أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صدام فهد الاسدي - عندما يغترب الشعراء في اوطانهم















المزيد.....

عندما يغترب الشعراء في اوطانهم


صدام فهد الاسدي

الحوار المتمدن-العدد: 1840 - 2007 / 2 / 28 - 07:39
المحور: الادب والفن
    


منذ أن قال هرقلطس (هيهات أن يسبح الإنسان في النهر مرتين) كاد هذا القول ينطبق على السلوك البشري ويصبح قيدا في رقاب أكثرهم ضمن مفترضات تعبيرية منها الغربة والاغتراب ، وقد كان الأبوان (آدم وحواء) البادئين بتلك الغربة حيث خرجا بعد الامتحان من الجنة إلى الدنيا بعد امتحان الشجرة المحرمة ، وجاء الأنبياء بعدهم يعيشون الغربة الروحية والمكانية ، فأيوب عليه السلام طرد من قريته بسبب مرضه وعاش على ركام بعيد ، ولوط عليه السلام نبذ من قومه حين ارتكبوا الفاحشة ومنعهم فأبعدوه عنهم ، والخليل عليه السلام كيف هيّأ له الناس جبلا من الحطب لحرقه أمام الجميع بسبب تحطيمه الأصنام فعاش غربة ، والمسيح عليه السلام حاولوا قتله وقد صلبوه ، وهكذا سرت الغربة حتى كان الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء يعيش غربة خاصة به وهو القائل (بدأ الإسلام غريبا وعاش غريبا بين الناس كما بدا فطوبى للغرباء) قيل له يا رسول الله من الغرباء..؟ قال الذين يصلحون إذا فسد الناس ، وكان المسلمون الأوائل أول الدعوة مستضعفين غرباء بين الناس وقد زالت غربتهم بعدما انتشر الإسلام وهم على ثقة بأن (المؤمن الحقيقي من رزقه الله البصيرة في دينه لفساد أديان الآخرين ، ورزقه فقها في سنة الرسول ) وكذلك غربة العالم التي تعدّ أشدّ الغربات لأن العلماء قلائل نسبة إلى الناس والذين وصفهم الرسول قائلا ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) وهكذا أصبحت الغربة زادا في الفن والأدب نهل منها الكثير من الأدباء ومنهم امرؤ القيس الذي سجل بيته قرب جبل عسيب دليلا على شعوره بغربة المكان قائلا:
أجارتنا إن الخطوب تنوب
وإني مقيم ما أقام عسيب
وبعده كان المعري الشاعر العباسي الكبير يمثل قطبا من أقطاب الغربة في التاريخ وكانت لزومياته تحكي عن تلك العذابات المستمرة والمتلاحقة والغربة التي حسّ بها حتى في قوله وقد فاقه أيضاً المتنبي في غربته المتنوعة حين قال:
ولكن الفتى العربيّ فيها
غريب الوجه واليد واللسان
وفي العصر الحديث كان النجفي أكثر الشعراء غربة داخلية وخارجية ونفسية وروحية وقد أفصح النجفي عن غربة ذات ثمانية أقطاب:
وجربت أنواع التغرّب كلها
فمن غربة في الدار والقوم والعمر
إلى غربة في الزي والذوق والهوى
إلى غربة في الخلق والدين والكفر
وعندما نخترق المسافات في هذين البيتين نجد مناقشات حادة فهذا يطعن وذاك يرفض وآخر يؤيد ولن نتفق أبدا مع تلك الغربة الفريدة التي لم أجدها إلا في شخصية الصافي وحده أبدا . ولو دخلنا في مسارب غربته باختصار باحثين عن السر أولا والفنية المعبرة عن ذائقة شاعر يمثل قطبا من أقطاب المدرسة المستقلة الثلاثية (الجواهري – الصافي – حسين مردان) وقد انتمى إلى الأول علي الشرقي والى الثاني عبدالامير الحصيري والى الثالث رشدي العامل ، وكلهم يمثلون عمالقة الشعر في العصر الحديث . ولا اخرج عنهم السياب والبياتي والحيدري والبريكان أبدا . كان الصافي مدهشا في كل شيء ، يميل إلى الواقع بتفاصيله يرفض علنا ويشتم مباشرة ويعترض دون تردد ، لا يخاف لومة لائم ، إن الشعر بحره النهائي وهيهات أن يسبح في النهر مرتين ولا يختلف اثنان بأن الصافي شاعر عبقري وآثاره تحدثت عن ذلك فأسكتت الألسن وأقولها بحق وأنا أتخصص في الأدب الحديث أن باستطاعتي ومعي آخرون أن نكتب عن أي شاعر ونحسم موقفه بعد حين ، أما الصافي فما زلت وسأبقى عنه وكل يوم أجد عنده جديدا ومما يؤسفنا أكثر أن الدراسات الأكاديمية قد تناست هذا الشاعر العملاق ولا ادري متى ينفض الغبار عن اسمه ، زد إلى ذلك ليس له الحق وللناس التي أعطاها أن يقام له تمثال في النجف الأشرف مثلما أعدت دولتنا الكريمة شواهد لغيره في النجف وغيرها وهم اقل منه عطاءا وأعني الشعراء فقط . والآن دعني ادخل في مسارب غربته العجيبة اللافتة للذهن .
1. الغربة المكانية (الدار) :
أراد بها الدار التي ولد بها طفلا ومنها ابتدأت غربته :
غريب هواجس مذ كنت طفلا
أخالق جيرتي خلقا وعقلا
من هنا بدأ الخلاف وبدأ الانعزال عن أهله حتى بات السجن الحقيقي لديه:
أؤى في غربة الإنسان سجنا
فكيف بسجن إنسان غريب
يزور رهين سجن أهل قربى
ولكني سجين بلا قريب
وقد صارع الشاعر بعدا مكانيا (في إيران ، في تركيا ، في لبنان ) وهو يحنّ إلى وطنه العراق بل يجد حتى الغربة فيه جميلة ، انظر قوله:
حتى متى اقضي ثمين العمر مغتربا
لأنني ليس لي مثل الورى وطن
فمن رآني أطوي الأرض منتقلا
يقول مالي لا أهل ولا سكن
وظلت معادلة حب الوطن أقوى المعادلات عنده فهو القائل:
بغداد حار المادحون بوصفها
زين البلاد كثيرة الأوصاف
كانت تحن لقطعة من كبدها
والآن ردّت حين عاد الصافي
2- الغربة القومية: (الناس ، الأصحاب)
إن الصافي لا ينتمي لأحد سوى العصر الجاهلي وما بعده بقليل مثل المتنبي والمعري ، وهو يشير متمردا إلى غياب الفكر .
أنا في الشعر كالغريب فجيلي
في عكاظ وبعد ذا العصر جيلي
وقوله، واصفا روحه نسخة من المتنبي فهما كالتوأم:
أنا شبيهان روحا
كل لثانيه توأم
قالوا مضى المتنبي
فعاد بي يتكلم
ويرى في الشاعرين المعري وابن الفارض مثيلا لشخصيته :
فلي سلوة في نشوتي بابن فارض
أو بالمعري الفذ فهو عميد
لذا وجد الناس غرباء لأنهم لم يفهموا شخصيته وشعره قائلا:
ولست غريبا عن حياة نهجتها
غريبون هم عن نهجها أينما كانوا
وقوله أيضاً ناصحا الابتعاد عن الناس:
عن الناس فابعد ما استطعت فإنهم
حقيرون إن تحقرهم احتقروكا
وماله من هوى إلا تلك الذكريات المرقمة:
وقد أصبحت مالي اليوم شغل
سوى ترميم تلك الذكريات
لذا وجد الناس غرباء لأنهم لم يفهموا شخصيته وشعره:
ولست غريبا عن حياة نهجتها
غريبون هم عن نهجها أينما كانوا
وقوله أيضاً ناصحا الابتعاد عن الناس:
عن الناس فابعد ما استطعت فإنهم
حقيرون إن تكرمهم احتقروكا
3- العمر :
ذلك الزمن الذي ملّ منه فمله وكره مقدمه..
فكأن هذا الكون ليس أبي
فلم أرَ لي به شبيها ولا ببنيه
وقال:
أنا في هذه الحياة غريب
لا صحابي فيها ولا صاحباتي
غربتي في الحياة موت ولكن
في بلوغي بالموت دار حياتي
ولا يجد الشاعر بعمره هذا جدوى وماذا يدخر بعده
يدخر الناس لشيخوخة
وكل ذخري ربي الفرد
إن عمر الصافي سفينة لا تتردد بين الجزر والمد:
ولي حياة كالسفين الذي
لا الجزر يدنيه ولا المد
من أن تعيش العمر في وحدة
لا ناي يشجينا ولا فقد
4- الزي (الملبس والمظهر):
لقد حملت أبياته روح الدعابة منتقصا من الناس الذين يهتمون بمظاهرهم وينسون جوهرهم ، فقد رأى في المقهى صديقا يصلح هندامه فقال له : ( كيف تطيق النظر في المرأة..؟ قال له الصديق أصبحت جميلا برغم انف الجمال ، فوضع السدارة على الكرسي وجلس فوقها ، فقال له الصافي : كيف تجعل زينتك تحتك يا رجل..؟
فقال له : حسب الموضة الجديدة فكتب له الصافي :
يسير ويزهو فائز بسدارة
تراها فتخشى منه شدة بأسه
ولكن على الكرسي يجلس فوقها
ففي سفله حينا وحينا برأسه
وكان مغتربا في ملبسه عجيبا في أزاره وسترته القديمة قائلا :
فلا بزيي القديم يقبلني
ولا بخلقي يرضى ولا فكري
5- الذوق :
الذي ينبع من نفسية شاعر يرى نفسه طرازا خاصا به ، يدوس بآرائه كل آراء طرحها قبله أرسطو ، وظل بذوقه الحذر وغربته الفريدة متميزاً عن سواه فإذا أضعفت جسمه الخطوب وبلته بالمرض والفقر فلن تضعف نفسه القوية وعزيمته :
لئن ضعفت جسمي الخطوب وعملها
فما أضعفت نفسي ولا أوهنت عزمي
كأني خيال حين أمشي من الضنى
وليث عرين حين أسطو على خصمي
وهكذا بدأت غربته الذوقية باحثة عن الخيال الحقيقي :
أرى خللا في الكون قد بات باديا
فما به من نقص أو النقص في عقلي
ورأى الصافي ان الشاعر الحقيقي غريب في زمنه:
إنما الشاعر الصحيح غريب
فهو يمشي مشرّد اللب حائر
ان رأى شاعرا يفيء إليه
وطن الشاعر الغريب الشاعر
وهكذا تمحص ذوقه الحرية بديلا عن الكثير:
قد خلقنا دون الورى أحرارا
وامتلكنا التيجان والأمصارا
وجعلنا لنا المعالي شعارا
ولقد سأمنا العدو احتقارا
وكان اعتماده على ذوقه واعتداده بشخصية مزية فريدة به :
أنا لما أسرت من بعد ضعفا
لا ولم أرج من عدوي عطفا
وظل الصافي يبحث عن ذوق صاف مبتعدا عن القشور البراقة.
6- الهوى :
لم نجد بيتا واحدا يصف فيه تغلب هواه عليه فقد كان مسيطرا على عواطفه وهواه ، وماذا نتوقع من الذي لا يفكر في خسارة جسده وروحه وهو القائل :
موت جسمي أحق من موت روحي
ولو أني لم ألق عنه بديلا
وإذا الروح اثر جسمي زالت
وعليها أضحى البقاء مستحيلا
كان خيرا من أعيش بجسم
دون روح أحكي الجماد خمولا
فالشاعر لا يتبع هواه ولا هوى غيره ويتساءل قائلا :
عجبتم لماذا لست للعصر تابعا
فقلت لماذا ليس يتبعني العصر
ولست بعبد كي أراني تابعا
لعصري فهو العبد لي وأنا الحر
وماله من هوى إلا تلك الذكريات المرقمة :
وقد أصبحت مالي اليوم شغل
سوى ترميم تلك الذكريات
7- الأخلاق :
التي لا تنسجم مع سلوكه بكل ما يراه من زيف وخداع :
عجبت لقوم شحذهم باسم دينهم
وكيف يسوغ الشحذ للرجل الشهم
وقوله :
فأنكرتم دين المساواة خسة
ولما انتفينا السيف امنتم رغما
وقوله :
شاعر النفس ليس يطلب يوما
غير رضاء نفسه من مراد
8- الدين :
هناك مشكلة غربة الصافي والسبب المباشر لها :
فلم يستطع أن يغسل الدين عنكم
طباع جدود تعبد النار والفحما
وكذا الشاعر الصحيح نبي مرسل
والنبي غير التاجر
خذي الدين خلقا والحياة حصانة
ولا على ما فات منك تحسرت
9- الكفر :
لا أقول انه أعلن ذلك بل كان يرسمه في تساؤلات :
لم ادر يا رب علام خلقتني
ورميتني ليد النوى وتركتني
أعطيت كل الناس ما لم تعطني
وحرمت كل الناس ما أعطيتني
أبدا أطوف فلا أرى لي موئلا
أين المال وأنت قد شردتني
ثلثان من عمري بعيش تغب
مرا أما يكفيك ما أبعدتني
ولكن أين نضع هذه الأبيات أمام شعره الكثير عن إيمانه وزهده :
الله أستاذي وكل الذي
خط يراعي فهو أملاه
الله نور الأرض نور السما
ما أنا ما العلم لولاه
وبعد هذه الألوان المفيدة من الغربات التي عانى منها الصافي علام أظهرت نقمته وعلى من...؟ لقد نقم من الفساد بكل حالاته :
أتيت لأنشر الإصلاح فيه
فلم أصلحه بل أفسدت نفسي
وهو يرى المجتمع قد فسد ولا شفاء له بعد :
أتيت مجتمع الدنيا أطهّره
جهلا فدنس مني الروح والفرحتا
وبعد هذا أين أضع فصل الخطاب أمام شاعر النجف الكبير الذي عانى من تسع غربات وغربته العاشرة ضياع قبره في النجف وعدم وجود تمثال للشاعر .







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,216,343,444
- ابراج الثلج
- ريثما يقتنص الغبار الضوء
- عندما يكره الشعراء البكاء
- هكذا يتمرد الشعراء
- الشوك المدمى
- ---الشاعر محمود البريكان بين العبقرية والصمت-
- عندما ترحل صواري الريح
- الحلم في غابر الازمنة
- وشاح الثلج على كتف الوطن
- حينما يشق النهر قلب الصخر
- الشاعر ثامر سعيد و العبور الى زاوية الأقنعة
- تداعيات سنابك المطر في شعر الدكتور عبد الكريم راضي جعفر
- حرائق عصية على المطر
- الشاعر حسين مردان القديس الفاجر من يهيل الجبل على الشعراء
- نحت من ضباب في امرأة رشدي العامل
- قبل سقوط راية السراب
- اقصاء بدائي
- الشاعر الدكتور صلاح نيازي/الآتي على صهوة من لهب
- حين تنتفض الشوائب
- قف بعيدا عن اذرع النار/


المزيد.....




- تندوف.. غضب شعبي أمام مؤسسات البوليساريو للكشف عن مصير الخلي ...
- تنبأ بموته.. رحيل الفنان السوري فرحان خليل
- -الشيطان يعظ-.. فضيحة خالد يوسف بمزاد التعديلات الدستورية
- فرصة للمصورين الصحفيين.. مسابقة -أندريه ستينين- الدولية تقبل ...
- العثماني: «نتائج محاربة الفساد تسر لكنها لا تغر»
- صورة من عائلة -كارداشيان- تنال مليون إعجاب في ساعة (صورة)
- مظاهرات فى المغرب ضد حفل فنان داعم لإسرائيل
- فنانون عراقيون يحضرون افتتاح قناة -MBC عراق- في السعودية
- الموت يغيب فنانا خليجيا
- المسرح ملاذ الهاربين من تأميم الفن بمصر


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صدام فهد الاسدي - عندما يغترب الشعراء في اوطانهم