تناول الترتيب التاريخي للحروب اليونانية . علاوة على ذلك عمل المؤلف قائدا لاسطول اثينا البحري
، ولكنه عجز عن حماية Amphilis فتم نفيه .
(10) Perkles ( 500 - 429 ق . م . ) رجل دولة ومفكر استراتيجي من اثينا . تمكن من وضع بصماته على تاريخ اثينا . تبنى اسلوب الانتخاب لتولي رئاسة الدولة - المدينة ... وظل ينتخب سنويا ، مما حول الديموقراطية الى صيغة حكم شبه ملكي . وقد تميزت سياسته الداخلية في حصر الحقوق المدنية على سكان اثينا الذين هم مولودون من ابوين اثينيين في اثينا. كما قرر صرف مكافأة نقدية للمشاركينفي المحاكم الشعبية او لحضورهم الانتخابات .







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,917,522,297





- الولايات المتحدة: إطلاق نار قرب واشنطن يوقع قتلى وجرحى
- أزمة الهجرة: حل عربي لإشكال أوروبي؟
- فرنسا: كيف تستفيد لوبان من طلب فحص -صحتها العقلية-؟
- ما مدى انعكاس توقيت تناول الوجبات على صحتك؟
- شاهد: أنوف مسافرين تنزف دما بسبب اختلال الضغط الجوي على متن ...
- شاهد: والدة ميغان دوقة ساسكس تنضم لابنتها لإصدار كتاب طهي من ...
- كتب مدرسية تركية تشوه صورة متظاهري -غيزي بارك-
- الحرس الثوري الإيراني يعتقل كاتبا ساخرا
- -الأصنام- تثير جدلا في الكويت
- ما مدى انعكاس توقيت تناول الوجبات على صحتك؟


المزيد.....

- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد سعيد العضب - الشتراوسية وفكر المحافظين الجدد