أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2 : المصالحة والتعايش في مجتمعات الصراع العراق نموذجا - عبد الخالق السر - مفهوم -الامتثال- للإرادة الإلهية كمدخل للاضطهاد الاجتماعي والسياسي















المزيد.....

مفهوم -الامتثال- للإرادة الإلهية كمدخل للاضطهاد الاجتماعي والسياسي


عبد الخالق السر
الحوار المتمدن-العدد: 1870 - 2007 / 3 / 30 - 12:22
المحور: الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2 : المصالحة والتعايش في مجتمعات الصراع العراق نموذجا
    



يظل التدين كمظهر للاعتقاد شكل من أشكال الامتثال للإرادة الإلهية وتعبيرا مخلصا وترجمة معينة لمستوجبات العقيدة الدينية، وكل ذلك محكوم في النهاية "بتصور ما" لمفهوم الإرادة الإلهية طالما أن الأمر في خاتمة المطاف خاضع لمقدرات ذهنية محكومة بشبكة معقدة من المكونات البيولوجية والترميزات الثقافية والتراكمات التاريخية والرؤى الوجودية ، تعبر عنها لغة هي الأخرى محكومة بتعددية "المعنى" ومراوغة الدلالات.
مع كل ذلك الغموض والضبابية التي شكلت وما زالت مفهوم "الامتثال" على الأقل في سياقه التعميمي الذي نتوخاه هنا والمتسق مع عمومية المعنى ومطاطية تداوله المستبطن الخطاب الديني في سيرورته كلاسيكيا كان أم معاصرا، إلا أنه ظل سمة كل المجتمعات الإسلامية ذات البنى البطريركية وعبر التاريخ يمثل "حصان طروادة" الذي تتخفى في باطنه كل أشكال صراعات السيطرة الاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات. كما أبقى على كل مسوغات القهر الاجتماعي والاضطهاد التراتبي إن لم يكن قد استطال واسبغ عليها معنى تيولوجي واخلاقي في ذات الوقت. والأمر في شق منه لا يخلو من تلك اليقينية المذهلة المسيطرة على مجمل الذهنية الإسلامية فيما يخص أحادية المعنى وتجليات وضوحه المفضي بالطبع إلى أحادية الحقيقية المطلقة والتي لا تشوبها شائبة ولا تلتبس إلا على الذين "في قلوبهم مرض"!!. ومن هنا يظل الامتثال سلاح أيديولوجي ناجع تدار بواسطته كل المعارك الدينية، السياسية ، الثقافية والاجتماعية بغية السيطرة والحفاظ على الامتيازات التاريخية والإبقاء عليها بمنجى من "الديالكتيك" التاريخي والذي لا يألو جهدا في تحريك فعله المزلزل ، أو بالمقابل الحصول على امتيازات غير محسومة في واقع هش مترجرج وقابل للتشكل.
والحال هكذا، فقد ظل "الامتثال" كمفهوم في واقع انحطاطا الوعي الديني على المستوى الجمعي وسيطرة الأحادية كانعكاس لنمطية المعرفة التلقينية للعقل في المجتمع البطرياركي الاسلاموي، الحلقة الأضعف في التصور الاعتقادي والتي من خلالها تنفذ الأيدلوجيات السلطوية لتدير وتحبك كل ألاعيب الصراعات الحياتية بالمعنى الواسع لكلمة صراع. فعلى المستوى السلطوي- السياسوي يتيح مفهوم الامتثال إزاحة الله بمنتهى الهدوء لصالح السلطة أو الطبقة المهيمنة والتي تجير الامتثال في هذه اللحظة لمصلحتها وبما يتفق ويدعم أطروحاتها المهيمنة. ولذا تشتط في المطالبة بذات الامتثال للإرادة الإلهية والرضوخ لمشيئتها العليا وبذات الصبر واليقين المتوجه به إلى الله والا فإن "الله- السلطة" شديد العقاب!!. وفي هذا السياق نجد أن "المعارضة" بالمعنى الواسع للكلمة، تمثل التضاد الطبيعي للامتثال أي "الكفر" الموجب للهلاك" معنويا كان أم استئصاليا. والهلاك في شقه المعنوي ووفقا لقاموس السلط السياسية هو : الخيانة، العمالة، التآمر، الطابور الخامس...الخ" ويمثل في ذات الوقت مرادف دلالي – في الشق المعنوي - للفظ "هالك" في القاموس اللاهوتي السلفي. ويتكاثف المدلول والمعنى كلما اقترب المجتمع في تراتبيته الأبوية من سيطرة السلط الدينية. فالسلطة الثيوقراطية تذهب بعيدا في مطالبها الامتثالية لأنها ترى في نفسها صورة الله فتحل محله تماما بحيث تكون هي هي الله والله هو هو هي ، إن جاز لنا استخدام التعبير الصوفي. ويظل الامتثال في هذه اللحظة مطلب أساسي وملح للسلط الثيوقراطية والطبقية الدينية يتمحور في عدة أشكال وابعاد ويتفرع ليغمر كافة تفاصيل الحياة الاجتماعية والبيروقراطية ليصب في مجرى السلطة المركزية أو الله المتعين في الزمان والمكان.
فالامتثال والإقرار بصحة فتاوى رجال الدين والارتهان لنفوذهم الروحي والاعتماد على ترجمتهم الوحيدة و"الأمينة" لما يجب أن يكون عليه الدين والحياة – وهي الرؤية المتسقة غالبا مع استراتيجية الدولة – يجب أن لا يكون مكان شك أو اعتراض لأنه بالمقابل يفسر على أنه اعتراض على الامتثال للإرادة الإلهية العليا.
وإذا أخذنا المرأة كنموذج صارخ لتجليات ممارسة ألاعيب الامتثال الإلهي وفق مفهوم الذهنية البطريركية سنجد أنها الأكثر تضررا ومعاناة نتاج هذا الكم الهائل لهذه الألاعيب الامتثالية. فتعرضها عبر التاريخ لسلسلة الشروحات والتفاسير وتفاسير التفاسير للأحاديث المدججة بكل الاكراهات الذكورية، يجعل منها كائن معملي بامتياز لاختبارات مفهوم الامتثال الإلهي خصوصا في مجتمعات المد السلفي أو تحت سيطرة الدولة الثيوقراطية. فالامتثال "الإلهي" المطلوب من النساء هو في حقيقته ذلك التنازل الطوعي لحقوق المواطنة والإنسانية التي جادت ببعض منها الإنسانية المعاصرة في صراعها الطويل والسرمدي لتجسيد معاني الحرية والإنسانية والكرامة بغض النظر عن التباينات الجنسية ، الدينية ، العرقية أو الثقافية ، والتي باتت مضمنة تقريبا في كل دساتير الدولة القومية "الحديثة" شكلا كان ذلك أم مضمونا والمتورطة في تبعاته هذه المجتمعات الإسلامية البطريركية. وما حيلة الضغط على مفهوم الامتثال للإرادة الإلهية إلا نوع من الالتفاف على هذه الحقوق "الدستورية" والتي يمارس بشأنها انتقاء مفزع يفتقد إلى أبسط معايير الأمانة والإنسانية. فمثلا، في دولة مؤسسات عصرية كالسعودية ، رغم إشكالية مفهوم "الدولة" في بلد كالسعودية، تظل أهلية المرأة وحقوقها كمواطنة مكان شك كبير، وقد يكون هذا هو حال "المواطنة" – بفتح الطاء- بشكل عام هناك بعيدا عن التصنيفات الجندرية، ولكن مع ذلك يظل وضع المرأة الدستوري في غاية المأساة مقارنة بالرجل. فهي حتى وقت قريب ، إن لم يكن حتى الآن، لا تملك صفة اعتبارية خاصة بها، حيث أنها تضاف ضمن الأوراق الثبوتية "حفيظة النفوس" لرب العائلة أو الزوج عند زواجها. هذا فضلا عن تعويق حركتها هناك في الحياة العامة بكثير من المتاريس الكفيلة بتحجيمها تماما. وفي السودان وبعض الدول الإسلامية فالأمر ليس أقل سوءا ، ففي حين أن الدولة تمنح المرأة – في سامحة ولين- أوراقها الثبوتية والتي من ضمنها جواز سفرها إلا أنها وحتى وقت قريب كانت تحجر عليها حرية السفر لوحدها بحجة أنها "حرمة" حتى وان كانت سفيرة أو قاضية أو أستاذة جامعية مرموقة!. ومع ذلك لا نعدم نفاق بعضهن في تثمين مثل هذه المواقف المتناقضة بحجة أن ذلك امتثال للإرادة الإلهية. والأمر في سياقه الحقيقي قد يبدو مفهوما حين نقترب من حقيقة أن هذه المساحات من الحرية المحدودة التي أتيح لبعضهن استثمار عائدها المادي والمعنوي لمصالح منفعية شخصية ضيقة لم يكن يوما استراتيجية نهضة اسلاموية بقدر ما أنه امتياز إنساني – تاريخي فاض عائده ليشمل الكل. ومع ذلك تأتي هذه المواقف المتراخية والآراء الفجة التي تجود بها جمهرة الاسلامويات بغية مرضاة البطريركية الدينية ، المجتمعية والسياسية ،على حد سواء، للحفاظ على مكتسبات فردية على الصعد البيروقراطية والاجتماعية أو حتى السياسية حتى وان كان الثمن تقويض الأسس الفلسفية والأخلاقية التي انبنت عليها المدنية الحديثة القائمة على نظم التعليم الحديث كمنارات للوعي ومصدات لعهود التخلف والقهر الاجتماعي.

والأسرة في المجتمعات البطريركية مناط بها دور بنيوي خطير في تكريس مثل هذا النوع من الامتثال، "فرضى الله في رضى الوالدين" التيمة النموذجية التي تقف عليها ديمومة التقاليد والثقافة البطريركية المجتمعية بأكثر المعاني عمقا لمصطلحي تقاليد وثقافة، وذلك من خلال ميكنزمات عملها في تجيير المعنى الامتثالي لصالح الهيمنة الأبوية العائلية والتغول على مصير الأبناء في كافة التفاصيل الحياتية. فرضى الوالدين يمثل هنا في الذهنية الأبوية مصادرة حق الأبناء ،مثلا، في اختيار مستقبلهم الأكاديمي والذي يجب أن يخضع لارادة الامتثال لـ"رب" العائلة فهو المعني وحده بتحديد وجهة المستقبل لابناءه، وقد يستطيل الأمر إلى انتهاك خصوصيات أخرى مثل الزواج،حيث يجب أن لا تخرج البنات/ الأبناء من الطوع عادة وإيكال هذا الأمر "الهام" للعائلة لاختيار شريك الحياة "المناسب"!.

نستطيع أن نتوغل كثيرا وعميقا داخل بنية الوعي الامتثالي لنخرج بكم هائل من المشاهد الحياتية الداعمة لما نقول، وكذلك تتبع مسار ميكانيزمات عملها التعويقي لمحاولات النهوض ، ولكن المقام لا يتسع. فما نخلص إليه عبر هذه المقالة المقتضبة هو أنه ومع إقرارنا بأهمية "الامتثال" للأوامر الإلهية من حيث كونها ترجمة مادية لمفهوم الاعتقاد كمعنى روحي، إلا أن ذلك يجب أن لا يلهينا عن حقيقة بينة ما فتئ حراس التقاليد والامتيازات التاريخية من رجال دين وسدنة سياسية وطبقية اجتماعية يلتفون عليها ويفعلون ما بوسعهم لتغييبها أو تأجيلها لأطول مدى ممكن، ألا وهي، تأكيد مشاعية المعرفة الدينية دون احتكار لمدلوليه حق المقصد الإلهي وتأكيد تباين المفاهيم والقدرات طبقا لتباين الإمكانيات العقلية وتمايز الثقافات والمراجع الفكرية وبالتالي نسبية الحقيقة أو بالأحرى تعدد أوجهها. إن الحديث عن دين فوق الزمان والمكان لا يمكن أن يحدث إلا في ظل شيوع قيم الجهل والخرافة وغياب الوعي وبالتالي احتكار حق المعرفة لدى قلة من الناس توظفها لمصالحها الدنيوية واستغلال العامة المستسلمة لجهلها ويقينها فيما تتلقاه بالوكالة. الشاهد أن هذا هو واقع اليوم. فالمعرفة محتكرة للقلة ممن يعرفون زورا وبهتانا "بعلماء الدين" والمتواطئون ، غالبا، مع السلط الرجعية والشموليات السلطوية ، لذلك يظل "المعنى" في كل الأحوال معلبا وجاهزاً في الأرفف وما على العامة سوى شرائه واستخدامه. ولما كان الامتثال مطلب مثالي للحفاظ على بنى التخلف ، لذا اكتسب قيمة معنوية وأهمية تسويقية عالية في سوق المعنى البطريركي ،وهذا وحده ربما يفسر لنا سر هذا الخنوع الذي يشكل شخصية مجتمعاتنا.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- القطط واللحمة، ومأزق ممفتي المسلمين بأستراليا!
- حماس 000 سلطة سياسية أم ورطة لا هوتية؟!!0
- في بلد مؤسس على التطرف... هل يحل مقتل -العوفي- أزمة الارهاب ...
- انفجارات لندن وتداعياتها 000و ذلك -الارهابي- الكامن داخل كل ...
- السلام الاجتماعي المفقود00 أو الحقيقية العارية كما جسدتها ال ...
- حكم -الحجاب- من منظور تجريدي إلى واقع متكامل من القهر المعنو ...
- على هامش مأساة أبليس 000 ما مصير جماعات الاسلام السياسي في ح ...
- العمالة الاجنبية في السعودية بين مطرقةالدولة وسندان المجتمع
- بعض من أزمات الفقة المعاصر ... -ركاكة فتاوى المرأة-. ابن باز ...
- تداعيات ثقافة الفقر وأثرها على سلوك مجتمعات القرن الإفريقي ب ...
- مآلات دولة -الطهارة الفرعونية ... وظاهرة الوهابية كافراز حتم ...


المزيد.....




- -نيسان- تسحب مليون سيارة من السوق اليابانية
- السعودية.. الأمير -المشين- ينتظر الحكم الشرعي
- إعصار أوفيليا يقذف هيكل إنسان من العصر الحديدي إلى الشاطئ
- مؤتمر -قادة حروب القرن الواحد والعشرين- في أبوظبي
- بالفيديو.. عراك وتراشق بالكراسي بين حزبي العدالة والمعاصرة ...
- بعد قتال مع -البيشمركة-.. القوات العراقية تسيطر على ناحيتين ...
- محاكمة مخبر سري للأمن الألماني -شجع جهاديين- على ارتكاب اعتد ...
- البرازيل.. تلميذ يطلق النار في مَدرسته ويقتل تلميذين على الأ ...
- مواجهات عنيفة بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة في مجل ...
- فرار عدد كبير من الأفغان من برنامج تدريبي عسكري في أمريكا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2 : المصالحة والتعايش في مجتمعات الصراع العراق نموذجا - عبد الخالق السر - مفهوم -الامتثال- للإرادة الإلهية كمدخل للاضطهاد الاجتماعي والسياسي