أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - حكمت الحاج - القسم الثاني والأخير من الصلة بين الشعر والسحر 2-2















المزيد.....



القسم الثاني والأخير من الصلة بين الشعر والسحر 2-2


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 1870 - 2007 / 3 / 30 - 09:23
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


مكانة الكلمة ووظيفة اللّغة في العملين السحري والشعري
وممّا له صلة بالمفهوم والأسس النظريّة وامتداد إلى ما عداهما منزلة الكلمة ودورها في العمليْن السّحري والشّعري. ويلاحظ المؤلف في هذا الشّأن أنّ الكلمة والحركة دعامتان أساسيّتان في هذين النّشاطين، ذلك أنّ السّحر ضربان "سحر الحركة" و"سحر الكلمة"، على أنّه يبدو لنا أنّ السّحر، عند العرب، ارتبط بالكلام أكثر ممّا ارتبط بالحركة، وظهر في الشّعر بهذا الاعتبار. قال بشّار بن برد (متغزّلاً): فكأنّ تحتَ لسانها هاروتَ ينفثُ فيه سِحْرَا (1)
وخصوصيّة الفنّ العربي الأولى أنّه فنّ لفظي أساسًا: هذه الخصوصيّة تفطّن لها أبو حيّان التّوحيدي وصاغها في عبارة رشيقة فقال عن العرب "وكان ولوعهم بالكلام أشدَّ من ولوعهم بكلّ شيء، وكلّ ولوع كان لهم بعد الكلام فإنّما كان بالكلام" (2).
 ويلاحظ أنّ لسحر الكلمة أشكالاً رئيسيّة ثلاثة هي التّعزيم والدّعاء واللّعن، غير أنّ الباحث يودّ أن يؤكّد في هذا المقام أنّه لئن كان للفنون الصّوتيّة أو فنون القول عامّة - والشّعر رأسها - صلة بالسّحر فهي صلة بسحر الكلمة بالذات: ولعلّ أهمّ جامع بين الشّعر والسّحر في هذا الصّدد هو موقف كليْهما من "الكلمـة": فهي فيهما موضوع اعتقاد، وهي مفتاح ألغاز الكون وطلاسمه ومغلقاته، وهي أولى الأدوات التي واجه بها الإنسان الطّبيعة كي يعيش وأولى المظاهر التي عبّر بواسطتها عن وجوده فيـها. وقد بيّـن روسّو (Rousseau) (1) أنّ الكلام، باعتباره أولى المؤسّسات الاجتماعية، مدين في تشكّله للعوامل الطّبيعيّة، وأنّ الدّوافع الأولى على انبثاقه كانت دوافع الرّغبة والرّهبة.
 وإذا نظرنا مع المؤلف إلى المسألة نظرًا آنيًّا لاحظنا أنّ الطّموحين السّحري والشّعري يستخدم كلاهما النّفوذ العجيب الذي تملكه الكلمات في موافقة طبيعة ما يُحمل عليها، وسلطة الخطاب النّافذ مباشرة إلى جوهر مرجعه. وهذا متأتّ من أنّ السّحر "يمثّل" مــا يرغب الإنسان في تحقيقه، ولكنّ "تمثيل" الظّاهرة و"الأثر" المرجو حصوله من ذلك التّمثيل غير منفصلين في المنطق السّحري، وهذا ناتج عمّا سبق أن سمّيناه "نمط التصوّر الوصلي" الذي يعتبر الكلمة وما تحيل عليه شيئا واحدًا، ومن ثَمّ كانت للكلام في جلّ المجتمعات القديمة "قدرة على تحويل ما يراه الإنسان حقيقة إلى حقيقة" (4)، وهو اعتقاد أساسه إلغاء المسافة بين العلامة اللّغويّة ومرجعها وبين اللّفظ والمعنى.
 ومناط اللّقاء بين الخطابين السّحري والشّعري في هذا المستوى أنّ كليهما يستخدم الصّدى الصّوتـي في تحقيق الانسجام  بين الدّوالّ والمدلولات ويعوّل على كثافة اللّغة وضباب العبارة عبر استهلاك الإرادة في الحدث اللّغوي المنظّم بحسب إجراءات معيّنة والمستند إلى ما سمّاه طوماس غرين "الحضور الفعلي" وقصد به "حلول الأشياء في الكلمات" (1). هذا الحضور ظاهرة موازية لحضور الطموح السّحري في الشّعر وهو طموح العبارة إلى الإثارة ونزوع القول إلى الفعل.
ويمضي د. المناعي قائلا إنّ المنطق الكفيل بمساعدتنا على تفهّم الكيفيّة التي "يحتوي" بها الكلام الشعري الفعلَ أو الشيء أو الشخص الذي يتطلّبه يكمن في أنّ نظام الإحالة في الخطاب الشعري ذاتي بحيث يغيّر علاقة الكلمات بالأشياء إذ يوقعها عليها : فالكلمة في الخطاب الشعري - وكذلك في الخطاب السحري - تغيّر الشيء فيما هي تقع عليه وتُحضره فيما هي تناديه، والخطاب الشعري في هذه الحال يستلهم آليات الخطاب السحري ويستخدم ميكانيزماته. ومنطلق الإحضار والتغيير أنّ الشعر يسعى إلى إعادة الحياة وأنّ الكلمات فيه تبتغي إعادة العالم، فالمرأة أو الوردة التي ترد في القصيدة هي إعادة لامرأة أو لوردة وجدت في العالم، أو هي إنشاء لها وإحضار، وهي كائن ينمو في عبارة وتركيب ونظم و"عاطفة تشتعل في الكلام" (1). 
 وكما يذكر الباحث فقد بيّنت البحوث الحديثة المتعلّقة بالسّحر أنّ الطقوس "المولِّدة" كانت دائمًا طقوسًا شفاهيّة، وأنّ سحر الكلمة سابق لسحر الحركة لأنّ الكلمة هي الفكرة الحيّة السّخنة الظّافرة.  "ونحن إنّما نختبر أقوالنا باليد، والعلم صَموت لأنّه عامل، ولئن كانت اليد عضو الفكر النّاقد، فالصّوت عضو الفكر الخالق (…) والخطوة الأولى للإعجاز هي أن ننسى أنّ لنا يدين" (2).
والاعتقاد في أنّ الكلمة أداة خلق اعتقاد عامّ في الشعوب القديمة عكسته جميع الكتب السّماوية : وفكرة إمكان الخلق بالقول فكرة "قوّانيّة" عند الإنسان القديم : فالكلمة أصل كلّ شيء ومبدؤه، واللّه - وهو القوة الخالقة مطلقا - إنّما هو كلمة : "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" (1) : هذه أولى آيات "العهد الجديد". وفي القرآن أنّ الخلق يكون بالكلمة : "إنّما أَمْرُهُ إذا أرادَ شيئا أنْ يقولَ له كُنْ فيكون"(2)، وأنّ التغيير، سواء بالتّحسين أو بالمسخ، يقع بالكلام أيضًا : "فقُلنا لهمْ كُونوا قِرَدةً خَاسِئين"(3). فالمنطلق إذن هو الاعتقاد المشترك - الظاهر أو الضّمني -  في أنّه بالكلمة يتمّ خلق أو يُغيّر خلق أو يُمحى خلق : "وإنّ مجرّد فكرة الخلق، والخلق بالكلمة (…) لَهو إعلاءٌ منقوص لفكرة سحريّة (…) والقدرة الخلاّقة وهم طفوليّ يرفعه السّحر إلى أعلى المراتب، والإلاه الخالق ساحر عظيم" (4).
ولقد بيّن المستشرق أ. دوتّي (E. Doutté)(5) أنّ مِلاك قيمة الألفاظ متأتٍّ - عند العرب بخاصّة - من المكانة العجيبة التي أولوها "للنّفَس" : فالنّفَس أصل الحياة وجوهرها، وهو إذا ما شُخِّصَ كان الرّوح. وقرّب هذا الباحث بين "النّفَس" و"النّفْس" وجعلهما بمعنًى، كما قرّب بينهما وبين "النّفْث" وهو يعني النفَس والوحي الشعريّ معا، وعلّق تعليقا طيّبا على عبارة "النفَس الشّعري" واعتبر أنّ الكلمة إنْ هي إلاّ النفَس وقد صات، ومن هنا جاءت قوّتها السّحريّة، فهي تجرح كمدية، وهذا: تصوّرٌ جاهلي حافظ الأسلام عليه فاعتُبر اللّعنُ أمرا ماديّا أو كالمادّي وأشبه الدّعاءُ على شخص مّا رميّةً ترميه أو قذيفةً تقذفه، وبات من الطبيعي البحث عن دعم هذه القوّة السّحرية عن طريق رفع العقيرة بالكلمة أو تكرارها وتعديد مرادفاتها وجناساتها وأسجاعها، ومن هنا جاءت - في التّعازيم - تلك السّلاسل الطوال المتشابهات من الصّيغ اللّفظية، وربّما كان هذا - على ما يبدو - أصل القوافي. وإنّ تعداد الألفاظ عن طريق التّكرار والجناسات مردّه الرّغبة في أن تُُستنفَذ من اللّفظ كامل القوّة السّحرية التي تكمن فيها وكامل شحنة النّجاعة المرجوّة منها.
ويبدو لنا كما سنرى مع الكاتب، أنّ الظّاهرة ذاتها تقريبًا كامنة في تصوّر منزلة اللّغة ونفوذ العلامة اللّغوية في الشّعر، ماثلة في تعويل الشّاعر على طاقة الكلام وعلى قدرته هو على الاهتداء إلى المناسب منه لاستثارة أرواح الأشياء والظواهر المستترة. هذا التصوّر أثر من آثار الحضور السّحري، وهو تصوّر عريق في الحركة الشّعريّة العالميّة، ولكنّه استعاد حيويّةً أوضح في الحركة الرّومانسيّة حديثًا. فإذا أردنا التّمثيل عليه كفانا تذكّر قول أبي القاسم الشّابيّ :
" إذا الشّعبُ يومًا أراد الحياةْ فلا بدَّ أن يستجيب القــدرْ
ولا بدّ للّيْل أنْ ينجلـــي ولا بُدَّ للقيْدِ أنْ ينكســـرْ "
كذلك قالت لِيَ الكائنــاتُ وخاطبني روحُها المستَتِرْ (2).

ولعلّ من نتائج الأعتقاد في القدرة السّحرية للكلمة تشخيص الكلمة في ذاتها وإحياءها وهو أمر يشترك فيه السّحر والشعر، ويتداخلان - في نفوذ الكلام، كلامهما، وقدرته على التأثير المحسوس في الأشياء المادّية وفي مقدّمة ابن خلدون خبر مثير في هذا المجال يقول فيه: "ورأينا بالعيان مَن يصوّر صورة الشّخص بخواصّ أشياء مقابلة لما نواه وحاوله موجودة بالمسحور (…) ثم يتكلّم على تلك الصورة التي أقامها مقام الشخص المسحور عينا أو معنى، ثمّ ينفث من ريقه بعد اجتماعه في فيه بتكرار مخارج تلك الحروف من الكلام (…) ويقع عن ذلك بالمسحور ما يحاوله السّاحر، وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسّحر وعمله مَن يشير إلى كساء أو جلد ويتكلّم عليه في سرّه فإذا هو مقطوع متخرّق، ويشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها بالبعج فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض" (2)... ولا يزال إلى يومنا هذا في بعض البوادي التونسيّة كما يخبرنا الباحث، مَن يعتقد أنّ في بني فلان رجلا يتكلّم على الصّخر فينشقّ، كما أنّه من المعروف أنّ علم النّفس السّريري مؤسّس على سلطة الكلمة وعلى قدرتها الشافية.
 
وظيفة التكرار والترديد الصيغي

 يرى ميخائيل إدواردز (M. Edwards) (1) أنّ التكرار مقولة متأصّلة في الفكر البشري وظاهرة أساسيّة في العالم المحيط بنا، وأنّ الشاعر إذ يكرّر الكلام إنّما يفعل ذلك كي يغيّر الماضي حتى يستطيع التقدّم بالرّغم من فداحة ما وقع، ذلك أنّ الشعر من زاوية نظر مّا هو الماضي الذي نكرّره من أجل المستقبل. وقد ذهب جون مولينو (J. Molino) وجويل تامين (J. Tamine) في تحديدهما لدلالة التكرار ووظيفته في الشعر، إلى أنّ للتكرار المعجمي أو التركيبي أساسًا أنتروبولوجيًّا يتمثّل في استعادة مواعيد ذات صلة بالأساطير والطقوس التي يضطرّ فيها الإنسان إلى إعادة فعل مّا عددًا من المرّات يكرّر في نطاقها ذلك الفعلُ - بشكل دوري - ما كان قد وقع، ويعبّر عن ذاته مباشرة بواسطة أغانٍ أو صيغ معادة. (2)
 ومن المعلوم أنّ للتكرار أهميّة قصوى في عمل الشعر مطلقًا: فهو من أبرز مقوّماته الفنيّة والمعنويّة، ثمّ إنّ له فيه - فيما يتصل بزاوية النظر التي ننظر منها إلى الشعر في مقامنا هذا - قيمة بالغة تتصل بكونه، شأنه شأن جميع أشكال الانتظام البشري، لا يستمدّ دلالته إلاّ من السّياق المعقّد الذي يندرج ضمنه. هذا السّياق ينيط به في تجربة الشعر العربي، على ما يبدو للمؤلف، وظيفتين على الأقلّ: إحداهما وظيفة تأكيد وإلحاح ربّما تكفّل بتجسيمها في تقديرنا شعر الغزل خاصّة، ولا سيما ما كان منه ناجمًا عن الخيبة في الحبّ وعن التشبّث اليائس بالمرأة.
 أمّا الوظيفة الثانية للتكرار، في المقام الذي نحن فيه، فهي وظيفة التعزيم أو الرّقية اللفظيّة، وهي وظيفة يضطلع التكرار الشعري في نطاقها بإثارة الأشياء والأشخاص والظواهر بغية حملها على الانصياع للعزم الذاتي المعلّق على الشّعر.
 وإذا قرّبنا بين غائيّة العزم السحري وغائيّة العزم الشعري في نماذج بعينها من الشعر - لاسيما شعر التعديد على الموتى وشعر الاستنفار للحرب - بدا لنا كيف أن النصّ الشعري يتشكّل وينبني على صيغ لفظيّة متشابهة أو متماثلة تتوارد على المتكلّم به وينصاع لنفس العقليّة الحماسيّة شعر المنافرات  وذلك لقرب ظاهرة "المنافرة" من ظاهرة "الاستنفار" ولقرب الحروب القوليّة، لاسيما في شعر النقائض، من الحـــروب الفعليّة، وهو ما يدلّ على التعويل على دور القول في دعم الفعل وعضده بل في الاكتفاء بالقول أحيانا لترهيب الخصم وتثبيطه. ومعلوم أنّ شعر النقائض قد كان عراكًا ينوب فيه الشعراء عن قبائلهم ويتولّونه بدلاً منها فكان يغتذي من نفس النزعات التي تتغتذي منها التعبئة العسكريّة
ولمّا كان التكرار ونحن ما زلنا مع كلام د. مبروك المناعي أداةً من أدوات إمضاء العزم وتحقيقه، وكان العزم الشعري متولّدًا عن العزم السّحري ومرتدًّا إليه، على مــا رأينا، فإنهّ باقٍ في الشّعر متواصل أيضًا في العصر الحديث، لاسيما في شعر النضال الوطني وفي المقامات التي يذكّر فيها الشعر بوظائف الشاعر القديم، ذلك الشخص القدَري الذي "يشعر" أي يعلم، بوسائط غير عاديّة، ما
لا علم لغيره به ويعرف الاتّجاهات ويحدّد الواجبات انطلاقًا من مركزيّة دوره ومن معرفته بالأسرار: يكفي للتدليل على هذه الفكرة استحضار قصائد الشعراء الزّعماء الذين نطقـوا باسم ثورات وحركات وطنيّة من أمثال أبي القاسم الشابّي أو محمود درويش : في أشعار هؤلاء يضطلع التكرار عادة بوظيفتيْن ويتجلّى في حركتين : الإغراء بالأنّا العالم بالسرّ، وتزعّم الجماعة في الاتّجاه المحدِّد لنجاح السّعي. يقول محمود درويش من قصيدة "مديح الظلّ العالي" :
  وأنا التوازنُ بيْنَ مَنْ جاؤوا ومَنْ ذهبوا
  وأنا التوازن بيْن مَن سَلبُوا ومَنْ سُلِبُوا
  وأنا التوازنُ بيْن مَن صمدوا ومَن هربوا
  وأنا التوازنُ بيْن ما يجبُ :
  يجب الذهابُ إلى اليسارْ
  يجب التوغّلُ في اليمينْ
  يجب التمتْرُسُ في الوسطْ
يجب الدفاعُ عن الغلطْ... 

وقد ذهب توماس غرين إلى أنّ الإنسان عامّة والشّاعر خاصّة يلجأ إلى وسائط من الصّور والرّموز والعبارات الخاصّة كي يفرض "تنظيمًا" على ما في عالمه الخارجي أو الدّاخلي من "فوضى" وإلى أنّ هذا التّنظيم يبدأ مع أوّل كلمة تقولها القصيدة، وأنّ كلّ قصيدة إنّما هي بمثابة الحقل - من أرض العالم الغامرة المهملة - يُفلح باللّغة على هيئة سمّاها هذا الباحث نقلاً عن فيليب جاكّوتي (Philippe Jaccottet) "البذر الرّمزي"(La Semaison Symbolique) ومن هنا وجب فهم الشّعر على أنّه جهد بشري لفظي هدفه التوغّل في مجاهل الذات وغوامض الكون يستخدم قدرة اللغة على الكشف عن طريق فعل التّسمية الذي يعتمد رمزيّة الصّور كي يمكّن الوعي البشري من تعيين أشياء ليس من الهيّن تعيينها. يقول محمود درويش :
أُسمّي التّراب امتدادًا لروحــي
أُسمّي يديَّ رصيفَ الجــروحِ
أسمّي الحصَى أجنحـــــهْ
أسمّي العصافير لوزًا وتيــنْ
أسمّي ضلوعي شجـــــرْ
وأستلّ من تينة الصّدر غصنـًا
وأقذفُه كالحجــــــــرْ
وأنسف دبّابة الفاتحيـن...

إنّ الذي يقوم به الشّاعر هنا نشاط شعري يلتقي بالسّحر بما هو صرْفٌ وتغيير يدفع الإنسانَ فيه
عزم تحويلي ليس له سند مادّي فيلجأ إلى ما يسمّيه بعضهم التّمثيل الإشراكي (la représentation Participatoire) وهو تعيين لأمر يرغب في تحقّقه بواسطة علامات لغويّة ينظّمها على هيئة مّا. وهو في هذا الوضع يستولي على الظواهر والأشياء بصورة مستأنفة يحوّلها بها من وضعها الأول الذي استقرّت به في المواضعات، ويكسبها - بواسطة قوّة الرّغبة المتمرّدة على حدودها - أوضاعًا جديدة بتسميتها بصورة مستأنفة تصبح بها الاستحالة المحضة إمكانًا محضًا.
 على أن تسمية الشّاعر الأشياء لا تتمثّل في إسناد اسم لشيء هو معروف مبدئيّا باسم معيّن في اللّغة : ذلك أنّ الشيء إنّما يظهر للمرّة الأولى - بما هو شيء أي بما هو موجـود - عبر التسمية الشّعريّة وبواسطتها : يقول هيدجر (Heidegger) "إنّ الشيء لا يوجد وجوده الكامل ولا يكتسب كيانه إلاّ متى نطق الشّاعر بالعبارة الجوهريّة التي تسمّيه، ذلك أنّ الشّعر إنّما هو تأسيس للوجود بواسطة العبارة" ، علمًا بأنّ هيدجر قد طالما جهد في أن يظفر بشيئيّة الأشياء أي بأن يلج المنطقة القريبة جدّا من نواة الشيء، واعتبر أنّ الإنسان ظلّ على جهل بشيئيّة الأشياء بالرّغم من امتلاكه إيّاها واحتكاكه اليومي بها، وأنّ أقدر الناس على إظهار كنه طبائع الأشياء هم الشّعراء، لذلك قال قولته الشهيرة "وما يبقى يؤسّسه الشعراء" باعتبار أنّ الكلمة لا تتكلّم فعلاً إلاّ في الخطاب الشعري وأنّ أصفى حالات الكلام هي حالة الكلام الشّعري، لأنّ النصّ الشعري قد لا يقدّم أيّ إعلام عن العالم، وقد لا يبلّغ شيئًا، ولكنّه "يتكلّم" ولذلك تظهر فيه العبارة على حقيقتها، وتتمثّل هذه الحقيقة في فعل التّسمية، لا باعتباره وسمًا وتعيينًا، وإنّما باعتباره دعوة واستحضارًا ونداء يجعل ما - أو مَنْ - يناديه أقرب ممّا كان(3) لأنّ حقيقة الكلام في الشّعر التي تقرّب بينه وبين السّحر - اللّفظي خاصّة - هي التعويل على "الإسم" في إثارة "الشّيء"، وهي حقيقة أدركها أو حدس بها شعراء قلائل وصاغوها صياغة عجيبة أحيانا. يقول أدونيس:
 "أردتَ باللّغة أن تعرف نفسكَ وتعرفَ العالم
لهذا فصلتَ بين الأشياء وأسمائهـــــا
وحرّضّتَ الشيءَ على الإســـــــم
 والإسمَ على الشــــــــيء..."

والشعراء يدركون ما في هذه العمليّة التي يسمّيها أدونيس "تحريض الأسماء على الأشياء" من عسر، ولكنّ التّسمية - بما هي استحواذ أو طموح إلى الامتلاك - قدَر الشعر مهما كان عسر العمل ، ولهذا فإنّ الشعر إذا لم يسمّ باح بعزم التسمية وحمل آثار الرّغبة فيها، رغبة أن يوجد للرّيح "لون" وللهواءِ "ظلّ":
   سَمِّ ما ليس يُسمَّى
   يا ابنَ تمبكتو وقُلْ :
   لوْ لمْ يسمِّ النّارَ
   هلْ كنتُ أسمّي الشجرهْ...؟
   سمِّ ما ليس يُسمّى
   لمْ يجئْ وقتي ولا وَقتُكَ جاءْ
   وله أسماؤه في كلّ حينْ
   وله ظِلُّ الهواء... !

ذلك أنّ الشّاعر، كالسّاحر، يسعى إلى الاستيلاء على ما يسمّيه محمود درويش"سرّ العناصر". ولهذا فإنّ لغة الشّعر ولغة السّحر كلتاهما مجازيّة رامزة، ومعلوم أنّ المجاز عدول عن سنن التّسمية المعتادة يولّد في متقبّل الكلام "انخداعا" يغالط انتظاره لأنّه يحدث خللاً ويمارس خرقًا على هذه السّنن فيؤثّر بما هو خطاب إذ يربك نظام العلاقات بين الأشياء في ذهن المتلقّي إرباكًا يتحوّل بمقتضاه التّعبير إلى تأثير: وبهذا يكتسب كلام الشّعراء وكلام السّحرة صفة الكثافة التّعبيريّة، وكثافته هذه تجعله يتفوّق على الكلام العادي في القدرة على رصد كثافة العواطف والظّواهر والأشياء وتسجيلها وإطالة الوقوف عندها : ولهذا أيضًا قيل عن الشّعر إنّ من خواصّه أنّه "يطيل الوقوف عند صفات الأشياء التي يذكرها"
كما أنّ التّخييل والحدس التّخييلي في الشّعر - وهو عند باحث شاعر كأدونيس رؤية الغيب أو القوّة الرّؤياويّة التي تستشفّ ما وراء الواقع فيما هي تحتضنه - "حركة تتجاوز التّصوّرات العقليّة والأفكار المجرّدة المنطقيّة وتغلغل في تيّار الحياة ودفعته الخالقة... فتصبح الطّبيعة كائنًا ليّنا طيّعًا يسمع ويستجيب" 
 وإنّ النشاط المتمثّل في أنّنا نستطيع أن نعرف أشياء عن الأشياء نفسها عندما نتحدّث عن الشّجر والألوان والثلج والزّهور في حين أنّنا لا نملك شيئًا غير المجازات والاستعــارات والكنايات التي لا توافق أصول الأشياء، إنّ هذا النّشاط لهو نشاط سحــري الهويّة أساسي في الشعر، وفي كلّ شاعر يربض ساحر أو هاتف سحر يمدّه بكلام يقوله على الأشياء ويدلي به للنّاس، وكلّما كلّت يده وذات يده امتلأ فمه بكلام يحرّك الجبال وينقل الدّنيا من حال إلى حال:
"يُقبلُ أعزلَ كالغابةِ وكالغيــمِ لا يُرَدُّ،
وأمسِ حملَ قارّةً ونقلَ البحرَ من مكانهْ،
 يرسم قفا النّهار، يصنع من قدميْه نهارًا ويستعير حذاءَ اللّيلْ،
ثمّ ينتظر ما لا يأتي.
إنّه فيزياء الأشياء - يعرفها، ويسمّيها بأسماءَ لا يبوحُ بها
وهاهو يعلن تقاطع الأطراف ناقشًا على جبين عصرنا علامة السِّحْرِ،
يصيّّر الحياةَ زبَدًا ويغوصُ فيه،
يحوّل الغدَ إلى طريــــدةٍ،
ويغدو يائسًـــا وراءَها..."

إنّ الشّعر يهتمّ بعلاقة الإنسان بالعالم وينشغل بإسناده أسماء إلى الأشياء التي تحيط به تتطلّب الدّقّة في الضّباب فتركب المجاز... ومن خلال المجاز تتحدّد ملامح الشّعراء - أكثر من ملامح الأشياء في الغالب - وتتحدّد ملامح الشّعراء كلٌّ بفضل الأسماء التي يسندها إلى الأشياء والنّداءات التي يوجّهها إليها، ذلك  أنّ أسلوب النّداء - وهو أثر من آثار الخطاب السّحري والسّحري/الدّيني - يصلح لإضفاء حيويّة تعكسها القصيدة على مصدر الخيال مبعثها الشّاعر وإطارها الزّمني زمن النصّ الشّعري، "والاستعارة التي تضفي على نبع الماء صوتًا إنّما تلبّي لدى الشّاعر رغبة في أن "يتكلّم" من خلال عناصر الطبيعة، وفي أن يفخّم صوته، ويمتلك المجد الذي يسنده إلى ما يصنع"
وقد اشتقّ توماس غرين  من السّحـر القديـم المعروف - وهو يسمّيه "السّحر الثاني" - سحرًا آخر سمّاه "السّحر الأوّل" وذهب إلى أنّه موجودٌ مع البشر حيثما وجدوا مستمرّ الحضور فيهم لا يخلو منه عصر من العصور ولا مجتمع من المجتمعات، هذا السّحر المتواصل المتعالي على الزّمن يتحكّم في الخيال البشري ويتحكّم من ثمَّ في الشّعر ويسري - باعتباره حدثًا جوهريًّا وسمة أنطولوجيّة - في كلّ خطاب شعري مهما تأخّر زمنه. ومن بؤرة تحكّم هذا المنزع السّحري المتأصّل يتولّد خطاب الرّمز والإشارة المعبّر عن زعم امتلاك الدّراية الذي يصوغه الشّعر صوغ اقتناع لا يكاد يخالطه الارتياب. يقول أدونيس:
"لا تطلبِ الغبطةَ في الحُـبّ
لكنْ لا تطلبْها في البُغْــضْ
اطلبْها في رَذاذٍ لا ينقطــع
من غيمة تسبـــــــحُ
في فضاءِ رغبةٍ لا اسمَ لها..."

وإنّ المشادّة بين النّظرة الفصليّة والنّظرة الوصليّة إلى الشّعر، التي سبق أن أشار إليهما الباحث في أول كتابه الهام هذا، تنبني في هذا المستوى منه أيضًا على مشادّة مماثلة في النّظر إلى اللّغة بين الموضوعيّة القائلة باعتباطيّة العلامة، والذاتيّة القائلة بفكرة "الحضور"، حضور الأشياء في الكلمات باعتبار ذلك حقيقة من حقائق الفكر البشري. ويرى توماس غرين أنّ لهذا "الصّراع السّيميائي" انعكاسات كبرى على دراسة الشّعر: فالقصيدة تتطلّع، من هذه الزّاوية، إلى حضور يظلّ دائمًا محلّ ارتياب. وكلّ قصيدة مجبرة على اختراع خدعتـها التي تتشكّل بواسطتها دلالتُها الشّبحيّة ويتّخذ الطّيف الذي توحي به بفضلها صورة عبر نداءات خاصّة تنبعث من استعارات وكنايات وتشبيهات تلبّي لدى الإنسان حاجة فعليّة هي أنّه يسعى دائمًا إلى أن يكمّل ما يعتريه من مظاهر النقص الهيكليّة بواسطة الرّموز. 
 وممّا قد يجسّم هذا الجهد المبذول في محاولة الاستحواذ على جزءٍ من العالم وتنظيم فوضاه قول الشّاعر محمد الصغير أولاد احمد :
"قمرٌ تطاردُه الغيومْ
مدينةٌ تعدو وراءَ جبالها
وجبالُها تعدو وراءَ البحر
والبحرُ يجري خلفَ شمسٍ هاربهْ...
أَلِفَ الفتى بيتًا وسمّاه السّؤالْ
وأضافَ ما يكفي من الصّور الجميلةِ كي تعودَ اليابسه
رسمَ الحبيبةَ والمدينةَ والجبالْ
رســمَ التّلالْ
وقال للفقراء " ذا وطنٌ لكمْ
فلتدخلوهْ... (3)

كما يرى غرين أنّ الإنسان يستخدم الاستعارات والرّموز بغية الاستيلاء على كنه الوحدات الشيئيّة في أصلها وذلك ضمن ما سمّاه "السّحر الأوّل" وهو نوع من السّحر ضروري لفهم الشّعر ذلك أنّ هذا الشعر، شأنه شأن سائر الفنون التمثيليّة، ينشغل بالصّلات التي تشدّ الإنسان إلى العالم الخارجي وبتسميته إيّاها لا بأسماء ومصادر ونعوت عاديّة وإنّما بوسائل لفظيّة أكثر لطفا وتغيّرًا ونسبيّّة انطلاقًا من خواصّ الذّات النصيّة لكلّ شاعر بما يجعل ملامح الأنا الشّاعر تتحدّد بواسطة خواصّ "البذر الرّمزي" التي يحدثها في شعره على ما أسلفنا (1) وانطلاقًا كذلك من عزم الاستحواذ الذي تقدّم ذكره ومن الطموح إلى الخلق بلا وسائل الكامن في كلّ شاعر :
"خطَّ سطرًا وقالْ :
- من هنا رايتي وحدودُ المُحالْ
خطَّ سطرًا وقالْ :
- هو ذا أفُقي شُعلةٌ وابتهالْ
   فاغرفوا النّورَ منه وعُبّوا
   واغْرَقوا فـي مداه..."(2)
 
احتفاليّة الشّعر واحتفاليّة السّحر

 ويلتقي الشّعر بالسّحر مرّة أخرى فيما يسبق كليهما من استعداد وتهيّؤ : فكما أُثر عن السّحرة لبسهم المُسوح وتوضّؤهم باللّبن وظهورهم قبيل ممارسة عملهم بمظهر خاصّ، كذلك أُثر عن الشعراء القدامى أنّ الشاعر منهم كان إذا أراد إلقاء شعره تهيّأ لذلك واستعدّ له وأظهر للنّاس أنّه يريد إلقاء شعر. ومن أصولهم في الإلقاء أن ينشد الشاعر شعره وهو قائم أو مشرف وأن يلبس الوشي والمقطّعات والأردية السّود وكلّ ثوب مشهّر...
وقد نعتبر أنّ الشعر - وقد خرج على ما يبدو من السّحر واستقلّ عنه بعد أن ترعرع في أحضانه - كلّما كان حقيقيّا أصيلا عاد إليه ليذكّر به وأرجع صاحبه إلى عالم البداية، ولعلّ هذا الكلام أن يجد له معنى في قول أ. فيشر (E. Ficher) : "إنّ مضمون خروج هؤلاء الأفراد (يعني الفنّانين عامة) عن طورهم هو إعادة تركيب الجماعـة البدائية بطريقة عنيفة في داخل الفرد" (3) . 
على أنّ كلاًّ من السّاحر والشّاعر يحضر في غائب أو يغيب في حاضر فينسحب من الحياة وينخلع عن البشريّة، وهذا "الانخلاع عن البشرية" حال تشبه أحوال التصوّف وتنزّل الوحي والنّزع الذي يسبق الموت(1). وفي مثل هذه الأحوال تتغيّر الرؤيا فتتغير العبارة والتّسمية وتفقد الأشياء خصائصها السّابقة في الذّهن وتكتسب مدلولات أخرى: فالشّاعر يلتمس شعره كما يلتمس السّاحر سحره بمثيرات تفتح ذاته وتشحنها بطاقة كبيرة على "الاستسحار" - إن صحّ القول - أو "الاستشعار". وهذه المثيرات هي عند كليهما "شيطانيّة" لأنّ عملهما الغواية وهدفهما إخضـاع البشر لسلطان بشري بوسائل غير بشريّة : وهنا تكمن - في رأينا - المفارقة الكبرى بين السّاحر والشّاعر من جهة، وبين النّبي من جهة ثانية : فهما يلتقيان به في الوسيلة ويختلفان معه في الباقي، إذ أنّ مثيراته "ملائكيّة" وعمله الهداية وهدفه إخضاع البشر لسلطان إلاهيّ. ثمّ إن السّاحر والشّاعر يلتمس كلاهما عمله بالمحرّم أو الحرام : الخمر أو التّسافه في القول.
ويلتقي الشعر بالسّحر أيضا - تاريخيّا - في الأهداف والغايات : فمن أهداف العمل السّحري التّحكّم في قوى الطّبيعة الخفيّة والسّيطرة عليها، ومن ذلك ما كانت بعض الشّعوب تقوم به فجرًا لإعانة الشّمس على الشروق أو في أحوال الكسوف والخسوف، أو الطّقوس التي كانت تُؤدَّى لإيقاظ الأرض من سباتها الشّتائيّ(1)، ومن أمثلة ذلك أيضا التحكّم في المطر، وقد تحدّث ابن خلدون(2) عمّن "يسحرون السّحاب كي يمطر الأرض المخصوصة". والملاحظ أن هذا الطّقس السّحري قديم عند العرب وعند غيرهم من الشعوب.
 ولعلّ ما بقي في الشّعر العربي من استمطار السّماء والسّحاب ليمطر الأطلال والدّمن والقبور - وقد سبق أن أشرنا إلى شيء منه في مقام غير هذا -  شاهد على سالف علاقة بين الشعر والسّحر في أداء هذا الطّقس القديم : وهذا أمرٌ ذهب إليه بعض الباحثين فعلا في دراسة الصورة الشعرية من حيث صلتها بالشعائر الجاهلية القديمة في الدّين والسّحر فاعتبر أنّه "نظرا إلى حاجة الإنسان، في المناطق الجافّة، إلى المطر فقد ارتبطت به ممارسات سحريّة شتّى، كما هي الحال في جميع بقاع العالم التي تعتمدحياتها عليه" (3).
أنّ الشعر نشأ على ما يبدو من رُقى السّحرة وتعازيمهـم : "فالأقوام البدائية كانت تعتقد أن للأسماء قوة سحريّة على المسمّيات (...) ولكنّها لا تستطيع فعل ذلك إلاّ إذا كانت هي الأسماء الصحيحة (...) والكاهن أو الشّاعر - السّاحر يستطيع استنزال المطر بأن يقف فـي العراء متلفّظا بالأسماء الصّحيحة (...) فالسّاحر - الشّاعر - هذا الرّجل العجيب العميق، النّافذ العينين، المتّصل بكبد الحقيقة عن طريق اللّغة - يخرج إلى باطن الوادي ويرفع يديه وينطق ألفاظًا (...) وإذا المطر ينهمر، أو لا ينهمر!  وعلى كلّ حال فإنّ من واجبه أن ينهمر. وبين الأقوام البدائية كلّها والقبائل التي لم تعان بعدُ من بليّة الإحصاءات فإنّ الرأي السّائد هو أن الشاعر إذا تفوّه بالكلمـات الصّحيحة انهمر المطــر حقّا" (1).
إنّ الشاعر والسّاحر، في مثل هذه الأحوال، انعكاسٌ على مستوى الخيال لطموح جماعيّ نحو القوّة. وقد قال أ. فيشر (1) : "إنّ العمل هو عملية تحويل الأشياء الطبيعيّة، ولكنّ الإنسان لا يعمل فحسب وإنّما يحلم أيضا (...) والسّحر، في الخيال، يقابل العمل، في الواقع، والإنسان من أوّل عهده ساحر"، ونقول نحن مع مؤلف الكتاب إنّه من أوّل عهده شاعر!  ويعتبر هذا الباحث أنّ الفنّ لم يكن له، في فجر الإنسانيّة، بالجمال غير أوهى الصّلات، إنّما كان أداة سحريّة وسلاحا في يد الجماعة الإنسانية في صراعها من أجل البقاء.
 ورأى فيشر - تبعًا للمنحى الفكري ذاته - أنّ الإنسان في خلقه الفنّ اكتشف وسيلة "حقيقيّة" لزيادة قدرته وإغناء حياته، فقد "أدّت الرّقصات الشديدة الاحتدام، قبل الصيد، إلى زيادة شعور القبيلة بقوّتها فعلاً، كما أنّ رسوم الحرب وصيحاتها كانت تؤدّي فعلاً إلى زيادة المحارب عزمًا وبثّ الذعر لدى العدوّ". (2)
 وذهب بروكلمان إلى أنّ الأغاني القصيرة التي كان الإنسان القديم يردّدها في المواقف الكبرى للحياة وفي أحوال السرور أو التهيّج الأقصى "كانت غايتها في الأصل أن تحدث آثارًا سحريّة، فما كان الإنسان يهواه أو يشتهيه كان يصوّره بخياله في الشعر تصويرًا فنيًّا، وهو مقتنع بأنّه سيتحقّق له بذلك، كما اعتاد أصحاب السحر الرمزي تصوير رموز يستدعون بها حصول الأحداث التي يرغبون في وقوعها"(3).
ومن علامات أثر السّحر في شعر الرّثاء وجود ظاهرة التكرار في المراثي، تكرار ألفاظ بعينها أحيانا أو تكرار وحدة نغمية بألفاظ متقاربة في الجرس أحيانا أخرى. والتكرار في حدّ ذاته - وقد رأينا أهمّيته في غير هذا الفصل وفي غير شعر الرّثاء ولكنّها فيه أوضح - وسيلة من الوسائل السّحرية التي تعتمد على تأثير الكلمة المكرّرة في إحداث نتيجة معيّنة في العمل السّحري والشّعائري (2).
وقد اتّفق بروكلمان وغولدسيهر (Goldziher) وغيرهما (3) على أنّ الهجاء - من قبل أن ينحدر إلى شعر السّخرية والاستهزاء والثّلب - كان في يد الشّاعر سحرًا يُراد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحر الكلام، ومن ثمّ كان الشاعر إذا تهيّأ لإطلاق مثل ذلك "اللّعن" يلبس زيًّا خاصّا شبيها بزي الكاهن، على ما سبق أن أشرنا إليه : يروي الشريف المرتضى في أماليه أنّ الشاعر في الجاهليّة كان إذا أراد الهجاء لبس حلّة وحلق شعر رأسه إلا ذؤابتين، ودهن أحد شقّي رأسه، وانتعل نعلا واحدة ... وواضحٌ أنّ هذا ضرب من السّحر التّشاكلي يراد به إحداث أثر الشّعيرة العملي والقولي في المهجوّ ...
فقد كان من وظائف الشّعر الموروثة عن وظائف السّحر، أو من أهداف الشّعر السّحريّة، أن يحسّن أو
لقد ارتأى مالاّرميه (Mallarmé) - وهو من هو قدرةَ سبر لأغوار الظّاهرة الشّعريّة وإدراكًا لخفاياها - أنّ آثار السّحر والتّعازيم القديمة لا تنفكّ عالقة بالشّعر مهما تجدّد، وأنّ السّحر يأبى أن يختفي من الشّعر أبدًا . وبيّن طوماس غرين  أنّ  "الرّوح السّحريّة" السّارية في العمل الشعري تتمثّل في ما يمكن تسميته "الباعث التّعزيمي" وهو باعث لا يزال حيًّا في القصيدة الحديثة : ذلك أنّ الشّعر إذ يستخدم النّداء أو الدّعاء أو التّحسين أو القدح أو الرّغبة والعزم أو الرّهبة والتّوق أو يلتمس ما يتجاوز قدرة  الإنسان ويتعالى عليها - مؤلّبًا طاقات الكلام ونفوذ العاطفة لاستثارة ما لطف ودقّ من خفايا الظّواهر والأشياء والأشخاص - فهو يبوح بالباعث التعزيمي الأصلي الذي كان يسكنه في الماضي على هيئة رقًى وتعاويذ، ويبدو - في ذات الوقت - متمسّكًا بنجاعة التعزيم التي من شأنها التسبّب في الأثر الذي يعلّقه به صاحبه. ولهذا فإنّ صلة النصّ الشّعري الحديث "بالنصّ السحري" أو السّحري/الشعري القديم لم تنقطع، ولعلّها لن تنقطع. والنصّ الشّعري الحديث إنّما هو أيضًا - في مظاهر منه على الأقلّ - ضرب من المحاكاة لنصوص العزائم والتّعاويذ القديمة.
يقول د. المناعي بصريح العبارة أنّ شعرنا العربي الحديث من أكثر أشعار الأمم احتفاظًا بهذه الصّلة اللّطيفة الدّالة. ويعتبر أدونيس في تقديرنا من أبرز من تحيل أشعارهم عليها ومن أعمق شعرائنا الحاليّين احتفاءً بها، ذلك أنّه قد عنون إحدى قصائده بعنوان يكفي الباحث عناء التأويل هو "تعازيم" وقال من هذه القصيدة :
... اقتربي يا شجرةَ الزّيتونْ
اتركي لهذا المشرَّدِ أنْ يَحْضِنَكِ
أنْ ينامَ فِي ظلّكِ
اتركي له أن يَسْكُبَ حياتَه فوقَ جذَعكِ الطيّبْ
واسمحي له أن يناديَكِ :
يا امرأهْ.. !   

في هذه القصيدة يتحقّق حدس أدونيس في كتاباته النّظريّة عن الشّعر حيـث قرّب - لاسيما في "مقدّمة للشّعر العربي" -  بينه وبين السّحر، وتتجلّى قدرته على تمثّل العلاقة التي نلتمسها بين الظّاهرتيْن عبر هذا الكلام في استغلال العزم السّحري الذي أشرنا إليه استغلالاً شعريًّا، وفي سعيه إلى إضفاء حيويّة على عنصر طبيعي هو "شجرة الزّيتون" وخطبته ودّها واستمالته إيّاها كي ترقّ لحاله - باعتباره أنا شعريّا - فتستجيب لرغبته في أن تتحوّل إلى "امرأة" يسكن إليها فتخلصه من وضع قلقٍ ينوء بكلكله عليه...
أمّا أكبر ممثّل - في اعتقاد د. مبروك المناعي - لما نودّ تسميته "شعريّة الاستيحاء السّحري" في الشّعر العربي الحديث فهو الشاعر العراقي خزعل الماجدي، وهو في تصوّرنا ظاهرة تستحقّ وقفة مطوّلة وعناية خاصّة فيما يتّصل بعلاقة الشّعر بالسّحر : لقد أدرك خزعل الماجدي، فيما هو يعتني نظريّا بسحر بابل وبالتّراث السّحري العراقي وسحر الشّرق القديم، أهمّ مظاهر الاتّصال اللّطيف الواهي بين الشّعر والسّحر، وتفطّن إلى الغنم العظيم الذي يستطيع أن يغنمه الشّاعر الحديث من كنوز التّراث السّحري، وساعدته مؤهّلاته الخاصّة على أن يفيد من ذلك أيّما إفادة في مختلف أعماله الشّعريّة وخصوصًا في "يقظة دلمون" وفي "أناشيد إسرافيل". يقول في "يقظة دلمون"، من "كتاب السّيمياء" مستخدمًا طقس "الدّعاء" السّحري/ السعري :
"وأنا أدعوكَ...
تقدَّمْ في شجرِ الأرضِ
وفي الأنهارِ المَهجورةِ
وخِفَّ إلى غاباتٍ صفراءَ وحقلٍ من زهرِ الآس
تعالَ..
فمَنْ يرعى أوجاعي في اللّيل ؟..."

ويستخدم، في قصيدته "دعاء عشتار"، الأسلوب ذاته ولكن بصورة أكثر صراحة أي أكثر كشفًا للوصل بين الشّعر والتّعاويذ القديمة المستعملة في أنشطة السّحر اللّفظـي :
"مسّاكِ الخيرُ
يا نجمةَ العِشاءْ
يا حمراءَ كالقطيفهْ
أسألكِ أنْ ترجمي محبوبي
بثلاثِ تفاحاتْ
بثلاث جمراتْ
فوق لسانهِ كيْ لا ينطقَ إلاّ باسمي
وعلى عينيْهِ كي لا ينظر إلى غيري
وعلى أذنيْه كي لا يسمع إلاّ كلامي..."

إنّ ذات الشّاعر النصيّة تتكشّف عن ساحر يتلو عُوذته على عنصر من عناصر الكون العلويّة ويتخشّع لديْه مُنوِّهًا بنفوذه الخارق، ويستعديه على الحبيب كي يستمليه له ويأسر قلبه ويجعل حبّه مقصورًا عليه وحده...
وهو في غير هذه القصيدة يستنفر التّعزيم بصورة أشمل ويستخدم أسلوب السّاحر القديم في تسليط الطلاسم على الظّواهر والأشياء لِصرْفها عن وضع إلى وضع ويوظّف طاقة النّداء الّساحرة :
"يا أغصاني، ويا شجَرتي الفرْع
ويا نبتتي الصّافية، ويا طلاسمي
اتّحدي في العرَاء لأجْلي...
ومرّي على الآس والشجرِ الفاتن الغضِّ
صيري هباءً أو اتّحدي في أعالي الجسدْ... (2)

عجيب أمر الشّاعر خزعل الماجدي، والكلام لمبروك المناعي، وطريف جدّا النّحو الذي نحاه فجدّد به عهود السّحر الدّارسة في هذا الزّمن "العلمي" وأعاد به إلى الشّعر طلاوته في هذا العصر "الآلي"... فهو يكتب القصيدة "الرّقية" ويتحوّل الشّعر على يديْه إلى ممارسة سحريّة في محتواها وغاياتها وإجراءاتها... بما يستعيد به النصّ الشّعري كثافته ونجاعته ويستردّ به الكلام سلطانه على الكائنات والخطاب الشّعري هويّته السّحريّة... وهو بهذا يعيد إلى شعر الغزل بالخصوص روح الطلب الجنسي الصّافي، ويصوغ أماني العاشق الأعزل يخطب ودّ المحبوب باستدرار ودّ العناصر ويستميل قوى الكون لترويض قوّة الكائن :
"سَخَّرتُ إليكَ الأفلاكْ
تقودكَ من مخدعكَ وتثني فوق قَوامكَ سُحُبَ البَرِّ
وتمسحُ ميسمَها في شفتيْكَ
ورَشقتُ لكَ التّيجان
وسُقتُ الرّيحانَ
ليسجدَ بيْن يديكْ
(...)
هيّجتُ لك الأحجارَ ونجمَ اللّيل وطينَ الجسدِ..
ولعلّ التّعزيمات تقودكَ نحو فِراشي..." (1)

وفي قصيدة عنوانها "رُقية لجلب المحبوب "يستسلم خزعل الماجدي لإغراء التّماهي بين الشّاعر والسّاحر استسلامًا لا مزيد عليه، وتسهل مهمّة الباحث في شعره عن مظاهر الاتّصال بين الشّعر والسّحر سهولة لا سهولة بعدها إذ يسفر هدف التّعزيم وتبدو إجراءاته واضحة، ويشفّ النصّ عنها شفافية تامّة، ويستعيد الكلام الشعري شكله السّاحر ومهامّه السّحريّة :
"بحقّ نجمةِ المسَا
بحقِّ ما خلّفهُ الوردُ على الشِّفاهِ
والنّورُ على العيونْ...
بحقِّ ثديَيْكِ يحطّان على عُشْبٍ فيهتزُّ
يصبَّان إلى نبْع فيرتجّ به الماءْ
نقيًّا..تنطقُ الأسماءْ..
أقيمي في شبابي قمرًا
يفتِكُ بالظّلماءْ..
واستلقي على سحابي
واملُكي الأشياءْ"... (1)

وفي بعض قصائده يسفر طقس التّعزيم بما هو استنفار للأرواح الشرّيرة وتلتبس موادّ الشّعر بموادّ السّحر التباسًا :
"يَا ندَى الحُمَّى
ويا ماءَ الحميمْ
اخرجي من جسدِ العاشقِ والْتفي
على خِنْصَرِهِ المخضوبِ بالدمعِ الكريمْ
(...) اخرُجي يا نارُ منْ أعوادِهِ
قومي.. وعُودي للجَحِيمْ... (2)

هذه الصلة المتينة بين الشّعر والسّحر، كما اتّضحت لنا في نصوص خزعل الماجدي السّابقة، تبدو في الظّاهر مدبَّرة وتوهم بأنّها معمود إليها متحكّم فيها. غير أنّ هذا الظنّ يبدّده ما هو معروف من الاهتمام البالغ الذي أبداه هذا الشاعر بالسّحر القديم وبأساطيـر الخلق ومن انفعاله بمدوّنة التّراث السّحري وانطلاقه من ذلك - عفوًا - لارتياد آفاق شعريّة جديدة... فالأمر يمثّل عنده مشروع رؤيا في غاية الجدّ، يدلّ على ذلك النّجاح الفنّي الباهر الّذي حقّقته أشعاره والذي نسجّله له دون أدنى تحفظ.
 غير أنّ مظاهر الاتّصال والتّواشج التي تستوقفنا في شعره وفي شعر غيره، بشكل خاصّ ومختلف، هي تلك الغامضة المشبّحة الواقعة في الضّباب، لأنّها هي التي تحدّد خصوصيّة السّحر الشّعري باعتباره محاولة لامتلاك أسرار الحقائق وأسماء الأشياء والعناصر والظّواهر، فهي تظلّ أَبدًا هشّة، حاملة لوهنها، يتهدّدها النّقص والضّعف والإخفاق : هذا هو السّبب - على ما يبدو لنا - في ذهاب توماس غرين (1) إلى أنّ الشّعر الحديث سحر ضالّ أو سحر خائب جاءته الخيبة من أنّه ابتعد عن أصوله السّحريّة فأصاب نجاعتَه الوهن ولغتَه التشيّء.
 بل إنّ الشّاعر الحديث يبدو قد فقد "اللّغة" المناسبة التي كان سلفه يمتلكها،  أو يبدو أكثر تواضعًا منه وأقلّ زعمًا لامتلاك القدرة على "سحر" الظّواهر والكائنات، ويبدو كالوارث لمملكة اتّسعت أرجاؤها فداخله شعور بقصور إمكاناته عن السّيطرة عليها وإخضاعها
لسلطانه الإخضاع التّامّ : في ضوء هذا نودّ أن نفهم قصيدة أدونيس "أيّام الصّقر" :
لو أنّني أعرفُ كالشّاعرِ أنْ أغيّرَ الفصولْ
لوْ أنّني أعرفُ أنْ أكلّمَ الأشياءْ
سحرتُ قبْرَ الفارسِ الطّفلِ على الفراتْ
قبْرَ أخي في شاطئ الفراتْ
(ماتَ بلا غسْلٍ ولا قبِرٍ ولا صلاةْ)
وقلتُ للأشياء والفصولْ :
تَواصلي كهذه الأجواءْ
مُدّي ليَ الفراتْ
خلّيهِ ماءً دافقًا أخضرَ كالزّيتونْ
في دمي العاشقِ في تاريخيَ المسنونْ.
... لو أنّني أعرفُ كالشّاعرِ أنْ أدجِّنَ الغرابهْ
سَوّيْتُ كلَّ حجرٍ سَحابهْ
تمطرُ فوقَ الشّامِ والفراتْ
وصِحْتُ : يا غمامهْ
تكاثفي وأمطِري
باسميَ فوق الشامِ والفراتْ
باللّهِ يَا غَمامَهْ... (2)

 ولعلّ المشترك الأكبر والمؤلّف الأزلي بين السحر والشعر وبين الساحر والشاعر هو التعويل على "الكلمة" في تحقيق "الصبوة" أو عزم الكلمات على إنجاز الصّبوات. ويستشهد د. مبروك المناعي  مختتما بحثه الممتاز عن الشعر والسحر بهذا المقتبس الشعري من خزعل الماجدي:

عندما تلدغُ شمسُ الفجرِ ظهرَ البحر
تنداحُ ميامي البشر الفانين
  في الوديان والنّهرِ
  وتبقى الكلمهْ
  أوّلَ الأشياءِ في الأرضِ
  وتبقى الصّبواتْ
  أوّلَ الأفعال في العمرِ
  وتبقى حيث أنتَ
  شاغلاً...منشغلاً بالنّطفِ الأولى وبالشِّعْرِ
  وتبقى حيث أنتَ
 وارثا روحَ الذين ارتفعوا فوق الأوان... (1)
 
___________________________________
ولد د. مبروك المناعي في ولاية سليانة بالجمهورية التونسية عام 1954. دكتوراه دولة في الاداب عام 1994. أستاذ التعليم العالي بجامعة منوبة بتونس. عضو هيئة تحرير مجلة حوليات الجامعة التونسية. حاز على جائزة الإبداع في نقد الشعر من مؤسسة البابطين دورة أبي فراس الحمداني الجزائر عام 2000. يشغل حاليا منصب مدير دار المعلمين العالية بتونس. صدر له: المفضليات بحث في الشعر القديم دار اليمامة 1991. المتنبي قلق الشعر ونشيد الدهر اليمامة 1992. "الشعر والمال : بحث في آليّات الإبداع الشعري عند العرب" دار الغرب  الإسلامي - بيروت. 1998.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,306,703
- الصلة بين الشعر والسحر 1-2
- حكمت الحاج.........ما معنى أن أكون موجودا، ولماذا علي أن أمو ...
- قراءة في أصل التفاوت بين الناس ل جان جاك روسو منقولا الى الع ...
- د. رجاء بن سلامة: الحجاب مهما تجدّد شكله واستعماله يتناقض مع ...
- قراءة فلسفية في مجموعة شعرية/ بقلم الناقد التونسي الزاهي بلع ...
- النِّسْرُ وَالصَّيَاْدُ
- حجر الجنون للشاعر فرناندو ارابال
- الفيلسوف التونسي د. فتحي التريكي في حوار مع حكمت الحاج حول ا ...
- ذلكَ -الْجَازْمَانْ- المُذْهل المُتَحَكّم في الصمتْ
- نصّ مدهش عائد إلى لغته الأمّ : قصيدة نثر طويلة عن بستانيّ ال ...
- لا تَتَبَاهَ يَا موتُ بنفْسِكَ
- سائلي عن العراق نحن عراقات كثيرة
- نقش على ضريح الطاغية


المزيد.....




- ترامب: سنبقي على مجموعة من قواتنا في سوريا ولم نتعهد بحماية ...
- الأكراد يقذفون قوافل القوات الأمريكية المنسحبة من سوريا بالب ...
- ألمانيا تدعو إلى إقامة -منطقة آمنة دولية- في سوريا
- رئيس مجلس العموم البريطاني يوجه صفعة لجونسون ويرفض التصويت م ...
- شاهد: نشطاء مكافحة تغير المناخ يحتجون شبه عراة في المعرض الو ...
- استياء من تعليقات في مواقع التواصل على متظاهرات لبنان
- رئيس مجلس العموم البريطاني يوجه صفعة لجونسون ويرفض التصويت م ...
- ترفع شعار التصحيح.. انطلاق مظاهرات في مدن سودانية عدة
- بعد المساس بمسجدهم.. حاكمة هونغ كونغ تعتذر للمسلمين
- تثبيت ثالث نقاط مراقبة وقف إطلاق النار في الحديدة غرب اليمن ...


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - حكمت الحاج - القسم الثاني والأخير من الصلة بين الشعر والسحر 2-2