أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح سليمان عبدالعظيم - فورا بوش، جرينجو بوش















المزيد.....

فورا بوش، جرينجو بوش


صالح سليمان عبدالعظيم
الحوار المتمدن-العدد: 1860 - 2007 / 3 / 20 - 12:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



"من جاور السعيد يسعد، ومن جاور الحداد يكتوي بناره" مثل لا ينطبق على علاقة الولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية حيث تكشف علاقات الجوار الجغرافي فيما بينهما عن أن من جاور أمريكا يكتوي بنيرانها وقواتها ومخابراتها وجنرالاتها وعملائها ومؤامراتها وانقلاباتها وهيمنتها واستعلاءاتها. فالولايات المتحدة الأمريكية، عبر علاقاتها الطويلة بدول القارة الجنوبية، مارست كل أنواع التسلط والهيمنة والإرهاب والمذابح تجاه دول القارة المسيحية. كما أنها تعاملت مع القارة بوصفها الولاية الثانية والخمسين الأمريكية التي يحق لليانكي الشمالي التدخل فيها أينما أراد وكيفما شاء.

لم تكن القارة الجنوبية الغنية بمواردها وتراثها وحضارتها ومفكريها وروائييها وشعرائها بالنسبة لهذا اليانكي الدموي سوى فضاء جغرافي ملاصق يحق له التدخل في شؤونه وتسييرها وفقاً لمصالحه وأهدافه. لقد تم إعادة تشكيل القارة بأكملها، مثلما فعل الأسلاف الأوروبيون، وفقاً للأهداف الأمريكية الرأسمالية، بحيث لا تستطيع دول القارة حرية التصرف في مواردها إلا بما يتوافق مع أهداف الجار الشمالي ومصالحه المختلفة.

والذين يتحدثون عن الممارسات الأمريكية الإمبريالية في عالمنا العربي، رغم صحة هذا الحديث وبربرية تلك الممارسات، لا يدركون الكيفية والأساليب التي تتدخل بها أمريكا في القارة الجنوبية. فالبعد الجغرافي بيننا وبين الدولة الإمبريالية لم يجعل العالم العربي في قبضة الهيمنة الأمريكية المباشرة، رغم وجود وجه العملة الإمبريالي الآخر في المنطقة، إسرائيل.

لم تكن أمريكا اللاتينية بالنسبة لليانكي الشمالي، قاتل الهنود الحمر وتاجر العبيد الأبيض، سوى منجم هائل يتم استحلاب خيراته، مع إمكانية استخدام مواطنيه كعمال وخدم وفلاحين. لقد استباحت أمريكا القارة الجنوبية منذ نشأتها وحتى الآن، إلى الحد الذي أصبح فيه هذا الإستغلال ممارسة روتينية من جانب الإدارات الأمريكية المتعاقبة. والويل كل الويل لمن تسول له نفسه مقاومة هذا الإستغلال الأمريكي، فمصيره مثل مصير سلفادور الليندي قتلاً، أو فيدل كاسترو حصاراً، أو جبهة الساندينستا إرهاباً، أو شافيز نبذاً ومواجهة.

منذ الستينيات وحتى بداية الثمانينيات مارست أمريكا كل أنواع التدخل الدموي السافر ضد سكان القارة الجنوبية، ضد كوبا ونيكارجوا وشيلي وبنما والأرجنتين وكولومبيا، وغيرها الكثير من دول المنطقة وسكانها. وعبر كل هذه التدخلات العسكرية والمخابراتية والأمنية كانت الولايات المتحدة هى الوكيل الحامي لرأس المال الأمريكي ولرجال الأعمال الأمريكيين ومصالحهم المادية المباشرة في القارة الجنوبية.

وربما يذكرنا تدخل أمريكا المباشر في شيلي عبر وكالة المخابرات الأمريكية، والدعم المفضوح لقوات الإنقلاب الدموي بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه ضد الرئيس اليساري المنتخب شرعيا سلفادور الليندي وقتله في الحادي عشر من سبتمبر 1973، بمدى وحشية الممارسات الأمريكية في القارة الجنوبية. ولأن التاريخ هو تاريخ الأقوياء والليبراليين الأمريكيين الفاشيين، لا يتحدث أحد عن آلاف القتلي وآلاف النشطاء اليساريين المختفين على أيدي الجنرال بنوشيه الذي حل محل الرئيس الراحل الليندي. لقد ظل بنوشيه حاكماً لشيلي مدة سبعة وعشرين عاماً، كان خلالها حامي المصالح الأمريكية في المنطقة، والمتعاون الأول معها من أجل كبح الحركات الثورية في القارة الجنوبية.
لقد مارست الولايات المتحدة الأمريكية عبر عقدين من الزمان منهجية التدخل السافر المنظم والمتواصل في شؤون القارة الجنوبية من أجل دعم الجنرالات العسكريين، وتثبيت أوضاعهم، والحفاظ على مصالح رجال الأعمال الأمريكيين. وعلينا هنا أيضاً ألا ننسى ذلك العداء المستحكم لمدة تزيد على نصف القرن بين أمريكا وكوبا، لمجرد أن فيدل كاسترو إختار نموذجاً سياسيا لا يعجب القائمون في البيت الأبيض، ولا يتوافق مع مصالحهم.

ورغم هذا التاريخ الدموي الطويل والعنيد فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتوقف عن التحدث عن الحرية والديمقراطية والخير الوفير الذي تحمله لأبناء القارة الجنوبية. وعلى ما يبدو أن الإدارة الأمريكية تنطوي على قدر هائل من الكذب والخديعة لدرجة تصديق الذات. فالدعاية الأمريكية ترتكز على مبدأ رئيس سواء في تعاملاتها مع الداخل الأمريكي أو مع الخارج العالمي فحواه أن الكذب والإدعاء والمغالطة هم الوسائل الوحيدة لكي يصدقك الآخرون ويتبعونك، وربما يرددون ما تقولونه وينشرونه بالنيابة عنك. إكذب إكذب إكذب وسوف يصدقك الآخرون، فإن لم يصدقوك فإن قواتنا جاهزة لتغيير النظم، وقمع حركات التحرر، وقتل المعارضين. أليست إستراتيجية الكذب هذه هى ما يقوم به الليبراليون العرب الجدد حينما يتحدثون عن النموذج الأمريكي بوصفه منارة الرقي والتقدم والديمقراطية، والتغاضي عن الممارسات الأمريكية والإسرائيلة القمعية في الوقت ذاته.

وعلى ما يبدو أن الكذب والدعاية الأمريكية صفة ملازمة للسياسة الخارجية الأمريكية سواء أكانت تابعة للحزب الديمقراطي أو للحزب الجمهوري. ففي يوم السادس من هذا الشهر إستهل الرئيس الأمريكي زيارته لأمريكا اللاتينية بزيارة البرازيل، والتي أتبعها بعد ذلك بزيارة كل من أورجواى وكولومبيا وجواتيمالا والمكسيك. وقيل أن هدف الزيارة هو تفعيل العلاقات مع القارة الجنوبية في مواجهة الأقاويل المترددة حول إهمال الإدارة الأمريكية الحالية لأمريكا اللاتينية وإنغماسها في حرب العراق ومواجهة الإرهاب. لكن الكثير من المحللين والنقاد والمعلقين يفسرون سبب الزيارة بمواجهة المد اليساري في أمريكا اللاتينية الذي يتزعمه الآن الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، والذي استهل هو الآخر رحلة موازية لرحلة بوش للعديد من الدول مثل الأرجنيتن وهاييتي.

ورغم أن أجندة بوش لم تحمل سوى التركيز على بعض القضايا تمثلت في مناقشة اتفاقيات التجارة الحرة مع أوروجواي، ومكافحة المخدرات مع كولومبيا، والسيطرة على المهاجرين مع المكسيك، إضافة إلى توقيع اتفاقية غاز الميثانول مع البرازيل، فإن الإدارة الأمريكية حاولت أن تصور الزيارة بوصفها دليل على الإهتمام الكبير بشؤون القارة الجنوبية وأحوالها. وهو الأمر الذي ظهر من خلال تعليقات بوش بخصوص تجاهل إدارته للقارة حينما قال: كيف، كنا أسخياء مع أمريكا اللاتينية، ولم نحصل على تقدير كبير مقابل ذلك. لم نولي ظهورنا للقارة، فقد بلغت المعونات الأمريكية لدول المنطقة 1.6 بليون دولار العام الماضي فقط. علينا هنا أن نتذكر أن الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز في تحديه للإدارة الأمريكية منح دول الجوار ما يقارب من 16 بليون دولار في السنوات الأخيرة، أستفادت منها على وجه الخصوص كلٍ من الأرجنتين وبوليفيا!!

ورغم المبالغة الهائلة في حجم المعونات الممنوحة لدول أمريكا اللاتينية من جانب الإدارة الأمريكية، فإن ما لا تريد أن تفهمه هذه الإدارة أن المسألة لا تتعلق بحجم المعونات والإتفاقيات التجارية، قدر ما تتعلق بحجم التغيير الأيديولوجي والسياسي الذي أصاب أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة. فقد اختارت الكثير من شعوب القارة في الإنتخابات الأخيرة التحول نحو اليسار. ففي فنزويلا وشيلي وبوليفيا والبرازيل وأوراجواى، ناهيك عن كوبا، إختار المواطنون المرشحين اليساريين وأوصلوهم لسدة الحكم، رغم أنف التدخل الأمريكي السافر.

في أمريكا اللاتينية الآن روح تمرد قوية، لا تقف فقط عند اليساريين، لكنها تشمل أطيافاً مجتمعية واسعة، ترفض في جوهرها الهيمنة الأمريكية والبرامج النيوليبرالية الاقتصادية الجديدة التي لم تجلب للقارة سوى المزيد من الفقر والتدهور المادي. والمسألة لا تتعلق ببوش وحده، ولكنها تتعداه إلى الإدارات الأمريكية السابقة. فلم تجلب السياسات النيوليبرالية، التي تم فرضها على العديد من دول أمريكا اللاتينية في عهد إدارة كلينتون، والتي تمثلت في تقليص الخدمات الاجتماعية، وخصخصة القطاع العام، وإعادة هيكلة القطاعات المالية، إلا الخراب لهذه الدول. ولم يستفد أحد من تطبيق هذه السياسات سوى رجال الأعمال الكومبرادوريين في القارة والشركات متعددة الجنسية على حساب الأغلبية الفقيرة من سكان أمريكا اللاتينية، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لدول القارة، وتعظيم الفجوة بين الفقراء والأغنياء في العديد من دول القارة.

من عجب أن يتصور الرئيس الأمريكي أنه يحمل الخير لسكان القارة الفقراء، ومن عجب أن يتخيل أن مساهمة أمريكا في علاج بعض المرضي من سكان القارة الجنوبية، وتعليمهم اللغة الإنجليزية سوف ينهي عهوداً طويلة من الإستغلال الشمالي لهم. وهو الأمر الذي ظهر من خلال تلك المظاهرات الحاشدة التي واجهته في كل من البرازيل وأورجواي وجواتيمالا والأرجنتين. فقد كان الشعار الرئيس لهذه المظاهرات والحشود هو فورا بوش، وجرينجو بوش، وكلاهما يعلنان الرغبة في خروج بوش من أرض القارة وعدم العودة لها. والكلمتان، الأولى بالبرتغالية والثانية بالأسبانية، يتضمنان رفضاً لهيمنة الرجل الأبيض القادم من الدول الغربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأيضاً كندا وبريطانيا وأستراليا. إنهما كلمتان يحملان رفض الإستعلاء الأبيض أينما كان، بما يحمله معه من إستغلال وقهر وهيمنة وتشريد.

لقد كشفت المظاهرات والحشود اللاتينية الضخمة ضد القادم الأمريكي غير المرغوب فيه، عن أن المعركة بين اليانكي والقارة الجميلة أكبر من أن تُختزل في تحجيم اليسار اللاتيني أو التضييق على شافيز. إنها معركة قارة بأكملها تهب من أجل الحرية والعدل والكرامة، إنها معركة إحياء قيم القائد اللاتيني الفنزويلي العظيم سيمون بوليفار، الذي حرر شعوب القارة من الإحتلال الأسباني الدموي. إنها معركة الإنسان الخالدة والباقية والمستمرة ضد الظلم والطغيان والإستغلال، ولهذا لم يكن من الغريب أن يحمل أحفاد بوليفار الأعلام الفلسطينية في مظاهراتهم ضد اليانكي الأمريكي المتغطرس.

صالح سليمان عبدالعظيم
كاتب مصري





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عن الحب والرومانسية وأشياء أخرى
- ثقافة النكد في العالم العربي
- حرب الأفيون الأمريكية
- إثنان وثلاثون عاماً على رحيل أم كلثوم
- قصص قصيرة جداً
- مواجهة خطاب التنميط والعنف الغربي بين التناول العلمي والإلتز ...
- !!محافظون وثوريون
- أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي
- !!أستاذ الجامعة بين استحكامات البنية واستحقاقات المهنة
- ذووا الدم البارد والعقلانية الخبيثة
- !!مذكرات سمير أمين وعصر الرأسمالية الشائخة
- نهوض المرأة في تقرير التنمية الإنسانية العربية الرابع
- !!لا تعايرني ولا أعايرك
- البنية النفسية لذوي الجنسيات المزدوجة
- الأستاذ شعارات
- الصحافة العربية والإنفلات الإلكتروني
- بقايا الوعى بين مخاطر الاستعلاء وأوهام الاستقواء
- !كفاية، إحنا وصلنا للنهاية
- الإخوان المسلمون والإخوان الأقباط
- جسد المرأة في القنوات الفضائية العربية


المزيد.....




- كيم: سنصبح أقوى دولة نووية في العالم
- كابتن الملكية الأردنية: رحلتنا ستمر فوق القدس عاصمة فلسطين ...
- بوتين سحب الطائرات وترك السفن في سوريا
- نساء اتهمن ترمب بالتحرش
- بالفيديو.. مغامرة مذيعة مصرية داخل سرداب تحت تمثال -أبو الهو ...
- لمن يوجه بوتين تحذيرا
- يُعدّون ملفا ضد روسيا في محكمة الجنايات الدولية
- خبير روسي: ستحل سنوات من الهدوء في سوريا
- دراسة تكشف مفتاح الحياة لـ 100 عام
- برلماني روسي: مجموعة السفن الروسية ستواصل مهمتها قرب سواحل س ...


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح سليمان عبدالعظيم - فورا بوش، جرينجو بوش