أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جهاد علاونه - الفردية والجماعية في ضوء التطور دراسة عن سلامه موسى والعقاد والثقافة العربية






















المزيد.....

الفردية والجماعية في ضوء التطور دراسة عن سلامه موسى والعقاد والثقافة العربية



جهاد علاونه
الحوار المتمدن-العدد: 1829 - 2007 / 2 / 17 - 05:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة الكاتب
حاولت في الصفحات الاولى من الكتاب، أن أفسر معنى التطور مذهبياً وديالكتيكياً، أكثر من التفسير الإصطلاحي، لأن التفسير الإصطلاحي لمعنى التطور يجده القراء في كافة المؤلفات التي تتحدث عن التطور بمعناه الإصطلاحي سواء أكان في الآداب والفنون أو في معامل البحوث التكنولوجية، وحاولت أن أبسط معناه حين إنتقلت أوروبا من الكتابة بلغة الإنجيل(1) إلى اللغات الوطنية وحين عملت حركة الطباعة على إنتشار الوعي الثقافي خارج الكنيسة وهو ما أصطلح عليه بـ (الإصلاح الديني) أو (النهضة خارج مدينة الفاتيكان) وكشفت عن ذلك أيضاً بحركة الإصلاح الديني الكنسي في إنكلترا وإنشقاق الكنيسة على سلطة البابا بسبب غراميات الملك هنري وتراكم الثروة في إنكلترا، وكنت أقصد من ذلك الكشف عن الجذور الأولى للتطور خارج النهضة العربية، وحاولت أن أثبت أن التاريخ الإنساني للمخترعات توقف عند عصر الزجاج والحديد، وظل في ركود بفضل إنتشار نظام الرقيق والعبيد الذين كانوا يقفون كسدٍ ومانع في تقدم العلوم، لأنهم أصلاً كانوا يقومون مقام الآلة والإختراع.
وقد خسر الشرق الأوسط تجارته البحرية في البحر الأبيض المتوسط والإسكندرية بفضل الطرق التي إكتشفها هنري الملاح وفاسكوا داجاما، لذلك إنتشرت التجارة في أوروبا وأحييت معها الطبقة الوطسى وإضمحلت في مصر والشرق الأوسط وماتت معها الطبقة الوسطى التي من الممكن لها أن تساهم في حركة العمران المدني والثقافي.
لذلك كان يخسر الشرق في كل يوم ويكسب الغرب على حساب خسارة الشرق، وقد ساعدت هذه الحركة التجارية على تمويل حركة العلم والثقافة في الجزء الغربي من العالم المتحضر هذا اليوم، وتطورا وألقوا عن كاهلهم أكثر من 1500 عام من الحكم الكنسي، وهم مطمئنون للعلم والتنوير، وبمقابل ذلك بقي الشرق العربي يكابد ويعاني من الحياة القديمة حتى اليوم، وهو في هذه الحالة غير مطمئنٍ للجديد ويتشوق دائماً إلى القديم لأنه لم يحرز أي تقدم علمي وصناعي تنتقل به القرى القديمة إلى مدنٍ صناعية لها شكلً جديد يتمرد به النظام الحديث على نظام الأسرة والقبيلة، ويفتح ذراعيه للعائلة الجديدة.
وحاولت أن أبرهن على عوامل نهضة الشرق المتواضعة بفضل ما قام به المسيحيون في بلاد الشام من إنشاء المطابع قبل حملة نابليون على مصر وعلى إنشاء المجلات بعد حملة نابليون على مصر.
وقد وجدت أن فترة القمع والإستبداد في بلاد الشام هي التي عملت أيام السلطان العثماني عبدالحميد، على نقل الثقافة من بلاد الشام إلى مصر، وبذلك كسبت الثقافة المصرية بقدر ما خسرت بلاد الشام، وأصبحت الحركة الثقافية بها تشبه الحركة الثقافية في بغداد ودمشق والحجاز في القرن الثالث والرابع الهجري وبفضل القمع والإستبداد ظهرت صورة عبدالرحمن الكواكبي كبصمة عار على جبين بلاد الشام.
وفي ذلك جواب على الثقافة القوية في مصر أكثر من غيرها من البلدان العربية، وعملت الحركة الثقافية في مصر على إنتشار حركة التجديد التي تزعمها مصلحون تربويون في البداية أيام محمد علي، وإنتهت إلى إنشاء حركة مجلات ثقافية ساهمت بنشر العلم وبسبب إرتفاع تلكفة الكتاب إنتشرت المجلات والجرائد أكثر من الكتب في الربع الأول من القرن العشرين، وهذا عمل على إيجاد مناظلين في مجال الفكر والآداب، وقد إخترت في هذا الجزء من الكتاب تسليط الضوء بشيء من التحليل على مذهب الفردية في حياة وفسلفة العقاد وعلى الشعبية في كتابات سلامة موسى، وعلى فردية عبدالناصر الطاغية وكيف عامل مثقف مثل مصطفى أمين وأرجو أن أكون قد وفقت في كشف هذا الجانب من الفردية والجماعية.

المؤلف
شتاء - إربد – 2006م


رسالة إلى القارئ
تحية طيبة وبعد:
أستميحك عذراً إذا كنتٌ مخطئاً في وجهات نظري المتواضعة مقارنة مع قرآتك الكثيرة حول التطور والفردية والجماعية وتاريخ النهضة العربي وأود أن أهمس بإذنك أيها القارئ كلمة أخرى أستغل فيها عطفك على كتابي، مقارنة بمشاعرك العظيمة نحو أمة عربية يحكمها الأموات من قبورهم، وأسألك سوآلاً واحداً، لماذا ينتشر في كل ميل مربع من الوطن العربي الكبير معبداً دينياً وفي كل عشرة أميال نادي ثقافي متواضعاً في إمكانياته، ولكل عشرة أميال مثقف كئيب يعيش وكأنه في جزيرة شبه معزولة وفي حالة إضطراب وتردد، وحرق أعصاب؟
أقول لك سبب ذلك: إنه التطور والفردية والجماعية وسلطان العقل، وبإختصار أريد أن أشير إلى حوار ابن سينا الرئيس وخادمه التلميذ حين سأله عن الدين والعقل وأجابه الفيلسوف الرئيس بقوله:..... وذلك لتعلم الفرق بين سلطان الفلاسفة وسلطان الأنبياء والرسل.
ولتعليل ذلك سوف تجد في متن هذا الكتاب شرحاً مبسطاً عن العقل والتطور والفردية، ففي الوقت الذي أنتج به الإنسان غذاءه بإعتماده على ما تهبه الطبيعة من كرمها وطيب نفسها. سوف تجد أن حياة الناس مبنية على مصطلحات الصدفة والحظ والقسمة والنصيب، فكل شيء حظ وقسمة ونصيب ويدخل ذلك في الرزق والزواج والموت والحياة.
وأرجو منك أن تحس بتعبي الكبير وأنا أنتقي مصادري، حيث أمضيت شهوراُ عديدة في مكتبتي المنزلية ومكتبة اليرموك، ودور النشر للبحث عن عناوين تخص هذا المبحث البسيط، وقد كنت أتصور أن الكتابة، موهبة فقط لا غير ولكن حين شرعت بكتابة هذا الكتاب تعرفت على أشياء جديدة من صنع الشقاء والإنتهازيين وقد أصبحوا منذ هذه اللحظة أصدقائي على طول الطريق، وأرجو منك أن لا تقدر كتابي بعدد الصفحات والملازم لأن هذا من إختصاصي أنا حين أذهب إلى المطبعة للإتفاق على تكاليف الطباعة ولا أقول لك هذا من وسع ولكن من خلال تجربتي الأولى في كتنابي المتواضع (أثر الثقافة الشرقية على المرأة والرجل) ذلك أن الكتاب لا يقدر ثمنه للكاتب من خلال الملازم ولكن من خلال قلقه عليه وخوفه من أن يصل أذن صماء أو عيون مغلقة لا ترى إلا الماضي.
وأستميحك عذراً مرةً أخرى ولا أقول لك إلا ما قاله أحمد فارس الشدياق في مقدمته الشعرية لكتابه:
هذا كتابي للظريف ظريفاً
طلق اللسان وللسخيف سخيفاً
ما راح من قولي فخذه وما تجد
من زائفٍ فتركه لي ملفوفاً.
لا بد أن تجد الصيارف مرة بين الدراهم درهماً مزيوفاً لقد تراكمت علينا الحضارة بهمومها وأصبحنا في شك وحيرة بين الإهتمام بمصالحنا الذاتية وبين الإمتثال لمصلحة الجماهير العريضة، لقد فرضت علينا الحياة البسيطة في السابق جملاً كبيرة من التعاون مع مصلحة الجماعة ولكن كان أسلافنا يفقدون صحتهم بسبب تأخر العلوم والمكتشفات الطبية، إن قسوة الحضارة هذا اليوم مهما كانت قاسية ومربكة إلا أنها أعطت الإنسان قوة مضاعفة لمواجهة قسوة الطبيعة، وكانت الحضارة المعقدة بعد عصر التطور هي البديل الأول أو هي التي حلت محل قسوة الطبيعة، لقد ودعنا مع تقدم العلم قسوة الطبيعة وإستبدلناها بقسوة الحضارة، فماذا تعني الحضارة بالنسبة لنا: لقد أبدت إحدى السيدات الكنديات إعجابها بالبوليس وبالرقابة البيوليسية على النساء الساقطات، أما ما يتعلق برفع الأجور، فقد لاحظت أن العاملات والعمال لا يستحقون أجراً أفضل.( )
إن الحضارة تعني مجموعة أرقام وحسابات الرأسماليين التي لا تهتم إلا بها مش الربح والخسارة.
وفرض الرقابة في الحضارة الحديثة، ليس له سبب أخلاقي يبرره، فالمبرر الوحيد، هو أن هذه النشاطات متهربة من دفع الضرائب وما عليها من إستحقاقات تجاه خزينة الدولة.
إن مثل تلك الأعمال أطلق عليها المثقفون العرب مصطلح: إقتصاد الظل( )، لمواجهة الفقر ويشمل نظاماً واسعاً متهرباً من دفع الظرائب، أما قبل التطور والثورة العلمية البيضاء، فقد كانت هذه المشاريع توصف أنها غير حضارية وغير أخلاقية، أما اليوم فإنها تخضع لقوانين الربح والخسارة.
إننا بقدر ما كسبنا خسرنا، وبقدر ما شبعنا تهنا وضعنا في مهب الريح ومهب الحضارة.
هذه هي الحضارة والتطور والشبع الزائد أصبح غير مرغوب به لأنه يعني التخمة البشعة في مظهرها وأصبح الإنسان لا يهتم إلا بنفسه وبمقابل ذلك ما زال هنالك مثقفون يهتمون بالجماعة لذلك إقترحت على نفسي في هذا الجانب، دراسة نموذجين من حضارتنا العربية، الأول هو العقاد والثاني: سلامه موسى، وأستميحك عذراً: إذا كنت قارءاً عادياً أن تتجاهل قراءة العناوين الأولى من الكتاب دون أن تفقد شيئاً من متعة القراءة لأن الحديث عن الأدباءُ والفلاسفةُ والمفكرين فيه للقارئ متعة عظيمة، بعكس قراءة الأرقام ورصد حركة المطابع والتنوير، وكذلك من الممكن لك أن ترى صورتك وذاتك في مرآة غيرك من الأدباء والشعراء والفلاسفة المفكرين.
وأستميحك عذراً: في أن تلقي عن كاهلك ما أثقلتك به الحضارة من مكتسبات مثل: حب السلطة وحب الثروة والأطماع والجشع، وذلك تمشياً مع تعريف (Taylor) تايلور( ) للحضارة: على أنها ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعارف والعقيدة والفن والقيم الأخلاقية الجديدة، وكل ما يكتسبه الفرد بوصفه عضواً في المجتمع، وأريد منك أن تكون متتبعاً لحياة مفكرينا ومبدعينا ورصد التقلبات الإجتماعية التي عملت على تحويلهم من الجماعة إلى الأفراد، وأن تكشتف خطأ الفلسفة الفردية التي تدعي على نفسها أن كل شيء خارج عن إرادة الاوضاع الإقتصادية المحيطة بهم، وأن تعرف كذب ذلك من خلال التحولات في حياة العقاد بعد سجنه من قبل حكومة الملك فؤاد، وكيف تحول العقاد وتخلى عن مشروعه الفكري وإتبع السياسة الفردية وسيطرت عليه لأنه كان يرى نفسه في (أناتول فرانس) كعاصمي تعلم بنفسه، وهذا عمل على حب العقاد للشخصيات العبقرية في مجمل التاريخ الإنساني وخصوصاً في تراثنا العربي.
لقد تطورت الحضارة بعد (تايلور) وأصبحت تعني: الشعبية وكل ما يتصل بالعوام والسواد الأعظم من الناس، وأصبح اليوم تعريف جديد للحضارة أكثر تطوراً من حركة الجماهير العريضة حيث عملت الشقق المنفصلة وتقدم العلوم على رواج كلمة لها جاذبية أكثر من الحضارة الا وهي (المدنية) وأستميحك عذراً: وأقول لك إننا لا نشكوا اليوم من ضغط الثقافة الحديثة بقدر ما نشكوا من طغيان الثقافة القديمة، إننا ما زلنا حتى اليوم نتعامل مع مشاكلنا الحديثة بمنطق القدماء، فهل ذلك يعود لتأخرنا الصناعي، أم يعود لطبائعنا لن أقوم بشرح وافي عن ذلك لأنك ستلمسه في حياة سلامه موسى والعقاد.
لقد عمل عصر الثورات منذ مطلع القرن التاسع عشر في بعض البلدان على زوال الإقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال. ولكن من الملفت للنظر، أن اصحاب الثورات السياسية أقاموا حكماً مستبداً وصادروا الحريات العامة، ويتساءل (الملطاوي( )) عن هذه بقوله: إن ستالين حكم ربع قرن من الإستبداد الفردي خلال حكمه للإتحاد السوفيتي، وهذا الكلام للملطاوي جاء كي يبرر فردية العقاد.
وأكد الملطاوي على أهمية الفرد في دولة شيوعية سابقة مثل الإتحاد السوفيتي، ولسوف يتبين لك أن وراء فردية العقاد لربما جهة ما دفعته إلى ذلك من أجل تصغير وتحقير الإشتراكية، أو لربما هي من داخل إعتداده بنفسه ولكثرة تعبه على نفسه وقرآته الكثيرة حيث حوت مكتبته على 40 ألف كتاب. وقرئ ستين ألف كتاب
ولقد كتب (دريني خشبة) في سنة 1932م مقالاً عن العقاد، كان قد إنتقد به الحياة السياسية التي تفرض برامجها على المثقفين، وأتهم السياسة بإفساد الحياة الثقافية، وكان العقاد في تلك الحقبة يقبع 9 شهور في سجنه ، وكان العقاد حتى ذلك الوقت لا يعير للفردية والفكر السلفي أي إهتمام، وقال إن العقاد لا يداوي الفقر بالصدقات بل ببناء المصانع وقال في نهاية مقاله: (... نحن ننتظر من العقاد حين يخرج من سجنه أن يهدم لنا هذا القديم الرث)( + ) ولكن العقاد خيب آمال (دريني خشبه) وبدل أن يهدم الرث، قام بترميمه، ولقد قال زكي مبارك عن العقاد: هو عند قومٍ من أبناء السماء وعند قومٍ من أبناء الأرض، وذلك يعود لسبب واضح وهو محاربة العقاد للنازية والشيوعية، ولكتابته العصرية عن القدماء، وهذا ما جعل مفكراً مثل: الطيب تيزيني بأن يصفه بالتلفيقوية وليس بالتوفيقية وأخيراً لقد أعطانا التقدم كثيراً من الرفاهية للإنسان العادي، وأصبحنا بفعل التطور نملك بيوتاً لم يكن يحلم بها الملوك والخلفاء قبل التطور ووسائل إتصال ونقل قد تضاهي في قيمتها ما كان يملكه الملك سليمان بمساعدة، الريح والقوى الغيبية وأكثر من ذلك، لقد تمتعنا كثيراًَ بالتطور، الذي يتهمه المتجمدون، أنه أفسد عليهم حياتهم وإذا نظرنا إلى الحياة العامة في مصر وهي تحتل الجزء الأكبر من هذا الكتاب، سوف نجد أن إزدياد عدد السكان، هو نتيجة تراجع الأمراض وقسوة الطبيعة، بفظل التقدم العلمي.
وسنعرف ذلك من خلال إرتفاع معدل وزن القنبلة السكانية في مصر:
مساحة القطر المصري 400 ألف ميل بما فيها الصحارى والجزء العامر في السكان( ) كان في الأراضي الزراعية فقط، وتقدر بـ 13 ألف ميل مربع وسبعة ملايين من الأفدنة، أي أن الحياة العامة والثقافية كانت تنتشر فقط في الأراضي المغمورة بالمياه على ضفاف النيل بفضل الطمي والطين الذي يجرفه نهر النيل، وفي تلك الفترة كان النيل هو واهب الحياة وفي عام 1800م كان عدد السكان حسب إحصائية الحملة الفرنسية (200/460/2مليون من الأنفس، وكلمة الأنفس هنا تختلف دلالتها عن (النسمة) لأن هذه كانت تستخدم للدلالة على البشر الأحياء بفضل الطبيعة، وفي عام 1848م ارتفع عدد السكان إلى ضعف هذا العدد إلى 440/ 476/4 مليون نسمة، في عهد إصلاحات محمد علي، وفي عام 1897م كان عدد السكان 9 مليون نسمة وثلاثة أرباع المليون، وفي عام 1917 إلى 12 مليون نسمة و 800 ألف.
إن هذه النتائج تبعث على التفاؤل بمقابل النتائج السابقة التي لم تكن تبعث على التفاؤل وبرغم تشاؤم (مالتونس) حول نظريته عن تزايد أعداد السكان بمتواليات هندسية 2، 4، 8، 16، وتزايد الغذاء بمتواليات حسابية، 1 ،2، 3، 4، 5، فبرغم كل هذا فإن التطور قد زاد من صحة الإنسان وتحدياته للطبيعة أدت إلى خنوع الطبيعة لرغبة الإنسان أليس من الملاحظ أيها القارئ أن هنالك جمعيات ومؤسسات مدنية تطوعية تدعوا إلى حماية الطبيعة من قسوة الإنسان اليوم، بعد أن كان الإنسان يستجدي الطبيعة بالصلوات والدعوات والشكر لكي ترحمه من قسوتها.
واستميحك عذراً: في أن ترفع عني سخطك ولومك وعتبك، وأن تتذكر دائماً كما يقول تولستوي (لا يمكن إقامة بناء حجري من عمل شريف) وأن تعلم أن عهد تولستوي، كان في بداية التقدم، وإن الأعمال الشريفة اليوم متوفرةً ولكن جشع الإنسان وطمعه يحول بينه وبين العمل الشريف، وإن أشرف عمل اليوم هو أن نساهم في بناء ثقافة متطورة وأن نتوقف عن الإتهامات لمفكرينا وأدبائنا، لقد كان عهد تولتسوي يتطلب من المهندسين ظلم الناس بإجبارهم على الأعمال الصعبة، أما اليوم فإن الآلة تقوم بمثل تلك الأعمال، فلا شيء يستدعي للظلم، إن مشروعنا النهضوي اليوم، لا ينجزه عدد من النخبة والأفراد غير العاديين، إنه لا يوجد فرد سوبر وعبقري ومخلص إن هذه الكلمات تعني إفساد رغبة الجماعة في الإعمار والبناء.
وكما يقول المفكر العربي (إبراهيم بدران) (المشروع النهضوي ليس مشروعاً نخيوياً يستطيع أن يحققه وينجزه عدد من المفكرين أو العلماء أو السياسيين بل لا بد من مشاركة أفراد ومؤسسات المجتمع العريضة)( ).
وهذا يعني اليوم توسيع قاعدة المشاركة لتشمل الجماهير العريضة، وهذا يعني المجتمع المدني الحديث، وهذا ما قصدته في متن الكتاب حين تحدثت عن سيد درويش ولغة العمال والصناع، لقد كانت الثقافة الشعبية تعني بمجملها المجتمع المدني الحديث، ونظراً لتقصير هذه المؤسسات في بداية النهضة، فقد كانت الفئات الشعبية هي البديل عنها، وهذا ما جعل بعض الشعب (همجاً) وذلك يعود لتأخر مؤسسات المجتمع المدني الحديث، وأريد أن أختم رسالتي بما قاله: زكي نجيب محمود: "إن الكثرة الغالبة من الضحايا هم الأبرياء، الكل في قلق بعد أن كان الناس يحيون على قوانين ثابتة، جعل كل فرد قادراً على أن يعرف في يومه كيف يكون غده"( )
وإن هذا الكلام فيه إنتقاد سلبي للحياة الحديثة ومدح وتبجيل لحياة الماضي البسيطة، وأعتقد أن هذا الكلام تعبيرٌ مثالي عن مرحلة قديمة قبل التطور وقد أخفى زكي نجيب محمود، الجانب الإيجابي من فلسفة الحضارة الحديثة وما أعطته للإنسان من رفاهية لم يكن يحلم أحذ بها من الخلفاء والأباطرة ورفعت من معدل متوسط عمر الإنسان من 30-35 سنة إلى ضعف هذا العدد.


التاريخ علم اجتماع
قد لا نستطيع أن نطلق كلمة "علم التاريخ" كعلم مستقل على الروايات القديمة لبعض الأحداث، لأنها رويت بأسلوب هرطقي وترهي لكل الأحداث وكانت الأسباب الخارجية لصراع الطبقات هي صاحبة التأويل وليست الأسباب الحقيقية هي المحلل الرئيس لمجموعة الأحداث( ).
وقد جاء هذا التأويل نتيجةً للعلوم المتواضعة في عصر الرواة القدامى، ونقصد بـ(علم التاريخ) كعلم له أصوله ومناهجه التي انعكست أخيراً على أقلام الكتاب جراء الثورة العلمية الحديثة التي حدثت في أوروبا الناهضة في نهاية العصور الوسطى، وأن التاريخ بدأ كعلم منذ بدأ "عبد الرحمن بن خلدون" العمل به وتوقف بموته (1332-1406م) ولم يبعث من جديد إلا في نهاية العصور الوسطى نتيجة تقدم العلوم وإن سبب توقف علم التاريخ هو بسبب قصر سلطة العلم وبقاء المجتمعات في حالة رخاوة صناعية حتى القرون الوسطى وما زال بعض كتاب التاريخ في الشرق يكتبون تاريخهم عبر تقديس الماضي وتحقير وتسفيه الحاضر، حيث أنه من المفترض أن لا يدخل التقديس لا في الماضي ولا في الحاضر وأن تخضع أصول الدراسات للنقد العلمي الجدلي وقد أورد البحاثه "عبد الرحمن بدوي" ملاحظة هامة على هذا الموضوع:
"الدراسات التاريخية تخلو من النظرة العلمية عندنا ولا تستند إلى قواعد البحث العلمي"( ).
إن كتابة التاريخ عندنا تخلو من النظريات العلمية، لأن كتابنا ما زالوا يعيشون مع الماضي في مدن غير صناعية، لذلك فإن الأحداث التي تدور في مخيلاتهم تبقى رهينة إلى الأبد بما يعرفونه من الأنماط الاقتصادية القديمة السابقة على الرأس مالية، وبما أننا لم ندخل فعلياً عصر الرأس مالية المتقدم على الاقطاع فإننا لهذه الأسباب ما زلنا نرى التاريخ من صنع أفراد محليين أو من صنع الحظ والصدفة، أو من صنع أفراد غير محليين، ينتصر بمساعدتهم الضعفاء ويبعثون الزرع والحصاد متى يشاؤون، وما زال أشباه المثقفين عندنا يؤمنون بالطفرة والأساطير لأنهم منخرطون في مجتمعات زراعية أو رعوية غير صناعية.
وهذا إيمان طبيعي ينعكس عن دور أنماطهم الاقتصادية القديمة، لأنه كما قلت سابقاً أن الإنسان كان يغير حياته بيده أما اليوم فإن الآلة هي التي تغير الإنسان وتطور حياته: أي أن الآلة التقنية قد نقلت الإنسان من اقتصاد الحظ والصدفة إلى اقتصاد السوق الحديث، وانتقل التاريخ مع هذا الانتقال جنباً إلى جنب مع الأدوات الصناعية الحديثة، وبدأ المؤرخون يعملون كفنيين اجتماعيين.
وبما أننا لم ننتقل فعلياً إلى الرأس ماليه وإلى المدنية الحديثة فإننا لهذه الأسباب نكتب بروح قديمة ونحول الأحداث من العوامل الداخلية المؤثرة على صراع الطبقات إلى عوامل خارجية وهمية تعتمد على: الصدفة والحظ( ). لقد تخلصت أوروبا الناهضة من الأفلاطونية المقرفة خلال صراع مع الأصالة والمعاصرة ومع المسيحية والكلاسية الوثنية خلال مدةٍ لم تتجاوز مولد (جون ويكلف إلى مارتن لوثر) ونحن ما زلنا حتى اليوم نقرئ التاريخ وفي كل منزل محكمة تفتيش.
إن تداخل هذه الأمور مع بعضها البعض أعطت لكتاب التاريخ نوعاً جديداً من التحليل العلمي وخصوصاً المادية الديالكتيكية لنستمع لمقولة نديم البيطار:

" إن العقل الحضاري الحديث يجد حقيقته النهائية في قوانين موضوعية مستقلة، بينما العقل التقليدي كان يجد أساسه وحقيقته النهائية فيما وراء الطبيعة والتاريخ وعادة في صورة آلهة"( ).

لذلك سقطت تخيلات أفلاطون، بسبب ظهور قوانين فيزيائية، لذلك فإن المؤرخ التقليدي أيضاً ينظر إلى الأحداث على أنها فعل شخص واحد أو أفراد أصحاب قرار ولكن المؤرخ المتقدم اليوم لا يقرئ الحاضر بلغة الماضي، إن بعض المؤرخين الشرقيين اليوم ما زالت نظرتهم إلى الحاضر على أنه بحاجة إلى قوى غير طبيعية لتخرجه من أزمته وهذا بسبب دخوله المدنية الحديثة من باب ضيق، فالمدنية عندنا هي نتيجة ازدياد عام في عدد السكان وليست نتيجة تطور الآلات والمصانع؛ لذلك ما زال أشباه المثقفين عندنا بعيدين نوعاً ما عن التفسير العلمي للظواهر الطبيعية رغم أنهم يتعلمون في أكاديميات حديثة وفق أفضل مناهج البحث العلمي والتدريس، وتأسيساً على ما فات فإن العمل الفني الاجتماعي هو اليوم المنهج الأحسن لقراءة الواقع، والحاضر، والماضي، إن تاريخ صراع الدول والطبقات ونتائجه يعود لأسباب التغيرات الاجتماعية وليست لعلات خارجية وهمية، إننا نلاحظ اليوم أن مدينة عربية مثل "اربد" في الأردن وهي تجتمع فيها المصانع الحديثة، قد عملت هذه المصانع على تغيير حياة الناس، حيث بدأ الناس بالعمل ولا فرق بين ذكرٍ وأنثى، وتحولت الفتيات بالذات من العمل داخل المنزل الأسري إلى العمل خارج المنزل الأمر الذي عزز من عدم أهمية الاختلاط بين الجنسين.
وتطورت الأخلاق والحياة العامة، وأصبح بمقدور المرأة في الأردن من تأمين احتياجاتها من غير الاعتماد على أفراد العائلة من الذكور وتحول انتماء العائلة من الانتماء للعائلة الممتدة-العشيرة- إلى الانتماء والولاء للمؤسسات القانونية التي ترعى حقوق الفرد والجماعة، فحين كان العمل في المنزل والحقل كان في ذلك الوقت وقبل دخول الآلة الصناعية إلى الحقول الزراعية كان العمل يتطلب مزيداً من تعاون الأيدي العاملة مما أدى إلى التفاف الناس حول بعضهم البعض في شبه "مشتركات قروية بدائية" وهذا عمل على امتداد سلطة العشيرة وسيدها، وكانت مصلحة سيد القوم تتطابق مع مصلحة أدنى "حراث" أو عامل بالسخرة، إذ كان سيد العشيرة يدافع عنه على اعتبار أن "الحراث" هو البنية التحتية للإنتاج وكان من حقه أن يتزوج من ابنة عمه بالأولوية، أما اليوم فإن المصانع في مدينة "اربد" في شمال الأردن، قد عملت على كسر الإيقاع القديم، وظهور نغمات جديدة، إذ أن العمل في المصانع وفر الجانب الأكبر والكلي من احتياجات الفرد الأمر الذي فكك ولاء الفرد للعشيرة، وأصبح الولاء للمصانع والسلك الوظيفي، والوظيفة الحكومية، ونلمس هذا من خلال الشكوى الدائمة التي يشكوها الناس مثل ضعف القرابة والعشيرة وهذه كلها ظواهر إيجابية، وأود أن أقول أيضاً أن الفلاح قديماً كان لا يعمل في السنة إلا (80) يوماً أو أقل، وكان يقضي باقي السنة في بطالة، وعلى فكرة فإن البطالة كانت تعمل على اشتداد صلة القرابة، لأنهم جميعاً يجلسون طوال النهار بلا عمل، أما المجتمع الصناعي المنتج فإن علاقة أفراده ببعضهم البعض ضعيفة لأنهم يعملون في أغلب أيام السنة ولا يرون بعضهم إلا في المناسبات والأعياد الرسمية( ).

ما هو التطور
كلما إزداد النظام التجاري الحر قوةً وتوسعاً، كلما إزدادت معه قيمة الفرد، الحُر وكلما تراجع النظام الاقتصادي الحر إلى أنماط إنتاجية قديمة سابقة على الرأسمالية مثل الإقطاع والمشاعات الفردية والتعاونية، كلما إزدادت معها قيمة الجماعة مع أنها قيمة مهمشة على فترات من التاريخ، أي أنها فقط لخدمة النخبة والطليعة والباشوات ولا يتحقق وجودها الفعلي إلا بفضل ما تملك النخبة من مواهب غيبيةٍ، وكانت هذه الفترات من التاريخ العصيب تخلف وراءها بعض الكتاب والمفكرين النخبويين لذلك لا تستغرب أيها القارئ من فلسفة الجيل الأول من بداية عصر النهضة كالأفغاني( ) 1839-1897م.
حين إعتبر أن (العقل) ميزةٌ من مزايا النخبة وليس ميزةً من مزايا الجماهير، وأعتقدُ أن السبب في ذلك يعود إلى عدم قدرة الجماعة على التفكير لأن العمل طوال النهار يشل قدراتهم العقلية، ذلك أن الإنسان قبل تحسين أدوات الإنتاج كان ينفق نهاره في كسب قوت يومه، وفي الليل كان يرتاح بدنياً لليوم التالي، وهذا في بعض الليالي أما غالبية الليالي فقد كان يحلم في كيفية التخلص من كابوس الشقاء لذلك لم يكن لديه وقت كافي للتفكير إلا في لقمة عيشه، وهذا عمل على إختصار مسألة التفكير في (القلة النادره) على حسب تعبير سقراط في محاورة (المأدبة).
لذلك امضى الإنسان آلاف السنين وهو يفكر في المأكل والمشرب، وعليه فقد كسب الأمراء والأغنياء في عملية التفكير بقدر ما خسر الفقراء والمعدمين من الناس، ولم يكن الفراغ متوفراً على الرغم من تضخم أيام البطالة، لأن وقت الفراغ كان مشغولاً في محاولة الحصول على لقمة العيش إما بالصدقة والزكاة وإما بالسرقة وأما بالقتل والحرب والإستيلاء على قوت الغير بالقوة، وفي تلك الفترة العصيبة من حياة الإنسان كان يعتبر فيها السارق و (طراد الحرام) شاطراً مضحياً بنفسه لذلك أختصرت مسائل التفكير على الأفراد الذين يتمتعون بفائض الإنتاج والترف الفكري، وهذا كان وما زال يعمل على تعزيز مفهوم الفرد والفردية والقلة النادرة والنخبة، وتراجعت أهمية الجماعة بقدر ما تراجعت قيمتهم الفكرية، وتقدم الفرد وأعلن إستبداده وقمعه كنتيجة طبيعية على إستبداده الفكري، ولو بقي الإنسان كذلك لما شيدت المدنية صروحها العلمية والفكرية.( )
ومن المهم معرفته، أن تلك الفترة العصيبة كان التاريخ فيها من صنع الأفراد، ولم تظهر الجماعة على ساحة العمل الفكري والسياسي والإجتماعي إلا بعد أن تقدمت وسائل الإنتاج المعرفية، وقضت على إسطورة الأفراد وحلت محلها واقعية الشعب بكل فآته من العمال والمهنيين إلى الكتاب والمفكرين ومؤسسات المجتمع المدني.
لذلك أصبح للناس أهمية غير عادية وكل شيء يقاس نجاحه بشعبيته سواء في الفنون والآداب، أو في التجارة والإختراعات ولكن هذا النجاح الشعبي لم يستطع حتى اليوم أن يحافظ على قيمته منذ تحولت الناس من السكن الجماعي والقرى إلى السكن في بيوت وشقق، فهذا عمل على موت مشروع الجماعات الفكري والنهضوي، وبدأ الفرد الواحد يواجه في مسكنه الإنعزالي في الشقق نوعاً جديداً من قسوة الحياة، ذلك أن الفرد باستقلاله الفردي أصبحت همومه فردية ولا تخص الجماعة في شيء لأنه إنعزل عنهم إجتماعياً وثقافياً وإقتصادياً بسبب ظهور المصانع وضغوطات العمل والآلة التي تعني آلاف الأيدي العاملة، وهذه الأمور جعلت الإنسان مستقلاً يكسب عيشه وقوته بمعزل عن الجماعة، وأدت هذه الأوضاع مرةً أخرى إلى لجوء الإنسان إلى فرديته وإستقلاله عن الجماعة، وباتت مشاكله بكل أنواعها من إختصاصه وحده، وأصبح نجاحه في الحياة فقط في الاعتماد على الذات.
وكل هذه الأمور أدت على يد الفرد إلى قتل الأشكال القديمة في نمط الإنتاج المعرفي، وباتت الملاحم الشعبية أقل شهرةً من القصة القصيرة والرواية، وتناقظات الفردية عملت على عودة روح العمل الجماعي، لأن الفرد أصبح غير قادرٍ على مواجهة قمعه لوحده، وجشع الرأسماليين قهر إنسانية الإنسان في ذاته، لذلك ظهرت المبادئ والثورات الشعبية الإصلاحية من أجل تخليص الإنسان من آمال الإنتهازيين وأطماعهم المادية( ).
إن تناقظات الفردية كثيرة، وأهمها: هو أن الإنسان الفردي يعمل أصلاً من أجل إسعاد الجماعة، أليس من الملاحظ أن الجندي يموت في سبيل الدفاع عن أمته ووطنه، فماذا تعني الفردية في مجتمعٍ يضحي أفراده في سبيل إسعاد غيرهم من الناس، أو الروائي والقاص والشاعر الذي يكتب أصلاً للقطاعات الكبيرة من البشر وماذا تعني النضالات الفكرية إلا شيئاً واحداً وهو من أجل خير البشرية، وماذا تعني الإختراعات إلا من أجل هدفٍ واحد، وهو خدمة الإنسان، إن المجتمع أصلاً يقوم على أساس تضحية أفراده.( )
وعليه فقد كان محقاً زكي نجيب محمود ، حين قال:
"الإنسان الواحد فرداً مستقلاً وعضواً في أسرةٍ ومواطناً في أمه، مثل هذا التعارض موجود عندنا"( ).
ويمكن القول أيضاً أن إصرار الفردية على فرديتها أمرٌ غير مقبول على أغلب الأحيان، لأن الإنسان في النهاية يخضع إلى الجماعة، أليس من الملاحظ أن الأعمال الفردية في السينما تكشف عن خيبتها حين يقول المخرجون (الجمهور عاوز كذا).
والإنسان على أية حالٍ ينتمي إلى نظامين النظام البيولوجي والنظام الطبيعي، فالنظام البيولوجي يخص الإنسان من ناحية تركيبه الجنسي والعقلي والعاطفي، أما نظام الطبيعة فهو من صنع مؤثرات خارجة على الذات والفردية، مثل الثقافة والإجتماع بإعتباره عضواً في جماعة( ).
وكذلك زمن الساعات( ) في الساحات العامة سمحت كثيراً في إنهيار نظام الفصول الأربعة وظهور أشكال جديدة من نغمات الزمن التي بدلت معها توجهات الفرد والأرستقراطية إلى توجهات المجتمع المدني الحديث.
إن مقولة صنع التاريخ من صنع الأفراد ممكنة في الزمن الغابر فقط وذلك قبل ظهور الآلة حين كان التفكير من صنع الأرستقراطيين.
أما بعد ظهور الآلة والمصانع، أصبح للجماعة رأيها، ويمكن القول مع (جون ديوي)( ):
"أن سلطان القلة، هو بالنسبة إلى الفردية الحقيقية، خداع المظهر ليس إلا، إذ أن هؤلاء الذين يدل ظاهرهم على أنهم المسيطرون، هم في الحقيقة مدعومون بقوى خارجة عن ذاتيتهم ولا يفترقون في ذلك عن الكثرة".
وطالما أن بصمات الأصابع مختلفة عن بعضها البعض، طالما كان هنالك آراء مختلفة عن بعضها البعض، أي أن هنالك الرأي والرأي الآخر، وهذا يشجع على الفردية مع تعاظم إحترام الفرد في المجتمع الديموقراطي ، وهذا حين كشفت الدراسات البيولوجية، عن الجانب الأكثر أهمية في حياة الإنسان وقد اوضح ذلك: عبدالوهاب المسيري، في ملاحظاته الهامة حول تفكيك الإنسان في الفلسفة المادية الحديثة( ) ، لقد أوضح المسيري الجانب الآخر من أهمية الفرد بقوله:
"الإنسان النوع الوحيد الذي يتميز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها فالافراد ليسوا نسخاً متطابقة، يمكن صبها في قوالب جاهزة، وإخضاعها جميعاً لتفسير واحد".
وهذا كلام صحيح من ناحية بيولوجية، ولكن هنالك نواحي ثقافية يكتسبها الفرد من الطبيعة التي تقف من خلف ثقافته الواحدة، مدعومة بالفصول الأربعة، التي كانت تكشف عن الثقافة الزراعية، وفرض نظام طبيعي تزول به أهمية الفرد، وترجعه إلى أهمية الجماعة وإلى طبيعة الإنسان الذي تتطابق نزواته مع نزوات الطبيعة ولكن إخفاقنا في إستملاك الثورة الثقافية العلمية العظمى يدفعنا للقول مع "هشام غصيب"( )
"إن هذا الإخفاق .... هو أساس الدعوات المنوعة للعودة إلى الذات (الجوهر) وبعد كل هذا نعود للكشف عن أهمية الجماعة والفرد، وما هو هدفنا منه، إن هدفنا الرئيسي هو فضح وكشف الكذب والتزوير، حين كانت تعلق آمال الناس، على ما يهبه لهم الأفراد، وكيف كان الأدب كاذباً وغير صادق في كل إطروحاته حين كان يستعمل الأدباء، اللغة الأرستقراطية، ويهملون لغة الكثرة من الناس، وهذا الإهمال لا يتوقف فقط عند حدود اللغة المكتوبة، بل يتعدى ذلك إلى إهمال قضايا الجماعة ويهتم فقط بقضايا النخبة الأرستقراطية، على حساب الكثرة، وأيضاً يعمل هذا على ضياع الهدف الأسمى من كتابة الأدب: وهو التعبير من خارج الذات عن حاجات الناس، وطالما أننا نكتب للناس طالما كان من الضروري إحترام لغتهم، وطالما نكتب للطبقة الأرستقراطية طالما نحن غير تقدميين وجامدين ولساننا سمكة متجمدة في حلقنا، لأن الأرستقراطية تقتل كل خطوة نحو التطور من خلال دفاعها عن مصالحها الفردية على حساب الغالبية العظمى من الناس وهذا برأيي تحقيق لمطلب المفكر الإجتماعي الفلسفي هشام غصيب( ) وللمفكر الإعلامي "صالح أبو إصبع" حين طالب بأن يكون: الأدب صادقاً".

والتطور: هو التقدم والإرتقاء والصعود والنهضة والثورة والتغيير في كافة المجالات والتطور لا يكون في الإنسان وحده بل بالانسان والحيوان والنبات والشارع والبحار والكواكب وفي الأرض والجيولوجيا والبيولوجيا وفي التاريخ والأداب والشعر والفنون بكل أشكالها وألوانها، وهو علمٌ له قانون ديالكتيكي واحد، تتخذ مادته من الصراعات والاطماع والفضول العلمي وحب الاستكشاف، وكل شيء يجب أن يتطور والا فإنه سينقرض، ويمتاز بهذا الإنسان عن غيره بالخبرة والتجربة وهناك بعض المخلوقات تحاول أن تطور في كسب لقمة عيشها ولكن هذا التطور لا يدوم، مثال ذلك أن بعض أنواع القردة تطور طريقة جديدةً لكسب عيشها ولكن هذا التطور يموت مع موت صاحبه( ) بعكس الإنسان الذي يستفيد من تجاربه وتجارب غيره وكل هذه التطورات وضعت من أجل هدفٍ واحد وهو خدمة الإنسان الذي تصاغ من أجله كل مشاريع البناء.
وقد اعتبر بعض أوائل الكتاب المسلمين الحديث عن الثورة الفرنسية وما رافقها من تطورات اعتبروها (فتنة) فيما يخص التغيرات التي قلبت نظام العائلة وخصوصاً انقلاب مجتمع النسوة على مجتمع الرجال في أوروبا واعتبر بعض الكتاب العرب المسلمين الثورة الفرنسية 1789م فتنة ، بينما إعتبرها الأتراك والفرس (إنقلاب)( ) وقد وصفها بعض المسلمين بالفتنة بما يعرفونه عن فتنة (علي ومعاوية) حيث جلبت لهم كثيراً من المآسي والقتل والمؤآمرات، وإعتبرها الفرس إنقلاباً، لأنهم الحكام الذين يهدد التطور مناصبهم ومكتسباتهم السياسية، أما الغرب الأوروبي فقد إعتبرها ثورة إجتماعية غيرت كثيراً من ملامح حياتهم العامة وتطورٌ عمل على تغيير وتطوير الأخلاق والعادات والتقاليد، وما زال بعض الكتاب العرب إلى اليوم يعتبرون التطور سموم فكرية يبتكرون في كل يوم وسائل مهدئة ووقائية ضد التطور باعتباره مرضاً مظراً بالعادات والتقاليد والأخلاق العامة، ويحمون أبناأهم من سوق الملابس والكتب والإعلام الغربي، ومع كل هذه الوسائل فإن التطور يغتصب العادات والتقاليد ويجلي عنها طهارتها وقداستها إذا كانت في بعض الجوانب مقدسة.
والتطور هو ثمرة جهودنا لتحسين حياتنا ومستقبلنا ومستقبل أبنائنا، فإذا نظرنا إلى الإنتاج المحلي مِن الزراعة وإلى الإستيراد نجد أن التطور الزراعي عمل على زيادة عدد السكان، وزيادة السكان، عملت على الحاجة الماسة لتوسيع قطاع الخدمات الحكومية والخاصة، وإستيراد البترول، عمل على إستيراد سيارات النقل والمركبات الخصوصية، وبذلك توسعت شبكة الطرق في كافة مدن العالم، وتلك الشوارع عملت أيضاً على إظهار الوجه الجميل لمداخل المدن ومخارجها، وأظهرت هذه الشوارع تقسيمات (الأحواض) السكنية ونظمت بحيث أصبحنا نميز سكن (أ و ب) عن (ج، د ) وبفضل هذه الإتساعات في قطاع الخدمات تحسنت حياة الناس حيث إنتقلت معامل البحث العلمي من المختبرات الحيوية إلى المصانع، وفي كتاب (مالتونس)( ) عن (مبدأ السكان) أظهر أن العالم كان حتى عام 1945م كان أكثر من نصف السكان يشكون من سوء التغذية، وإستعمل لفظ الثورة الخضراء للدلالة على زيادة الإنتاج الزراعي التي شهدتها البلدان النامية على أثر إدخال أصناف جديدة من القمح والأرز ذات مردود عال بسبب تهجين أصناف امريكية ويابانية ومكسيكية.
وكانت بلدان افريقيا والشرق الأوسط في عام 1982م تنفق (12 مليار دولار) لشراء نصف إحتياجاتها الغذائية والمعيشية، وهذا يعود لسبب علمي وهو أن كلفة إنتاج الطن الواحد من القمح المحلي يساوي (600 دولار) قبل عام 1986م والمستورد من الدول الخارجية لا تتجاوز تكلفته (200 دولار) للطن الواحد.
ومن خلال قراءة السير الذاتية للمفكرين والمثقفين العرب نستطيع أن نحصل منها على المأساة التي كان يعاني منها الوطن العربي قبل تحسين أدوات الإنتاج، ويقول الدكاترة( ). زكي مبارك( ) (1892-1955): أبي وأمي رزئ بجميع اولادهما وهم أطفال ولم يعش لهم إلا زكي مبارك ، لذلك نذره أبوه لخدمة القرآن وحفظه، وكان نادراً ما يرى في العيد الكعك والحلوى ، إلا القهوة السادى لكثرة حالات الموت الناتجة عن سوء التغذية، وهذا المثال الذي ضربته عن زكي مبارك لأكشف أولاً عن سوء التغذية التي قتلت إخوته جميعاً ولأكشف أيضاً عن حُسن التغذية التي زادت من طول عمره، بفضل التدخلات الأوروبية، ولأكشف أيضاً عن رفض زكي مبارك الدخول في عالم التقانة والتطور الاجتماعي، وبذلك انقل ملاحظة ( آرنولد توينبي) عن الشرق الأوسط: كيف رفض في القرنيين السادس عشر والسابع عشر، أن يدخل اسلوب الحياة الغربية إلى حياته العامة، وينذهل توينبي: حين لاحظ إستسلام الشرق الأوسط لتكنولوجيا تافهة( ) في القرن التاسع عشر، ويحاول أن يبقى على المظهر السائد لحياته العامة من عادات وتقاليد، ومن الجدير ذكره أن (توينبي) خبير في شؤون الشرق الاوسط وكان يعمل لهذا الغرض مع المخابرات البريطانية خلال خدمته العسكرية 1915-1919- وإختير للمشاركة في مؤتمر السلام المنعقد في باريس.
وإن إرتفاع متوسط الفرد هي قيمة عظيمة أعطتها بلاد الغرب وحضارتهم للشرق، وإن هذا المشروع يصاغ من أجل إسعاد الناس، وكانت الحياة قبل ذلك تنتهي به عند حدود المحافظة على بقائه فقط لا غير، ولكن بعد ذلك تغيرت الحياة العامة وحياة الفرد، وإن أعظم الأشياء والمقتنيات التي كان يملكها الخلفاء والأغنياء ويتمتعون برفاهيتها هي اليوم في بيوت من تصفهم أنهم فقراء، وبذلك فإن التطور يبعث على التفاؤل، وإن معدل الأمراض يتراجع وينقص في كل يوم، إن الناس في مجتمعاتنا يقومون بعملية تزوير وتزييف للحياة القديمة ويصفونها بأنها كانت جميلة وبسيطة، وهذا كذب وغير صحيح، الناس كانت تبذل ما يقرب من 12.000 سعر حراري للإنتقال والسير لمسافة 20 كيلو متر، أما اليوم فإن الإنسان يقطع عشرات الأضعاف لمثل تلك المسافة وهو نائم في الباص أو السيارة او القطار، إن الناس يكذبون على أنفسهم ويصدقون مثل هذه الأكاذيب، حين كان يكلفهم نقل (100 لتر) واحد من المياه أكثر من (6ساعات) من المسير في الشمس، أما اليوم فإنهم يحصلون عليها ويستهلكونها في دقائق معدودة.
إن السرعة ميزت حياة الناس ولم تعد الحياة للقوي بل أصبح الأنسب هو الأفضل، ومن الملاحظ اليوم أن الإنسان لا يتطور بيولوجياً( ) ولكنه يتطور ثقافياً وعلمياً ، ومن لا يتطور إجتماعياً فإنه سينقرض، وعلى الإنسان الشرقي أن يزيل الحواجز والعراقيل التي تقف سداً بينه وبين مشاعره ونزواته ، وإلا فإن الإغتراب وحالاته سوف تعمل على شنقه من رجليه.


التطور الثاني
كان الشرق العربي قبل الميلاد مسرحاً ثقافياً لكثير من التطورات التي أدت إلى تغيير شكل العالم ثقافياً، عبر استخدام الشرق لكثير من الأدوات الزراعية التي أدت بالتالي إلى إظهار حياة جديدة، مثل التدجين الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي وكذلك تدجين الحصان والجمل وظهور مجتمعات الرعي.
وحتى سنة "300 ق.م" توقفت تقريباً التطورات التقنية في كافة أصقاع الأرض، إذ أنه لم يسجل العلماء والمهندسون ابتكارات جديدة تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس وعلى الإنتاج وعلى معدلات النمو السكانية...واستمر هذا الوضع إلى بداية سيطرة روما على الجزء الغربي المتحضر من العالم( ). وكانت الحياة في كافة أصقاع الأرض فيها نوع من التكرار اليومي للأحداث وللأشياء ولأدوات الإنتاج وكان الإنسان حتى نهاية القرون الوسطى يغير حياته بيده وليس بالآلة لذلك فإن الشكل الاقتصادي لحياة الناس لا يتجاوز نوعين، الرعوي والزراعي، وبعض الصناعات المعدنية الخفيفة المتعلقة أصلاً بالأدوات الزراعية البسيطة مثل: الفأس والمحراث والمنجل- ويقال أيضاً أنه لم يظهر أي شكل جديد يمكن أن يعتبر اختراعاً إبان سيطرة روما على الجزء الغربي من أوروبا اليوم إلا صناعة الزجاج، ولا يمكن أن تتطور هذه الصناعة لولا ظهور "قضيب الحديد" في سوريا والدول المجاورة لها، إذ عمل هذا القضيب على تحسين الصناعات الزجاجية بالنفخ وسجلت بذلك آخر ابتكارات الإنسان وهو عصر الحديد وأحيلت براءة الاختراع إلى الشرق وبهذا توقفت الابتكارات والاختراعات إلى ما يقرب نهاية العصور الوسطى.
وظلت حياة الناس تقريباً في انسجام مع الطبيعة دون أي خرق للقوانين، وبالتالي فقد بقيت العائلات الممتدة تسيطر على الأنظمة الاجتماعية في المجتمعين الزراعي والرعوي مع الاحتفاظ بعادات وتقاليد مختلفة بين النوعين*
ولكن السؤال الأهم هو: لماذا توقفت التطورات عند عصر الحديد؟ أو الزجاج؟
ويجيب البحاثة "هودجز" عن هذا السؤال معللاً ذلك إلى عدة عوامل أهمها:
- انتشار استخدام العبيد إذ كان العبيد يقومون بالمهام القذرة في عملية الإنتاج لذلك نلاحظ في العصر الحديث أن الشماليين في أمريكا نادوا بتحرير العبيد لأنهم تحولوا إلى (صناعيين) ولكن الجنوب الأمريكي شاع به استخدام العبيد لأنهم كانوا زراعيين ومتخلفين صناعياً.
- وإن أحداث أي تحسين في عملية الإنتاج كان سيؤدي إلى بطالة كبيرة لا تستطيع أي إمبراطورية تحملها، لذلك أخمدت كل عمليات التقدم.
وليس هذا وحسب بل إن انتشار الفلسفة والفلاسفة والمتكلمين كانوا يعتبرون أنفسهم أرفع واجل من أن ينخرطوا في الصناعات والحرف اليدوية وهذه الحرف لا تليق بمستواهم، بل بمستوى العبيد وهذا ما يعرف باسم "ثقافة العيب" إذ عملت هذه الثقافة أيضاً على إخماد روح الإبداع عند المبدعين الحقيقيين.
وهذا ليس بالغريب عن الإنسان إذ ما زال الناس حتى اليوم ينفرون من المهن الحرفية والصناعية ويعتبرون أنفسهم أكبر من العمل في بعض المهن على اعتبار أنها لا تليق إلا بالمتخلفين علمياً، واجتماعياً، وهذه وجهة نظر خاطئة جداً وهي تشكل عائقاً إلى اليوم في طريق التقدم التقني من حيث الكم والكيف، والصحيح هو أن المتعلمين والمثقفين الحقيقيين هم الذين عليهم أن يعملوا ويطوروا أدوات الإنتاج.
وليس هذا وحسب بل أن حضارات الظلم والاستبداد كانت تقف في طريق التطور، إذ أن الاستبداد يعتبر أن التطور عملية شاملة لا تقف عند الحدود النظرية بل تتعدى ذلك خطراً عليهم وعلى مواقعهم المتقدمة، وسيؤدي بالتالي إلى تحررهم من قبضة أسيادهم، وهذا الأمر عزز من ضعف الديمقراطية حتى اليوم.
وبهذا فإن طبقة العمال والعبيد قد اعتادوا على وضعهم المهين والمذل والمثير للشفقة، وبهذا لا يستطيعون تقديم أي اختراع، وما دام الأسياد يترفعون عن الأعمال الدنيئة ما دام التقدم والتطور متوقف على الصدفة والحظ، وساهمت المسيحية في التأخر وفي تعزيز( )نظام العبيد بفضل تعاليم أوعسطين الجديدة التي كانت ترى: أن العبودية عقاب من الرب على الإنسان الخاطئ علماً أنه من المفترض أن تحرر المسيحية جوانب القسوة من قبضة الحضارة وقلت في بداية الحديث أن التطور والتقنية ظلت بعد اكتشاف الحديد والزجاج في ركود حتى نهاية العصور الوسطى بفضل تعاليم الكنيسة أو عصر الإصلاح الديني في أوربا وهذه النقلة الأخيرة ليس للشرق أي علاقة بها إلا من بعيد ولم نكن نحن العرب الشرقيون حملة لوائها ولكن من الممكن أن نصف سقوط القسطنطينية على يد "محمد الفاتح" بداية استيقاظ أوروبا من جهلها إذ أنهم بدأوا ينظرون إلى الإسلام على أنه ديانة محقة أكثر من المسيحية لأن إله المسلمين لم يخذل المسلمين يوم فتح القسطنطينية، لذلك بدأوا يبحثون شيئاً فشيئاً عن أسباب نهضتهم خارج الكنيسة.
واستمر هذا الوضع ما يقرب من ثلاثة قرون وأكثر وهذا النصر عمل أيضاً على وضع حدٍ لنهاية الحروب الصليبية وازدادت معرفة أوروبا الناهضة بالإسلام والثقافة العربية.
ومن ناحية أخرى كان لبعث الثقافة الكلاسية اليونانية الوثنية أثراً بالنهضة حتى أننا نقرئ لـ (أرازاموس 1466م-1536م) قولاً:
(سقراط أيها القديس صلِّ لأجلنا) ( ).
وهذا النوع من الكلام لمفكر وأديب من أعظم أهل زمانه فيه نوع من الهروب الثقافي من داخل الكنيسة الغربية إلى الثقافة الكلاسية الوثنية لبعث النهضة وفقدان الثقة بسلطة البابوات، والكتاب المقدس للجوء إلى (سقراط) من القرن الثالث قبل الميلاد وإلى فلسفته السوفسطائية والتي تدعو أيضاً إلى احترام القوانين المدنية الوضعية، إذ يبدو أن المثقفين ضاقوا ذرعاً بتعاليم السماء.
ولربما أن أرازاموس فقد الثقة بالإنجيل، علماً أنه ترجم الإنجيل من اللاتينية إلى الإنكليزية سنة (1516م) لقد كانت القرون التي تبعت سقوط القسطنطينية بمثابة حافز على يقظة أوروبا من جهلها ولم يكن أرازاموس وحده في ذلك بل أن الظروف ساعدته كثيراً، مثل اكتشاف أمريكا، بفضل رحلات الاستكشاف التي قام بها (هنري الملاح) و(فاسكوداجاما، 1498م) و(كولمبوس) وهذه الاكتشافات عملت على ازدهار التجارة في أوروبا( ). وعلى بعث أنفاس الحياة عند عامة الناس.
وكذلك كان للطباعة أثر كبير على نهضة أوروبا وإنه من المعقول جداً أن اختراع الطباعة ساعدت على سهولة التأليف والكتابة والترجمة وبفضل الطباعة عرفت أوروبا الإنجيل بعد أن كان حكراً على رجال الدين والقساوسة وسلطة الكنيسة، علماً أن (جون ويكلف 1320م-1384م) هو أول من ترجم الإنجيل إلى الانكليزية*
لذلك فقد بدأت عامة الناس في أوروبا بالانتقال من سلطة البابوات، إلى الاحتكام لسلطة الإنجيل مباشرة، وانتشرت الكتب والمؤلفات بفضل الطباعة والنشر، وانتشرت الفوضى وتبارى الناس في الحانات في تفسير الكتاب المقدس، فأصدر هنري الثامن مرسوماً منع فيه حيازة الإنجيل إلا للنبلاء( ). وكثرة الطباعة والنشر عملت إلى إيقاظ الوعي والثقافة في أوروبا الناهضة، وازدادت المعرفة بالفلسفة الكلاسية السابقة على الإنجيل، لذلك تحولت أوروبا بسرعة من الاحتكام لسلطة البابوات إلى الاحتكام لسلطة الإنجيل ومن ثم إلى الاحتكام لسلطة العقل نفسه وهذا عمل أخيراً على ظهور فلاسفة ومفكرين مثل (أمنوائيل كانت).
ويبدو أن الكنيسة كانت مستاءة جداً من انتشار الوعي والثقافة، فأصدرت الكنيسة في تلك الفترة كتاباً فيه قائمة بأسماء كتب يحرم قرائتها وتداولها وعلى كل حال فقد انتصرت الدولة العلمانية على الكنيسة في عهد هنري تيودور الثامن وكاد أن يخلف البابا*
وكانت تسمى (القائمة) أو (الدليل)، وما كان ذلك ليحدث دون ظهور مشاكل وجدال ويمكن الآن أن نعدد عوامل النهضة والإصلاح الديني:
- فشل الحروب الصليبية، وعدم التركيز على الانفاق العسكري.
- زيادة معرفة أوروبا بالإسلام، والثقافة الكلاسية.
- انتشار التجارة بفضل رحلات أسطول هنري الملاح وكولمبوس وفاسكو داجاما ونشأة الطبقة التجارية التي مولت مركزية الحكومة الملكية، وثورة (مارتن لوثر) والطباعة.
ولا ننسى أن نذكر (حسداي بن أبراهام كرسكاس المولود 1340م) في برشلونه... والمهم أنه أنكر ما دعا إليه (أرازاموس) فيما بعد، وقد أنكر في مؤلفه (نور الرب 1410م) سلطة العقل.
وقد أنكرها لأن الطباعة لم تكن متوفرة لدى الجماهير أي أن الكتاب المقدس كان فقط في يد البابوات ومن الطبيعي جداً أن لا يكون العلم مشاعاً يتداوله الجميع لذلك صرح (كرسكاس) قائلاً:
" من هو ذلك الإغريقي الذي كان على الرب أن يتفق معه"( ).
وبهذا فإن الاحتكام إلى سلطة العقل كانت تلاقي فشلاً كبيراً قبل نهاية العصور الوسطى في كافة أصقاع الأرض، لأن الاحتكام لسلطة العقل يجب أن تتهيء له ظروف مناسبة وتغير على صعيد أدوات الإنتاج المعرفي والصناعي، وكذلك الحال بالنسبة للثقافة الإسلامية والعربية، يجب أن يتحكم العلم والمعرفة في تحسين حياة الناس.
لذلك يمكن القول: إن أهم ما يميز نهاية القرون الوسطى هو ظهور مشاريع ضخمة وإصلاحية على يد البروتستانت مصبوغة بصبغة العقل وهنري الثامن وابنته الملكة إليزابيث وشكسبير وطبقة النبلاء التي انتعشت أكثر من رجال الكنيسة بفضل إصلاحات هنري الثامن ومضى الأوروبيون جنباً إلى جنب بمقابل التطورات والإكتشافات وجاءت آدابهم وأفكارهم متطورة كالإكتشافات.( )

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:
- هل عملية التقدم والتطور الفكري كانت نتيجة حتمية بسبب تغير أدوات الإنتاج، أم أن المسألة أصلاً متعلقة بوضع الكنيسة الذي أصبح في الحضيض؟
دعني أفترض أولاً: أن الدين ينشأ ويقوى في ظل نظام اقتصادي تتحكم به الطبيعة مثل: المجتمعين الزراعي والرعوي، ذلك أن الحصاد والزرع يتوقف على ما تدر به الطبيعة على الأرض من منافع مثل: الماء لذلك فإن الحصاد معجزة والزرع بالتوكل على الطبيعة وهذا ما جعل الإنسان الزراعي ما قبل الصناعي يعتقد اعتقاداً راسخاً أن كل شيء في الكون مبني على الصدفة والحظ وعلى ما يهبه الخالق للأفراد من معجزات، والحمل والإنجاب حظ والرزق حظ ونصيب والزواج نصيب، فكل شيء مكتوب وكل شيء معلوم، وهي فرضيات مقبولة في مجتمع ما قبل الصناعي والخروج عنها فيه نوع من التحدي للطبيعة دون سلاح علمي!! وهذا عادة ما كان يعرض فلاسفة علم الكلام للفشل.
ولنفترض ثانياً أن (العلم) يزدهر في ظل نظام اجتماعي صناعي، ذلك أن إنسان ما بعد الزراعي ومن الآن فصاعداً سنصفه بـ (الإنسان الصناعي) بدأ يلمس إنتاجه ويحسنه بواسطة الآلة: فمثلاً كان مناويل يدوي في انكلترا يصنع في اليوم الواحد من (الجرابات) بما يعادل جميع عمال الهند مجتمعين، وهذه ملحوظة كان قد تحدث عنها (الصادق النيهوم) في كتابه (صوت الناس) فهل الصدفة والحظ والتوكل على الطبيعة تكون مقبولة لدى المجتمع الصناعي؟ الذي لا يغير حياته بفعل يده كما هم الزراعيون بل بفعل الآلة.
أعتقد أن الفكرة غير مقبولة في المجتمعات العلمية والصناعية والذي يكون مقبولاً في المجتمع الصناعي لا يكون مقبولاً في المجتمع الزراعي، لذلك فإننا نفسر هنا بأن التأخر الشرقي هو أصلاً بسبب تأخر الشرق صناعياً وهذا يعني أنهم ما زالوا ينتجون غذاءهم بطرق تقليدية لذلك فهم يعيشون مع السلف والماضي أكثر من الحاضر، ويستمدون شرائعهم من مشرعين عاشوا في القرن الثالث والرابع الهجري.
بمقابل ذلك كله وفي الوقت الذي بدأت به أوروبا في القرن السادس عشر كان بمقابل ذلك يموت الشرق العربي ويحتضر ويلتقط آخر أنفاسه في آسيا وأفريقيا وكانت الشمس به تغرب لتطلع في بلاد الغرب.
والمدهش في الموضوع: هو أن رحلات هنري الملاح وفاسكودا جاما وكولمبس كانت بمثابة خير ومخلص لأوروبا بفضل الطرق التجارية الجديدة، وكانت لعنة حطت على آسيا الشرقية وأفريقيا بسبب هذه الطرق( ).
لقد كانت دولة المماليك تفرض رسوماً باهضة على تجارة الأوروبيين في الإسكندرية ولكن بعد 1498م خسرت الإسكندرية تلك الرسوم وانتشر الفقر في أرجاء دولة المماليك وانتشر الغنى في أوروبا وتكونت طبقة جديدة من تجارة البحر في أوروبا وطبقة فقر في دولة المماليك، لدرجة أن السلطان (سليم) لم يجد إلا مقاومة ضعيفة حين دخل مصر.
ومن ذلك التاريخ بدأ التطور ينتشر في أوروبا والجمود والاضمحلال في الشرق إلى هذا اليوم، ونتيجة لحرب العصابات غير المنظمة التي كانت تشن على مخازن القمح العثمانية وعلى مراكزهم الحكومية في بلاد الشام، لهذه الأسباب لم تستطع الدولة العثمانية من تثبيت الثقافة أو الاهتمام بالمثقفين، لذلك فإنه منذ (1728-1830م) لم تقدم الدولة العثمانية أي كتاب علمي ( ). خلال مائة عام إلا أربعون كتاباً في الشعوذة والحجب والسحر، ولكن لاحظ عزيزي القارئ كيف قدم رجل واحد مثل (رفاعه رافع الطهطاوي 1801-1873م) حوالي (46) كتاباً خلال (74) عاماً من عمره بفضل تعلمه وبفضل ما جلبه الاستعمار من منافع.

الدين والعقل والعلم
ويقال أن أول مخترعات الإنسان هو العقل، والمخ يختلف عن العقل وقد إحتاج الإنسان عشرات السنين ليعقل ذهنه وترهف ملكاته على حسب تعبير (حسين مؤنس)( )
وأول كاتب عربي دافع عن حرية الفكر هو فرح أنطون، حيث نشر كتاباً عن ابن رشد (ابن رشد وفلسفته) ( )، ولكن ما وجه الخلاف الذي أثير حول ابن رشد؟ هل أنكر معتقدات ثابتة لا يجوز المساس بها؟ أم أنه تأثر بأستاذه ابن طفيل (1100-1185م)*
ويبدو أن سبب اتهامه بالكفر عائد إلى دعاية أطلقها المنجمون والكهان: من أن ريح سموم سوف تأتي على الناس، فسأله الناس عن ذلك، وفي معرض رده أنكر وجود قوم عاد وقال هم أصلاً غير موجودين، فكيف هو سبب هلاكهم!!
لقد كانت طبيعة البناء الفكري عند ابن رشد متقدمةً جداً ولا تناسب طبيعة المجتمعات المتأخرة علمياً، فلو كان انتقاد ابن رشد في العصر الحالي لكان –على الأقل- خاضعاً للنقاش والتحليل الانثربولوجي أكثر مما تخضعه المجتمعات المتأخرة لأحكام مسبقة، وإلى نفي وتكفير لمفكرٍ متقدمٍ على عصره بـ 1000عام.
ولا أعتقد أن الأمر يتعلق بطبيعة المجتمعات الرافضة للفلاسفة بقدر ما هو متعلق بتوقف العلم عن البحث، أو ليس من الملاحظ أن الأشياء التي مات من أجلها (كوبرنيكس) و(جاليلو) يعرفها اليوم طلاب في المراحل الإعدادية من التعليم المدرسي وإن الذي مات من أجله (عباس بن فرناس) يصنعه اليوم أي شخص هاوي للطيران، بفضل تقدم البحث العلمي.
ولكن العيب الذي يصيب عامة الناس هو أنهم يفسرون أشياء هم غير متخصصين بها فالظواهر العامة من حق الجميع ولكن التفسير من حق الأقلية المتخصصة من النخب أي (النخبة) ( ). علماً أن النخبة لا تصلح إلا لمثل هذه الحالات وهي غير فعالة في التحولات الاجتماعية كما هو الصراع الطبقي.
وعلى ما يبدو أن مسألة العقل والدين قبل نهاية القرون الوسطى كانت في معركة لم يكسبها العقل وكان دائما ما يخسرها، والدين هو المنتصر الوحيد وهذا عموماً عند كافة الشرائع السماوية وغير السماوية، الدين لم يخسر معركةً قادها ضد العقل والعقل لم يكسب أي جولة بل دائماً في حالة تعطل وخسران ومساومة وحلول وسط، والسبب في ذلك هو: تعطل البحث العلمي* وانحياز العقل عن العلم وانضمامه إلى عامة الناس وتراجعه عن البحث إذ أن مختبراته لم تفتح على مصراعيها قبل نهاية القرون الوسطى، فما دام الإنسان يعتمد على أنظمة قديمة غير متقدمة طالما هو وبناءه الفكري في حالة ترهل وتأخر، فالشجرة المنتجة لم تعد الإنسان( ). في نهاية العصور الوسطى وعصر البخار، إن الشجرة المثمرة هي الآلة وهذا يعني أن العقل يخسر معركته في وضعٍ تكون به اليد العاملة هي يد الإنسان لوحدها دون تدخل الآلة الميكانيكية.
لذلك يعتبر العلم في المجتمعات الزراعية التي تنتج غذاءها بطريقة تقليدية يعتبر من السموم المضرة بالشعوب، فمثلاً: أغلق الامبراطور (جستيان 565م) مدارس الفلسفة وظلت كذلك ولم تشتغل أوروبا بالفلسفة إلا حين تطورت العلوم خارج الكنيسة في نهاية العصور الوسطى وكان للعرب الفضل الكبير في إنقاذ الفلسفة اليونانية من الضياع، ألم يقل الكهننة للامبراطور حين طلب منه المأمون كتب الفلسفة (أعطه إن هذه الكتب لم تدخل دولة إلا أفسدتها) ( ).
والدين عامل قوي من عوامل الثقافات القديمة التي تعتمد على أنماط قديمة، فلقد انتشرت اللاتينية بفضل الإنجيل والديانة المسيحية في عموم أرجاء العالم المسيحي( )
ومن الملاحظ عندنا أن اللغة العربية قد انتشرت في الأردن وسوريا والعراق ومصر والمغرب العربي بفضل الديانة الإسلامية كما انتشرت اللاتينية بفضل الديانة المسيحية بأوروبا ولم يكن للفلسفة اليونانية أي دخل إلا من بعيد، وحين استعادت أوروبا صحوتها ورجعت إلى الكلاسية القديمة لم يستطيع المثقفون في أوروبا من قراءة الفلسفة الأرسطية والأفلاطونية إلا من كان منهم يقرأ الإنجيل لأنه مكتوب باللاتينية.
لقد كانت الفلسفة قبل ظهور الرب ضرورية لفهم منطق الكون عند الإغريق وضرورية للعدالة وهذا يفهم كثيراً من منطق سقراط (469-399ق.م) حين رفض الهروب من السجن وفضل احترام القوانين لأنها وحدها الكفيلة بتحقيق العدالة والمساواة وبذلك شرب شراب (الشوكران) وأسلم الروح والجسد لقمة المنطق والفلسفة.
ولقد أساء كثيرُ من المثقفين استخدام كلمة العقل والدين والعلم، ففي حين عرّف العقل على أنه الوسط كان الدين يعرّف على أنه النقيض الثاني للعلم والعقل، وليس من جامعٍ اليوم بين العلم والعقل، لأن العقل كان وما زال يعرف تعريفاً وسطياً بين الدين وبين باقي المذاهب؛ إذ أن مفهوم العقل غدا مع الزمن منهجاً سلوكياً لإقامة تناغم وتجانس بين العلوم القديمة وبين الدين، وبهذا يكون (توما الإكويني) محقاً في كتابه (الرد على الأمم) حين قال: إن الإسلام والمسلمين وضعوا أسس ديانتهم على أساس قدرات وإمكانات العقل الوسيط( ).
أما العلم فإنه يخرج عن هذا المألوف متحدياً سلطة الاثنين معاً: الدين والعقل، لذلك كان محقاً فرح أنطون:
" إن إصلاح الأرض مسألة علمية وليست مسألة دينية، وعلى أورشليم القديمة، أن تفسح مجالاً لأورشليم الحديثة".
إن العلم بعكس العقل لا يقبل بالحلول الوسط، ذلك أن العقل والعقلانية والتعقل تعد من الخيارات السياسية، أما العلم فإن خياره الوحيد إما النجاح وإما الفشل.
لقد اعتبر (نيتشه) أن العالم تم إفساده على يد العقل وهو يرى العقل قد جلب وبالاً وخراباً بتدخله، ويرى المسيحية تراثاً خانعاً وضعيفاً، وفي نظريته نظرية (العود الأبدي) يرى أن خلاص العالم يتم على يد (الديونوسية) المتمردة على (الأبولونية) الخانعة( )
إن (فردريك نيتشه) يعتبر العقل بمكانة العلم، وهذا اليوم غير واضح المعالم وقد يكون مخطئاً بما أوردناه عن العقل والعلم من فوارق. وبما أورده حسين مؤنس.
ولربما أن نظرة نيتشه صادرة عن نقد أدبي، لأنه يرى أن الأدب يصدر من الديونسية الشهوانية إذا كان صادقاً و إذا كان كاذباً فإنه يصدر من العقل، أي أن التفكير المنطقي أرغم العواطف على الاغتراب.
نريد القول: إن لعصر الزراعة اليدوية أخلاقه وللصناعة أخلاق أخرى ( ) .
ونريد أن نقول هنا أن كل عصر له سمته وطابعه الخاص الذي تطبع به الأشياء فتأتي انعكاساً لرأي العلم، فمن الملاحظ جداً أن عصر (نيوتن) مثلاً امتاز بالوضوح والدقة وكأن نيوتن قد خططه بيده وقوانينه بما انعكس ذلك على (بلزاك) ( ).
وقد ورد في مجلة المنتدى كلاماً فيه نوع من الخلط والتصحيح في نهاية الموقف لكلمة العقل والوسطية، إذ ورد تعبيراً وتعريفاً للعقل:
"نهج العقلانية في التفكير هو نهج واقعي يقوم على أسس علمية وينطلق من وعي اجتماعي...بقدر ما تبدو الوسطية بسيطة إذ يمكن لأي فرد أن يكون وسطياً ولكن ليس بإمكان سوى القلة أن يكونوا عقلانيين"( ).
وكان الأصح والأجدر به أن يقول...سوى القلة التي تبحث عن الحوار لتجد به طريقاً لتسوية خلافاتها مع الأطراف المتغلبة عليها.
ولقد ورد في نفس المجلة كلاماً للمفكر العربي الكبير حسن حنفي ما يدعم وجهة نظري حيال الموضوع
"الوسطية ضد التطرف والعنف وهي تنشأ من ثنائية الدولة وخصومها في حيال غياب المعارضة المشروعة كالتعددية السياسية".
وتفسيري للوسطية أنها موقف متعقل وليست متهور لمواجهة الكوارث ولإدارة الأزمات الفكرية وقد استعملت كلمة الوسط والوسطية كتعبير أخير بديل عن العقلانية ذلك أن العقلانية أصبحت كلمة مستهلكة ولتستمع لهذه المقولة:
" إن قضية الإصلاح الذي نريده لعالمنا العربي يجب أن ينطلق من الوسطية الجامعة...إن الوسطية هي الخطاب الممكن توجهه للإنسان المعاصر لأنها توفيق بين مضامين الدين وحاجة الإنسان وظروفه وهي الكلمة السواء بيننا وبين الإنسان المعاصر"( )
فكلمة توفيق هنا كانت تستخدم عند كتابنا في الخمسينات ومن ثم أصبحت مرادفاً للعقل وللوسطية.
ويتضح مما جرى ويجري أنه كلما تقدم العلم كلما كان الدين بحاجة ماسة لوسيط يعلل به مرتكزاته وثوابته، وكلما تقدم العلم كلما ابتعدت كلمة العقل والعقلانية والتوفيقية وحلت مكانها كلمات أكثر تواضعاً من كلمة العقل والعقلانية أمام سلطة الدين، مثل: الوسط والوسطية والاعتدال وعدم التطرف وعدم المغالاة.
إننا نلاحظ ذلك منذ الخمسينات من القرن الذي خلا إلى هذا اليوم، كيف يتغير الخطاب (Piscourse) العربي الثقافي والعالمي معاً، لقد كانت الفلسفة فيما مضى تسترضي الدين لتعليل ملاحظاته ونظرياته، أما اليوم فإن علماء الدين هم الذين يركضون خلف النظريات العلمية لتبرير عملية تركيب الكون من الألف إلى الياء ومن العناصر الأولية الثلاثة: النار والهواء والتراب إلى عصر الذرة و(الكوارك) لذلك قد نستطيع القول أن العقلانية موقف وسط بين الدين والفلسفة وهي متواضعة جداً أمام الأبنية الفكرية المتعفنة، أما العلم فإن له موقف عنيد من الدين ولا يقبل المساومة على نتائج البحث العلمي ونلاحظ أن الدين هو المتواضع أمام العلم.
ويكاد يجمع علماء اللغة والنحو العربي على أن مسالة العقل لم يثرها الفلاسفة قبل النحاة حين ظهرت مشكلة (التنازع) في اللغة: إذ اجتمع فاعلين على فاعل، فمن هو الفاعل الحقيقي؟ وهل يجوز أن يكون للمفعول به أكثر من فاعل؟ وقد أجاب البعض بنعم!! وأجاب البعض بلا!! وعلل الرافضون المسألة:
"إذا اجتمع على المفعول به أكثر من فاعل معنى ذلك أنه يجوز أن يكون للكون أكثر من خالق لأن الله هو العلة الفاعلة للكون".
وفي هذه اللحظة عرضت المسألة على العقل ولم تعرض على نصوص الشعر القديمة وأقوال العرب.
لهذه الأسباب فر الفلاسفة العرب من المنطق واعتبروا أن العقل والفلسفة قد أفسدا على الناس حلاوة الدين والإيمان وهذا الموقف للفلاسفة العرب يشبه موقف الأب الروحي للحداثة اليوم وهو (فردريك نيتشه)( )، وانتقد ابن (باجه 1138م) -وهو أول فلاسفة المغرب العربي- الغزالي لأن الغزالي اتجه اتجاهاً صوفياً قائماً على القلب والذوق والحس والوجدان، ولكن ابن باجة لم يسلم من عقلانيته واعتبر كافراً وزنديقاً، لأنه فضل شقاوة العقل على طراوة الحس، وحاول أن يسعد بعقله إلا أنه مات به مسموماً سنة (1138م) وهذه نتيجة طبيعية لفيلسوف عاش في مجتمع يعتبر أن الاشتغال بالفلسفة مثلها مثل السحر والتنجيم( ) وكذلك الغزالي اتهم بالكفر والزندقة عندما ألف كتاب (الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي) ( )
وفي قصة حي بن يقظان موقف كلاسيكي من الدين إذ يعتبر ابن طفيل (المتوفى 1185م) أن التوفيق بين الفلسفة والدين يتم بطريقة العقل، ويرى أن الوحي والعقل واحد، وهو يدرك ما يعنيه بالوحي أي (الشريعة).
لقد كتب انجلز في مؤلفه (فورباخ):
" إن المسألة الأساسية العظمى في أي فلسفة....هي علاقة الفكر بالكائن أو علاقة العقل بالطبيعة، أيهما يسبق الآخر، العقل أم الطبيعة؟؟"
وانقسم الفلاسفة فسمين: أولئك الذين يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة ويقبلون على هذا النحو في آخر تحليل بخلق العالم أياً كان نوع هذا الخلق ...والذين يؤكدون تقدم الطبيعة انتموا إلى مختلف المدارس المادية( )
والانتماء الأخير لم يحدث إلا في الآونة الأخيرة حين تقدم العلم بشكل (ديالكتيكي) وخصوصاً حين توصل بعض علماء الفيزياء إلى ظاهرة محتواها: أن تحول العناصر يعمل في الطبيعة على نحو ديالكتيكي وليس ميتافيزيقي*

الشرق الجديد
كانت مدن الشرق القديمة تعتمد على العمل بفعل اليد وكذلك كانت معظم مدن العالم قبل بداية عصر النهضة في أوروبا وكانت الثقافات معزولة عن بعضها البعض نظراً للاستقلالية الاقتصادية لذلك لم تكن الشعوب، القديمة تتأثر ببعضها ثقافياً إلا على المستوى الفردي من هواة أو محترفين. ولكن التأثير الثقافي بدأ ينتشر بين الشعوب لأسباب أهمها الطباعة، ورحلات الاستكشاف، والاستعمار، وتغير طرائق الإنتاج وسرعة الاتصال أمام المد العلمي الأخير أو أمام الثورة العلمية التي حدثت في أوروبا وأمريكا، فقد تحول التجار من تجار محليين إلى تجار شبه الجملة في بداية أواسط القرن السادس عشر الميلادي (1546م) ( ) ففي ذلك التاريخ نقل التجار سماداً جديداً من سواحل البيرو ناتج عن روث الطيور المتجمع على سواحل البيرو، وهو سمادُ غنيُ بالفوسفات والنيتروجين، وهذه الصناعات العلفية عملت على إشباع حاجات الناس الغذائية وزادت من طول عمر الإنسان وانتقلت المزارع من البيوت إلى رؤوس الجبال وعلى أكتاف الوديان وإلى خارج أسوار المدن على الأرض غير السكنية خارج أحواض المدن والقرى وحتى عام 1910م حين أخرج السيد جولاند هوبكنز بحثه عن الفيتامينات وهو بمثابة هدية للجنس البشري ساعدت هذه الأبحاث في تقدم صحة الإنسان ( ) ومن ناحية أخرى تراكمت الثروات والأرباح جراء ازدياد أعداد الطيور اللاحمة والأبقار والحليب والدواجن فبدل أن تكبر الدجاجة في نصف عام أصبحت مع التغيرات الجديدة تكبر في دورة شهرية لا تتجاوز الثلاث شهور لذلك فإن عصر الرأسمالية بدأ مع هذه البدايات، وبمقابل ذلك ازدادت حاجة الدول لبعضها البعض وأصبحت الاستقلالية عن الآخر فيها نوع من الأنانية والتخلف، فكل العالم اليوم مرتبط ببعضه البعض وما زالت الأسواق العربية بحاجة ماسة إلى الأسواق الأجنبية وذلك لتأمين استيراد الصناعات العلفية وغير العلفية لذلك فإن التأثر الثقافي ضروري جداً بسبب قرب المسافة بين القارات وقد أصبحت قريبة نتيجة تطور سرعات النقل، ونتيجة لتطور حركة النقل والاتصالات فقد ضاقت المحيطات بين القارات وأصبح العالم اليوم في قرية صغيرة مكتظة بشبكة معقدة من السكان الأمر الذي سوف يخلق ثقافة جديدة تختلف عن الأيدولوجيات القديمة.
ونتيجة لتحسين الصناعات العلفية فقد تأقلمت بعض بقاع الأرض بحيث أصبحت قادرة على إنتاج مزروعات هجينة عنها، لذلك عرف الأوروبيون البطاطس منذ بداية القرن السادس عشر ودخلت إلى مطابخهم، كذلك انتقل التبغ من المكسيك إلى إسبانيا ومن ثم إلى البلاد العثمانية، وأظهر هذا النبات عادات جديدة في الشرق لم تكن معروفة من قبل.
ولقد تأخر الشرقيون عن المجتمعات الرأسمالية ولم يصلوا عصر الرأسمالية لكونهم تأخروا عن الأوروبيين في تحسين صناعاتهم العلفية وغير العلفية ويكفي أن نقرأ تقريراً صادراً عن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 حيث جاء به أن عدد سكان مدينة القاهرة في ذلك الوقت كان 300.000 ألف نسمة، منهم 25.000 ألف مهنيين و45.000 ألف عامل و 126.000 ألف امرأة، وهذه النسبة هي نتيجة تأخر دخول الصناعات العلفية وذلك أن الناس كانت تموت من الجوع وسوء الرعاية الصحية وقلة الإنتاج( ).
لقد كانت دول الشرق في وضع صحي أسوء بكثير مما كانت عليه أوروبا رغم تحسن الصناعات العلفية ولنتأمل معاً قبل دخول الحملة الفرنسية كيف كانت الحياة العامة في الدول العربية وكيف أصبحت بعد ذلك.
ويقول (محمد عماره) ( ) أنه منذ سنة (1728-1830م) لم تقدم الدولة العثمانية كتاباً علمياً واحداً على غرار الدول الأوروبية وهو يقول: إلا أربعون كتاباً في الشعوذة والحجب والسحر، ولكن بعد مولد (رفاعه رافع الطهطاوي(1801-1873م) فقد استطاع هذا الكاتب أن يقدم للمكتبة العربية (46) كتاباً علمياً أي أكثر مما قدمته الدولة العثمانية خلال مائة عام أو أكثر.
نعم لم تقدم الدولة العثمانية أي حضارة أو ثقافة ولم تحسن الإنتاج الزراعي ولا الإنتاج الفكري أي أنها لم تقدم عملاً فكرياً بل شجعت على التقليد وقتلت روح الإبداع وعملت على طمس الطاقات الشبابية الواعدة، لأن التغيير ليس بمصلحتها بل من مصلحتها التقليد والبقاء على القديم وهنالك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن عدد الأطفال في مدينة القاهرة كان 30.000 ألفاً أيام الحملة الفرنسية وهذا دليل قوي على التخلف لأن هذه النسبة هي أكثر من نسبة النمو الاقتصادي علماً أن هذا العدد يموت أكثر من نصفه قبل سن البلوغ، أما النصف الآخر فإن نصفه يموت أيضاً بعد سن البلوغ إما بالجوع وإما بالاقتتال على لقمة العيش، لذلك فمن الممكن القول أن تنظيم النسل كانت تنظمه الطبيعة عشوائياً بفضل الأمراض والجوع وسوء الرعاية الصحية.
ولربما أن سبب إهمال العثمانيين للثقافة العربية راجع بشكل أساسي إلى انشغال العثمانيين بالقضاء النهائي على دولة المماليك، لذلك أهملوا بشكل أساسي الحركة العلمية بعد "ابن إياس" حتى ظهر "الجبرتي" إبان الحملة الفرنسية على مصر ( )
وكانت الامبراطورية العثمانية مشغولة بإخماد الثورات التي كانت تشتعل كل حين لذلك لم تتفرغ للثقافة والفنون، أو أن الموضوع متعلق أصلاً بإهمال الدول والحكومات للثقافة أو أن انتشار الفقر في مصر كان سبباً لإهمال الثقافة فقد فقد التجار المصريون نصيبهم من الرسوم التي كانت تفرض على البضائع الأوروبية في الإسكندرية، بعد أن حولت أوروبا سفنها التجارية من الإسكندرية بسبب الطرق الجديدة التي اكتشفها هنري الملاح، وفاسكو داجاما، وكولمبس، لذلك تراجعت الطبقة التجارية في مصر وحلت محلها طبقة مسحوقة من الفقراء، وبذلك تردى الوضع الصحي العام وتراجعت الثقافة، ولما دخل السلطان سليم العبوس مصر لم يجد إلا مقاومة ضعيفة، وبذلك سقطت آخر مراكز دولة المماليك.
وإن البقاء على أنماط قديمة تقليدية جعلت من البناء الاجتماعي نمطاً قديماً حيث عملت هذه الظروف على بقاء القرى كقرى، أما القرى التي حسنت إنتاجها من (زراعة متنقلة) إلى (زراعة كثيفة) فإنها تحولت من القرية إلى المدينة وتحدد شكلها بنوع الأعمال التي تمارسها (Workshop) وكانت الولايات المتحدة الأمريكية في سنة (1900م) تعتبر أن المركز الحضري الذي يزيد عدد سكانه عن 500 نسمة كانت تعتبره (مدينة) أما اليابان فقد كانت تعتبره (30.000نسمة) وكانت الولايات المتحدة الأمريكية سنة (1880م) تعتبر أن المدينة هي التي يشغل عدد سكانها (4000نسمة).
أما في الدول العربية فلم يكن عدد السكان مهماً والمهم هو نوع العمل الإداري الذي تؤديه، أما الأردن وسوريا فقد كانوا يعتبرون أن النسبة السكانية للمدينة هي (10.000) آلاف نسمة، ذلك حتى عام (1960-1966-1976) ولربما أن تحسين الإنتاج هو الذي ساعد على زيادة النمو السكاني في المدن علماً أن سكان المدن لم يساهموا في هذه العملية، وإن أكثر من نصف سكان العالم في المدن المتقدمة يعيشون في المدن والباقي سكان ريف وفي أواخر السبعينات (1978-1980) فإن أكثر من ثلثي سكان العالم في الدول المتقدمة بدأوا يعيشون في المدن( )
أما الدول النامية فما زال ربع السكان يعيشون في المدينة كدليل قوي على التأخر إذ أن 75% من السكان يعيشون في الأرياف على أنماط قديمة من حيث طرق الإنتاج وبذلك فإن العادات والتقاليد ما زالت حتى نهاية الثمانينات على نمطها الزراعي القديم من ناحية البناء العائلي القائم على سلطة الذكر وحده...الخ.
إن تطور الحياة لا يأتي على جانب دون الجانب الآخر إنه عملية تراكمية ذات دفعة واحدة وقوية أي أنه (تنمية شاملة) تشمل كل القطاعات وكل الفئات الاجتماعية( )
وبنفس الوقت ساعد التقليد وعدم التقدم وتضخيم الماضي ساعد هذا كله على التطرف في العهد الحالي، إذ أن الناس ما زالوا ينظرون إلى تاريخهم من زاوية أسطورية وليس من زاوية علمية وحول هذه النقطة يقول البروفيسور (بيترهيل: إن التاريخ الذي يدرس في اتجاه معين يصنع المتطرفين والمتعصبين، والتاريخ الذي يدرس على وجهيه يشحذ روح النقد ويجعل المرء أكثر إنسانية وإنصافاً( ).
وللإنصاف لنا أكثر أقول: أن الطباعة توصل لها المسلمون قبل الألمان في (تبريز) عام 1294م وفي مصر عام 1300م ولكن المسلمين كانوا يقدسون الماضي ويقضون نصف أعمارهم وهم يحلمون بسحر الماضي ففضلوا النسخ بخط اليد على الطباعة، وكانوا وما زالوا يتبارون على تقليد الخطوط.
ولا يوجد تعليل دقيق لأسباب النهضة كما لا توجد تعريفات دقيقة لأسباب سقوط الدول والحضارات فمثلاً يرى كثيرون من العرب أن أسباب تخلفنا راجعة لأسباب تتعلق بضعف علاقتنا مع الدين وكذلك كان ينظر إلى أسباب سقوط الدولة الرومانية وهذه كلها نظرات كلاسيكية تقليدية لم تكن تضع ميزاناً دقيقاً لعلاقة الإنسان بالإنتاج إلا في الآونة الأخيرة بعد أن تحسنت أدوات الإنتاج من القرن السادس عشر الميلادي عندها فقط لاحظ علماء الاجتماع كيف تؤثر علاقة الإنتاج وتغير الطبقات الاجتماعية، لذلك لم يعد ممكناً أن ننسب الحظ والتوفيق (...) لكثير من النجاحات ويكفي أن نلاحظ كيف أن اليونانيين بعد سقوط حضارتهم كانوا ينظرون إلى حضارة روما على أنها محظوظة، ولم يعيروا اهتمامهم إلى مزاياها الجمهورية والجغرافية( ).

من الحظ والصدفة إلى مجتمعات القوة:
إن جميع المجتمعات الزراعية التي كانت تحرث أرضها وتبذرها بطريقة جد قديمة وتقليدية نجدها في أكثر حالاتها تعتمد في تفسيراتها الاقتصادية على مبدأ الحظ والصدفة وهذه قصيدةٌ شعريةٌ تصور لنا بُؤس الحياة في الريف المصري ما بين عام 1930 و 1933 لشاعرٍ مقل يُدعى عبداللطيف النشار:
الزرع ينمــو بطيئــا فالصبر في الريف عاده
مادمت في الريف فاصبر علـى لزوم الوســاده
سهولة العيش في القـوم بثـت روح الـزهـاده
فواجد القوت في الريـف لا يريـــد الزيــاده
ومالك القرش في الريف ليس يخشى نفــــاده
لولا الغريزة ما كــان آكــــلاً قــط زاده
أتلــك دور أنــاس؟ أولى بهن الإبــــاده
ما يستحق الثنــــاء من لم يشــرف بلاده
وليس يُرضي ســواه من ليس يُرضـي فؤاده
ولم يبر أباه مــــن لم يفـــق أجــداده
الماء ليس بــــجار إذا وقف اضطــراده
ولم يبـــر ذويــه من لم يغظ حســـاده
إن الحياة طمــــاح ومتعة مستقـــــاده
تبدُ القناعة في المـرء إن أحس فســـــاده
جو المصانع جو تعيش فيـــــــه الإراده
إبنو المصانع تبنــوا في مصر أسس السعاده( )
عبداللطيف النشار

وكثيراً ما تدخل قوى سحرية غريبة في صناعاتها وحل مشاكلها وتجدها من حيث اللغة جامدة وغير متطورة وتقدس الماضي حتى بأخطائه وتفسر الرزق بالحظ وكذلك الزواج والإنجاب لذلك فإن موضوع الإيمان عند المجتمعات التي ما زالت تحرث أرضها وتزرع بطرق تقليدية ما زالت حتى اليوم لا تخضع لسلطان (العلم) ذلك أنها لا تعتمد في أنماط حياتها على العلم والقوة بقدر ما تعتمد على الوهم والخيال، بل أنها ترى أن تدخل العقل يزعزع عقيدتها وهذا صحيح طالما أنها لا تعتمد في حياتها ومعاشها إلا على الصدفة وضربات الحظ، وجاء في قصة الحضارة( ):
"إن الدين يزدهر عادة في ظل النظام الزراعي على حين أن العلم يزدهر في ظل الاقتصاد الصناعي فكل حصاد معجزة من المعجزات في الأرض ونزوة من نزوات الجو".
لهذا السبب نجد أن أشباه مثقفينا ينادون ويناشدون الحكومات العربية بتوفير الحماية لهم من سوق (الكتب) الأجنبية، ذلك أن مثل تلك الكتب قد يسيء إلى الحظ والصدفة لأنه يغفلهما وينادي بالعقل والقوة واستخدامهما، وبرأيي أن هذا يعود أصلاً إلى أنماط الحياة الجديدة في المجتمعات المتقدمة صناعياً، إذ أن اعتمادها على مبدأ العقل والتنافس الحقيقي وتحسين الإنتاج هما اللذان أغرا بالمثقف الأوروبي إلى نبذ فكرة الحظ والصدفة بعد نهاية العصور الوسطى وبداية الإصلاح الديني خارج "إيطاليا".
وإنه من البديهي أن انتشار الطباعة في أوروبا ساعد هنالك على انتشار الكتابة والكتاب المقدس خارج الكنيسة ومن ثم ساعد هذا على دعوة لوثر بالاحتكام إلى الكتاب المقدس بدل البابوات، وهذا ما حصل عندنا نحن العرب الشرقيين ولربما أن انتشار الوعي والثقافة والعلم في أوروبا قد فتح باب الغيرة على مصراعيه لدى الشباب العرب من المطلعين على الثقافة الأجنبية، وإن الذي قاله: فهمي جدعان سابقاً من أن الإحساس بالفجوة العميقة بين الغرب وبين الشرق هي التي أغرت بالمثقف العربي في أن يقتحم على أوروبا أبوابها لتهب منها رياح التغيير إلى الشرق.
ويقول "ول ديورانت"( ) في قصة الحضارة "من أن سقوط القسطنطينية على أيدي المسلمين هو الذي وضع حداً لنهاية العصور الوسطى في عموم أرجاء أوروبا إذ أحس المثقف هنالك من أن "رب المسيحية لم يستطع حماية أبنائه من سيوف المسلمين".
وإن بعض الكتاب العرب في فترة الستينات (1965م) كانوا يرون أنه من عوائق النهضة العربية هو توجه المثقفين للمذاهب الغربية ( )
وهذا ما حصل في الشرق العربي مرة أخرى، إذ أن سقوط الخلافة العثمانية ودخول الاستعمار، لم يعمل على إيقاظ المثقف العربي من حلمه وسباته فقط بل شعر أن القوة في أوروبا لا تنبع من الحظ أو الصدفة وحدهما، لذلك بدأ يفكر بضرورة التغيير.
وبهذا عمت الفوضى الثقافية بين المثقفين في كافة أصقاع الأرض، وبدأ بعض المثقفين يفكر بطريقة خيالية وهمية، وبدأ المرض يدب في أطراف الجسم العربي، بين من يرى أن العودة للقديم هي التي ستعمل على توفير شروط النهضة، وبين من يرى أن العودة للقديم لا يحقق هذه الشروط لأن للماضي ظروف وللحاضر ظروف ولهذا نظروا باتجاه الغرب لتحقيق شروط النهضة غير أن فريقاً ثالثاً رأى غير ذلك إذ اعتبر أن التوجه للغرب هو مثل التوجه للماضي أي أن الاثنين لا يحققان "الهوية الجديدة" المعاصرة أي أن تقليد الغرب هو مثل تقليد الماضي أي أن كليهما تقليد ويرى الباحث "عبد الله سرور عبد الله" في كتابه "الإعلام والثقافة"( )، يرى هذا الباحث أن الاستعمار الفرنسي لم يغير في الثقافة المصرية لا من قريب ولا من بعيد، وهو يخالف آراء أكثر الباحثين ويقول بالحرف الواحد:
"فلا يمكن أن تحدث نهضة نتيجة لحملة نابليون، أو أثر من آثارها المباشرة أو غير المباشرة، فلا يمكن أن تحدث نهضة نتيجة لحملة استعمارية وقف المصريون منها موقف العداء".
وهنا يجب التنويه إلى أن محاربة التقدم بدأ منذ بدأت الثقافة العربية المعاصرة، وفي أول عدد من مجلة "أنيس الجليس" بدأته صاحبة المجلة بمقال عنوانه "الشعر العصري" وجاء فيه:
"إن أول ما يعتمد عليه الشاعر العربي هو النسق العربي المحض والتراكيب المختصة به، لا المعاني والأوصاف التي يجيء بها"( ).
إن نظرة هؤلاء الكتاب صحيحة إذا بقي أسلوب الإنتاج على حاله القديم وهم غير معنيين بالإفرازات الجديدة التي تفرزها الآلة الصناعية الحديثة من تركيبات اجتماعية، لأنهم لا يملكونها، وطالما أنهم لا يملكونها طالما أنهم غير متأثرين بما يتأثر به الإنسان الجديد المالك للآلة، وهذا هو برأيي الجواب الحقيقي على السؤال الذي طرحه المثقفون الجدد، وهو: لماذا تخلفنا نحن وتقدم غيرنا؟ نعم: إن البقاء على أنماط اقتصادية قديمة روحها روح الصدفة ومتعلقة بالحظ، هو الذي يجعل أدباءنا تقليديين يغوصون في أسفار الماضي بلا عودة.
ولقد نقل لنا "الجبرتي" ملاحظات مدهشة عن واقع الحياة العامة في مصر إبان الحملة الفرنسية:
" وإذا حضر إليهم من المسلمين ممن يريد الفرجة كانوا لا يمنعونه من الدخول إلى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك والسرور ...وإذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعاً للنظر في المعارف بذلوا له مودتهم ومحبتهم ويحضرون له أنواع الكتب المطبوع بها أنواع التصوير".
وأرى أن أسباب نفور المجتمعات العربية من المجتمعات الغربية يرجع إلى الخوف المعشش في أذهان العرب المسلمين من طبيعة البناء الاجتماعي للمجتمع الغربي من عادات وتقاليد وهذا الخوف لا يوجد به أي خطأ إذا أن هنالك اعتراف ضمناً بفساد المجتمعات حين تصل إلى الترف علماً أن كل الحضارات والثقافات تسعى إلى تحقيق الرخاء والترف وهي تعلم أنه من أسباب انخذالها وأول من تحدث عن هذه الظاهرة هو الفيلسوف العربي والمؤرخ الاجتماعي (ابن خلدون 1332-1406م) ( ). وحينما ظهر المؤرخ المصري (ابن إياس) وكتب كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" وهو يتحدث عن الفترة من سنة 1468م-1522م وهي الفترة التي يتحدث بها "ابن إياس" عن نهاية عصر المماليك وبداية العهد العثماني في مصر وبلاد الشام، ويرى بعض المحللين أن اسم الكتاب بسبب ملاحظة ابن إياس أن للدول أعمار بعمر الزهور التي تذبل مثل دولة المماليك ( )
وإن من الكتاب المتقديمن زمنياً على زمن بدايات النهضة قد حوروا وفلسفوا أبعاد التقدم عبر جمل متعددة الأبعاد ومتناقضة ومن ذلك قول الباحث "بو علي ياسين"( ).
"غير أن الرابطة القومية، وإن كانت قد حولت مركز القرار من السماء إلى الأرض، فإنها نقضت هذا الفعل الإنسانوي العظيم من خلال الصراعات القومية، وخاصة الاضطهاد والاستغلال الذي مارسته الدول القوية بشكل الاستعمار الكولنيالي...."
وإن البذخ لم يكن وحده سبب سقوط دولة المماليك، فقد كانت هنالك ظروف خارجية أيضاً أهمها ضعف الموارد الخارجية للدولة نتيجة اكتشاف البرتغاليون لطريق رأس الرجاء الصالح وبذلك انصرفت التجارة عن الموانئ المصرية، وتراجعت الطبقة التجارية التي كانت تمول دولة المماليك، وكانت تعمل على حماية الطبقة الوسطى من الانسحاق.
وإن واقع مجتمعاتنا العربية هو واقع مخجل، وهو يحاول وبعض مفكريه أن يقفزا من الإطار الجهوي إلى المجتمعات المدنية قفزاً "فيه طفرة" أي أنه يحاول الانتقال من مراحله الأولى إلى المراكز الثالثة، أي إلى المجتمع المدني الحديث، علماً أن المجتمع المدني الحديث قد جاء بعد المرحلة الرأسمالية في أوروبا، وإن المجتمع العربي ما زال يقلد ولا يبتكر نتيجة معوقات اقتصادية أهمها على مستوى فائض الإنتاج من الغذاء ومن المواد الأولية للصناعات الخفيفة والثقيلة، لذلك فإن واقعنا سيبقى في إطار البنى الاجتماعية القديمة القائمة أصلاً على مبدأ "اقتصاد الصدفة" و"الحظ" وبالتالي فإن هذا الإطار يفسر نجاحات الأفراد: أنها صدفة أو ضربة حظ، وبالتالي فإن البنى السائدة سوف تبقى رافضة للتجديد على مستوى علاقات الأفراد والعائلات وخصوصاً على مستوى قضية المرأة وعلى مستوى البناء الفكري والأدبي وعموم العلاقات الإنسانية، وإننا جميعاً متفهمون للمشكلة وقضاياها العالقة، ولكن المشكلة الأكثر تعقيداً هي كيف نحضّر ونمدّن الإنسان الشرقي وهو ما زال ينتظر المعجزات والمخلصين ونزول المهدي وهو يفسر كل شيء بالصدفة والحظ، لأن اقتصاده مبني على مبدأ الصدفة والحظ، وهو نمط زراعي قديم حين كانت الزراعة تقليدية، وحول هذا الموضوع كتب (توفيق شومر):
" ففي حالة المجتمع المدني، فإنه يحتاج لكي يكون فعلياً مجتمعاً مدنياً، حدوث تغيير حقيقي في البنية القائمة بحيث تتوفر فيه شروط المجتمع المدني الأساسية، وكما رأينا فإن المجتمع المدني انطلق أساساً من الثورات البورجوازية في المجتمعات الغربية وترافق بالضرورة مع تعميق فهم المجتمع لعلاقة محددة بين المواطن والدولة تعرف بالمواطنة، وهنا يجدر التنويه بأن المواطنة غائبة أو ناقصة عند الكثير من شعوب العالم، كما هو الحال في الأقطار العربية".
وهذا الكلام من الملاحظات الهامة ويمكن تفسيره عبر إضافة تفسيرات جديدة، مثل: أن المجتمعات العربية ما زالت تنظر إلى الغرب على أنه عدو يريد هدم ثقافته غير أن الغرب لا يهدم ثقافة الشرق كما أن الشرق لا يهدم ثقافة الغرب والذي يهدم هو التحول في أنماط الإنتاج( ) الاقتصادية مثل الانتقال إلى الرأسمالية يقتل ويهدم الأنماط الجهوية والتقليدية القديمة، مثل: الثقافة الزراعية والرعوية، فالثقافة الزراعية القائمة على الحظ والصدفة، قتلتها الأدوات الجديدة التي حسنت الإنتاج وجعلته تراكمياً، كما أن اقتصاد السوق اليوم عمل على خلق مجتمعات مدنية، وهذا آخر ما وصلت إليه المدنية وهي ما زالت في بداية التشكل ولن نصل نحن العرب إلى مستوى هذه الجماعات إلا إذا تحولنا اقتصادياً عن أنماطنا القديمة واتجهنا إلى اقتصاد السوق الحديث.
ومما يدهشني أن أقرأ لمؤرخ مصري قديم هو "تقي الدين المقريزي" ( )تعليلاً يرجع به أسباب المجاعة في مصر حوالي (796-808م) إلى فساد الحكام وليس لجدب نهر النيل في تلك الأعوام التي انتشرت بها الأمراض حيث كان الطاعون يقتل في كل يوم ثلاثين ألفاً من المواطنين، ولربما أن نظرة المقريزي نابعة من غضبه على وفاة ابنته بالطاعون (الموت الأسود) وهذا الأمر جعله متمسكاً بمبدأ فساد الحكام وليس فساد الأرض والغيوم والمطر، وهي تعليلات مقبولة علمياً ولكنها ليست الوحيدة، ومن ناحية أخرى يمكن أن نعتبر كلام (المقريزي) فرضية صحية على اعتبار أن البذخ والرفاهية هي من أسباب تدهور صحة الإنسان اقتصادياً وهي من أسباب تدهور صحة الدولة التي تنتحر بأدوات الترف إذ أن مثل هذه الأدوات تؤدي إلى شل حركة الإنتاج، ويعتبر "الحاكم بأمر الله الفاطمي" أغرب حاكم عرفه العرب والمسلمون من غير العرب، ولكن ليس من المنطق أن نعتبره حاكماً طاغياً كما وصفه بعض المؤرخين العرب، حين اعتبروا أن لوائحه القانونية الجديدة عملاً استفزازياً من أعمال الطغيان، فمثلاً يرى باحث عربي وهو "عبد الحكيم العفيفي"( )
"وحرم ذبح الأبقار السليمة إلا في أيام النحر في عيد الأضحى وغيره وفي غيرها لا يذبح إلا ما كان ذا عاهة أو ما لا يصلح للحرث".
وأعتقد أن هذا لا يعود للطغيان بقدر ما يعود إلى المجاعة التي حلت بالشعب المصري في بداية القرن الرابع الهجري، ولأن الأبقار لا تكبر في مزارع حديثة ومتطورة مثل هذا اليوم، لهذا السبب فقد منع أكلها وذبحها حتى لا تُحرم الناس من ألبان المائدة، وهذا إجراء وقائي، ويدعم وجهة نظرنا في بداية الموضوع وهو أن الصناعات العلفية هي التي عملت على إرضاء "بطون الناس" وغيرت كثيراً من سوء التغذية.

الفردية والجماعية في شرب القهوة:
هذه بلا شك حياتنا... أناسٌ مغادرون ... وأناس قادمون.. والقادمون نعرفهم بأسماءهم وكذلك نعرف مواقعهم... وبلا شك أو قيد نتصرف بعفوية مع من نحب ... وأحياناً نخسر كل شيء بلحظة طيش .. ومهما بلغنا في حبنا لأنفسنا وفي تعظيمنا لذواتنا فإننا مع كل هذا نعيش ونحيا ونضحي بأرواحنا في سبيل من نحب... وهذه الحياة تكشف لنا خيبة أملنا في خلود الذات وتسلط الضوء على الجماعة وخلودها ... كان عصر النهضة في بدايته كما رأينا وقرأنا وسمعنا مفتون في حبه للمعرفة والتنوير .. وهذا السبب جعله مفتوناً بالغرب ويراه كما يرى المعشوق معشوقه والشاعر قصيدته والراوي روايته، أي أنه يرى الغرب خالياً من كل عيب، ولكن سرعان مافتر هذا الحُب الشهواني، وبدأ الشرق يتحسس مواقع الضعف في جوانب الحياة المتعددة،وبدأ يعد عدته للتحدي والتصدي، وبدأ يُحسن إنتاجه المعرفي والصناعي، وهذا ما أشعل ثورة عرابي بعد أن غيرت حكومة محمد علي أنماط التعليم، وأدخلت برابج متطورة على السلك العسكري، وهذا ما لمسه طه حسين، في الحياة الإدارية في جيش محمد علي، كيف أدى تطور الحياة العسكرية إلى إرسال بعثات طبية وهندسية ملأت صفوف الجيش بالصحوة.
وبالعلم والتنوير وبإستمرار التطور خسرنا، إنسانيتنا وكسبنا الجانب الحيواني منها، وكذلك خسرنا المسيح إبن الله وكسبنا المسيح (إبن المرأة)، وفي ظل هذه الظروف نمت فرديتنا وأنانيتنا، بسبب تطور الصناعات ونشوء المدن الكبيرة التي جعلت كل فرد منا يعيش بمعزلٍ عن الجماعة، وبذلك تكون المساكن الحديثة قد وفرت الشرط اللازم لنمو الشخصية الفردية وإجهاظ الشخصية الجماعية، قبل أن تحاول نزوات الفلاسفة التخلص من الفلسفة الجماعية، والإنفراد لوحدها... أليس من الملاحظ أن محاولة العيش بمعزلٍ عن الجماعة – قبل عصر التطور – كان يقابل بكثير من الشك والريبة ولا يسلم من وصفه بالجنون والإعتكاف ... ولكن تغير انماط الحياة قد جعل من العائلة المعتكفة نموذجاً متطوراً من تطورات المجتمع المدني الحديث ونموذجاً يقتدى به، وأصبح بذلك المثقفون يفخرون بإنسلاخهم عن أقاربهم وعائلاتهم الممتدة، واليوم يبدو أن هذا الطابع هو الغالب على إسلوب حياة أبناء المدن وحتى القرى في بعض الأحيان، ومع كل ذلك فقد جرت الفردية وراءها خيبة أملها، بسبب تراجع فرص الثراء للمهنيين الصغار والتجار، وهذا عمل على إيجاد طبقة مناضلة في سبيل اعادة روح العمل الجماعي الذي تمثل أخيراً بأحزاب اليسار.
وفي هذه الأثناء كان يولد في كل يوم مثقفون على إمتداد الوطن العربي الكبير، ولكن إنحسر الغالبية في المجتمع المصري حتى بداية 1952م منذ غزو نابليون لمصر، وانحسر المثقفون في مصر بسبب اعمال القمع والإضطهاد التي عمت بلاد الشام في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، فكان المثقفون يهربون من بلاد الشام إلى مصر، لقد كان ذلك العصر نذير شؤمٍ على بلاد الشام، وكان كل من يتفلسف أو يتكلم بما لا يخصه يطلق عليه إصطلاح (سياسلي) بمعنى (سياسي) وكان الذي يحمل كتاب كالذي يحمل اليوم صندوق حشيش، لقد اصبحت الحياة القديمة لغزاً كبيراً لنا نحن اليوم، وأصبحت معانيها القديمة مغزاً لكبار السن، وهددت حياة التطور اصالة العادات والتقاليد، لقد كانت الحياة القديمة غارقة إلى أذنيها بمعاني الرحمة والصدقات، إما اليوم فقد حلت محل هذه الحياة ، الإستثمارات وتوسيع قاعدة الإنتاج حتى تشمل معها توسيع قاعدة المشاركة وفي الوقت الذي كانت به الطبقة الغنية تسترخي بشرب القوة، كانت غالبية الناس تشقى من أجل الحصول على لقمة عيشها، حتى أننا نلاحظ شرب القهوة عند بعض الفئات الاجتماعية كان يعدُ نمطاً يدل على مظاهر البذخ، وهو غير ضروري للفقراء، وقد إتسعت عادة شرب القهوة مع إتساع قاعدة الشبع، وأصبح الفنجان لا ينزل عن موائد من كنا نسميهم الفقراء، وقد كنت ألاحظ وأنا في سن العاشرة من عمري، كيف كانت (القهوة الحلوة) مظهراً من مظاهر الثراء، وليس بإستطاعة الفقراء شربها، وهذا لا يعود لإرتفاع سعرها ولكنه عائدٌ بشكلٍ رئيسي لعدم توفر فرص الراحة والإسترخاء أثناء الليل والنهار، وقد نلاحظ في إحدى أفلام السينما المصرية فلماً لأسمهان تغني به على القهوة من الممكن للقارئ أن يعود إليه. وقد بالغت النخبة الإجتماعية في العاصمة العثمانية، في تعظيم نفسها، حيث سمحت لليهود والمسلمين في إرتداء جميع الألوان إلا اللون الأخضر الذي إختصت به عن سائر اليهود والمسلمين والمسيحيين وكان الشاه (عباس) يزيد في رواتب الجند على حسب طول الشارب الذي يغطي الشفة العليا من الفم، ولم تكن الرواتب لها سُلم إداري بل كانت أيام الشاه عباس تعتمد على طول الشارب، وليس على الكفاءة، وكان الفقراء يأكلون (الدقة) وهي تتألف من:- (فلفل، زعتر، نعناع، كمون، بذور الكزبرة، قرفة، سمسم، حمص، ثم تغمس قطع الخبز بها) أما الأغنياء فكانوا طوال النهار يستمتعون بشرب القهوة والتدخين، كما يظهر في الصورة المرسومة عن واقع الحياة العامة في مصر سنة 1833-1835م.
ولا يعرف بالتحديد متى بدأت القهوة بالإنتشار، ويقال أن موطنها الأصلي هو اليمن( ) وبدأت من هناك حوالي 1450م أي في أواسط القرن الخامس عشر الميلادي وقد لاقت خصوماً لها في عموم أرجاء الشرق الأدنى وإجتهادات على جواز شربها، ومن المرجح أن الصوفيين هم أول من شربها وذلك حتى تساعدهم على السهر والعبادة والذكر طوال الليل، وقد إنتقلت من مائدة الصوفيين إلى مائدة الأغنياء، وبذلك تكون للقهوة طابع ارستقراطي، ولم تكن رائحتها تخرج إلا من بيوت الأغنياء، ولكن مع تحسن أدوات الإنتاج أصبحت تحمل طابعاً ديمقراطياً في منازل الفقراء والمعدمين من الناس، لذلك يتبين لنا أن للقهوة طابعاً ثقافياً كان في البداية أرستقراطياً مثلها في ذلك مثل الفنون والشعر والأداب التي لم تكن تحيا إلا في منازل الطبقة الأرستقراطية.
إننا نستنتج من ذلك أن المظاهر الثقافية كانت ذائعة الصيت فقط في المواقع المغمورة بالذهب والعملات النقدية، وبما أن الفقراء لا يملكون مثل هذه التغطية لإحتياجاتهم اليومية، فقد كانوا لهذا السبب يبيعون قوتهم العفلية، للحصول على لقمة العيش، ولكن مع توسع دائرة الحياة العامة تغيرت كثيراً الأساليب المعيشية، في مدن الشرق، ومن الملاحظ أن تطور وسائل النقل ساعد المرأة في الشرق على الخروج من منزلها للتسوق وللإستجمام بعد أن كانت رحلات الإستجمام تنحصر في القادرين فقط على تخفيف مشاق السفر، ولكن إنتشار المركبات عمل على توفير فرصة التنقل إما للشراء أو للترفيه وبهذا فقد إنتقلت عوامل الترفيه من بيوت الأغنياء والأرستقراطيين، إلى بيوت الطبقات العامة، وأصبح للجميع قدرة على الذهاب للأسواق العامة، والمسارح والإستمتاع بما كان لا يسمتمع به إلا الباشوات والأغنياء، وبهذا فإن معنى الفردية والجماعية سيلاحقنا في كل المواقع سواء في الصناعات أو في الإبداعات الفكرية والفلسفية، وكان العقاد وسلامة موسى هم من حسم هذه المعارك بفلسفتهما.
ولم يكن بإستطاعة الطبقة العاملة من توفير الغذاء لمجموعة كبيرةٍ من الأفراد، فكيف تستطيع في وضع كهذا الوضع من توفير أوقات الفراغ والإسترخاء وشرب القهوة، حتى أنه في البرازيل كان الفرد الواحد لا يقدر أن نيفق في السنة على أكثر من 5 أشخاص، وفي الهند 4 أشخاص، أما في الدول المتقدمة فقد ارتفع دخل الفرد إلى مستوى الإنفاق على 30 شخص( ) وكان الأقوياء فقط هم من يحصل على الراحة والإسترخاء، وكان الفقراء يشعرون بتبعيتهم للأغنياء، وكانوا يستمتعون بالنظر إليهم وإلى حياتهم الجميلة، وكان الأغنياء على قدرة عالية في سحق معنويات الناس والأفراد وإشعارهم أنهم تافهون ورديؤون لا يستطيعون التفكير إلا من خلال مساعدة النخبة من الأغنياء وكانت الناس تستسلم لهذه الدعايات ، وكما يقول (أريك فروم) العالم النفسي الشهير -: (لاشيء أكثر تأثيراً وفاعلية من سحق معنيوات الفرد وإشعاره وإقناعه من أنه تافه ورديء)( ).
لذلك كانت الجماهير العريضة تفقد سيطرتها على التطور والتجديد ويميلون إلى الخمول واليأس ، وينظرون إلى أدوات الفكر على إعتبار أنها (ترف ذهني) وكماليات، لذلك فإنني أتفق مع الباحث الإجتماعي (هاني الراهب)( ) حول مقولته:- "إن النخبة هي التي تصنع الحضارة والتقدم إلى أبعد حدٍ ممكن" وأتفق معه في هذا الجانب فقط، أما بعد إنتشار العلم والثقافة وتوسع دائرة الخدمات العامة فقد أصبح بوسع الناس أن تشارك ليس في عملية التغيير الشامل بل في عملية البناء الفوقي بعد أن كانت لا تشارك إلا في البناء التحتي وأصبحت ساعات العمل الثمانية، توفر للناس ساعات اطول من الإسترخاء حتى في القرى والأماكن النائية، وهذا عمل على إشاعة شرب القهوة في أغلب أوقات الذروة من الليل والنهار وهذا وفر كثيراً من فتح الحوارات والمناقشات وتبادل وجهات النظر وهذا الأمر أدى إلى وجود أدباء وفلاسفة من طبقة الشعراء في المقاهي الشعبية يشربون القهوة ومعها كثيرٌ من الأفكار والطروحات الثقافية في كافة أرجاء المدن وبذلك أنتهى زمن الذين يكتبون والذين يدفعون وبدء زمن الذين يحاورون ويجادلون الأفكار وظهرت مدارس فكرية وإتجاهات شعبية، كلُ جماعةٍ لها رأيها الذي تؤمن به، وأصبح للكتاب شعبية وللكتاب مناصرون يتغذون من الكتاب حسب ما تمليه عليهم أفكارهم وامزجتهم، ولم يعد الدفع النقدي هو المهم بل أصبح للذوق الفني أهمية أكبر من أهمية الدفع النقدي، ونلاحظ هنا أن للمؤلف رؤيته الخاصة التي تقلب مزاج المتلقي رأساً على عقب ففي قصص الحب والعاطفة الواحدة أكثر من رؤيا واحدة، لقد كتب الكتاب عن الشخصيات العاطفية برؤى مختلفة ، فكل واحد يرى شخصيته برؤيا جديدة، وفي هذه الحالة يقاس نجاح الأعمال السردية بقدر حجم نجاحها وإنتشارها وشعبيتها، ومات الإنسان الذي يدفع وولد الجمهور المتذوق، وفي مثل هذه الحالة أصبح الاديب والمتفلسف لا ينتظر من السلطة أن تتفق معه أو تتفهم رأيه، فهذا غير مهم والمهم في الموضوع، ما مدى إتساع وجهات النظر بين الجماهير العريضة وهنا فإن التطور عمل على إلغاء الفردية لتحل محلها الجماعات الشعبية ، بعد أن تخلص الشعب من همجيته بعد إنتشار العلم والثقافة وبهذا سوف تحل القطاعات الشعبية محل الدولة سواء كان هناك مقاومة أو لم يكن وذلك يعود إلى تجانس وتطابق الشعوب مع حكوماتهم، فكلما تقدم العلم كلما قلة وتراجعت عوامل التجزئة (8) بين الشعب كشعب وبين الحكومات كسلطة، وبذلك سوف تقل في المستقبل عوامل القمع والإستبداد بسبب تراجع عوامل التجزئة وإنجراف السلطة الفردية خلف رغبة الجماهير الواسعة التأثير والإنتشار ويجب هنا أن نؤمن أن هذه الجماهير هي نفسها التي تجلس الآن على المقاهي ودور عرض السينما، والأسواق العامة وفي الحواري تقرئ الصحف اليومية وتشاهد البرامج التلفزيونية.

الثقافة والفن من أجل الشعب
حين كان الإقطاع مسيطراً على عامة الشعب في العالم أجمع، كان الأدب في نفس الوقت يكتب بلغة سيد الإقطاع، وكان الخطاب موجهاً إليه لأنه صاحب القرار في كل شيء، وكانت الثقافة تخدم مصالح النظام القديم، وكان النظام القديم يشجع على التقليد وعدم الابتكار واتسمت اللغة الكلامية بقالب الآداب والفنون القديمة على كافة المستويات، وكذلك في البلدان العربية بالقداسة وأحيت معها فنون تقليدية وسكبت دماء حية في أجساد ميتة، والذي كان يشجع أكثر على التقليد هو طبيعة الإنتاج الزراعي المتأخر الذي لم يوفر فائض الإنتاج المطلوب، وبهذا فإن الإنتاج الرأسمالي اللاحق بعد الإقطاع، لم يكن متوافراً في الوطن العربي وهذا يعطينا مؤشراً على غياب طبقة التجار التي من الممكن أن تكون هي الطبقة الوسطى أو إن لم تكن هي فمن الممكن أن تكون هي الممول الرئيسي لها والطبقة الشعبية الوسطى سوف تتحرر تلقائياً من قبضة الإقطاع الحقيقية وذلك عبر هجرة الفلاحين للأراضي الإقطاعية والالتحاق بأنماط جديدة من الإنتاج ومن الممكن جداً أن يساهم الريع والدفع النقدي ( )، بالتخلص من الأنماط القديمة التي تعمل على زج الفلاح شهوراً طويلة في الأراضي الزراعية وكأنه في سجن، وقد ساعد الدفع النقدي بنظر –هاوزر- على ارتفاع مكانة الشاعر والمثقف، وأعتقد أن هذا كان في البداية ( ). لأننا سنلاحظ بعد قليل تراجع قيمة المتقن أمام الريع النقدي.
وبنفس الوقت فإن الالتحاق بأنماط جديدة من الإنتاج الرأسمالي، ساعد جداً على إظهار حياة جديدة كانت على الأقل في كل يوم تظهر خططاً جديدة للتعليم وسوق العمل، ولم يكن أحد يتوقع من أن الفقراء والطلبة في المدارس والجامعات هم قادة المستقبل فمن الملاحظ أن هؤلاء الطلبة أصبحوا فيما بعد رؤساء تحرير الصحف والمجلات وقادة الأحزاب وأُمنائه ومدراء في الدوائر الحكومية وكانت حياة الناس إلى اليوم تتغير ولكن بكثير من التعب.
وكان الوطن العربي على الحالة القديمة السابقة على الرأسمالية حتى ظهرت خطط جديدة ساعدت الفلاح في التخلص من الأنظمة الزراعية التي تعتمد على الصدفة والحظ في حل مشاكلها، وذلك عبر إقراض الفلاح وارشاده ودخول الآلة الزراعية للحرث والحصاد، الأمر الذي عجل بظهور طبقة تجارية تشبه إلى حدٍ قريب الرأسمالية( ).
إن كل هذه الأمور عملت على إظهار حياة جديدة من صنع الشعب وليس من صنع النخبة الإقطاعية فمقولة النخبة تلغي كل ما له صلة بالشعب، إن الشعب وحده هو الذي عمل على صنع تاريخه بعد عصر الإقطاع، إن التقدم فتح المجال أمام الشعب ليكون فاعلاً ومؤثراً، والصراع الطبقي كان هو الحل الوحيد في القضاء على الأنماط الآسيوية القديمة المختلطة (Mixed economy) بين الإقطاع كإقطاع وبين حق الحيازة كملكية فردية ولم يكن أحد يصدق أن الثورات الشعبية ستكون هي الحل الوحيد لصراع الطبقات وانتصار قضايا جديده من صنع الشعب وقد برزت على ساحة الوجود ثورة الشريف حسين بن علي( ).1916م. كمثلٍ لإرادة الشعب وظهر الشاعر حافظ إبراهيم في مصر كمنذر على ظهور لون جديد من الثقافة الشعبية، بعد ثورة 1919م وكان موت الشاعر أحمد شوقي أعظم بكثير من ولادته فكان موته نهاية حتمية لموت (أدب القصور) الذي كان يشجع على القديم، لقد كان (الزيات) ( ) محقاً حين قال أن شوقي هو شاعر عبقرية وليس كحافظ إبراهيم شاعر قريحة وسيولة لأن القريحة والسيولة أصدق بالتعبير عن مشاعر الشعوب من العبقرية التي تكتب كل شيء حسب برامج الربح والخسارة، أما شاعر القريحة فقد كان يكتب أدباً صادقاً وكان أمير الشعراء يسعى كل يوم بأن يخاطب بلقب (باشا) كدليل قوي على عدم قدرته على قضايا الشعب وكان يخاف على اللغة العربية من انتشار اللهجات العامية في شعر "أحمد رامي" و "بيرم التونسي" ولكن النتيجة الطبيعية لظهور هؤلاء هو: انتشار التعليم وخططه الجديدة، وظهور طبقة شعبية نتيجة الازدهار العلمي الأخير وهذه تشبه إلى حدٍ قريب الطبقة التجارية الوسطى التي كانت تذهب كل يوم في لندن إلى المسرح الشكسبيري، وكل هذه الأمور عملت على رواج أفكار جديدة من صنع التطور التي تدعي أن للعلم وحده حق براءة اختراع التطور وهذا تمثل أولاً وأخيراً بظهور "سلامة موسى" الذي قال يوماً: "كانت الحداثة من فعل الطبيعة واليوم هي من فعل العلم"( ).
وعمل العلم ليس فقط على تقدم الصناعة والتجارة ولكنه ساهم إلى حدٍ مقبول على ولادة طبقة متنورة كانت بعلمها قد تخلصت من قبضة الإقطاع وشغلت مناصب عريقة في الأجهزة الحكومية وبرز منها (طلعت حرب) الذي أنشأ أول بنك مصرفي عربي ودعم الإنتاج السينمائي لأول مرة في التاريخ العربي والآسيوي والأفريقي وأرسل بعثات لتعلم فن صناعة السينما، وتم لأول مرة في التاريخ العربي إنتاج أول فيلم سينمائي وهو "ليلى" وظهرت به البطلة "وداد حمدي" بصورة الفتاة الريفية المدللة، وأعتقد أن السبب الذي جعل الثقافة والفن من صنع الشعب، هو أن البرجوازية الطالعة من رأس الإقطاعية الهالكة، خلقت بتقدمها العلمي ظروفاً جديدة لأشكال الإضطهاد ونماذج جديدة لقهر الإنسان، لذلك كان أدب وفلسفة سلامة موسى وهو أول حداثي عربي، تعبر عن هذا الاضطهاد عبر تناولها التخلص والتملص من البناء العائلي القائم في العائلة النووية على سلطة الذكر، كما سبقه (أحمد الشدياق) عبررحلته إلى (مالطة- وفي 1848م) إلى انكلترا( )، والسلطة النووية ترفض التقدم عبر الصيرورة التاريخية، لأن أي شكل من أشكال التقدم سوف يهدد فيما بعد وفي الوقت الحالي المستفيد الأول من النظام العائلي القديم وهذا عمل أيضاً على إيجاد أشكال جديدة للنضال( ). وكانت حادثة (دنجواي) دليلاً على هبوب الشعب ليدافع عن حقه ووجوده ولا ننسى القول أن أمير الشعراء أحمد شوقي كتب قصيدة متأخرة جداً
يا دنشواي على رباك سلامُ ذهبت بأنس ربوعك الأيام
ولكن الشعراء الشعبيون هبوا من البداية في رثاء أبطالها، وهذا دليل على أن شوقي لم يكن شاعراً شعبياً إذا ما تغاضينا قليلاً عن جماليات فنه وإحساسه الشعري الكبير، وقد يكون الشعب غير محبوب بسبب الغوغائية التي يتصف بها والهمجية وقدرته البطيئة على فهم السياسة وهذا الأمر الخطير جعل روائياً شعبياً مثل نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة في أن يخص سلامة موسى بدور بارز في تقدم المجتمع المصري بعد ثورة 1919م ومن المعتقد غير الجازم في هذه النظرة لربما هي بسبب نظرية سلامة موسى في الأدب القائلة:
"إن المثقف في الوقت الحالي يبحث عن الأرقام ليدلل بها على صحة أي شيء يدعيه، ولكن الإنسان القديم كان يبحث عن بيت شعر أو مقولة حكيم ليدلل بها، وإن مليون بيت من الشعر لا يفيدنا في عملية إحصاء اقتصادية( ).
وإن زيادة عدد السكان كانت وحدها من يتقدم بمعنى( ). أن المدينة العربية كانت وما زالت نتيجة ازدياد سكاني دون ازدياد تصنيعي، لذلك دائماً ما تجد الطبقة الشعبية نفسها في وضع نضالي جديد وتعبيرات أدبية جديدة والشرط الثاني الذي أعطى الأدب أهمية شعبية هو أن مفهوم البطل غير العادي قد تغير بفضل المكتشفات العلمية الحديثة؛ بمعنى أن رجل الشارع العادي أصبح له أهمية عظيمة في الرواية العربية، بعد أن كانت الأهمية لرجال القصور في شعر أحمد شوقي، بل وأن مصطلحات إنسانية أصبحت لها أهمية كأن يكن الخوف موضوعاً جيداً في الرواية والسينما، أو منظر عمارة تحترق وبداخلها أفراد يبحثون عن النجاة، كل هذه الأمور قلبت الأدب رأساً على عقب بعد أن كانت الكتابة من حق النخبة والأبطال من طبقة النخبة، تغيرت المفاهيم اليوم. ولم يعد الفقير فقيراً بالضرورة أو الوراثة، لصراع الطبقات والديالكيتك أهمية أكبر من وجود كلمة مظللة مثل النخبة( ). لذلك نرى اليوم في كثير من الروايات العربية كيف أن (الملل، الحب، الخيانة، الخوف، الغيرة) أبطال يسيطرون على القارئ أكثر من أسماء الشخصيات وكذلك بدأ الممثلون في السينما يبحثون عن نوعية الشخصية المسيطرة على أذهان الناس مثل: الشرير، محمود المليجي وفريد شوقي ( )الفتوة، ووداد حمدي بنت البلد المدللة.
وقد نقرئ في كتاب "البنى السردية" ( ).تعريفاً للقصة:
"إن القصة رؤية للمجتمع والحياة "
ونقرئ عن "أغاني الليل" لـ "محمد صبحي أبو غنيمة"
""هذه مجموعة قصص اجتماعية أخلاقية"( ).
وكذلك في قصة "الأبله" لفايز محمود حيث يظهر أن صفة الشخص هي البطل وليس الاسم المعتاد، وهي في الأصل عنوان لقصة "الأبله" لـ (دستوفسكي) حيث يبدو لفايز محمود و دستوفسكي أن شخصية الأبله هي للإنسان الطيب الذي لا يمكن أن يوجد في مسرحية شكسبير "الطيب والبشع والشرير" إنها لا توجد إلا في البنية الشخصية للمسيح( ) الذي افتدى الإنسان بدمه، وتصرف مع الإنسان بطيبة.
وكذلك أصبح الزمن والنص والمكان، من المعضلات النقدية للنقاد، ونقرئ للناقد: عبد الرحيم مراشدة
"عندما يحطم الروائي الزمن الواقعي، فإنه لا يلغيه، وإنما يعلقه ويعيد ترتيب معطياته الداخلية"( ).
إن كلمة: الأدب والفن للشعب، لم تعد من خلال هذه المعطيات جريمة يحاسب عليها الكلاسيكيون ولكنها أصبحت علماً ومذهباً، الكتاب اليوم يكتبون والفنانون يعدون لوحاتهم وهم متأكدون من أن هنالك أكثر من عشرين جنساً أدبياً قد لا تكفيها الحياة القديمة في التعبير عن هذه الفنون: انظر عزيز القارئ إلى هذه الفنون.
الشعر، الرواية، القصة، النثر النحت، الزخرفة، المسرح، الفلكلور، الدعاية الإعلانية، الأدب المرئي، السينما، الصحافة، الكتابة الصحفية، المقال، الأغنية العامية، الكاريكاتور، الخبر الصحفي، النص السينمائي.
وتأمل معي أن أغلب هذه الفنون هي اليوم من أهم ما يستطيع أن يصل للشعب، وإن لم تكتب بلغة الشعب فإنها ستصل إلى أذن صماء.
لقد استسلم الأزهر أخيراً في عام 1388هـ، حين وافق شيخ الأزهر على افتتاح معرض فني لطلاب وطالبات الأزهر، وكتبت صحيفة الأهرام في ذلك اليوم: "انتهت ثورة الأزهر ضد الفن"( ).
وهذا يعطينا مؤشراً على أن الأزهر لم يستسلم ولكنه آمن بأن الفن للشعب وليس من أجل الخصوبة كما كان قبل نزول الأديان السماوية أو العبادة.
على أننا يجب أن نؤمن إيماناً فنياً بأن أنواع الفنون الثقافية بكافة أشكالها كلما كانت قريبة من لغة الشعب كلما كانت أقرب وأسرع للانتشار وتحقق ربحاً أسرع من الفنون البعيدة عن لغة الشعب. وإن جميع الآلات والمبتكرات الفنية دائماً ما يقاس نجاحها بشعبيتها.
وإننا على إيماننا بالفنون الشعبية، وبضرورة الالتحاق بلغة الشعب، إلا أن هنالك مخاوف من انتشار اللهجات العامية المتعددة محل اللغة الفصحى القومية وقد أبدى هذه المخاوف الأديب العربي "طه حسين" حين قال:
" أيهما أفضل؟ أن يكون للعالم العربي لغة واحدة يفهمها أهل مراكش كما يفهمها أهل بغداد؟ أو تكون له لغات ولهجات بعدد الأقطار... وإن توفيق الحكيم كان تافهاً حين كتب مسرحية "الأيدي الناعمة" مع يوسف وهبي، باللهجة العامية...وقد دافع محمود تيمور عن العامية في مؤتمر حضرناه سوياً في مدينة ليزن بـ"هولندا" عام 1931م ولكنه عاد وتمسك بالفصحى... ولا أنسى لقائي بملك المغرب محمد الخامس حين قال: إننا نشكر لكم موقفكم ديالكم، وفهمت بعدها أنها تحوير لحرف جر: ذو لكم"( ).
نجاح الشعب:
أول مسرح عربي كان قد اقيم في بلاد الشام بسوريا والذي أقامه أبو خليل القباني وقد طلبت بعض النخب إغلاقه، فإستجاب لهم السلطان عبدالحميد فأغلقه وكان الصبية في الشوارع قد إتخذوا من "أبو خليل القباني" موضوعاً للهو واللعب فكانوا يغنون له:
"ابو خليل مين قال لك
على الكوميديا مين دلك
ارجع لكارك احسن لك
ارجع لكارك قباني
ابو خليل القباني
يا مرقص الصبيان
إرجع لكارك احسن لك"( )
وكان الذين طلبوا اغلاق المسرح هم بعض الذين وجدوا في العمل المسرحي عيوباً أخلاقية، لأن المسرح لم يكن له جمهور مثقف بل كان جمهوره من الجمهور الباحث عن الترفيه والتهريج بعد عمليات السحق الدموية التي يتعرضون لها يومياً أثناء كسب لقمة العيش لذلك كانت النظرة للمسرح الشعبي نظرة غير جادة وغير واقعية فيها تزييف للواقع وتزوير من اجل الهروب من الواقع المرير إلى خيالات وهمية تتناسب مع الشعوب المسحوقة وهمومهاً وأوجاعها.
وبعد ذلك حاول: الخديوي إسماعيل "بناء مسرح سنة 1885م وكان يبدو أنه محرم على العرب تحريماً كاملاً، وكان مختصراً على ما تؤديه الفرق الاجنبية، حتى أن أو ممثل عربي على المسرح وهو سلامه حجازي 1852-1917م كان يقدم عروضاً اجنبية، وقد قدمت له الممثلة الفرنسية، ساره برنار عقداً ثميناً سنة 1907م حين قدم أمامها مسرحية "غادة الكامليا".
وقد كان الفن والمسرح والغناء والموسيقا مرتبطة بالإنحلال الخلقي بسبب عدم إهتمام الفن بقضايا الشعب لذلك فلم يكن للفن موضوعاً جاداً إلا الترفيه والمصخرة وكان بعض الملحنين يؤدون على المقاهي بعض الادوار والموشحات القديمة وهم غير مقتنعين بما يدور حولهم من إرتفاع. خيوط الدخان وشرب الحشيشة والمخدرات والخمرة وإن هذه الأشياء كانت تلهي الإنسان عن ذكر الجوع والفقر المدقع فلولا الامل الذي نصفه كذب لمات الإنسان في تلك الظروف قهراً وكذلك لولا الأشياء التي تلعب بالرأس مثل الخمرة والمخدرات لكانت الحياة كلها جحيم لا يطاق.
ومع كل هذه الظروف وجد الفنانون أنفسهم في مستوى إجتماعي هابط جداً فكانت أكثر العائلات تهدد افرادها بقطع العلاقات الاجتماعية معهم إذا إتجهوا إلى الفن، ولكن من الملاحظ جداً أنه ليس عيباً أن يحضر الذكور كجمهور يتسلى بما يؤديه الفنان ولكن ليس من المستحب أن يكون الفرد هو الممثل أو المغني وما زالت آثار تلك المعضلة ممتدة إلى اليوم( ).
ويقال أن الموسيقار العربي الكبير محمد عبدالوهاب "ذهب يوماً لأقامة حفلة في مدينة "بنها" وقد إستاء غضباً عندما وضع له صاحب الحفلة الطعام، مع سائقي الحمير، فرفض الموسيقار وفرقته أن يأكلوا( ).
حتى أن الناس إنتقدوا ام كلثوم حين مشت في جنازة "أبو العلا محمد".
وإن أسباب تدهور الفنون الأدبية بكافة أشكالها قد يعود أصلاً للتزوير الفني الذي لا يصور الواقع على أصوله الطبيعية ولا يهتم إلا بمخاطبة النخبة والقصور العالية ومدحهم بما ليس فيهم والابتعاد عن الشعب وقضاياه الواقعية عائدٌ بشكلٍ رئيسي إلى خسارة الإنتاج الشعبي أيام المجتمع الزراعي والرعوي، فهذه المجتمعات على فقر حالها وقلة إمكانياتها لا تعطي المثقف ما يريد ولا تستطيع أن تدله على ضالته، لهذه الأسباب تحولت أنظار المثقفين من شعراء وفنانيين، ومغنيين إلى قصور الملوك والخلفاء، وحتى يستطيعوا أن ينافسوا بعضهم بعضاً، فقد بالغوا في مدح الأغنياء وموظفي البلاط في القصور العالية، لذلك فقد أدت هذه العملية إلى تدهور صحة المثقفين بسبب تدهور صحة الثقافة وأصبحت الثقافة الحقيقية غائبة عن أرض الوجود بسبب غياب مصطلح الواقعية، لهذه الأسباب منع "عبده الحمولي" "الماظة" من الغناء بعد أن تزوجها وألماظة هذه كانت مطربة تغني مع عاملات الطين وتعد من الجيل الأول للثقافة العربية المصرية الغنائية، وأول من قدمتها للفن كانت الفنانة "ساكنه" وقد أشتهرت أكثر منها ولأن الفن يعد عيباً أخلاقياً للمرأة فقد غنى "عبده الحمولي" لوحده في يوم زواجهما، وطلب من "الماس" وهو الاسم الحقيقي لـِ "الماظة" طلب منها أن تعتزل الفن واستجابة لنداء زوجها الحبيب فقد إعتزلت وآثرت الحب على الغناء وآثرت الجلوس في المنزل بدل الجلوس في الحواري وفي بيوت الباشوات، واصيبت بفجعة أثناء زواجها بعد أن إكتشفت أنها عاقر لا تلد ولكثرة الإكتئاب من هذا الموضوع فقد توفيت في ريعان شبابها ولم تتجاوز الـ "36" سنة "من عمرها سنة (1896م)( ) وعاش بعدها " عبده الحمولي" خمس سنوات حزيناً على ذكرى حبيبته، ثم مات بعد ذلك وأسدلت الستارة على الجيل الأول من الفن وما زال الفن في وقتها عيباً ومخلاً بالأخلاق العامة للرجل وللمرأة معاً وكانت الحياة الادبية فقط من حق النخبة ولا تكتب إلاَّ بلغة النخبة وإستمر هذا الوضع حتى نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر حين ظهر فنان مبدع من الإسكندرية متلونٌ بلون ساحلها الذي يعج بالسواح والثقافات من شتى النواحي كان هذا الشيخ هو (سيد درويش) الذي وضع نهاية للألحان التركية والتأوهات الجنسية في التخت الشرقي ومنذ ظهور سيد درويش بدأ الفن يكسب قضيته وأجبر النخبة الثقافية على التراجع لينتمي الفن لثورة 1919م ولكن كانت الكلمة الشعبية في بداية نجاحها وكان نجاحاً متواضعاً فقد إستمرت الحكومات الإقطاعية في الظهور على خشبة المسرح السياسي منذ "عدلي يكن – 1926 – 1927- وأحمد باشا زيوار 1925 – 1926- إلى حكومة مصطفى نحاس الرابعة 1937م( ). وهذا يعني أن الأدب بكافة فنونه إستمر لذلك التاريخ بلغة الإقطاع الكلاسيكية وكذلك الخطاب السياسي والأدبي كان يكتب بلغة سيد الإقطاع والمقصود باللغة هنا: التشاريع والقوانين الاجتماعية ونظام الحكم والفنون الأدبية.
* سيد درويش:
لو لم يظهر الشيخ سيد درويش قبل الحرب العالمية الأولى لظهر فنان آخر باسم آخر، ذلك أن الحياة العامة في مصر بدأت تتطور بعد ثورة عرابي 1882م وبدأت الناس تملأ الشوارع بكثرة، ولهذه الاسباب كان لا بد من وجود شخص يتحدث ويغني بلسان حال الجماهير مثل سيد درويش وقد هيأت ما قبل ثورة 1919م الظروف المناسبة حيث أصبحت للجماهير قدره عاليه على مقاومة القمع والإستبداد وفي أعقاب تلك الحياة القاسية التي تتسم بالجوع والفقر المدقع كان قد ولد سيد درويش في "كوم الدكة" بمدينة الإسكندرية سنة 1892م بعد فشل الثورة العرابية بعشر سنوات وتوفي في الإسكندرية سنة 1923م عن عمرٍ يناهز الـ (31سنة) قضاها في صراعٍ ليس مع الفقر والجوع فحسب بل أيضاً مع اللغة القديمة لغة الأغواة والأتراك ورجال القصور والطرق الفنية القديمة، وكان أبوه يعمل نجاراً وكان يحمل معه إبنه سيد درويش كل يوم: إلى ورشته( ) لذلك إختلطت أذنه بأصوات الباعة المتجولة والحرفيين والصناع، وكانت الحياة اليومية بالنسبة له خليطاً من أصوات الادوات المهنية وأفواه العمال وتأوهاتهم وأحزانهم لذلك قرر الشيخ سيد درويش أن تكون هذه الأصوات هي فقط من يُعبر عن الآلام الشعبية والأفراح الشعبية وليست لغة الأغوات والباشوات واشباه السلاطين والحكام، من هنا شعر الشيخ سيد درويش أن براءة إختراع النهضة العربية ستكون عما قريب للشعب وللجماهير بكافة تفاصيلها، ومن هذه الأصوات ما زالت الناس إلى هذه الساعة تحفظ لحن الصنايعية
صبح الصباح صبح يا عليم
والجيب ما فهيش ولا مليم
بس المزاج رايق وسليم
باب الأمل بابك يا كريم
ده الصبر طيب عال إيه غير الأحوال
يا إل معاك المال برضه الفقير له رب كريم
وقد تعلم سيد درويش إنشاد الأناشيد من معلمه الأول في الكتاب وهو في الخامسة من عمره على يد "سامي أفندي" واصبح في سن الـ (7 سنوات) معلماً للطلاب في نفس كتاب (سامي أفندي) وإنتقل الشيخ سيد درويش إلى محطة جديدة في حياته وهي: المعهد الديني لتجويد القرآن، في مسجد أبي العباس ومع هذا لم يستطع أحد أن يفصل دم وروح الشيخ سيد درويش عن الموسيقا، ولكثرة غيابه عن المعهد، فقد تم فصله منه لمخالفته أدنى قواعد السلوك الديني، وظل ملازماً للعمال والصنايعية في كوم الدكة وبالذات لعمال البناء يغني لهم ويكسر بصوته وألحانه ضوء الشمس الحارق، ولأنه تزوج أول مرة وهو في سن السادسة عشرة، فقد كان عليه أن يوفي، العائلة حق التكافل العائلي بالبحث عن مصدر رزق آخر له ولعائلته فإنضم إلى فرقة "كامل الأصلي" ولكنها لم ترض غرور ذلك العملاق الصغير لأنها كانت للتهريج والترفيه والتسلية التي تجعل من الفنان (مهرجاً أرجوازاً) يسلي الناس ويضحكهم فذهب إلى المقاهي ولكنه هجرها لأنها بيئة مخدرات وخلاعة (وكلاجيات) لأغراض الدعارة ولا ترضي حسه الفني المرهف وتخاصم يوماً مع صاحب القهوة الذي قال له (إنت لا تعمل شيء سوى يا ليل يا عين ولا أدفع عليها إلا 5 قروش فقال سيد إذا كانت يا ليل يا عين بـ 5 قروش (يفتح الله يا مزيكه).
وقد تنقل عبر عدة محطات حتى إنتهى به المقام في القاهرة سنة 1917م ومن أروع ما قدم في القاهرة:
زوروني كل سنة مره
حرام تنسوني بالمره.
وأول مسرحية لحنها هي "فيروز شاه" بأجر 20 جنيه، وقد سقطت بسبب الجمهور الذي لا يبحث إلا عن التسلية والترفيه، ويقدر النقاد عدد المسرحيات التي لحنها بـ عشرين مسرحية، ومن هنا بدأ فصلاً غنياً من حياته تعرف خلاله على: أمين صدقي وبيرم التونسي، وبديع خيري. ويعد سيد درويش أول فنان ومبدع ينظر إلى الشعب من خلال ورش البناء والطين والباعة المتجولة في الشوارع، وقدر له بعد ذلك أن يقبض خمسين جنيهاً عن كل مسرحية يلحنها وقال عن نفسه (أستطيع أن ألحن الجريدة) وهو أول من لحن قصيدة مصطفى كامل، من أجل إستقبال سعد زغلول ورفاقه بعد عودتهم من المنفى سنة 1923م ولكنه توفي قبل أن يؤديها أمامه عن عمر يناهز الـ (31عاماً) وكانت كلمات الأغنية إلى اليوم من أجمل الكلمات الوطنية.
بلادي بلادي بلادي
لك حبي وفؤادي( ) .... إلخ
وشيع جثمانه في الإسكندرية في الوقت الذي وصل به سعد زغلول ورفاقه الإسكندرية لقد عاش سيد درويش جيلاً واحداً من عمره كان به قد ملأ الدنيا وشغل الناس، وإن لم يكن سيد درويش أفظل موسيقار عربي فيكفيه أنه كان أروع أهل زمانه، لقد غنى للشعب وللعمال وللفقراء بنفس الوقت الذي كان به المتسلقون يغنون لأشباه السلاطين بكلمات مغشوشة وألحان مغشوشة، ويكفيه فخراً أنه مثل في غنائه وألحانه الشعب وناب عنه وكان مرآة واقعية صادقة بنفس الوقت الذي ما زال به أفضل الشعر والكلام أكذبه.
ويقال أنه فُصل من المعهد الديني بسبب الحالة الاجتماعية والديون التي تركها والده عليه بعد أن توفي وهو في السنة الأولى من الدراسة ولذلك فقد كان سبب تغيبه عن المعهد عائد بشكل رئيسي للبحث عن الخبز بعد وفاة والده، فبدأ العمل في الأثاث المستعمل مع قريب له ثم بائعاً للدقيق ثم "مناولاً" المونة لأحد معاليم البناء، ويقال أيضاً أن مشاكله النسائية جعلته يهرب من موقع إلى موقع وأن سبب شهرته هي بسبب القصص العجيبة والرائعة وراء كل لحن شعبي يؤديه، فأغنية زوروني كل سنة مره كانت بسبب إمرأة تحبه، قالت له هذه الكلمات بعفوية صادقة فلحنها أيضاً بعفوية صادقة وينسب له أيضاً أغنية: أنا هويته" وهي "دور" من مقام (الكرد)، ومن الموشحات: يا شادي الألحان" من مقام "النهاوند" وهكذا كانت وما زالت أغانيه الشعبية من أعظم ما يؤديه عشاق "الدور" والموشحات والطقطوقه وكانت الناس في بداية حياة سيد درويش، تغادر المسرح وهو يغني لإتهامهم إياه بالفوضى التجديدية التي تهدد اللغة الكلاسيكية العظيمة، بينما كانت الغلابية المثقفة المتنورة تعتبره امتزاجاً بين الشعب وبين لقمة العيش، لم يكن هنالك أصدق من سيد درويش حين غنى:
على شان نعلى ونعلى ونعلى
لازم نطاطي نطاطي نطاطي
وحين غنى: إستعجبوا يا إفندية
ليتر الكاز بروبية"
وفي أعقاب ثورة 1919م غنى:
قوم يا مصري مصر ديماً بتناديك
من كلمات الشاعر الشعبي"بديع خيري"
ولا ننسى القول أن الشاعر "أحمد رامي" ولد في نفس العام الذي ولد به سيد درويش وكأنهم على موعد وفي سنة وفاته عام 1923 كان قد توفي معه "أحمد باشا كمال" وهو من كبار علماء الآثار في العالم، وهو أول مصري يتخصص بدراسة الآثار المصرية، وكأن بداية الحداثة على موعد مع هذين العملاقين.
حول سيد درويش المغنى لسلاح شعبي وغنى للمصرية ذات الملاية السمراء، كان عصره نذير شؤمٍ على الأنظمة العربية القديمة كان أيضاً عصر قاسم أمين، الذي قال للمرأة والزوجة حقوق لقد كان من الخير لأصحاب القصور أن لا يولد سيد درويش، وقاسم أمين، وأحمد رامي، لقد حطم أولئك الاسطورة القائلة أن الثقافة من حق النخبة، لقد غنى أولئك وكتبوا للعمال والنجارين والحدادين ولمجتمع المساكين، الذين أصبح لهم دورٌ مهم بعد ثورة 1919م.
وغنى
يا عزيز عيني بدي أروح بلدي
بلدي يا بلدي والسلطة خذت ولدي
لقد أعطى ذلك الجيل للثورة أكثر مما اعطتهم الثورة وقد أخلصوا لقادة الثورة أكثر مما أخلص القادة لهم، وقد إندلعت الثورة في ضل أحداث عالمية شاملة كانت قد شملت ، الهند، الصين وإيرلندا، وبعض مناطق أمريكا، اللاتينية( ).
كانت قد إشتعلت الثورة بعد يوم واحد من إعتقال سعد زغلول ن وحمد الباسل، وإسماعيل صدقي ومحمد محمود، لم يكن سعد زغلول وإسماعيل صدقي، وحمد الباسل، هم قادة الثورة، بل كان الجوع والفقر المدقع بعد الأعوام الأربعة التي أعقبت الحرب العالمية الأولي 1914-1918-1919 -1920م لقد كانت تصادر أملاك الفلاحين من أجل الإنفاق على المجهود الحربي، وتم تجنيد (فرقة العمل المصري) لهذه الأسباب، وكانت الاسعار المرتفعة هي البطل العملاق الذي قاد الثورة حيث إرتفعت الاسعار 216 عام 1918 مقارنة بنسبة عام 1914، وإرتفع القمح 31% والسكر 149% والفول 114% والبترول 103% وهو الأمر الذي دفع سيد درويش للقول:
إستعجبوا يا أفندية
لتر الكاز بروبية.
وإرتفع سعر الفحم 9 أمثال( ) قياساً بعام 1914 وهذه الأسعار كانت بمثابة القوة الضاغطة على العمل في السكك ومصلحة البريد ومحطات الوقود، وأصبح جهد العامل العادي لا يكفيه واصبح الأمر يتطلب ساعات عمل إضافية، وهذه الأمور ملفتة جداً للإنتباه، إذ أن العمال كانوا يطالبون بتخفيف ساعات العمل، وكان الجوع والفقر يفتك بحياة الناس وأتحذت لذلك التدابير السريعة غير أن الحكومة لم تستطع ذلك فعملت على توزيع السكر والقمح وبعض المواد الغذائية بالمجان، ولأنها لم تصل إلى مستحقيها، فقد إندلعت الثورة ليس بإيعاز من محمد محمود واسماعيل صدقي، وسعد زغلول وحمد الباسل بل بإشارة من ضغوطات الحياة اليومية وغنى سيد درويش بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى:
سالمه ياسلامه رِحنا وجينا بالسلامه
ومن المؤسف للثورة أنها إنتهت عند الحدود الشكلية لها وحصل قادتها على إمتيازات دستورية وإستقلال بدائي سنة 1923 وقامت أول حكومة مصرية، سرعان مادب الخلاف بينها وبين كبار المثقفين ، من أمثال: عباس محمود العقاد.
وإنشق جماعة جديدة عرفت بإسم (الاحرار الدستوريين)( ) سنة 1922م.

الفردية والجماعية:
يقول الأديب المهجري ميخائيل نعيمة: إن الإنسان في العملية الأدبية يرى نفسه ونبضاته في نبضات غيره... وتطور بذلك الأدب وتطورت معه الحياة العامة وتطورت الملاحم الأدبيةوالقصص البلاغية والرقص والغناء إلى مادة فنية كالشعر والكتابة المسرحية( ).
إن هذه الأشكال الأدبية وخصوصاً القصة القصيرة نتيجة رؤيا فردية لمجتمع تحول من العيش داخل الجماعة والمشاعات إلى العيش داخل المدن مع إستقلال الفرد عن الجماعة، وبذلك أصبح الفرد يعرف قيمة نفسه وهذا عمل على إشاعة مذهب الفرد، وهذا فعلاً ما حصل مع العقاد، إذ أن حياته الطويلة وإعتماده على نفسه في نجاحاته عمل على تعزيز الفردية لديه، أما الحياه التي عاشها سلامه موسى وخصوصاً تصرفات أنسابئه معه حين رد عليه زوج أخته، كل الفدادين والأطيان التي كان أبوه سجلها بإسم أخواته، وكان يقول سلامه موسى عن أب زوج أخته أنه رجل مخلص ونبيل ولولاه ما حصلنا على شيء من أرض أبي، وبذلك فقد أثرت حياة الناس والجماعة على فكر سلامه موسى، وأثرت النجاحات الفردية على حياة العقاد، وأصبح لدينا نموذجين مختلفين، سلامه موسى المتطور والذي عاش طويلاً وهو يمجد الشعب ولغته. والعقاد الذي عاش تحت تأثير التغيرات الاجتماعية، التي حولت إنتماء الفرد من الجماعة إلى مؤسسات قانونية تعني بالفرد وتهتم بمصلحته ومشاكله الإقتصادية بعد أن كان يعيش الإنسان تحت حماية الجماعة مثل القرابة والعشيرة والعائلة الممتدة.
إن التحول في التركيبة الإجتماعية عملت على تطوير حياة الفرد، لذلك أصبح الفرد يعيش ويحيا بفضل عِلمه الشخصي وإرادته القوية والتنافس الحقيقي مع الآخرين وفرض الذات بقوة الشخصية.
وهذه الأمور هي التي وضعت تناقضاً واضحاً بين العقاد الذي عاش طوال عمره يكتب ليس من أجل الكتابة ولكن من أجل أن يبقى الأدب (أرستقراطياً) أما سلامه موسى فقد عاش عمره ليكون الأدب شعبياً، كي يكتب مؤلفوه بلغة الشعب، أما العقاد فقد كتب بلغة الأرستقراطيين، وقد إنتقد إحسان عبدالقدوس كتابات العقاد بهذا وقال:
"الفرق بين العقاد والآلة الكاتبة: هو، أن كلام الآلة الكاتبة مقروء". وهذا إنتقاد لإرستقراطية العقاد الفكرية.
ومن الممكن أن تكون القراءة الكثيرة قد ساهمت في تعزيز مفهوم الفردية والوحدة في حياته، وقد لا يكون هذا الكلام صحيحاً بدليل أن سلامه موسى أيضاً كان كثير القراءة وكذلك أغلب الاشتراكيين حيث أن الفردية لم تسيطر عليهم بل سحقوها من خلال إحترامهم وتقديرهم للحياة العامة والجماعة.
ولكنني أتفق مع مجيه الذين وصفوه بقولهم عنه:- أن العقاد محامي العباقرة".
وإذا أخذنا دراسة الشخصيات العبقرية في كل الحضارات نجد أن العبقري: شخص خارج على المألوف وبهذا عرَّف العقاد العبقري بقوله: إن العبقري لا يدين بكثير لبيئته ووراثته بقدر ما يدين لعبقريته وحدها وبهذا فإن العقاد لا يهتم بدراسة البيئة والظروف المحيطة بقدر ما يهتم بمفتاح الشخصية الذاتية العبقرية.
وقد قال عنه صلاح عبدالصبور: العقاد لا يقر بالشعب كما يقر بعظمة الفردية وهو من أكثر الناس إحساساً بذاته( ).
وأعتقد أن مناداة العقاد بمذهبه الشعري قد عزز لديه مفهوم الفردية حين رفض أن يكون الشعر تعبيراً عن الذي يجري خارج الذات الإنسانية، بل إعتبره تعبيراً عن الذي يجري داخل الذات الإنسانية، وهذا كلام مقبول ومقنع أما ما هو غير مقنع فهو حجة العقاد القائلة:
"لماذا يتخلى الأدب عن إمتيازه وينسى نفسه قل لهؤلاء الناس، هل يستشيرونا حين يذهبون إلى السوق لشراء ربطة عنق".
إن هذا المثل للعقاد يكشف بوضوح عن المعسكر الرأسمالي، والحياة التي عاشها سلامه موسى كانت تطورية أكثر منها إشتراكية. والتطور الذي يدعو إليه سلامه موسى يقهر روح الفرد ويخضعه للجماعة والبسطاء ويجعل من حياتهم ذات اهمية كبرى، فهو يراهن في جميع كتاباته على أهمية العامل والصانع ورجل الشارع العادي الذي يجلس على المقاهي وفي دور السينما، ويرفض ارستقراطية الحياة، التي لا تعتبر الاهمية في الحياة إلا للنخبة فقط، وأصحاب النخبة يصنعون القرار بمعزلٍ عن حياة الجاهير، وفي نهاية المشوار الطويل لحياة هذين الرجلين، تظهر ثورة 1952م وهي ثورة الضباط الاحرار، وتنقلب موازين الحياة رأساً على عقب ويستلم الضباط الاحرار مراكز الدولة في كافة قطاعاتها، ويطاردون اللصوص والمرتشون وتحل لعنة حقيقية على عملاء الإنكليز وصحفهم ومجلاتهم وتظهر الحياة بطعم جديد يشارك في صنعها العمال والبسطاء والمثقفون وتنتهي إسطورة الغرباء ولأول مرة يحكم مصر فيها المصريون أنفسهم بأنفسهم وتكون الغلبة فيها للجيل الجديد ويحمل الملك فاروق حقيبة سفره ويغادر مصر بلا رجعة، ولكن الحياة بعد ذلك تعتريها التناقظات، ويدب الخلاف بين أساتذة الجامعة المصرية في القاهرة، وينقسمون إلى فريقين، فريق يرى ثورة الضباط الاحرار على أنها إنقلاب عسكري، لم يشارك فيها الشعب بل النخبة ، وفريق يراها، ثورة إجتماعية وزعت الاراضي على الفلاحين وحاربت الإقطاع بكل أشكاله، وهذا النوع من الحياة مصبوغ بطابع سلامه موسى، وبذلك تكون أهمية الجماعة قد تحققت في حياة سلامه موسى، وخصوصاً مع ظهور الفنانين الجدد أمثال كمال الطويل ومحمد الموجي وعبدالحليم حافظ، وصلاح جاهين، وينتهي العصر التقليدي، ويظهر زمن المصريين بحلتهم الجديدة، يغني به عبدالحليم شبانة( ) بإحساس الفقراء ويذكرنا بزمن سيد درويش، وتكون كل الكلمات التي يغنيها تعبيراً ومتنفساً عن الضغط الطويل الذي عاشت به البسطاء من الناس، ويكون للغزل والرومنسية غرض واحد وهو نشدان الرفاهية التي يحلم بها كل مكبوت جنسي وعاطفي فالرومنسية الجديدة تعبير صريح عن حلم البسطاء في الحياة الجميلة التي طالما إنتظروها.
ولكن هذا الحلم لم يتحقق إلا على المستوى النظري والعاطفي، ففي مقابل ذلك تتحقق فلسفة العقاد الفردية، حين يرفض الضباط الاحرار إقامة إنتخابات سياسية حرة ونزيهة، وبنصيحة من (سليمان حافظ) ويوافق الضباط الاحرار على إنتزاع الدستور وإلغاء دعوة مجلس النواب للإجتماع وحجة سليمان حافظ واضحة وهي أن الإنتخابات الحرة سوف تؤدي إلى برلمان (وفدي) وكان سليمان حافظ من أشد اعداء الوفديين الذي يتزعمهم مصطفى النحاس، الذي شكل أكثر من خمس مرات حكومة وفدية في (العهد البائت) أيام الحكومة الملكية والثرايا، وبذلك يقع الإضطهاد مرة أخرى على الشعب المصري، ويطارد المثقفون والأحرار والإخوان المسلمين ويسجن منهم عدد كبير ويعدم منهم عدد قليل بحجة محاولة إغتيال (جمال عبدالناصر) اثناء خطاب له في الإسكندرية، ويعطل الدستور النيابي ويعتقل (اللواء محمد نجيب) الذي كان على حسب تعبير (توفيق الحكيم) عبارة عن (بجماليون الضباط الاحرار) ويقول توفيق الحكيم في كتابه (عودة الوعي) إننا رأينا أشياء كثيرة تتحقق مثل خلع الطربوش الذي نادى بخلعه صحفي مصري: وهو: محمود عزمي ، في فترة العشرينات، ولمسنا أشياء جوهرية في حياتنا مثل إلغاء الألقاب والباشوات مع إنهيار النظام الإقطاعي، ولكن أتساءل وهذا على لسان توفيق الحكيم: أين كنا نحن المفكرين والمثقفين على كل حال كنا منبسطين لطرد الملك فاروق فلم نلتفت لخطورة ضياع الحياة الدستورية لأننا كنا خارجين من مرحلة فقد الدستور فيها قدسيته وأفسدت الديموقراطية إفساداً جعل منها مطية للإنتهازيين والمستوزرين.
وهذه المرة الثانية التي يضيع فيها الدستور، مرةً حين إعتلى الملك فاروق العرش وهو شاب صغير، حين صور له أنصاره أنه فوق الدستور ليقفوا هم من خلفه أمثال: علي ماهر، وأحمد حسين، وهذا على الرغم من إلغاء حركة الضباط الأحرار للألقاب مثل: يا صاحب الرفعة والسعادة وكنت أسخر في كتابي (تحت شمس الفكر) من هذه الألقاب وأبتسم حين أسمع عن رجل مثل (تشرشل) حين كان يلقب بلقب (مستر) وهو نفس اللقب الذي يحمله سائقه.
إن الحياة بكافة تفاصيلها بعد ثورة 1952م توقفت عند الحدود التي بدأت منها، ما عدى حياة الفن والطرب والتمثيل السينمائي، ولكن حياة المثقفين والشارع السياسي والحياة النيابية كانت تجلد وتضرب على مواقع حساسة من تحت الحزام، وعاد السياسيون يفكرون في غرف مغلقة ومظلمة، وبذلك إنتصر سلامه موسى على المستوى النظري والعملي بعد أن إنتعشت الحياة العامة والرومنسية وسقطت فلسفته في الحياة السياسية والبرلمانية، وإنتصرت فلسفة العقاد الفردية، مع مارافقها بعد ذلك من تطور الحياة السياسية بعد عبدالناصر، وبعد تطور المجتمع المصري وظهور الفرد بأهمية أكبر من أهمية الجماعة لقد كان عصر الثقافة العربية في مصر بين شد وجذب على مستوى الفرد والجماعة.

عباس محمود العقاد 1889 – 1964م.
بعد أن إنتصرت الثقافة العامية، أخذ كبار المثقفين أقلامهم ليدافعوا عن اللغة الفصحى وكان العقاد من كبار المدافعين عن القصيدة الفصحى وترك وراءه تراثاً شعرياً يقدر بـ أحدى عشر ديواناً باللغة الفصحى إلا أنه من سوء حظه أن الملحنين والمغنيين إتجهوا إلى الكلمة العامية بعد ثورة 1919م ولشعراء من أمثال أحمد رامي وبيرم التونسي ومأمون الشناوي وبديع خيري
ويقول يحي حقي:
لم تكن الفصحى قد أفلحت بعد
في أن تسمي لنا أشياء نلسمها
بأيدينا أو أفكاراً
مجردة تطوق بعقولنا ، أو ظلال
عواطف تلم قلوبنا.... وقد دعتنا
اللغة العامية أول الأمر فهممنا
أن نجري إليها ... لأننا كنا نتلهف
أن يكون الأدب صادقاً في التعبير عن المجتمع"( ).
إن هذا الإحساس ليحيى حقي، جاء نتيجة إحساسه بالفجوة العميقة بين كتاب الفصحى والجماهير الشعبية فالفجوة بين المثقفين وبين الجماهير كبيرة، وسرعة الإتصال كانت في بداياتها ولكنها بطيئة لأن الجماهير الشعبية على إمتداد قاعدتها العريضة، لا تجد في شعر عباس محمود العقاد أي تعبير يعبر عن إحتياجاتها اليومية، لذلك فقد كانت تكبر الفجوة في كل يوم بين العقاد والجماهير، وأصبحت هذه الفجوة مزمنة، بمقابل ذلك إزدادت الصلة بين الجماهير وبين كتاب العامية لأنها أسرع من الفصحى في توصيل المعلومات، وإبتعدت الفصحى لدرجة أنها أصبحت حالة مرضية مستعصية على الفهم والإدراك، وتحول عباس محمود العقاد إلى شبه معتزل يعيش في جزيرة شبه معزولة عن الجماهير العريضة، حتى أنه يمتدح الغموض والإبهام في حياة المثقفين والشعراء والحكماء والفلاسفة، وآثر العقاد الغموض على الوضوح وقال في مقدمة كتابه "رجعة أبي العلاء المعري".
ثلاث علامات من إجتمعن له كان من عظماء الرجال وكان له حقاً في الخلود: فرط الإعجاب من محبية وفرط الحقد من حاسديه، وجو من الأسرار والألغاز يعيش بهن، فيستحار فيه الواصفون فيستكثرون قدرته على الآدمية فيردون تلك القدرة تارة إلى الإعجاز الإلهي وتارة إلى السحر والكهانة( ).
من هنا كان العقاد وأمثاله يشعرون بالتميز عن طبقة الجماهير الواسعة، وكانت الجماهير بنفس الوقت تشعر أن الثقافة والمثقفين يستعلون عليهم. وحتى اليوم ما زال أكثر الناس يتهمون من يخاطبهم بالفصحى، بالسخرية منهم.
لذلك ومن منطلق تعريف العقاد للمعري كان هذا التعريف يشمل كافة قطاعات المثقفين الأقوياء ومن الطامة الكبرى أن يدفع المثقفون الحقيقيون ثمن نجاحهم باهظاً جداً أو أن يكونوا ضحية نجاحهم وبعبارة أخرى: كانت قراءات العقاد الكثيرة قد ابعدته عن الواقع الحقيقي للمجتمع وجعلته مستعصياً على الفهم إلا من طبقة النخبة، وقد يكون من السهل جداً على القارئ العادي أن يقرئ لطة حسين وتوفيق الحكيم في خضم أعتى الازمات وفي القطارات والشوارع العامة والمرافق العامة ولكن ليس من السهل على أي قارئ أن يقرئ للعقاد إلا في ظل ظروف وطقوس غير عادية.
وأحياناً يستعصي على القارئ غير العادي، لقد قال عنه مفكر عربي مثل (زكي نجيب محمود)( ).
"شعر العقاد أقرب شيئ إلى فن العمارة والنحت، فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبد الكرنك أو مسجد السلطان حسن منها إلى الزهرة والعصفور وجدول الماء، القصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى تمثال رمسيس منها إلى الإناء الخزفي الرقيق.."
وكثيراً ما كان يقع العقاد ضحية نقده لغيره من الأدباء جاءته في إحدى الأيام رسالة من أحد قراءه يقول له فيها:
"لماذا كتبت عن ابن الرومي الشاعر
ولم تكتب عن أبي تمام الشاعر"
فأجاب:
"أنا أكتب عن ابن الرومي لأن إبن الرومي شاعر أما أبا تمام فحكيم وليس شاعراً كإبن الرومي، إن الشاعر الحقيقي مثله مثل العدسة يصور كل ما يصادفه، أما الحكيم فإن كل تصاويره إنتقائية، لا تخضع لشروط الشعر بقدر ما تخضع لشروط العقل والمنطق والحكمة".
وإن من يقرئ شعر العقاد يجده كما وجد هو أبا تمام، لقد كان العقاد بشعره حكيماً، والدليل على ذلك كان يقدره النقاد من خلال قوله عن ام كلثوم أن صوتها فقط جميل لأنه لا يعترف بجمال القصائد المغناه "لأنها لم تغن من شعره، ولم تغن أم كلثوم وغيرها من شعر العقاد لأن العقاد لم يلامس العواطف السطحية التي تحرك مشاعر الشعوب ونبض الحياة اليومية. وهي وظيفة الشعر.
لذلك لم تفهم شعره إلا النخبة المثقفة أما باقي الناس فما زالوا إلى اليوم لا يفهمونه أبداً" وقراءة العقاد تحتاج إلى هز الرأس وحكه أما قراءة غيره فلا تحتاج إلى هذا التعب لقد كان من الخير للعقاد أن لا يكتب شعراً على الإطلاق وكان عليه أن يلتزم بتخصصه الدقيق لقد أفلح العقاد جداً بكتابه "التراجم" والمقصود بالتراجم: السير الذاتية للمشاهير والعظماء والعباقرة والأنبياء والرسل، وقدم أعظم كتاب عن نشأة الدين، كان أفظل كِتابٍ من إعماله كتاب "الله" وصدرت طبعتُهُ الأولى سنة 1947م وهذا الكتاب من روائع العقاد لأنه كُتب بعد مرحلة النضج الفكري وأكاد أن أحسبه أهم مفتاح لشخصية العقاد( ) وكان عمره (58 عاماً) لم يكتب العقاد شعراً يحرك به نبض الشارع العادي أي أن العقاد لم يكن شاعراً شعبياً، بل كان فيلسوفاً عالمياً كَسَبَ بشعره العظماء في عصره ولم يكسب به البسطاء والمساكين، كما كان حافظ إبراهيم لقد كان "حافظ إبراهيم" شاعراً شعبياً رغم أنه كان يكتب باللغة الفصحى، وكان من الممكن للعقاد أن يكون شعبياً رغم أنه لم يكتب بـ (اللهجة العامية) كحافظ إبراهيم الذي غنى للشعب بكل الوانه ومشاكله وقضاياه اليومية ولم يكن شعبياً لأنه في الأصل شخصية انطوائية.
ومن الممكن أن يكون سبب إبتعاد العقاد عن نبض المقاهي وسكك الحديد والعمال والمهنيين أن يكون هذا السبب راجع إلى أن العقاد عميق بقراءته وفهمهِ الذي يتجاوز فهم الإنسان العادي في الشارع العام، كتب عنه "جمال الدين الرمادي"
"لا يحرص هذا الأديب الكبير على شيء قدر حرصه على اللغة العربية الفصحى أما اللغة العامية فهي لغة وقت محدودة فهي لا تصلح لبقاء أثر من الآثار التي تستحق البقاء ولن تكسب العامية شيئاً ولا القراء بصيانة حديث العامة"( ).
إن هذا الكلام والذي يدافع عن اللغة العربية الفصحى فيه كثيرٌ من المبالغة والتمجيد، ذلك أن قضايا الأدب تظل ساقطة بعد عصر التطور إذا ما لامست أرض الواقع، وأرض الواقع هي الجماهير العريضة وحياة الناس ومشاكلهم اليومية، إن الطامة الكبرى أن لا يشعر الأدباء والمثقفون بأهمية الحياة العامة، إن اللغة الفصحى قد تكون تزويراً لأرض الواقع!! فما معنى أن نكتب ونقرئ بلغة إن لم تكن ميتة فهي غير مستعملة لا في لغة العلم ولا في الحياة العامة، أو غير دارجة على الإطلاق وأقول هنا أن الجهل والتخلف في هذه القضية قد وصل إلى قمة المتعلمين، يوم كان الهجوم على "لطفي السيد" عنيفاً حين بدأ دعوته إلى تسكين حروف الهجاء وفك الإدغام، وزادت حملة ودعوة لطفي السيد سنة 1931م، ولكن أوقفته الأقلام غير المتطورة، وقد أتهم لطفي السيد من أقلام أنصار العقاد بكثيرٍ من الإتهامات ونقرئ لباحث وهو يتحدث عن العمالقة:
"كان لطفي السيد خبيثاً" إذ قال يجب أن نستعمل كلمات مثل: الأتومبيل، البسكلت، والجاكتة والبنطلون( ). ولكننا اليوم نتعامل مع هذه الكلمات وكأنها عربية
لقد أنكر العقاد وغيره على أصحاب الدعوة إلى العامية دعوتهم، ومن الملفت للإنتباه، أن المستقبل قد إنتصر لأصحاب الدعوة إلى العامية، فالأغنية تكتب 99% منها بالعامية وإعلانات التلفزيون وأفلام السينما والبرامج الثقافية التلفزيونية، وهذا لم يأت عبر قرار سياسي، ولكنه هكذا جرى ويقول الباحث "محمد راجي الزغلول":
"أستطيع القول بكل ثقة أن الدعوة إلى العامية الآن لا تقابل بأكثر من الاستهزاء في الوسط الثقافي العربي ولا أظن أن هنالك عربياً يمتلك شيئاً من الولاء للعروبة والإسلام يتفوه بتلك الدعوة وذلك لخطرها على الأمه"( ) ونقرئ عن مفكرٍ حُر هذا الرد:
"إن الأكاديميين يقفون موقف السدنة الأشاوس من اللغة الفصحى ... على أي حال هل العامية بلا قواعد إذن كيف يتفاهم الناس في الشوارع والأسواق وفي دور العلم بدءاً من المدرسة حتى الجامعة... وحتى برنامج ديني للشيخ محمد متولي الشعراوي"( ).
وتأييداً لهذا المفكر أريد القول أن أكثر البرامج الدينية إثارة ومتعة نسمعها اليوم باللهجة العامية.
وحتى لا نبتعد عن الموضوع نريد القول أن العقاد وقف بعد ثورة 1919م بجانب المعسكر الفصيح، وإنه على ثقافته العلمية قد دعم وناصر الأفكار والمعتقدات الرجعية التي لم تجعل من اللغة كائناً متطوراً بل كائناً محنطاً، ولكن المستقبل لم يكن لشعراء وأدباء الفصحى بل كان لفلاسفة الزمن السعيد، مُسحت أشرطة تلفزيونية وسجل عليها أصوات أحمد عدويه، وكان أقل مطرب شعبي من الدرجة العاشرة يأخذ في اليوم أجراً يعادل أجر أديب من الدرجة الثانية في شهرٍ واحد وأحياناً في عامٍ واحد.
إن عصر إنطلاقه الثقافة العربية قد شغلتها هذه المواضيع وغيرها، وابدى كل فريق رأيه للفريق الآخر وتخاصموا وتصالحوا، وأحياناً أحسنوا لبعضهم النصح وأحياناً تراجعوا وشتموا بعضهم بعضاً واعتزل كثيرٌ من الفلاسفة والأدباء القضايا الفكرية وكتبوا في أي شيء ما عدا الدين والجنس والسياسة، لقد كان الزمن الذي تلا ثورة أحمد عرابي، زمناً ظهرت فيه الناس بأهمية أكثر من سابق عهدها وتنشط المثقفون بفعل الطباعة التي دخلت مصر بعد الحملة الفرنسية، كانت الناس تكثر شيئاً فشيئاً وأصبحت مطالبها تشكل خطراً على الأنظمة الإدارية، وبدأ تجار الكلمة المزيفة يتاجرون بأماني وتطلعات الفقراء والمعذبون في الأرض، تحقيق المطالب مرتبط بتغيرات عالمية وليست بتغيرات داخلية، الجوع والفقر المدقع أكبر عدو للباحثين عن حياة سعيدةٍ وعدد المثقفين قليلٌ جداً والمجتمع يشبه الهرم الذي تتسع قاعدته، ودهاة المال والإقتصاد والبورصة والأوراق المالية ولا يشكلون إلا القلة نظراً لضعف الشركات وكان القلة فقط مِن يحصل على التعليم.
وطبقة المثقفين أصبح لها أهمية كبيرة نظراً لتوسع سلطة وسرعة الإعلام وهذا فقط في العواصم العربية أما في القرى فتكاد الثقافة أن تكون معدومة على الإطلاق، ومهما كان الظلم قاسياً ولقمة العيش صعبة إلا أن حياة الناس تحسنت بعض الشيء( ).
وألغيت الأعمال بالسخرة، وأعمال تطهير الترع بالسخرة ومنع المقاولين من إستغلال الأطفال في العمل إلا أعمال القطن وكان أجر العامل في عام 1931 – 1933م في مدينة القاهرة 5 قروش للعامل النشيط و قرشين للعامل العادي البسيط، أما النقص في عدد أيام البطالة فقد أصبح يتراجع ولكن الحياة الإجتماعية كانت تتراجع بين فئات المجتمع وبين أعضاء العائلة الواحدة نظراً لإزدياد ضغط العمل وأيام العمل، لأن الناس أصبحوا بعد ذلك لا يرون بعضهم إلا في المناسبات والأعياد الرسمية، لقد أصبح العامل يعمل في السنة 200 يوم بعد أن كان يعمل 70 يوماً.
لقد إزدادت الحياة الشعبية إتساعاً وأهمية بعد أن كانت الحياة من حق النخبة وأرباب القصور ويشهد على ذلك مليونيراً مصرياً وهو السيد: "بدوي" حين قال في خطابٍ له في البرلمان المصري: أنا من طبقة العمال الفلاحين( ).
وبهذا فقد أصبح بعض السياسيين ينظرون إلى أهمية الشعب اكثر من أهمية الحكومة وهذه بداية الرسالة السياسية بتموين الشعوب بالكلام، وبالآمال الحقيقية وفي أغلب الأحيان بالوعود الكاذبة لقد كانت أكثر الحكومات العربية تتخلى عن الشعب وتتجه إلى البرجوازية الناهظة فما الفرق في ذلك بين من يتخلى عن العمال والناس والجماهير ويذهب إلى سوق المرابين ومصاصي الدماء، والفرق بين أولئك وبين من يتخلى عن لغة الشعب( ) ويتجه إلى النخبة الثقافية والنخبة الثقافية هنا تشبه النخبة المالية البرجوازية الصغيرة والكبيرة قد يكون الشعب غوغائياً ولا يتفهم القضايا الفكرية العالقة بين المفكرين، ومن المستحيل أن تكون الناس كلها من طبقة النخبة، وعلى كل هذا الوضع الجيد الذي أوجد للشعب شعبيته فإنه على هيبته لا يؤثر في القرار السياسي ولا في صناعة المستقبل، وهذا على الإغلب في بعض الأحيان. وحسب ما أورده حسن حنفي فإن الموضوع مختلف.
"تسود فكرة شائعة خاصة في أوقات الأزمات ولحظات الهزيمة أن هناك فرقاً بين الشعوب والحكام وإنه لو كانت مصائر الشعوب بأيديها لما حدثت الأزمة ولما وقعت الهزيمة فالنظم السياسية وفي قلبها وعلى رأسها حكم الفرد المطلق هي التي تُهزم إما الشعوب فإنها باقية إلى الأبد ويتوالى الحكام وتبقى الشعوب".( )
ثم يعدل مقولته:
"سيبقى الرأي العام العربي موجوداً وإن غاب عن المؤسسات الرسمية ويقبع في القلوب ولكنه لا يموت ينفجر بين الحين والآخر ويصحح المسار السياسي ويذكر الحكام بالخط الأحمر".

روح الفلسفة العربية الحديثة:
بعد ثورة 1919م في مصر أصبحت الحياة السياسية تنبضُ بإرادة الجماهير وكان الأدباء البسطاء الشعبيون هم المعبرون عن حال ولسان الامة ولكن هذا النبض لا يعطي انطباعاً عن المستوى الاعلى للفكر العربي، فهنالك كتَّاب وإن لم يكونوا شعبيين فقد كانوا على الاقل وإلى اليوم مفخرة مفكرينا، ظهر الأديب العربي الكبير طه حسين مفكراً إجتماعياً أكثر منه أديباً عالمياً وكتب العقاد أروع سلسلات التراجم برؤى جديدة فقد وصف في سلسلته العباقرة شخصيات عربية عبقرية في إدارة شؤون الحياة العامة، وكان سلامه موسى بمقابل ذلك يملي الجانب الإنساني من حياتنا الفكرية كان بحق سلامة موسى أروع أهل زمانه وكان العقاد كذلك لولا وجود سلامه موسى.
وكانت الثقافة العربية قبل وجود (شبلي شميل، وإسماعيل مظهر، وسلامه موسى، وطه حسين، العقاد) كانت هذه الثقافة فاقدة الثقة بمجاهيرها: بدليل:
أن محمد علي، امر بترجمة كتاب رفاعة الطهطاوي( ) إلى اللغة التركية، وهذا يدل على أن الغالبية العظمى من المثقفين كانت لغتها العلمية هي لغة القصور والباشوات ولم تكن اللغة العربية على نصيب وافرٍ من الإحترام والتقدير لأن الناطقين بهاهم من الطبقة المسحوقة، فلما ظهر أولئك الاعلام رفعوا مستوى الفكر العربي، واريد هنا أن اقول أن سلامه موسى أول من إستخدم كلمة (ثقافة) وكان الناس قبل ظهور هذا المفكر يصفون المثقف ب (الشيخ، والقاضي، والفصيح والبليغ).
ومما يميز هذه الثقافة أنها كانت مند 1900 -1952 مع مثقفيها صحفيين وأصحاب أقلام حرة وهذا ما ميز حقيقة لغة الثقافة العربية إذ كانت المجلات، الثقافية هي صاحبة الموضه الكتابية حتى بداية الخمسينات، وبعد الخمسينات بسبب ارتفاع كلفة طباعة الكتب لذلك لجأ المثقفون إلى المقالات الصغيرة تراجعت هذه المجلات بعد الثلاثينيات ليحل محلها ناشر الكتاب ودور النشر ومؤلفوا الكتب وبعد هذه المرحلة في نهاية السبعينات أصبح أهم ما يميز الثقافة العربية أنها أصبحت تحمل لغة المشاريع الكبرى وهذا بفعل وجود أحزاب سياسية كبرى ولذلك ظهر الكتاب ليعبروا عن حال الاحزاب وطموحاتها وقد إستمرت هذه المشاريع الضخمة بالظهور على ندرة أصحابها إلى ما يقرب ظهور مشروع: الجابري عن نقد العقل العربي.
لقد كانت سنة 1900-1952 تتسم بطابع المجلات ومن الممكن أن تصف ذلك العصر بعصر النهضة وما بعده هو عصر الثورات.
وقد ظهرت مجلة الهلال أولاً (1892م) وظلت تصدر إلى وفات جورجي زيدان سنة (1914م) والبيان 1897 1898 – والضياء (1898-1906).
وكانت مجلة الهلال علمية تاريخية وقد تولاها بعد وفاته إبنه (إميل جورجي زيدان) أما البيان فقد كانت علمية طبية صناعية أدبية، وقد أنشأها (إبراهيم اليازجي) والدكتور (بشاره زلزل) وقد صدرت عاماً واحداً ثم توقفت ربما لخلافات بين الشريكين ثم أصدر اليازجي الضياء وتوقفت بموته 1906م وكانت أيضا مجلة الجامعة 1899 – 1909م وقد أصدرها فرح أنطون باسم الجامعة العثمانية في الإسكندرية ، وكان فرح أنطون متأثراً بأفكار جمعية الاتحاد والترقي العثمانية وقد ترك المجلة ليتفرغ لكتابه القصص والمسرحيات التمثيلية( ):
1. الأخبار 1858م خليل الخوري.
2. الهلال والبيان والضياء والجامعة 1892 – 1899.
3. الجوائب أو المجلات 1861 أحمد فارس الشدياق وهو أول من أستعمل كلمة جريدة، ويقال أن خليل هو أول من أستعمل كلمة جرنال وهي كلمة فرنسية ومعناها (يومي) وقد أصدرها خليل الخوري بالعربية 1858م ثم بالعربية والفرنسية عام 1868، وكانت هي الاكثر توزيعاً لأن الدولة كانت تتبناها.
وكانت مجلة المقتطف 1876م التي اصدرها يعقوب صروف تعد أول مجلة متخصصة وقد أصدرها مع شريكة فارس نمر وكانت تحمل شعار ريشة اشارة إلى العِلم مع المطرقة إشارة إلى الصناعة وقد بدأت في لبنان وإستمرت 9 سنوات ثم إنتقلت إلى القاهرة، لأن مجال العمل الثقافي كان أوسع والناس أكثر والحرية أكثر.
إن هذا اهم ما يميز النصف الاول من القرن التاسع عشر الميلادي وهو عصر النهضة وإنتشار المجلات العلمية التخصصية وغير التخصصية، وقد كان السلطان محمد علي هو الشرارة الاولى لهذه النهضة لكثرة ارساله للبعثات العلمية لنقل العلوم الاوروبية منذ أن تولي السلطة عام 1805.
وكان جيل شبلي شميل 1860- 1916 وسلامه موسى وأسماعيل مظهر ابطال الداروينية الاوائل وربما اجرىء من كتاب العصر الحالي في الطرح للمعضلات الفكرية للفكر العربي.
وقد سار هؤلاء الكتاب جنباً إلى جنب بجانب تطور وسائل الإنتاج كما كان الكتاب في أوروبا في بداية عصر النهضة( ).
وسادت أفكار الداروينية والسبنسرية قبل أن تشاع الماركسية أو قبل أن تنتشر بين المثقفين وإن هذه الأجواء العلمية ساعدت كثيراً على تقبل موضوع الغاء نظام الخلافة او الفصل في البداية بين نظام السلطة والخلافة بقرار من الجمعية الوطنية التركية سنة 1922م وبعد أكثر من عشرين عاماً 1944م صدر قراراً بإلغاء الخلافة نهائياً من أجل إقامة حكومة علمانية تتناسب مع طروحات التطور ونظريات التطوريين وألغيت الخلاقة نهائياً بتشجيع من النهضويين والتطويريين وكان الازهر قد تلقى ضربة قاضية من أغلب شيوخة الذين يتأثرون بالعلم وبالتقدم وبالتطور وبصدور كتاب الشيخ القاضي (علي عبدالرازق) سنة 1925م كان الازهر بذلك قد فقد خطوطه الدفاعية الاولى من كِتاب (الإسلام وأصول الحكم) وأكذ الكتاب على أن الخلافة لم ينص عليها اي نص قرآني( ) وعلى عادة المفكرين الأحرار فقد فقد علي عبدالرازق، وظيفته كقاضٍ وشطب إسمه من الازهر وحلت عليه لعنات مباركة من بعض أإمة الازهر وإتهم بالتواطئ مع العلم والثقافة ضد الثقافات القديمة البالية والمتعفنة، وجاء كتاب خالد محمد خالد من هنا نبدأ تعزيزاً لكتاب الإسلام واصول الحكم وأهم الافكار التي جاء بها بعد ربع قرن من كتاب علي عبدالرازق.
"إن الحكومة الدينية هي أداة من أداة الاستبداد وإن نهضة المجتمع وبقاء الدين نفسه غير ممكنة( ).
كانت الحياة العامة تتراجع وتتقدم فهي في حالة شد وجذب، كانت بعض الامور الثقافية تسير جبناً إلى جنب بجانب بعض التطورات النادرة ندرة الزئبق الاحمر والكبريت الاحمر في بلاد العرب والذي يكشف عن ذلك هي محاولة الخديوي إسماعيل( ) 1862-1879. أطلاق حرية العبيد وإبطال تجارة النخاسة، ولكن عدم دخول الالة الصناعية إلى المواقع الزراعية لا يسمح أو لم يكن يسنح بتحرر العبيد من قبضة الإقطاع، وكذلك الحال بالنسبة لإلغاء الخلافة الإسلامية، إذ أن الفقر المدقع والجوع وعدم تحسين الإنتاج الزراعي لم يكن يسمح بالثورة الجدية على الازهر وكانت التطورات الفكرية لبعض المراهقين فكريا تحول بينهم وبين الاحتشام الاخلاقي العام وكذلك إيمان نفر كبير من دهاة المال والذهب بالمبادئ الاحلادية ساعد على إزدياد حالة الفقر والجوع وقلة الصدقات في الشوارع وتهرب كثير من المرابين من دفع ما عليهم من ضرائب تجاه أقربائهم وإزدادت الاوضاع سوءاً من 1942-1948، وتأثر مفكر عربي ملحد بهذه الحالات الإجتماعية التي أدت إلى تدهور حالة الحياة العامة في القاهرة وهو عباس محمود العقاد، إذ أن هذا الوضع أدى إلى إغتيال النقراشي 1946 – 1948 وموت 100 ألف مواطن بدء الكوليرا وإغتيال (حسن البنا)( ) أدى بالعقاد إلى محاولة منه لإقناع المثقفين أن الاسلام دين عبقري وضعه عبقري مثل كل الأنبياء العباقرة وحاول بكافة وسائل الاقناع أن يقنع المثقفين بضرورة أخذ الحيطة والحذر من الافكار الإلحادية، وكان هذا على إلحاده الشخصي الذي يظهر في كتاب (الله) المطبوع 1947م.
وإن العقاد المولود 1889 – 1964م كان يعيش حياة شعبية في بيئة شعبية وكان انطوائيا يشاهد كل يوم الحياة العامة وهي تتدهور بسبب الاوضاع الاقتصادية المتدهورة ليست في القاهرة فحسب بل في عموم أرجاء أوروبا جراء الغزو النازي والحرب العالمية الثانية فكتب سنة 1942 كتاب عبقرية محمد، وفي نفس السنة عبقرية عمر وفي نفس السنة أيضاً كتب كتاب (هتلر في الميزان) رداً على النازية، وكانت هذه الكتب الثلاثة بعد إعتزالٍ دام ما يقارب الست سنوات منذ كتابه (سعد زغلول) عام 1936 إلى أن إستأنف الكتابة عام 1942.
وكتب بعد ذلك ثلاثة كتب دينية أيضاً من أجل تعزيز وتثبيت الموقف الديني في الحياة العامة للمجتمع المصري فكانت على التوالي:
1. عبقرية الإمام علي 1943( ).
2. عبقرية الصديق 1943.
3. الصديقة بنت الصديق 1943.
وفي أعقاب هزيمة حرب فلسطين التي انتصر بها جيش من القرن التاسع عشر، على جيش عربي من القرن الرابع عشر!!! كتب كتاب (عبقرية خالد) سنة 1948م.
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:
هل نظرة العقاد للفكر السلفي كانت نظرة توفيقية أم أنها كانت تعبيراً وردة فعل للإحباطات الاقتصادية التي ألمت بالحياة العامة في مصر والعواصم العربية بعد دخول عصر النهضة من خلال أفكار ومؤسسات مدنية تعبر عن جشع النظام الرأسمالي الإحتكاري للسلع وايضاً لتراجع القيم الاخلاقية وتقهقر روح الاخلاق العامة وضياع إنسانية الإنسان المتمدن تحت غطاء من التقدمية والنفعية والبراجماتية؟
وللإجابة أتوقع أن الأعوام التي تلت 1938م كان الفلاح المصري يشاطره الحزن والألم والجوع جراء مصادرة تعب العمال وكان العمال يعانون رغم تقدم وسائل الإنتاج من نقص عام في البروتين بنسبة 20% في الجسم ونقص 16% من المواد الدهنية( ) وكان هذا النقص يعوض أحياناً بطرق كلاسيكية مثل قضم الترمس ونقع الشاي الاسود والتقاط ما تزوده الطبيعة من مواد سكرية عن طريق الصدفة والحظ، وكانت السمنة والتخمة مثلاً أعلى كهيبة إجتماعية دلالة على الشبع، وكانت اجرة الفلاح من عام 1930 – 1933 تقدر بـ 2-3-5 قروش في اليوم الواحد وسعر المجلة الأدبية 30 ثلاثون قرشاً وما أبعد الفارق بين أجرة العامل وثمن المجلة وقيمة المثقف ونستنتج ذلك من خلال هذا الجدول عن وضع المثقفين المصريين والمجلات ورؤساء التحرير ما بين عام 1931 – 1933:
1. عبدالعزيز حمزة: عطلت له 12 جريدة ولم يدفع ثمن مطبعته* 1. داود بركات: يحرر أكبر صحيفة يومية في مصر وقد إشترى منذ شهر عام 1931 /150 فداناً من الأرض المصرية
2. حافظ عوض: عطل له 10 جرائد يوميه وهو يعاني من الضنك والبطالة في عام 1931م. 2. إسكندر مكاريوس يملك أكبر مجلة إسبوعية وهو يستعد لإصدار جريدة يومية مصورة 1931.
3.محمود عزمي: كاتب مصري من أحسن كتابنا الاجتماعيين والسياسيين، شرد في عام 1930-1931م وعانى من الضتك حتى وفاته. وهو أول من نادى بضرورة خلع الطربوش. 3. أولاد زيدان: يملكون مجلات إسبوعية وشهرية ولم تعطل واحدة منها.
4. توفيق دياب، عطلت له 12 جريدة يومية وكسر قلمه عدة مرات. 4. خليل ثابت: محرر المقطم وكان قبلاً يحرر جريدة السودان للطعن في المصريين ومدح الإنكليز.
5. إسماعيل مظهر: أول من ترجم كتاب (أصل الأنواع) وخسر نحو 7.000 جنيه في نشر الثقافة، إتهمه صاحب المنار بالكفر والزندقة فأفلست مجلاته وباع مطبعته. 5. كريم ثابت، شاب سوري يجري مع كل ريح وقد جمع بضعة آلاف من الجنيهات من خدمة الأحزاب المنتصرة
6. محمد حسين هيكل: عطلت الجرائد والمجلات التي يحررها وهو بلا عمل صحفي حتى عام 1931م. 6. فارس نمر: صاحب المقطم وكان شريكاً ليعقوب صروف لا تقل ثروته عن مائتي الف جنيه جمعها بمعاونة الأنكير.
7. إبراهيم عبدالقادر المازني: شاعر وكان شريكاً للعقاد في مدرسة الديوان لم يعمل في أي صحيفة. 7. رشيد رضا: صاحب مجلة المنار: إشترى عزبة في مصر، جمعها من الطعن بالكتاب المخلصين وإتهامهم بالكفر والإلحاد.
8. سلامة موسى: عطلت له 16 جريدة ومجلة وكان يبيع من الأرض التي يملكها لينفقها على مجلاته وجرائده.
ومتوسط الدخل السنوي 5 جنيهات، ويقدر أجر العامل الزراعي الذي يعمل في السنة 200 يوم كان أجره يقدره بـ 15 جنيهاً، وسجن (سلامه موسى) 12 يوماً لأنه قال: "في مصر من يعيش بألف جنيه في اليوم الواحد ومن يعيشون بـ 3 قروش( ) وكانت بمقابل ذلك قلة قليلة من الناس التي تحصل على التعليم وقلة قليلة التي تتحدث عن التقدم اما السواد الاعظم من الناس فكانت غير قادرة على التعليم، وبفضل تقدم الطباعة ووسائل الإعلام فقد بدأت تظهر اهمية الثقافة علماً أن القلة النادرة هي التي كان لها قدرة على هظم الافكار والفلسفات الحديثة وأصبح اللعب بقضايا الفلاح وإعطاء الوعود الكاذبة بالرفاهية هي الشغل الشاغل للسياسيين والانتهازيين لذلك أعتقد أن العقاد قد وصل في ذلك الوقت لليأس من التطور والتقدم ومع إحساس الناس بالخيال العظيم عن حياة الصحابة أصبح لكتابة السيرة النبوية والتراجم أهمية كبيرة ما دام الواقع لا يصل بالفلاح إلى مستوى الاكتفاء الذاتي والرفاهية، لذلك جاءت كتابات العقاد و (هيكل) عن الماضي تشكل سحراً مغناطيسياً للهرب من الواقع المتصحر إلى عالم الخيال والجنة الخضراء ولا ننسى ضيق الافق الذي تشكل بسبب إعلان الأحكام العرفية في مصر سنة 1939، حيث إستمرت بعد ذلك أربع سنوات.
وربما أن عودة العقاد للسلفية تكون بسبب العامل الإقتصادي المفاجئ في القاهرة وبعض الدول العربية( ). إذ أدى هذا النظام إلى خلل في قواعد السلوك الإجتماعي وخلل بالتوازن بين الشرائح السكانية في المدينة والريف، وبين خطط التعليم وسوق العمل الذي يعتمد على المنافسة والجشع.
وبما أن العقل النقدي لا يؤثر بأصحاب رؤوس الأموال فقد اصبحت الحاجة ماسة جداً إلى مخاطبة المشاعر والوجدان من أجل التأثير على المشاعر وخصوصاً للذين يستجيبون للكلمة وسحرها المؤثر لذلك كتب العقاد العبقريات وأظهر صوراً جميلة وإنسانية لحياة الصحابة والانبياء والرسل ليذكر الناس بالحياة البسيطة قبل أن تتعقد ويقول الدكتور (غالي شكري) :
"أن التغريب في حياة هؤلاء كان لحظة عابرة ثم عادوا بعدها إلى الصواب أي أنهم عادوا ليكتبوا عن الإسلام"( ).
إن كلام غالي شكري فيه شيء من الدقة ولكنه بحاجة إلى تعديل في موقفه تجاه التغريب أي أن العقاد كتب كتابه (عبقرية محمد) وهو مغترب أصلاً بدليل وصفه لـ محمد أنه عبقري وكلمة عبقري لا تعني كلمة نبي أي أنها ليست تفسيراً لكلمة نبي وليست مرادفة لكلمة رسول فكلمة عبقري لا تقال عن الانبياء والرسل بل عن الادباء والشعراء والفلاسفة وعن واضعي الافكار الوضعية، أما الذين يتلقون أفكارهم من السماء فهم أنبياء ورسل.
ومن المهم معرفته أن الفترة من 1939 – 1942م كانت فترة إعتزال وإحباط بالنسبة للشعب وبالنسبة للعقاد أكثر وهي الفترة التي كان يفكر بها في الانتحار ، ولأن الناس لم تكن مستعدة لهظم الأفكار العالمية فقد لجأ العقاد إلى الكتابة عن الموضوعات التي تهم الناس وتؤثر بهم، لقد كانت كتابات العقاد لا تلقى رواجاً بين عامة الناس مثل:
1. خلاصة اليومية 1912( ).
2. الشذور 1915
3. مطالعات في الكتب والحياة 1924.
4. مراجعات في الأداب والفنون 1926.
5. ساعات بين الكتب. 1929
6. ابن الرومي حياته من شعره 1931.
7. تذكار جيني 1932.
8. سعد زغلول 1936.
9. هتلر في الميزان. 10. عبقرية محمد. 11.عبقرية عمر 1942.
وبذلك تكون عودة العقاد إلى السلفية عودة ميمونة بأرباح مالية كثيرة ، إن كافة كتب العقاد لم تكن تلقى رواجاً كبيراً بقدر كتاب "عبقرية محمد" الذي أثنى عليه شيخ الأزهر (مصطفى المراغي) وشيوخه مما أدى إلى طبعه عدة مرات وكان الكتاب الأكثر بيعاً في عموم أرجاء الوطن العربي، مع أن العقاد كان فيه غامضاً مثل الفيلسوف الروماني هر قليطس الذي قال يوماً "لا تحرك النار بالسكين" ومعناه إن لا تجهر بديانتك لعامة الناس وتمشياً مع مبدأ العباقرة والفلاسفة قال العقاد عن كتابه
"على القارئ أن يرتفع إليَّ وليس عليَّ أن أنزل إليه، ولن أكون مروحة للكسالى والنائمين"( ).
إن تقدم الحياة وتغير طرائق الإنتاج وإستهلاك منتجات مادية جديدة أسهل على الناس من تجديد الأفكار والمشاعر وتعميق الحريات لقد كانت كتابات العقاد المجددة لا تلاقي رواجاً بين الناس الذين كانوا بنفس الوقت يقبلون( ) على المصنوعات والمنتوجات بتهافت وكانوا بنفس الوقت ينفرون من تقدم العقل والاحاسيس والمشاعر من مرحلة الكبت إلى مرحلة إطلاق سراحها وإعادتها من الإغتراب الثقافي، لذلك كانت كتابات العقاد في 1942 – 1946 تلقى رواجاً هائلاً وتبارك من الأزهر بنفس الوقت الذي كانت به كتابات سلامة موسى محاصرة ومكروهة ومنبوذة ، ووصف طه حسين العقاد والمازني وشكري:
"في عصر هؤلاء عاشت مصر في القرن الماضي حياة تشبه الحياة في العصر العباسي، فمصر قد رأت نفسها بين قديم وجديد فهي حائرة مضطربة بين هذين النوعين من أنواع الحياة، وكان هذا أثره واضحاً فالشعراء طامحون إلى أن يكون شعرهم ملماً بالحياة الجديدة ولكنهم بنفس الوقت منجذبون إلى الحياة العربية المحافظة الموروثة".
وإن ما ذكره طه حسين عن الشعر ينطبق أيضاً على القوالب الفكرية للناس والعقاد، وأعتقد أن الخلاف الذي دب بين العقاد وحكومة توفيق نسيم التي كان يؤيدها الوفد بزعامة مصطفى النحاس ساهمت بمحاصرته إقتصادياً وهو الامر الذي دفع بالعقاد لأن يتجه إلى كتابات دينية سلفية تجارية سريعة الربح، ومكفولة إجتماعياً.
لأن الإشارات تقول أن حصار حزب الوفد للعقاد أدى به إلى أن يتضور جوعاً وعلى رأي الفريد فرج:
"ماذا تعني حرية التعبير في مجتمعٍ يعاني رجالة ومفكريه من البطالة الصريحة المقنعة وإن معاني العدل... كانت غارقة إلى اذنيها في معان العطف والرحمة والأخلاقيات( ).
إن هذه المعاني تعني معانٍ دينية أي أن المظاهر الدينية هي المسيطر على حياة الناس وليست المظاهر العلمية والدينية الحديثة، لذلك فإن الكتاب أو بعض الكتاب استسلموا لثقافة الجماهير وحافظوا على مبادئ الجماهير وتخلوا عن ثقافاتهم، لقد كان من زمان إلى اليوم الاولى بكتابنا أن يكتبوا عن الحاضر وليس عن الماضي.
وهذا ما جعل مفكراً حراً مثل سلامه موسى أن ينتقد العقاد بقوله:
"إن لغته الفصحى جعلته يؤلف عن خالد بن الوليد وحسان بن ثابت .... وحين تحرم لغتنا من كلمات الثقافة العصرية، فإنها تحرم أيضاً من المعيشة العصرية فنحن ما زلنا نعيش بكلمات الزراعة، ولما نتعرف كلمات الصناعة لذلك فإن عقليتنا عقلية جامدة وقديمة ومتبلدة... حتى أننا نؤلف عن معاوية .. في الوقت الذي علينا أن نؤلف به عن هنري فورد"( ).
إن ما يسعني قوله هنا هو أن العقلانية التي فهمها العقاد كانت تتناسب مبدئياً مع طروحات الوحي أي أن العقل متفق فعلاً مع الوحي، لذلك نزل الوحي على رجل عقلاني من القرن السادس الميلادي ليظل مسيطراً على أذهان الناس العامة العوام إلى اليوم مع أن نفراً قليلاً من المثقفين آمن بأن الوحي متفق فعلاً مع مبادئ العقل المادي.
لذلك آمن العقاد بالوحي والعقل معاً مع أن غيره كان لا يؤمن إلا بالعقل وحده وآخرون آمنوا بالتوفيق والتصالح بين الإثنين معاً، لقد كان عصر النهضة في صراع بين الوحي وبين العقل، والذين حاولوا التوفيق بين الإثنين كانوا يحتالون على أنفسهم وعلى الشعب وعلى المساكين (الغلابة) وكانوا على حد تعبير (الطيب تيزيني) تلفيقويين على الإطلاق، لم ينتصر الدين على العقل والعلم إلا في فترة غياب النظريات العلمية التي ظهرت فيما بعد وفسرت الكسوف والخسوف ودوران الارض وبعد الشمس عن الارض وسرعة الصوت والضوء، والعثور على الإفرازات الكيماوية التي تتحكم بالاعصاب لقد كان الدين يفسر التقلبات العصبية بواسئله التقليدية ولما ظهر العلم وفسر تلك الظواهر تراجع هو لينتصر العلم والعقل على المبادئ القديمة، أما زمن العقاد فقد كان في مرحلة طفولية حالمة لم يستوعب التغيرات التي حسنت طرق الإنتاج وطرائق التفكير وكان الناس وما زالوا على حسب تعبير فهمي جدعان:
"واليوم يتعلق أهل الإسلام أن فكرة
الوحي للإبد جاء موافقاً للعقل والعلم
وإن الإسلام هو دين العقل والحكمة"( ).
لقد اخلص العقاد للماضي كما أخلص للحاضر ولكنه لم يكن إلا عارفاً وعالماً بأصول البحث والدراسات الفكرية، غير أنه لم يتخذها منهجاً لدراساته وترجماته الذاتية للعظماء، لقد ميز العقاد بين الشخصية الواقعة في الميزان وبين العبقرية، فكل شخصية عبقرية هي في الميزان، ولكن ليست كل شخصيات الميزان في كف العبقرية ناقش الماركسية والإشتراكية ولم يكن ماركسياً ولا إشتراكياً ولم يكن مؤمناً كل الإيمان ولكنه إستغل ضعف العقلية العربية في بداية النهضة كي يحيا حياة طيبة من بيع الكتب تآمر على نفسه ثقافياً وظلمها، وتآمرت عليه سذاجة الناس وبساطتهم.
ورغم أنه كان يدعي أنه لا ينزل بإسلوبه التعبيري إلى مستوى العوام، إلا أنه نزل في الأربعينات إلى مستوى البسطاء في كتاباته للسير والتراجم، ولم يكن تقليدياً ولا سهلاً كان يدرك أنه أرفع من أن تطاله أقلام الكبار والصغار، خاصم كثيراً من المبدعين ونال بقلمه منهم بقدر ما نالوا منه، ولد العقاد عام 1889 – 1964- ولم يكن وقتها يكتب الأديب والفنان لنفسه بقدر ما يكتب للسلطة وحين تتبنى الحكومات الإبداع تغلق الأفواه اما بأموال السلطان وإما بسياطه، وولد العقاد في زمن كانت تواجه به النهضة الفكرية مشكلتين مشكلة السلطان ومشكلة ما يفرضه أو تفرضه طغيان الثقافة القديمة على الحديثة والحداثة وكان في زمن أغلى سعر لأعظم كتاب لا يتجاوز ثمن تذكرة سينما( ).


قال عن نفسه يوماً:
"حاربت الطغيان وحاربت الفوضى وحاربت رؤوس الأموال ومذاهب الهدم والتبشير والتقليد والدجل المريب بإسم الدين وحاربت الجمود والرجعية وهتلر ونابليون وحاربت الادب القديم وحاربت الجديد وحاربت الصهيونية والنازية( )
نعم، حارب العقاد كل أولئك في الوقت الذي لم يكن هو واحداً منهم، وعلى عادة المفكرين المغمورين والمعجبين بأنفسهم جداً لم يكن العقاد على هذا الوضع موضع إعجاب من أحد أتهمته الصهيونية بالنازية واتهمته النازية بالصهيونية وإتهمه المثقفون من الاخوان المسلمين بالتآمر على السيرة النبوية بعد كتابتها بربع قرن في حين كانت موضع إعجاب في الاربعينات من قبل شيوخ الازهر، قال عن نفسه وهو في الستين
"كنت أحب الحياة كعشيقة تخدعني بزينتها وبريقها فأصبحت في الستين أحبها كزوجة أعرف عيوبها وتعرف عيوبي( ).
وصف العقاد أحمد شوقي:
شوقي بلاطياً... معروف بإخفاء العيوب... ولم يكن يتطلع إلى إحداث ثورة في الشعر"( ).
في حين كان العقاد نفسه غير متطور شعرياً على عادة الحداثيين وبعد وفات شوقي اعترف به قائلاً: كان أحمد شوقي علماً في جيله وكان علماً للمدرسة التي انتقلت بالشعر من دور الجمود والمحاكاة الالية إلى دور التصرف والابتكار فإجتمعت له جملة من الخصال تفرقت في شعراء عصره ص56.
وبهذا نكون على مبدأ (لوكاتش Lockacs 1885-1971) قد أقررنا معاً أن هنالك علم تاريخي ديالكتيكي وحيد وموحد لتطور المجتمع ككل( ).
على أن العقاد ناقش الديالكتيك كثيراً وكاد أن يقترب منه إلا أنه لم يكن ديالكتيكياً، وقد كتب الزحلاوي عنه يوماً مقالاً كان قد توجه به إلى اسماعيل مظهر، صاحب العصور بعنوان حول السفافيد معاتباً صاحبها بالحملة الشنيعة التي شنتها العصور على أدب عباس العقاد ظناً من الزحلاوي أن اسماعيل مظهر هو صاحب تلك المقالات وقد تبين بعد ذلك أن مصطفى صادق الرافعي هو صاحب تلك المقالات وقد كتب الزحلاوي قائلاً.
"الفرق بين الأستاذ اسماعيل
مظهر والاستاذ العقاد
هو أنك يا صاحب العصور تترجم".
أقوال العلماء والكتاب والفلاسفة. ترجمة صحيحة وتورد كل ما يدور حول الرأي من أقوال متضاربة او متفقة ولا تدلي برأي بين الاراء أما العقاد فيفعل مثلما فعلت أنت ولكنه يناقش كل رأي ويسفه( ) الفكر الضعيف ويؤيد الفكر الناضج ويبدي رأيه الخاص".
إن ما يقوله الزحلاوي صحيحاً ولكن العقاد من كثرة مناقشته لم يكن بجد متبنياً لتلك الافكار وقد اخطئ الزحلاوي في هجومه على صاحب العصور لقد كان اسماعيل مظهر تطورياً وهو أول من ترجم كتاب أصل الانواع (تشارلز داروين) وما أوردت هذه الحادثة إلا لكي أدخل على موضوع الديا لكتيك Dialectic، الذي عاب به العقاد على اسماعيل مظهر، ترجمته لكلمة (Dialectic) بالجدلية وفضل العقاد ترجمة (Dialectic) بالثنائية ودليله على ذلك أن الاصل في كلمة (Dialectic) هو (ديا Dia) ومعناها الاصيل التثنية ومنها كلمة (deux) الفرنسية و (Tow) الإنكليزية( ) وقد كان رد اسماعيل مظهر على العقاد أقرب إلى الصواب وبإختصار شديد كانت ترجمة العقاد (Dialectic) كانت ترجمة لغوية وليست اصطلاحية اما ترجمة اسماعيل مظهر فقد كانت اصطلاحية، والاصل في ترجمة المذاهب ان تكون اصطلاحية معنوية، وأول من استعمله هو الفيلسوف اليوناني (زينون الإلياوي) ومن ثم إنتقل إلى ارسطو طاليس وقد فرق ارسطو بين التعقل الجدلي Dialectical Redsoning. وبين التعقل الإثباني Demonstrative Reasoning.
وحين عادت اوروبا إلى الفلسفة اليونيانية كانت قد أثرت هذه الكلمة في (امنوائيل كانت) ومن ثم في هيجل واعتقد أن فهم العقاد للديالكتيك كان فهماً هيغيليا وهو الامر الذي جعل العقاد يمشي على رأسه، كما وصف ماركس وإنجلز فلسفة هيغل أنها مقلوبة رأساً على عقب، وقد تطور فهم العرب للديالكتيك ووصف مفكر حديث مثل هشام غصيب وهو على ما أعقتد ديالكتيكي وصفه أحد الباحثين:
"العلم عند هشام غصيب يقوم على سلسلة تجارب وخبرات، وكل واحدة منها تقود إلى سواهاً وهي القاعدة في سلم التطور"( ).
وأظن هذا هو الفهم الصحيح لموضوع الديالكتيك ولكن نشأة العقاد وإتجاهه إلى تراجمٍ عن حياة الأفراد هي التي جعلته ينكر موضوع الصراع الطبقي الديالكيتكي.

مُثقف مِن قمة رأسه إلى أخمص قدميه – العقاد-:
هو: عباس محمود إبراهيم العقاد، ولم يكن يتوقع أحدٌ من الذين رأوه ولم يبلغ الحلم، أن هذا الطفل سيكون أكثر أهل "أسوان" والقاهرة والوطن العربي جمالاً في رجولته وفحولته التي سببت له كثيراً مِن الإعاقات الفكرية، كان الذين بحثوا عنه في "عرس" أحد أقربائه في أسوان، يقولون عنه أنه مخبول ومجنون، إذ كيف يترك "العرس" والفرحة مع الصبيان، إلى مكانٍ منزوي ومنطوي على نفسه، قال العقاد في ذلك اليوم: كادوا أن يتهموني – ولما- بالجنون، ولولا أنهم أرادوا أن يفرحوا لقالوها فعلاً( )*.
وهذه أول حادثةٍ طفولية تخبرنا عن انطوائية العقاد التي اعطته إحساساً مع تراكم الأيام أنه عظيم ومختلف عن الأطفال العاديين، وكان عدم ميله إلى العبث الرخيص يعطيه إحساساً أنه إنسان مختلف عن المستهترين وغير منجذب إليهم وهذا أيضاً أورثه كثيراً من أمور الإعتداد بالنفس التي تظهر كثيراً في كتابه "أنا" وربما أن إنتشار الكوليرا – الموت الأسود – في أسوان أيام طفولته، قد ساعده كثيراً على حب الإنطوائية على نفسه ورسخها في ذهنه منذ نعومة إظفاره وحتى في شيخوخته التي بلغت من العمر (75عاماً) عاشها جميعاً في وحدة وعزلة حتى واقته المنية. وقد علمته ودربتهُ الكوليرا على الإعتزال والإنطوائية.
وكل الذين شاهدوه في مقابلته التلفزيونية مع المذيعة المصرية الشهيرة "أماني ناشد" ظنوه واقفاً وهو جالس على كرسي، وذلك من طول قامته، وجسمه النحيل على عادة أجسام المفكرين الذين لا يأكلون الطعام بقدر ما يأكلون الكُتب، وكان شاربه الكثيف الذي يغطي شفته العليا يعطي انطباعاً عنه أنه وقور وخجول ويكره العنف، وكانت سماحة وجهه النحيل وجبهته المشرقة تعطي إنطباعاً عنه أنه: يكره القتل والتصفيات الجسدية ويميل إلى فتح قنوات حوار مع الأطراف المتضادة، ويظهر هذا أكثر من غضبه على جمال الدين الأفغاني لأنه أوعز بقتل الشاه الإيراني( ) وكانت لأنامله الطويلة، علاقة بالفن والأدب وحب الموسيقاً على عادة أصحاب هذه الأنامل التي تظهر كل تفاصيل جسمه وأن كل شيء فيه طويل ومرتفع مثل أنفه الذي يعلو شاربه ليدل على اعتدادٍ بالنفس وطول صبرٍ وبال.
وكان مغموراً منذ صغره بالخروج على المألوف وكان لا يقرئ كتب المدرسة المقررة في المنهاج السنوي بقدر ما يقرئ المجلات والكتب غير المقررة، وقد ترك آخر مرحلة دراسية سنة (1903م) وقد بلغ وقتها من العمر (14 عاماً) لأنه لم يكن بأسوان مدرسة ثانوية فالتحق بعد (4 أعوام) بمدرسة (التلغراف 1907( )).وهذا يدل على أن له طفولة غير عادية مثله في ذلك مثل كل العباقرة.
وما زالت الصورة التي رسمها له الفنان المصري – صلاح الدين طاهر، تتصدر دواوينه الشعرية، ويظهر بها بذقن بارز، مما يدل على طول تأمله وحيرته وصراعه بين الشك واليقين. وقدرة صوتية قوية في إخراج الحروف من مخارجها الصحيحة.
قال عنه مصطفى أمين، في كتابه (الـ 200 فكرة) من أنه لم يتزوج طوال حياته وقد أحرق أهله وصيته بعد وفاته ، التي أوصى بها مِن ميراثه لفتاة مصرية كانت قد تركتها أمها كوصية منها إلى العقاد كرد جميل على معاملتها الحسنة له في أيام عسره إذ أن المنزل الذي كان يقطن به العقاد – في شارع السلطان سليم رقم13( )- تعود ملكيته أصلاً إلى والدة هذه الفتاة، التي إنتحرت بعد وفاته وبعد حرق وصية الفيلسوف، وقال مصطفى أمين: قال الناس بعد وفاته أنها إبنته وفي ذلك أقوال. لا نستطيع إثباتها، ولربما أنها حيلة من الفتاة.
وسئل يوماً في مقابلةٍ تلفزيونية، ما أحبُ كتبك أو أحب كتاب إلى نفسك؟
فقال:
"صدق من قال مؤلفات الكاتب ذريته وصدق من قال: أحب أبنائي الصغير حتى يكبر والغائب حتى يحضر، والمريض حتى يشفى، وشأن الكاتب في حبه لمؤلفاته هو كشأن الأب في حبه لولده"( ).
وهذا يدل على أن ذرية العقاد هي :كتبه ومؤلفاته، وكل معجبٍ به هو ولده وبدون تعليق على الموضوع، عاش العقاد راهباً من رهبان الأدب وسادناً من سدنة القلم، وهو كما قال أفلاطون عن نفسه، حين سئل كيف وصلت إلى هذه المكانة العلمية والشهرة، قال: لأني أفنيت في عمري من الزيت ا كثر مما أفنيت من الشراب. وفعلاً هذا ما يدل على العقاد من خلال جسمه النحيل وكان عاطفياً جداً وودوداً وسمحاً ويفضل البيت الواحد من الشعر على الرواية، لأنها لا تقول الرواية ما يقوله الشعر في بيت واحد، وقالوا عنه أنه بهذا يفضل المنضوم على المنثور والدائرة على المربع، والشعر أقرب إليه وإلى عاطفته ووجدانه( ) من أي شيء آخر ، وحبه للمنضوم على المنثور يدل على حبه للوحدة وتجمعها وعدم بعثرتها.
لم يكن العقاد في بداية حياته عدواً للمرأة ولم يكن سلفياً ولكنه أصبح عدواً للمرأة حين أصبح سلفياً، وإن السبب الذي جعله عدواً للمرأة لربما هو بسبب إعتداءه بنفسه كثيراً ولإحساسه – كما تقول نعمات فؤاد – بتفوقه وعصاميته.
"كل صفات الجمال أقرب إلى الأنثى وكل صفات الجلال أقرب إلى الذكر"( ).
وبهذا تريد أن تقول نعمات، أن المرأة معرفة بالطبيعة وأن الرجل معرف بتفوقه على الطبيعة، وبهذا قد لا يكون العقاد في بواكير النهضة عدواً للمرأة بقدر ما كان لديه إحساس بتفوقه العبقري على ضربات الجمال التي يتصدى لها الرجل من كل جانب، من الحاجب الهلالي والشفتين إلى طول القامة ورقة الأنامل وضعف العضلات ولينها وسحر المظهر وعمق الجوهر، إذ أن العقاد كان يحس بعظمته بسبب توحده أيضاً وتفرده الذي أعطاه إيماناً أيضاً بصلابة الرأي وبفحولته وقد تلقى الفيلسوف المسكين كثيراً من الصدمات الأنثوية وتجارب عاطفية محبطة وإنتكاسات في الحب، مرةً من "مي زيادة" ومرةً من "هنومة خليل" أو كما يقال عنها أنها النجمة المصرية القديرة، مديحة يسري". وبهذا يكون العقاد مخالفاً لقوله: وراء كل رجل عظيم امرأة وهذا ما جعله مستهتراً بالمرأة.
كان في بداية حياته محباً للمرأة ومحباً للحياة وكان على إعتقادي محباً للمرأة لأنه أصلاً محبٌ للحياة، وهذا يظهر حين سئل يوماً عن إحساسه وهو يدخل عامه الستين، كيف هو إحساسك"
قال: أحببت الحياة في شبابي كإمرأة فاتنةٍ تغريني بزينتها، واليوم أحبها كزوجةٍ تعرف عيوبي وأعرف عيوبها.
وقال يوماً:
أحلى الأيام هي الشباب لأن الشباب هو الحب أما الشيخوخة فإنها تقيم الف سد وسد بين كل ما يشتهيه الإنسان( ).
وكان يقول العقاد في أيام شبابه: "لا أدري لماذا يحق للرجل أربع زوجات ولا تطمع المرأة في ربع رجل"( ).
كان العقاد معتداً بنفسه وعصاميته، مما جعله مؤمن بالفرد وهذا الامر جعله يكتب أيضاً سلسلة العبقريات التي ترى أن التغيير في التحولات الإجتماعية ناتج أصلاً عن إرادة الافراد، وليس للطبقات العامة والمسحوقة. أي دور ، حتى وإن وجدنا في مقالاته شيئاً عن دور الجماعة فإن هذا لا يلغي رأينا به، من أنه إهتم بالفرد سواء بعبقرياته أو بالشخصيات وهذا ناتج أصلاً عن تجربته الطويلة ونجاحه الفردي المنقطع النظير.
ولد العقاد بعد فشل ثورة عرابي 1882م وكان قادة الثورة يُطاردون في كل مكان ، ووجد نفسه في وضع نضالي، وشهد العقاد حزب الأمة عقب حادثة دنشواي ورحيل كرومر 1907م ووفاة قاسم أمين في نفس العام وكان هذا الحزب متشجعاً للتعاون مع أوروبا وأنشأ (الجريدة) التي حررها أحمد لطفي السيد، وشهد إنفصال جماعة من حزب الوفد 1922م ونجح في إنتخابات 1930 كنائبٍ في البرلمان دون أن تكلفه حملته الإنتخابية 11 جنيهاً في الوقت الذي صرف فيه الباشوات مآت الجنيهات لكي يحفلوا بالفوز وكتب في تلك الفترة قصة للسينما( ) وأغنيات للقصة إلا أنها لم تحفل بنجاحٍ لسببٍ مهم وهو أن العقاد شخصية إنطوائية غير منخرط بحياة الناس إذ أن الكتابة في هذه الأمور هي بحاجة لإنسان يعيش حياة الناس مثل: بديع خيري، بيرم التونسي وأحمد رامي ولأن الكتابة السينمائية والشعبية تحتاج إلى فنان مبدع يقوم بتوزيع ذاته، لكي يتقمص حياة شخصيات متعددة، يعاني ما تعانيه، فقد فشل العقاد في ذلك لأنه شخصية منظمومة في الشعر وغير منثورة، ومتجمعة في (الأنا الأعلى) وغير موزعة إلا على نطاق ضيق فشل كفنان شعبي ونجح كفيلسوف عظيم أحرق دمه كشمعةٍ تحترق لتنير للآخرين الطريق، وعاش رجل فكر وراهب صومعةٍ، جعل في عصر النهضة للأدب قداسة، ومن يدخل منزله يخلع حذاءه على بابه من هيبة ما يرى من كتب وعلم ووقار، عاف بعد مرحلة الشباب العمل النضالي والفكري والشاهد على ذلك قصيدةً لهُ تصور الملل والإكتئاب من القراءة والكتب:
وهذه قصيدة، من قصائد العقاد تصور تثاؤمه من وضع الثقافة والمثقفين:
ياكتبي اشكو ولا أغضــبُ ما انت من يسمع أو يُعِتــــب
ياكتبي اورثتني حســـرة هيهات لا تنسى ولا تذهــــب
ياكتبي البستِ جلدي الضنى لم يغن عن جلدك ألمـــــذهَبُ
كم ليلةٍ سواداء قضيـــتها سهران حتى ادبر الكوكـــــب
كأنني المح تحت الدجـــى جماجم الموتى بدت تخــــطب
والناس إما غارق في الكرى أو غارق في كأسه يشـــــربُ
أو عاشق وافاه معشـــوقه فنال من دنياه ما يرغــــــبُ
أو سادر يحلم في ليلــــه بيومه الماضي وما يعقـــــبُ
ينتفع المرء بما يقتنــــي وأنت لا جدوى ولا مـــــأربُ
الا الاحاديــث وألا المُـنى وخبرة صاحبها متعـــــــبُ
إذا أراني النور قبحاً فيــا حُسنَ الذي يضمره الغيـــــهب
ياكتبي أين ترى المنــتأى عن اسرٍ أرواحك والمهـــــرب
انفقت منى مايضن الــورى به على الله ولم يذنبــــــــوا
من ضوء عيني ومن صحتي سدى ومن وقتي وما اكســـــب
ومن شباب فيك ضيعتـــه فما أنا الا الفتى الا شيــــــبُ
لو كنت كالجبار في نقمتــي لكان في النار لها معطــــــبُ
في ذمة الطرس وفي حفظـَه عمري تقضي شطره الا طـــيب
لارحم الرحمن فيمن مضـى من علَّم العالم أن يكتبـــــــوا
يوم كان للثقافة جلال وبهاء كان رفيقاً للمفكر الكبير سلامة موسى، ولكنه تركه وحيداً وإتجه إلى الكتابة السلفية لتحقيق أرباح مالية يستطيع أن يعيش منها بسهولة ويسر، ولم يصحب في زمانه الباشوات والارستقراطيين حتى وإن كانت أحزابهم شعبية، لأن بداخله عظمة أكبر من عظمة القصور والثرايا وحين إختلف العقاد مع حكومة توفيق نسيم التي كان يؤيدها الوفد، حاول الوفد إسقاط العقاد عن طريق إغلاق الصحف والمجلات التي يكتب بها ونجح الوفد وحوصر الفيلسوف في مصدر رزقه وخصوصاً بعد إغلاق "روز اليوسف" فتشرد العظيم وتعرض للإهانة لولا تدخل المحامي: فتحي رضوان الذي دبر له صفقة بيع لكتابه" "سعد زغلول" وقدرة الصفقة الأدبية بـ100 جنيه مع صاحب المكتبة التجارية "مصطفى محمد" وهو الأمر الذي جعله بعد ذلك يبتعد عن القضايا الفكرية ويتجه إلى سلسلة العبقريات وقال في ذلك رجاء النقاش "كانت العبقريات هي الحل الوحيد الذي أخرج العقاد من أزمته.. وكان مستواها عالمي..( )
كان العقاد مفكراً عظيماً يوم عاب على أحمد شوقي قوله:
قبر الوزير تحية وسلاماً
الحلم والمعروف فيك أقاما
وهي قصيدة في رثاء بطرس غالي، فقال العقاد في وقتها:
"إن شوقي غير صادق لأنه لايبكي الوزير بل يبكي القصر"( ).
وهذا نقد بناء وعظيم لا يصدر إلا عن ناقدٍ له خبرته في علم الإجتماع، وكان مفكراً عظيماً يوم قال: على كل إمرأة أن تتعلم كيف تنقش اسم قاسم أمين على منديلها( ) يوم كان قاسم أمين قد كتب عن تحرير المرأة كاول عربي. وهذا دليل أنه لم يكن عدواً للمرأة في شبابه
وكثيرون هم الذين كانت تغيضهم ثقافة العقاد، وفي المقابلة التلفزيونية التي أجرتها معه "أماني ناشد" وبترتيب من "أنيس منصور" وبعد المقابلة كتبت الصحف المصرية أن العقاد سيتقاضى 200 جنيه ووضعت الصحف علامة إستفهام بعد الخبر مما أغضب العقاد، فإتصل بالأستاذ أنيس منصور معاتباً وقائلاً:
ما هذا يا مولاني أتستكثرون على رجل مثل العقاد أن يقبض 200 جنيه، وقد قرئ 60.000 ستون ألف كتاب وكتب ستون كتاباً، أتستكثرون عليه 200 جنيه، و (وحده ... مفعوصه مثل نجاة) تحصل على مثل هذا المبلغ في عشرة دقائق( ). ولم تقرئ كتاباً واحداً.
إن البلد الذي يستكثر على العقاد مثل هذا المبلغ لهو بلد تافه؟ ومما يؤسف له أن المشروع النهضوي خسر العقاد وعمالقة عصره حين بدأ المد الأخير للحياة النقدية يجتاح حياة الناس، زارته آخر امرأة لبنانية هي وزوجها فقالت عنه: إنه عظيم وفيلسوف ومثقف ولكن هذا لا يعني شيئاً بالنسبة لمهندسة زراعية أو حتى شغالة أو غسالة في مجتمعنا، لقد ترك كتاب النهضة بصماتٍ واضحةٍ في حياتنا دون أن نقدم لهم جميلاً أو عرفاناً في الوقت الذي مسحت به أشرطة فيديو عليها تسجيلات طه حسين والعقاد وسلامة موسى، ليسجل عليها أغنيات عظيمة !! لفلاسفة الزمن السعيد، وقال يوماً، لرجل أراد أن يشتري منه كتباً وقد تأخر عن موعده: يلعن أبو الكتب على أبو ......الخ. علشان فلوسك تتأخر علينا"
ناظر سلامه موسى، في الجامعة المصرية بتنسيق من الشاعر الإنكليزي "كبلنج" وفاز على سلامه موسى بـ 228 صوتاً مقابل 132 صوتاً حصل عليها سلامة موسى، وكان الموضوع متعلق أصلاً بـ "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقي"( ) ويتبين من ذلك أن العقاد كان يخوض في مسائل فكرية ضخمةٍ وعالقةٍ، ولكن ظروف الحياة بدلت الفيلسوف بسبب إفلاسه من السماسرة وتجار الورق والأفكار وحين أراد سلامة موسى أن يغيظ الملك فؤاد كتب يوم زار برناردشو القاهرة قائلاً: لو كان هذا الرجل طليقاً لوجد برناردشو من يستقبله باسم الادب المصري كله ولكنه سجين وقد أطلق سراحه بعد 9 شهور( ) من زيارة برنادشو أو أقل وعلى رأي برناردشو القائل: الحياة تسوي بين الناس ولكن الموت وحده يبرز المتفوقين".
وعلى هذا المبدئ أظهر موت العقاد كل جمالياته واعترف له خصومة قبل أصدقاءه من أنه فيلسوف عظيم، وكاد أن يكون – بنظري – شيوعياً عظيماً أو ماركسياً عربياً وعالمياً، إلا أن تقديسه للفرد حال بينه وبين الإشتراكية التي تلغي الفرد وتركز على الجماعة حالت فردية العقاد بينه وبين المرأة والوظيفة والماركسية، وصفه المفكر العربي الكبير (الطيب تيزيني)( ) من أنه تلفيقي وليس توفيقياً بين الإسلام وبين باقي المذاهب ، وأسدلت الستارة عليه سنة 1964م بعد اكثر من خمسين عاماً عاشها كصالح في ثمود، فارس القلم الذي كتب من دمه حبراً ومن عرقه نضالاً كل ما قدمه له أقرباؤه أنهم أحرقوا وصيته بعد مماته، على ذمة مصطفى أمين.

· سلامه موسى – يناير 1887-1958- أغسطس سئل "جان دومرسون":
س: قلت أن الأدب كارثة تحل على الإنسان التي تجعل منه أديباً هذه العبارة لك فما تفسيرك لها؟
ج- الأدب عشق، والعشق مرض، والمرض كارثة إذا كان مزمناً، والأديب إنسان مهموم بالأدب ... والغريب أنه سعيد بهذا المرض ولا يريد الشفاء منه، إنه: (مازوشي) يسعد جداً بتعذيب نفسه وهذا أفضل من (السادي) الذي يسعد بتعذيب الآخرين.( )
هذه الإجابة تنطبق على كافة الأدباء والفلاسفة والمبدعين في المجالات الإنسانية وحتى لا نناقش الموضوع كثيراً وبغض النظر عن عبارات التثنية للأدباء وبرغم كل شيء فإن حياتنا ومجتمعاتنا العربية تعاني من هذا الموضوع كثيراً ومن بداية القرن التاسع عشر ظهر المفكر والفيلسوف العربي الكبير (سلامه موسى) بهذا الثوب وهذا الرداء الحزين والمعاناة، ولم تعرف الثقافة العربية رجلاً كسلامه موسى بما قدم من ابداعات وأفكار جديدة.
بنفس الوقت الذي تنكر له عصره، وأعطى لرجال أقل منه إبداعاً كثيراً من عوامل التكريم والتقدير وكان سلامه موسى مريضاً مصاباً بداء (الإشتراكية الفابية) والتطور.
وكان مرضه ميؤساً منه، على خلاف العقاد الذي شفي من مرضه بعد الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
لقد أدركه المثل العربي القائل (أدركته حرفة الأدب) كناية عن بداية التعب والإرهاق الفكري غير أن فيلسوفنا لم تدركه هواية الأدب بقدر ما أدركته حرفة الفلسفة كأكثر جوانب حياته ظهوراً.
ويعيش الأديب العربي والفيلسوف الذي من شاكلة سلامه موسى أكثر من خمسين عاماً حتى يبلغ درجة نجاح رافص أو مغني من الدرجة الخامسة، فمثلاً كان يكتب الأديب العربي الكبير (نجيب محفوظ) منذ سنة 1934م إلا أنه لم يعرف على مستوى مصر كافة إلا سنة 1954م ولم يكسب من أدبه قبل الخمسين من عمره.
على خلاف الفنانة القديرة (شاديا) التي كسبت من فنها ولم تتجاوز بعد 18 سنة من عمرها، وكذلك فاتن حمامة التي كانت تكسب من فنها ولم تتجاوز بعد 12 سنة من عمرها ومحمد عبدالوهاب 17 سنة من عمره( ) وكانت حياة سلامه موسى كالمثل الصيني القائل: (ليست الحياة إناء نفرغه انما هي كأس نملأها).
فإذا كان العقاد ملأ كأس المنطق وبنى طه حسين اظرحة من رخام لقادة الفكر، فإنه لا يسعني إلا أن أقول: من أن سلامه موسى ملأ الكأس الذي يشرب منه المثقفون، الإنسانية ، والفكر الإنساني كما قال عنه (لويس عوض).
كان يؤمن إيماناً عميقاً بإشتراكية التطور وكان منتقدوه ينشرون نقدهم له تحت عنوان (إبن القرد)( ). وبذلك يكون سلامه موسى متهماً بإخلاقه العلمية على عادة المفكرين الأحرار الذين يموتون في سبيل إسعاد منتقديهم وكان النقد الذي ينشر ضده تعبيراً عن رفض المثقفين لفكرة النشوء والإرتقاء والتطور.
وقد أشار (أنيس منصور) إليه بقوله:
"هذا هو دين سلامه موسى الدين الذي له أقانيم ثلاثة = ماركس الأب والإبن دارون وفرويد الروح القدس، إنه رجل تركنا إلى حين وموعدنا معه بعد مليون سنة"( ).
فعلاً... كان الموعد مع سلامه موسى بعد مليون سنة، لقد كان سابقاً لعصره في عموم أرجاء افريقيا وآسيا وهو كما قلت عنه سابقاً من أنه أول من إستعمل مصطلح ثقافة في اللغة العربية وهو أيضاً اول عربي يحتفل بعيد الأم، وهو أول من طرح فكرة إشتراكية التطور وليست إشتراكية الطفرة، في كتابة السوبر مان الذي صدر عام (1910م)( ) أي قبل قيام الثورة البلشفية وقبل قيام دولة الاتحاد السوفيتي وقد اغلقت له الحكومات المصرية المتتالية 15 صحيفة بسبب كتاباته عن التطور والداروينية، وهو أول من طرح فكرة تأميم قناة السويس.
وقد كان للمفكرين في عصره آراء في الأدب والشعر والنقد الأدبي أي أنهم كانوا أدباء في كتاباتهم يطغى عليهم الجانب الأدبي، أما سلامه موسى فقد طغى عليه الفكر الإنساني الشامل، وقد عاش هذا الفيلسوف في ظروف الإكتشافات العلمية، وأكثر من مئة عام على النقاش حول فكرة النشوء والإرتقاء والتطور إلى أن أثبتت الادلة العلمية صحة النظرية وإن التطور قانون علمي يشمل المادة والكون والنبات والإنسان والحيوان والأفكار والعقائد والعادات والتقاليد والأديان وكل شيء في الطبيعة متطور ومتجدد ومن لا يتطور ولا يتجدد لا يستطيع أن يحافظ على بقائه( ) وكان يلاحظ هذا بالمقارنة بين المجتمع الاوروبي الذي يسير بسرعة الصاروخ وبين المجتمع المصري الذي ما زال يركب الحمار من محطة القاهرة إلى (عابدين)، لذلك كان يرى أن تأخر المجتمع العربي هو بسبب عدم إمتلاكه لأدوات التطور أي أن التأخر الصناعي والمحافظة على القديم هما توأمان للتخلف العربي.
كتب سلامه موسى أربعين كتاباً*، طوال رحلته في عالم التأليف والكتب، وكان مكروهاً من قبل كل الحكومات ومن قبل الشارع العام ومن البسطاء والضعفاء والمساكين رغم أنه كتب من أجل لغتهم ومن أجل رفع مستواهم الإجتماعي حين نادى وقال : يجب أن نكتب بلغة الناس باللغة العامية وأن نهجر اللغة الكلاسيكية، وأدب القصور وأشباه السلاطين، كتب سلامة موسى أربعين كتاباً لم تكن هذه الكتب للخاصة من المثقفين أو العامة بل كانت للمجتمع العربي بعد 500 عام أي أنه كان سابقاً لعصره، وقد أغاظت كتابات سلامه موسى الرجعيين والسلفيين، وكان موظفو وزارة المعارف في تلك الفترة غير مؤهلين لإستيعاب الثقافة التطورية، وكانت موضوعات سلامه موسى أكبر بكثير من مستوى إدراكهم وفهمهم لذلك إشترت وزارة المعارف المصرية كتباً ذات موضوعات بسيطة ولا تشجع إلا على المحافظة على القديم وكانت كتابات سلامه موسى ترد عليه وتهمل ولم تشتري منه وزارة المعارف ولا بمليم واحد، في الوقت الذي إشترت به من 30-40 – ألف جنيه( ) مصري كتباً رخيصة وهابطة ولا تشجع إلا على المحافظة على القديم، وبذلك فإنها لا تخدم إلا أصحاب المناصب الذين يرثون الغنى كما يرثون المناصب وكما يقول عنه رجاء النقاش:
"عاش حياته في صراع دائم لأن أعداء التنوير أكثر من أنصار التنوير"( )
وكان يقول عن نفسه: أحب أن أموت وعلى صدري كتاب، كالجاحظ وقد مات ولم تشتري منه وزارة المعارف بمليم واحد ولانه من أسرة ليست بالغنية أو الفقيرة، فقد كان يحسب على جانب الطبقة المتوسطة وقد ورث عن أبيه بعض الأطيان، باعها جميعاً وصرفها على كتبه ومؤلفاته، ولم يورث لأبنائه مالاً أو جاهاً ولكنه أورث أبناءه أعظم سلطان وأعظم جاه يوم ترك وراءه مآت المقالات وأربعون كتاباً ما زالت، إلى اليوم مرجعاً علمياً لمن أراد أن يستنير بعلمه.
لم يستسلم سلامه موسى طوال حياته الطويلة لليأس أو للعجز وقد ساعدته في ذلك نشأته الأرثوذكسية المسيحية المستقلة عن سلطة البابا، ساعدته هذه على سهولة التمرد، والإنفصال عن حياة القديم، وقد عاش سلامه موسى في المجتمع المسيحي الذي بدأت على يديه فكرة القومية والماركسية، وفي سؤال وجهته مجلة منتدى الفكر العربي للمفكر الإجتماعي، عبدالكريم غرايبة( ).
س: ثمة من يرى أن النصارى العرب هم الذين ابتدعوا فكرة القومية العربية؟
ج: هذا الرأي فيه كثيرٌ من الصحة.
ويكاد أن يجمع الكثير من أن التنوير بدأ على يد المسحيين في بلاد الشام ثم إنتقل إلى مصر أمثال: فرح أنطون، وجورجي زيدان... الخ وقد أثر وجود هؤلاء في مصر على سلامه موسى وكذلك نشأته الأرثوذكسية المستقلة عن الكاثولوكية والبروتستنتية.
وهناك رأي فيه كثيرٌ من الصحة، وهو أن (نقولا حداد 1870-1954) قد سبق سلامه موسى في التأليف عن الإشتراكية، في مقالٍ له بمجلة الهلال سنة 1918 بعنوان: (ما الذي تريده الإشتراكية ولا تريده)( ) وألف نقولا حداد عام 1920 كتاب (الإشتراكية) في القاهرة وأهم ما جاء به:
"إن الصراع والنزاع هما من خصائص المجتمع البرجوازي وهذه سمة وصفة من صفات الحيوان"( ).
ولكن أهم ما يميز سلامه موسى عن نقولا حداد هو طرحه للأفكار وإنه دفع ثمن إشتراكيته الفابية كثيراً وكتب عن البلاغة العصرية كما سنرى بعد قليل.
ومما يؤخذ على التطوريين في ذلك أنهم أصلاً أسقطوا الإنسان من موقعه في السماء إلى الأرضُ إلى مستوى الحيوانية، فلما كانت الأديان السماوية تؤمن بخلق الإنسان آدم وحواء كانت بذلك تعتبره مخلوقاً أرفع من مستوى المخلوقات الحيوانية وقد خلق في موضع السماء ولكن عندما أثبتت نظرية النشوء والإرتقاء خلق الإنسان بالتطور كانت بذلك قد حطت من مستوى إنسانيته إلى مستوى الحيوانات أو ما دون ذلك وبذلك يكون المجتمع البرجوازي قد كشف عن حقيقة النشوء والتطور بتصرفاته الجشعة والتي توصف في كثير من الاحيان أنها غير إنسانية وكان سلامه موسى المؤمن بالتطور يؤمن أيضاً بتطور مفهوم (المرأة الجميلة) فكان يقول:
"كان رجل الجمال قبل ثلاثمائة أو أربعمائة سنة، يرى الجمال ممثلاً بالوداعة والقداسة، والسذاجة ولكن رجل الفن اليوم لا يمكنه أن يرى الجمال في هذه الصفات لأن نفس المرأة تطورت كما أن نظرنا إليها قد تطور فهي خرجت من البيت إلى عالم الأعمال والرياضة فالمرأة الجميلة الآن، ليست هي الساذجة والوديعة وإنما هي اليقظة المتنبهة التي إكتسبت من حياتها الخارجية شيئاً من مزاج الرجال في الجرأة والدرس"( ).
وهذا الكلام يصحح كل الإتهامات حول سلامه موسى وحول نظرية التطور التي يؤمن بها، لقد جنى عليه مفكر مثل (محمد عمارة) حين إتهمه قائلاً:.
"إن لم يكن سلامة موسى عميلاً سياسياً فقد كان عميلاً حضارياً"( ).
لقد جنى على سلامه موسى المثقفون العرب، ومع الحزن الشديد على هذا الفيلسوف ، إلا أنني لا أستغرب إتهامهم له لأنهم غير تطوريين يظهر هذا من طبيعة تعريفهم للجمال وللمرأة أو المرأة الجميلة إذ ما زالوا حتى اليوم يبحثون عن المرأة الوديعة والخجولة ، لأنهم لا يؤمنون بالتطور وإن كل إنسان لا يؤمن بالتطور يبقى عدواً للمرأة.
وبقدر ما كان العقاد طويل القامة، بقدر ما كان سلامه موسى متوسط القامة ومربوعاً ولونه يميل إلى السمرة وعيناه تخبرك عن طول تأملٍ وتفكير، وبقدر ما كان العقاد فردياً يؤمن بالفرد بقدر ما كان سلامه موسى يرى أن التفكير ليس عملاً من أعمال الفرد وإنما هو عمل تشترك فيه الجماعة أي أن سلامة موسى كان موزع الذات وهو بذلك قد تأثر بما قرأه عن المؤرخ الفرنسي" تين" وقال عنه أنيس منصور:
"حين أراد لويس عوض أن يبحث عن جذوره الفلسفية قال: إن العقاد حرث لي الارض وسلامة موسى بذرها، وطه حسين هذبها"( ).
ولقد جاء سلامة موسى ليقطع صلتنا مع الماضي ولم يكن بهذا مجاملاً لأحد أو متردداً بل كان جاداً فعلاً( ). وقال: إن اللغة من حقنا ولا يجوز لرجال الدين ان يفرضوا وصايتهم علينا، وهذا إنتقاد منه للدين الاسلامي رغم أنه مسيحي غير مسلم إلا أنه قد اعتبر أن اللغة التي ينطق بها هي من حقه ويجوز له أن يقول بها رأيه. وكان يفرض عليه وهو في الكُتاب حفظ القرآن.
وكان منتقدوه ساذجون حين قالوا: إن إسلوبه في الكتابة عامي وليس فيه أثر ولا عين من أساليب اللغة العربية"( ).
نعم، كان إسلوبه عامياً لانه متطور يكتب بلغة الشعب اما الذين يكتبون بأساليب بلاغية قديمة، لاهم تطوريون ولاهم دمقراطيون ولا هم إشتراكيون، لأن ديمقراطية اللغة لا تسمح بظهور الادبيات الكلاسيكية من مجدٍ وتعظيم وتزوير للواقع.
وكانت كتابات سلامه موسى إنتقاداً كبيراً وخطراً على كافة الأنظمة العربية وأعظم كتابٍ له هو (البلاغة العصرية واللغة العربيه)( ) وقد أوضح بكتابه أن المجتمع العربي كان مجتمعاً إرستقراطياً يعيش به الإستقراطيون بكد العامل وشقاءه، كما كان الشأن في اوروبا مدة القرون الوسطى، وكان المجتمع الإرستقراطي يحتقر العمل اليدوي وأصحاب العمل وكانت الطبقة الوسطى معدومة وهو لا يستغرب إقتراح أحد الأدباء الا يباع الورد للسوقة لأن هذا الزهر أجلُّ من ان تتناوله ايد البسطاء والعمال والحراثين، لهذا السبب أظهر سلامه موسى قداسة اللغة الكلاسيكية وإنحطاط اللغة العامية، واللغة الكلاسيكية مقدسة لأن الناطق بها هو الارستقراطي من خلفاء وقضاة وأمراء أما اللغة العامية لأنها لغة منحطة وأنها لغة البسطاء والعمال الذين لا يكال لهم بصاع وقد إنتقد سلامه موسى كتاب الاغاني كدليل على نظريته في الادب، وقال إنه لا عجب ان تكون فصوله هي مجالس الاثرياء والخلفاء مع المغنيين والمغنيات ، وإسم الكتاب دليل على ارستقراطية الادب الذي لم يكن يحيى قبل عصر النهضة في بيوت البسطاء والطبقة العامة، بل كان يحيى في بيوت الامراء والوزراء ودهاة الذهب والمال والاقطاعيين، أما اليوم فإن الموضوع مختلف تماماً إذ أن الادب بكافة فنونه يحيا حياة طبيعية في الشوارع وبيوت الناس العاديين والبسطاء ويعبر عن كدحهم وعطشهم وجوعهم اما في الماضي فقد كان تزويراً لارض الواقع.
وإن إيحاء الكلمة يختلف من بلد، إلى بلد لقد لاحظ سلامه موسى في كتابه، ماذا تعني كلمة سكرتير في مجتمع ديموقراطي مثل امريكا، وما تعنيه في بلد غير ديموقراطي في مصر إبان تلك الفترة التي عاش هو بها، إن كلمة سكرتير تعني وزير والعمل الذي يؤديه السكرتير والوزير واحد، ولكن إيحاء الكلمة الأولى ديموقراطي والثانية تعطي إيحاءاً غير ديموقراطي وهي تعني في المجتمع غير الديموقراطي الإنتفاخ والشعور بالعظمة، وقد اكد غير مرةٍ على مدلول كلمة (مليح ومليحة) وهي من الملح الذي لم يكن أحد قادرٌ على الحصول عليه إلا المترفين، ولندرته وصف الجمال بالملاحة( ).
عاش سلامة موسى طوال حياته مغترباً وفقيراً في وطنه ولم يطلق إسمه على شارع أو ميدان أو مدرسة، وكانت مجلة المستقبل التي أغلقت في عام 1914 تعود ملكيتها له، وقد أغلقت بسبب فضحه وكشفه للأنظمة الاجتماعية العربية، وقد عرى طوال حياته الارستقراطيين، وهو أول عربي إقترح الإحتفال بمرور الف عام على تأسيس الأزهر بوصفه على حسب قوله: إن الازهر في مصر هو أقدم جامعة في العالم وكان إقتراحه هذا في سنة 1929م.
ولم تكتف مصر بعدم تكريم سلامه موسى وعدم شراء مؤلفاته بل عمدت إلى سرقته وإبتزازه وإغتصاب مؤلفاته، حيث طبعت مؤلفاته بعد وفاته وأكلوا ثمنها بالباطل وسوء النية ويرى إبنه الدكتور رؤوف سلامة، أن سرقة وإغتصاب مؤلفاته امرٌ عادي جداً في مجتمعنا، أما الشيء الذي يفوق كل ما هو عادي، هو حذف وشطب ثمانية (8) فصول من كتابه (هؤلاء علموني) من أصل (24) فصلاً ثم يقولون بكل وقاحة الكتاب كبير جداً ونريد طرحه في السوق بسعر جنيه واحد.
وانتقد المجتمع العربي في كتابه (اليوم والغد) عام 1928م بقوله: إننا العرب لدينا جامعات ومؤسسات مثل تلك التي في أوروبا، ولكن في وسطها مؤسسات دينية تعيق حركة التقدم والإزدهار فما الجدوى من كل تلك التناقضات.
وقد إعترف به العقاد، وكان العقاد لا يمجد أحداً وكانت كلماته توزن بالذهب، إلا أنه نطق الحق في يوم وفاة سلامة موسى حين قال: كان صاحب رسالة وكان في رسالته رائداً متقدماً، وقال عنه كامل الشناوي:
"سلامة موسى مطرقة ظلت تقرع في الرؤوس خمسين (50) عاماً، وقال عنه لويس عوض في كتابه (أوراق العمر) بقدر ما وجدت طه حسين مهيباً وعباس العقاد شامخاً وجدت سلامة متواضعاً وغزير العلم في غير تكلف .
وقد ولد سلامة موسى 1887-1958.
وعاش في أوروبا 1908-1913- وأول كتاب له هو (مقدمة السوبرمان) عام 1910م، و(نشوء فكرة الله) عام 1912م والإشتراكية عام 1913 ويعد كتابه (البلاغة العصرية واللغة) الذي صدر بطبعته الاولى 1945م يعد من أجمل اعماله الفلسفية، إذ ظهر به سلامة موسى مجدداً غير شارحٍ أو ناقلٍ لأفكار غيره وهو بمثابة التوأم الحقيقي لكتابه (الأدب للشعب) الذي صدر قبل سنتين من وفاته عام 1956، وآخر ما كتبه هو:
- الأدب للشعب 1956م.
- دراسات سيكلوجية 1956م.
المرأة ليست لعبة الرجل 1956م.
برناردشو 1957.
وصدر بعد وفاته:
- مشاعل الطريق للشباب 1959م.
- مقالات ممنوعة 1959م.
- الإنسان قمة التطور 1961م.
- إفتحوا لها الباب 1962م.
- الصحافة حرفة ورسالة 1963.
- معجم الأفكار 1963م.

وقال عنه (حنا عبود) في كتابه (الحداثة عبر التاريخ) أعظم نصير للحداثة في عالم العروبة هو سلامه موسى"( ).
وقد أثر سلامة موسى في فكر النهضة العربية رغم أنف الجهلاء والحاسدين والحاقدين عليه، وكانت الناس قبله ترى أن الحداثة والنهضة من فعل الطبيعة والحظ والصدفة وأثبت غير مرة أن الحداثة اليوم هي من فعل العلم والتنوير، وقد لاحظ أن التناسل كان من حق الاقوياء لأنهم يحصلون على النساء دون الضعفاء ويقصد بالضعفاء هنا، الضعف بكافة أشكاله، الضعف الجنسي والعقلي والبدني والاجتماعي ولكن بفضل العلم وتقدم وسائله أصبح الضعفاء أقوياء لا يحصلون على الشبع البيولوجي فقط بل الشبع الجنسي وأعطاهم العلم مزيداً من القوة واللياقة البدنية والحسية كي يستطيعوا بعدها الحصول على النساء والأطفال.
وقد طبق نظرية النشوء والارتقاء على الادب والشعر والفلسفة وقام بتفسير صحيح لمبدأ (البقاء للأنسب) التي فهمها كثير من المثقفين أن (البقاء للأقوى).
وهذا فهم خاطئ وقد فسره سلامة موسى حين ضرب مثالاً عن الشعراء الاقوياء والمثقفين الأقوياء والمتمردون كيف تطاردهم حكوماتهم وينفون ويشردون ويقطعون في البلدان، أما الضعفاء فهم متسلقون كالطحالب ومنافقون يمدحون الناس بما ليس فيهم لذلك فإنهم في هذه الحالة يعيشون هم وينقرض الاقوياء بسبب قوتهم، وبذلك فإن (البقاء للإنسب) وليس (للأقوى)( )
ولقد عاش سلامة موسى، تعيساً في أفكاره، وإغترابه الذي لم يعد عنه يوماًن وقد أثرى بأفكاره المكتبة العربية بما حلله ونقده من عادات إجتماعية، وكان يحيا بحياته الادبية من أجل إسعاد القراء، غير أن القراء لم يعطوه الا القليل من التقدير، وفي كتابه (محاولات) الصادر عام 1953 قدم تحليلاً علمياً لأسباب لبس المرأة للحجاب، فقال: أن الحجاب يزداد في الأمم الرعوية لأن الرجال يذهبون للصيد ويغيبون عن البيت كثيراً اما في المجتمع الزراعي فيكاد أن يكون قليلاً بسبب إحتياج الرجل لزوجته في الحقل لكي تساعده، ويكاد الحجاب أن يكون معدوماً في المجتمع الصناعي لأن المرأة تكسب عيشها بعرقها وتعبها مستقلة بذلك عن الرجل ولا تحتاج له في إعالتها، أما الاحتجاب في المجتمع الصناعي فهو من بقايا الثقافة الرعوية القديمة وبهذا يكون سلامة موسى أول تطوري عربي وظف نظريات التطور في نقد المجتمع العربي بإسلوب علمي مقنع، وقال أيضاً:
"نحن الرجال نهتم، ونغامر ونقدم، ونجرب، ولذلك نتعلم، ولا نبالي أن نخطئ لأننا نعد الخطأ بعض تعاليمنها"( )
وانتقد مجتمع الرجال بهذه المقولة، لذلك أظن أن من أسباب كره الطبقات العامة لسلامه موسى، يعود بشكلٍ أساسي، إلى إنتقاده للمجتمع المصري والعربي الذي يسيطر به الرجال على مجتمع النسوة.

سلامة موسى: من البداية إلى النهاية:
المسيحيون والاقباط هم أصحاب الفضل الأول في إنتشار الطباعة في عموم أرجاء الوطن العربي، قبل أن يأتي نابليون بها على مصر أثناء حملته، وطبع أول كتاب بالحرف السرياني الكرشوني سنة 1610 وأول كتاب باللغة العربية، طبعة المسبحيون العرب في إيطاليا سنة 1514م في مدينة فانوفي وأدخل المسيحيون العرب أول آلة طباعة إلى مدينة (حلب) في سوريا وبلاد الشام سنة 1406م على يد البطريك (إثناسيوسا الدباس).( )
كل هذه المقدمة التي تقدمت بها تكشف عن فضل الاقباط في بلاد الشام في اعمار الحركة الثقافية التي بدأت بسبب طباعة الإنجيل ومن ثم تطورت إلى إحداث وإنشاء مطابع علمانية ساهمت جداً في إثراء الحركة العلمية في بلاد الشام أولاً وفي مصر ثانياً، وكانت اول مطبعة علمانية سنة 1841م تعود ملكيتها لـ (بلفنطي السرديني) وقد اغلقت المطبعة نفسها لاسباب مالية: بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والحركة التجارية في عموم ارجاء الوطن العربي، ولكن حدث شيء مثير في نهاية القرن التاسع عشر وهو أن الحركة العلمية بدأت تنتشر في مصر وتضمحل في الشام وقام الطباعون بنقل معداتهم من بلاد الشام إلى القاهرة ، ومن هنا تعرف فيلسوفنا العظيم سلامه موسى على مجلة المقتطف التي نقلها صاحبها من لبنان إلى القاهرة بعد أن صدرت في لبنان 9 سنوات وتعد مجلة المقتطف أول من أثر في حياة فيلسوفنا العظيم سلامه موسى بما نشرته من مواد علمية كانت هذه المواد قد أثرت خياله العلمي على إمتداد حياته الطويلة وبدأ سلامة موسى في التعرف على مجلة المتقتطف التي يصدرها يعقوب صروف وشريكه فارس نمر، بدأ بالتعرف الفعلي عليها سنة 1904م حين ترك بلدته الزقارزيق ليرتحل إلى القاهرة وقد بلغ من العمر 15 سنة ، وكان في وقتها يتابع مع مجلة المقتطف مجلة أخرى هي الجامعة التي يصدرها فرح أنطون، وهذا ايضاً قبطي ويعقوب صروف قبطي وصاحبنا سلامه موسى قبطي أيضاً وهذا مؤشر على أن سلامه موسى لم يلاق ردعاً من قبل أهل ديانته لانهم جميعاً علمانيون، وحين عاد إلى الزقازيق وجد عند صديق، له ما يقرب من مائة (100) عدد من مجلة المقتطف كان قد إستعارها جميعاً وقرأها( ) أما في فترة الكُتَّاب فإنه لم يتعلم أي شيء على الإطلاق إلا حفظ الصلوات وبعض سور من القرآن، ويظهر هنا أن إسلوب التعليم كان يفرض على الأقباط تعلم ديانة الدولة الرسمية.
وكان جيل يعقوب صروف وعبدالعزيز فهمي وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد، أكثر تأثيراً على التفاول والحياة العامة من جيل الافغاني ومحمد عبده وأول مقال لسلامة موسى في جريدة اللواء التي كان يصدرها فرح انطون سنة 1910م بعنوان (نييتشه إبن الانسان) وقد جعله أحمد لطفي السيد يشعر أنه رغم قبطيته ومسيحتيه مصرياً ووطنيا إذ كان لديه إحساس كيف يكتب عن الشعب المسلم وهو من الأقليات المسيحية الارثوذكسية، ودائماً ما يشعر أصحاب الاقليات بالاغتراب، ولكن لطفي السيد جعله يحس إحساساً قومياً أنه عربي ومواطن( ) مصري وفي عام 1908م ارتحل إلى باريس وهناك التقت به الشهوتان، الاولى شهوة الجنس المكبوتة والمغتربة في بلاد الشرق، وشهوة العلم وفي أثناء الصراع بينهما تغلبت شهوة العلم والاشتراكية الفابية والتطور على الشهوة الجنسية، وفي عام 1909م ألف رسالة قصيرة عن (السوبر مان) كان قد نشرها له جورجي زيدان في مجلة الهلال إلا أنه حذف منها الكثير من الفقرات لجرأته في الطرح وكان عمره (20) عشرون عاماً.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا عند هذه الفترة لنتفق مع سلامه موسى: من أن الإنسان يكتب في تلك الفترة طابعة الفكري، والسنين التي تأتي بعد ذلك هي للدفاع عن تلك المكتسبات( ) ويقال من قبل بعض النقاد أنه لا يجوز لمحمد عمارة أو غيره من أن يدرس شخصية سلامه موسى من خلال مولفه الأول، لأنه بهذا يكون قد وقع على صيد ثمين أما ما يقوله سلامه موسى فإنه يختلف عن وجهة نظر مريدية ومؤيدية، إذ أنه يعتبر بكلامه السالف الذكر أن الكتاب الاول: هو حصيلة دفاعه حتى سن السبعين عن نظرية إشتراكية التطور التي ظل يؤمن بها حتى وفاته، ومن خلال قراءتي لمؤلفاته من كتاب السوبر مان الذي إنتقده العقاد كثيراً إلى كتاب الادب للشعب وجدت فعلاً أن كلام هذا المفكر والفيلسوف فيه كثيرٌ من الدقة وهو لا ينطبق على الكتاب وحدهم بل أنه ينطبق على كل الناس، وهنا نجد خلافاً آخر بينه وبين صاحبنا العقاد إذ يعتبر العقاد أن الإنسان طوال حياته يولد أكثر من مرة.
على كل حال ، طبع كتابه الاول بعد أن نشر على سلسلة حلقات، في مجلة الهلال ثم صدر في كتاب عام 1910، وهنا ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن الكتاب نفسه صدر بعد 17 سبعة عشر سنة بطبعة جديدة سنة 1927، بنفس العنوان مع تصدير على ذيل الصفحة الاولى عبارة للفيسلوف ينتشه أبو الحداثة، وتقول العبارة (الإنسان جسر تخطو عليه الطبيعة من الحيوان للسبرمان)( ) وقام بإشاعة فكرة التطور وتنشط بها أكثر من استاذه شبلي شميل وأسقط عن الإنسان إنسانيته الاولى ليثبت حيوانيته وقذارة منظره ودمامه وجهه القبيح الذي كانت تغطيه سفالة غرائزه وبلادة وبلاهة عقله ثم ارتقى بعد ذلك ليصبح إنساناً، وهنالك أمل في أن يرتقي هذا الإنسان مرةً أخرى ويصبح اكثر انسانية حيث من الممكن ايضاً ان يكون الإنسان سوبر مان( ) وكان لأثر التطور البيولوجي على الإنسان آثاراً أخرى غير البيولوجية إذ ظهرت آثار اجتماعية وأخلاقية ميزت الإنسان وأثبتت تطوره عن الحيوانات، ففي مجتمع غير الإنسان مثل الغزال الاعرج يموت في الغابة لأنه لا يجد مساعدة وحماية من ابناء جنسه وكذلك الاسد البطيء يموت وبهلك في الغالبة من شدة الجوع، وكان الإنسان كذلك يوم كانت شريعة الغاب تتحكم بتصرفاته، ولكنه حين إرتقى إلى مستوى الإنسان، أصبح الأعرج يعيش بفضل تطور الإنسان أخلاقياً وإجتماعياً لما ظهرت الاديان السماوية وحثت المجتمع والناس على نشر الصدقات وإطعام الفقراء والعاجزين عن كسب قوتهم اليومي، وكان الإنسان قديماً يعيش بكده وتعب يديه أما اليوم فإنه يعيش بفضل مخترعاته وإكتشافاته.
وهنا أريد القول أن الذي ذكرته في مقدمة الكتاب من خلال الفصول الاولى يتناسب جداً مع طروحات سلامه موسى وتتماشى ذهنياً مع وجهات نظري حول مسألة التطور الثاني الذي أصبح الإنسان يغير حياته ليس بفعل يده كما كان قديماً فلما كان قديماً يغير حياته بفعل يده كان يعتمد بذلك على مبدأ الحظ والصدفة في إقتصادياته وعلى صدفات الطبيعة بما تهبه للإنسان من مياه ومناخ وكان كل شيء مبني بذلك على الصدفة والحظ، الزواج، الطلاق ، الرزق ، المرض، الموت، السفر، ولكن تطور الإنسان بفضل مخترعاته أدى إلى قهره للطبيعة على يد مخترعاته التي حرثت الارض وحصدتها بفعل آلة التركتورات وكذلك تقدر المختبرات الطبية وصناعة العقاقير والادوية ، عملت على معالجة المرأة العاقر، وشفي الإنسان من امراض كانت مستعصية مثل الكوليرا الموت الأسود.
إن كل هذه العوامل أثبتت صحة نظرية التطور والنشوء والإرتقاء اليس من الملاحظ أن بعض حبوب البذار لها قدرة على إعطاء الفلاح في الدونم الواحد أكثر من غيرها مثل الفرق بين بذور القمح أكساد وحوارني، حيث يظهر أن حبوب اكساد لها قدرات متطورة أكثر من غيرها وكذلك في المثل الذي ضربه سلامه موسى، عن الخيول وأصالتها.
وفي الوقت الذي دعا به المسيح لحماية الضعفاء كان بمقابل ذلك يقول نيتشه بإبادتهم على مبدأ، عبارته التي تقول: (ان نوع الإنسان والحيوان يرتقي بإبادة الضعفاء والعجزة).
ومن هذه البداية لسلامة موسى نختتم معه تاريخه النضالي في الفكر العربي من خلال كتابه (الادب للشعب) كيف تطورت الحياة العامة وأصبح للشعب دور مهم، أكثر من ايام زمان، حين كان الادب يكتب عن الفرد وعن المديح.
لقد عاش سلامه موسى، حياته وهو يدافع عن ما كتبه عن التطور في سنينه الاولى منذ كتاب السوبرمان إلى كتاب الادب للشعب، وكانت آخر إنتقاداته لعميد الادب العربي الكبير طه حسين حين قال طه حسين إن الادب هذه الايام رخيص والادباء يخاطبون الكثرة غير المثقفة، ويجب على الادباء أن يعودوا إلى الادب العالي والغالي.( )
وكان رد سلامه موسى رداً تطورياً إذ قال: إن المشكلة هنا ليست بالسهولة أو الصعوبة في نمط الكتابة ولكنها تكمن في الادب الملوكي أي ادب الملك فاروق وأدب الشعب وحياة الناس، وبهذا عاش سلامه موسى حياته كما إرتضاها لنفسه جان جاك روسو و مكسيم غوركي كي يبقى متصلاً بالشعب والحياة العامة.
وبهذا إنطوت الصفحات الاخيرة من حياة سلامه موسى ، وهو يبيع من المائة فدان التي ورثها عن أبيه وينفق منها على مؤلفاته، التي لم يكسب منها أي مبلغ مادي، ولم يكتف سلامة موسى بما قدمه من مؤلفات ، بل كان أول من قدم الروائي العالمي نجيب محفوظ ونشر رواياته الاولى في المطبعة التي كانت تحث منزله، كان سلامه موسى في آخر أيامه يشكو من ارتفاع ضغط الدم (180o ) وضغط الحياة العامة كان هذا الفيلسوف أعظم مجددٍ في الادب والنقد الحديث ولكن قلة من الادباء التي تعرفه ، وذلك يعود بسبب ندرت كتاباته في النقد الادبي الخالص.
ولكن لا يستطيع أي متخصص في الحداثة أن يتجنب ذكره ولو للحظة، وموعدنا معه بعد حين وأذكر القارئ في مقدمة حديثي، عن السؤال الذي سئل لـ جان دومرسون وبالكارثة التي تحل على الإنسان حين يعشق الفسلفة والادب.
لقد عشق سلامه الأدب والفلسفة والحياةوالتطور وكان بتطوره الفكري ضحية أفكاره، غير أن الناس تؤمن بتطور التلفزيون والستلايت والبترول وبالرصاص الذي لم يكن يوماً رصاصاً بل كان (راد يوم) غير أن الذين يؤمنون بتطور الأشياء والجماعات لا يؤمنون يتطور الإنسان بيولوجياً وثقافياً، وإن الشرق الأدنى يرفض في القرنيين السابع عشر والسادس عشر الإستسلام لثقافة الغرب ويستسلم في القرن التاسع عشر والثامن عشر للتكنولوجيا، التافهة ويرفض ثقافة الإنسان والإنسانية، وإن رجلاً مثل (توينبي) يصف التكنولوجيا الغربية بالتفاهة مقابل تطور الحياة العامة، وهذه إشارة من أن مشروع التطور بكافة أشكاله وضع من أجل خدمة الإنسان، لهذا عمل سلامه موسى على إذاعة وإشاعة مشروع التطور الذي ما زال إلى اليوم يحارب في أفكاره ومشاعره تجاه الإنسانية، إن التطور قانون حتمي سواء آمنا به أو لم نؤمن فإنه هو الذي يغير حياتنا.



المصادر والمراجع:
1. هوجز، هنري، التقنية في العالم القديم ترجمة: رنده قاقيش، مراجعة: محمود أبو طالب المؤسسة العربية للدراسات والنشر – توزيع دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان – الاردن، 1995م، ط1.
2. رضوان، عبدالله، البنى السردية، منشورات رابطة الكتاب الأردنيين – عمان – الأردن، 1995م.
3. غصيب، هشام، الأدباء العرب في مواجهة التحديات، الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، 1992.
4. الشرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، دار الطليعة – بيروت- الطبعة الرابعة – 1991م.
5. يحيى، حسب الله، تاريخية العلم، الجامعة الأردنية، مجلة دراسات عدد 37، دراسات عدد 37، دراسات في تاريخية العلم، هشام غصيب، المؤسسة العربية بيروت، ط1، 1993م.
6. بدران، إبراهيم، النهضة وصراع البقاء، المركز الثقافي العربي، المغرب، الدار البيضاء، ط1.
7. أبو اصبع، صالح، الكلمة والمصداقية عربياً بين ثوابت الثقافة ومتغيرات الإعلام، ندوة الإتحاد العام للأدباء والمفكرين العرب، مجموعة باحثين، 1992.
8. مؤنس، حسين، الحضارة، دار البركة للنشر عمان – الأردن، 2006م، ط2.
9. ربيع، محمد عبدالعزيز، الوسطية والعقلانية، مجلة المنتدى، عدد 221، 2005م، عمان – الأردن منتدى الفكر العربي – عمان- الأردن.
10. شومر، توفيق، وعي المجتمع المدني، مجلة أفكار وزارة الثقافة – عمان – الأردن، عدد 203، 2005م.
11. شومر، توفيق، نظرية التطور الإجتماعي، نصوص مختارة، ط2، 2006م، دار البركة للنشر والتوزيع عمان الأردن.
12. شومر، توفيق، فلاسفة الإسلام ومفهوم العقلانية صحيفة الغد 3/6/2006م عمان – الأردن.
13. خريسات، محمد عبد القادر، الأردنيون والقضايا الوطنية، مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية عمان – الأردن 1992م.
14. محمود، فايز، الأعمال الكاملة، منشورات البنك الأهلي الأردني.
15. جدعان، فهمي، نظرية التراث، ط1، 1985، دار الشروق عمان الأردن.
16. العلي، فريال، سنديانة التاريخ المورقة، مجلة المنتدى، عدد 224- 2005م.
17. العليان، عبدالله علي، الوسطية والإصلاح والواقع العربي الراهن، مجلة المنتدى، عدد 232-2005م منتدى الفكر العربي – عمان – الأردن.
18. مراشده، عبدالرحيم، الفضاء، الروائي، سلسلة دراسات وزارة الثقافة، عدد34، 2002م.
19. العابد، إرشيد عبدالرزاق، أيديولوجيا أم اطار عمل، المجلة الثقافية، عدد 37- سنة 1996م الجامعة الأردنية- عمان الأردن.
20. جاكوبز، جين، المدن وثروات الشعوب، ترجمة: هادي أبو غزالة وحسن صالح، دار البشير – عمان الأردن.
21. هنري الثامن وزوجاته الست، عن دراسة بول ريفال، دار ومطابع المستقبل بالفجالة والإسكندرية، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر – بيروت، بإشراف:- رؤوف سلامة موسى.
22. قضية المرأة، مجموعة باحثين، دار نشر الأدب السياسي، موسكو 1971، دار الفارابي بيروت.
23. أبو خليل، أحمد، إستراتيجيات الفقراء لمكافحة فقرهم.
24. الشرقاوي، عفت، في فلسفة الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية بيروت 1977م.
25. الملطاوي، حسن، فلسفة التقدم عند العقاد، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1996.
26. منذور، محمد، النقدوالنقاد المعاصرن، نهضة مصر للطباعة، 2003م، ط1.
27. خشبة، دريني، عباس العقاد، المجلة الجديدة 1931 – 1933 السنة الثانية، الملجد الثاني، دار ومطابع المستقبل- 2001م.
28. القط، عبدالحميد، عبدالقادر القط والتقدم العربي، مكتبة الخانجي، 1989م.
29. ب ........، مصر تكتظ بسكانها، المجلة الجديدة المجلد الثاني، السنة الثانية، 1930-1931م، دار ومطابع المستقبل، 2001م.
30. محمود، زكي نجيب، عربي بين ثقافتين، دار الشروق ط1، 1990م.
31. عاصي، ميشال، أوراق من باريس، عالم الثقافة دار المفيد، 1981م.
32. لانجلو، سينويوس، بول ماس، أمنوائيل كانط، مجموعة باحثين: ترجمها عن الفرنسية والألمانية عبدالرحمن بدوي، وكالة المطبوعات الكويت 1977م.
33. البيطار، نديم، جذور الإقليمية الجديدة، معهد الإنماء العربي – بيروت 1983، ط1.
34. الضاوي، أحمد عرفات، دراسة في أدب أحمد الشدياق وصورة الغرب فيه، ص221، وزارة الثقافة – عمان الأردن 1994.
35. جرجاوي، نسيم، أوقات الفراغ وأثرها في المدينة، المجلة الجديدة، السنة الثانية، المجلد الثاني 1930-1931، دار ومطابع المستقبل 2001م، ط1.
36. خورشيد، فاروق، هموم كاتب العصر، دار الشروق بيروت، القاهرة، 1981م.
37. المصري، إبراهيم، المثل الأعلى للفرد والمجتمع عندنا، المجلة الجديدة، السنة الثانية المجلد الثاني 1930-1931، دار ومطابع المستقبل، 2001م.
38. نجيب محمود، زكي، هذا العصر وثقافته، دار الشروق 1980، الطبعة الأولى، ط1.
39. الداوي، عبدالرزاق، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة للطباعة والنشر – بيروت، ط1، 1992م.
40. العالي، عبدالسلام نعبد، ثقافة الأذن وثقافة العين، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب 1992م، ط1.
41. ديوي، جون، الفردية قديماً وحديثاً، ترجمة خيري حماد،مراجعة مروان الجابري، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت 1960م.
42. المسيري، عبدالوهاب، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، دار الفكر دمشق – دار الفكر المعاصر بيروت- لبنان 2002م، ط1.
43. سيلو، توما، الثقافة والمعرفة البشرية، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، عدد 328، 2006م – الكويت – الكويت.
44. الطاهر، لبيب، علاقة المشروع الديموقوراطي بالمجتمع المدني، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992م، ط1.
45. المنظمة العربية للتربية والثقافة والفنون، إستراتيجية عربية للتكنولوجيا الحيوية، تونس، 1993م، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا- مصر- القاهرة.
46. الغزاوي، نعمة، زكي مبارك... سيرته الذاتية، وزارة الثقافة بغداد، 1990م، ط1.
47. تومسون، كينت، قادة الفكر الدولي في القرن العشرين، ترجمة: حسين فوزي النجار، دار المعارف القاهرة 1985.
48. قسوم، نضال، أجمل قصة للعالم، مجموعة باحثين، مجلة العربي عدد 476، 1998م، الكويت. عرض وتقديم:- نضال قسوم.
49. الترمانيني، عبدالسلام، الرق ماضيه وحاضره، سلسلة عالم المعرفة، عدد 23- الكويت – الكويت.
50. علاونة، جهاد، أثر الثقافة الشرقية على المرأة والرجل ط1، 2006م، وزارة الثقافة – عمان- الأردن.
51. لانجليه، موريس، العبودية، ترجمة: إلياس مرقص، دار الحصاد للنشر والتوزيع، سوريا، دمشق، ط1، 1994م.
52. عبود، حنا، الحداثة عبر التاريخ، منشورات إتحاد الكتاب العرب، 1989م، ط1.
53. موسى، سلامة، حرية الفكر، سلامة موسى للنشر والتوزيع، ط1، 1935- مصر- القاهرة.
54. ديورانت، ول، قصة الحضارة، عدد 26، ترجمة محمد علي أبو دره، مراجعة: علي أدهم، منشورات جامعة الدول العربية، 1972، القاهرة- عابدين.
55. ديورانت، ول، قصة الحضارة، الجزء السادس، المجلد الرابع، عدد 25، منشورات جامعة الدول العربية.
56. أبو عيانة، فتحي محمد، جغرافية العمران، مكتب كريرية إخوان – بيروت 1984م.
57. عزت، وهبه، المرأة والدين، دار الفكر المعاصر سوريا- دمشق – بيروت، ط1، 2000م.
58. جنبلاط، كمال، العمال والفنانون، ترجمة فؤاد شاهين، 1979م.
59. سيف الدولة، عصمت، الأسس ... البعد الرابع، ط1، دار المسيرة 1979م.
60. جواوفكسي، اليكس، الإسلام والمسيحية، ترجمة خلف جراد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
61. الأهواني، أحمد فؤاد، المعقول واللامعقول دار المعارف – مصر- 1970م.
62. العشري، فتحي، قمم عربية... وغربية، مجلة الفكر المعاصر، ص247.
63. العراقي، محمد عاطف، الفلسفة الإسلامية، سلسلة: كتابك، عدد 55.
64. إبراهيم، زكريا، أبو حامد الغزالي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، سلسلة إعلام العرب رقم 35.
65. لينين، المختارات في ثلاث مجلدات، ج1، دار التقدم موسكو، 1976م.
66. ديورانت، قصة الحضارة، ج5، مجلد6، ترجمة علي أبو دره، مراجعة: علي أدهم، جامعة الدول العربية 1973.
67. عنان بك، حسين، علاقة الإنتاج الزراعي بتغذية الشعوب، مجلة المقتطف، 1936م.
68. سكيرس، جنيمز، الثقافة الحضرية في مدن الشرق، ترجمة ليلى الموسوي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 308، ط1، 2004، الكويت – الكويت.
69. شلبي، خيري، مؤرخو مصر الإسلامية، دار ومطابع المستقبل بالفجالة والإسكندرية – مكتبة المعارف – بيروت، ط1، 1998.
70. عبده، سمير، صناعة تزييف التاريخ، دار الكتاب العربي – دمشق – ط1، 1989م.
71. النشار، عبداللطيف، قصيدة شعرية، المجلة الجديدة، دار ومطابع المستقبل مايو، السنة الثانية المجلد الثاني 2001م، المجلة الجديدة – 1931-1933.
72. ديوارنت، ول قصة الحضارة، ترجمة: عبدالحميد يونس ج1، عدد -22- منشورات جامعة الدول العربية 1968م.
73. المبارك، محمد، المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي دار الفكر، موسم حج 1965م.
74. عبدالله ، عبدسرور، الإعلام والثقافة، دار المعرفة الجامعية – الإسكندرية، 1985م.
75. افرينوه، الكسندرا ملتيا، مجلة أنيس الجليس 1899م، ص447.
76. عبده، سمير، العرب والحضارة العلمية الحديثة، منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت، 1982، ط1.
77. ياسين، بوعلي، نحن والغير في العلاقات الإقتصادية والسياسية – دار الحوار- سوريا – اللاذقية- ط1/1990م.
78. العفيفي، عبدالحكيم، مجتمعات تحت حصار الطغيان، الزهراء للإعلان العربي، ط1، 1992م.
79. مجموعة باحثين، الإنتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، ترجمة عصام خفاجي، دار ابن خلدون.
80. هاوزر، آرنولد، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة فؤاد زكريا، مراجعة أحمد خاكي، دار الكتاب العربي، للطباعة والنشر، 1969م.
81. بلبع، عبدالمنعم، أضواء على الزراعة العربية، 1985، ط2.
82. سعيد، فتحي، أمير الشعراء، سلسلة كتابك رقم 54 دار المعارف القاهرة، 1978م.
83. أبو شادي، أحمد زكي، حوليات سلامة موسى، عدد5، 1999م.
84. النقاش، رجاء، كلمات في الفن، دار القلم، ط1، 1971.
85. عبده، مصطفى، النحت والتصوير بين الإباحة والتحريم، ط2، 1999م، مكتبة مدبولي – القاهرة.
86. كريم، سامح، طه حسين يتكلم، سلسلة كتابك عدد 57، دار المعارف القاهرة.
87. الصاوي، محمد، يوسف شاهين أمام المحاكم، مكتبة المعارف الحديثة الإسكندرية – مصر.
88. سلسلة نوابغ، سيد درويش، عدد 12، دار العودة – بيروت – 1975م.
89. منصور نور، تحطيم الأوهام حول ثورة 1919م مركز الدراسات الإشتراكية – مصر – القاهرة.
90. دياب، عبدالحي، عباس العقاد ناقداً، الدار القومية – مصر – 1966م.
91. الشامي، علي، الفلسفة والإنسانية، ط1، بيروت، 1990م.
92. الهاشمي، بشير، دراسات في الأدب الحديث، الدار العربية تونس، 1978م.
93. نجيب، ناجي، النزوع إلى العالمية ونشأة الواقعية الحسية، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر – بيروت، 1985م.
94. العقاد، عباس محمود، رجعة أبي العلاء المعري، 1970، ط1.
95. الألوسي، جمال الدين، العقاد، عملاق الأدب والفكر والفن، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1987م.
96. الجندي، أنور، جيل العمالقة والقمم، دار الإعتصام، 1985، ط1.
97. قنديل، بيومي، حاضر الثقافة في مصر، دار الوفاء للطباعة والنشر، 1999م.
98. أبو الليل، محمود نجيب، الصحافة والثقافة في مصر، دار الإعتصام، 1985م.
99. جاك، بيرك، مصر الإمبريالية والثورة 1919، ترجمة: يونس هلال، الهيئة المصرية، العامة للكتاب، 1987م.
100. تيزيني، الطيب، في المجال الفكري الراهن، سلسلة كتب في مختلف مجالات المعرفة والإبداع، ط1، 1989، دار الفكر الجديد.
101. حنفي، حسن، الدين والثقافة والسياسة، دار قباء للطباعة – القاهرة عبده غريب، 1998م، ط1.
102. اركون، محمد، الفكر العربي، ترجمة: عادل العوا، دار عويدات – باريس ط1، 1982م.
103. سليمان، سهيل زكي، تطور الثقافة العلمية في لبنان ومصر، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط1، 1987م.
104. المقتطف، ج1، مجلد 63، 1923.
105. المجلة الجديدة، الصحافة السورية في مصر 1931، عدد أغسطس، القاهرة – دار مطابع المستقبل 2001م، السنة الثانية، المجلد الثاني مايو 1931- 1933م.
106. علي، ناصر، العرب وتحديات المستقبل، المجلة الثقافية – الجامعة الأردنية، عدد 37، 1996.
107. شكري، غالي، حوليات سلامة موسى، دار ومطابع المستقبل، كتاب غير دوري يختص بحياة سلامة موسى، الكتاب الخامس، 1999م.
108. حسين، طه، تقليد وتجديد، دار العلم للملايين بيروت، ط1، 1978، ط3، 1984م.
109. فرج، الفريد، تأملات في الثقافة، سلسلة دراسات، رقم 297، الجمهورية العراقية 1982م.
110. زكي، فكرية، العامل الإقتصادي في الأدب، مجلة الرسالة عدد 59، 1934، السنة الثالثة.
111. لبيب، طاهر، سويسولوجية الثقافة، دار الحوار للنشر والتوزيع – سوريا – اللاذقية.
112. سعيد، فتحي، شوقي امير الشعراء، سلسلة كتابك عدد 54، دار المعارف القاهرة.
113. مظهر، أسماعيل، في النقد الأدبي، دار مكتبة الحياة بيروت – 1950.
114. البقري، أحمد ماهر، العقاد الرجل والقلم، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية 1972م.
115. غالب، مصطفى، عباقرة الأدب، منشورات دار حمد بيروت، 1978م، ط1.
116. فؤاد، نعمات أحمد، الجمال والحرية الشخصية الإنسانية في أدب العقاد، دار المعارف القاهرة 1983م.
117. العقاد، عباس محمود، آراء في الآداب والفنون، مجموعة مقالات نشرت بعد وفاته 1981.
118. منصور، أنيس، في صالون العقاد كانت لنا ايام، دار الشروق بيروت، القاهرة، ط1، 1983.
119. العقاد، عباس محمود، مجلة الرسالة- 21/7/1947م.
120. العقاد، عباس محمود، خلاصة اليومية، 1912م، وهذا أول كتاب له.
121. عبدالحي، دياب، عباس العقاد ناقداً، الدار القومية – مصر – 1966م.
122. حجازي، محمد عبدالواحد، سيرة الحب والجمال في حياة العقاد، دار الوفاء لدنيا الطباعة الإسكندرية 2004م.
123. العقاد، عامر، لمحات من حياة العقاد، دار الكتاب العربي، 1964م.
124. النقاش، رجاء، العقاد بين اليمين واليسار، 1988م.
125. تيزيني، الطيب، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي.
126. النقاش، رجاء، كلمات في الفن، دار القلم ط1، 1971م.
127. عوض، لويس، حوليات سلامة موسى، عدد2، دار ومطابع المستقبل – بيروت- الإسكندرية مكتبة المعارف، كتاب غير دوري يختص بحياة سلامة.
128. منصور، أنيس، حوليات سلامة موسى، عدد2، 1994م، دار ومطابع الفجالة بالإسكندرية ، مكتبة المعارف.
129. كروب، محمد، في راهنية فكر سلامة موسى، الحوليات، عدد2، 1994م.
130. صقر، يوسف، الرائد المتحرر لم يكن يغني بين صم، الحوليات عدد2، 1994م، دار
131. النقاش، رجاء، سبعون عاماً من التاريخ، الحوليات، عدد2، 1994.
132. خليل، فتحي، النجاح والفشل، الحوليات، عدد2، 1994م دار ومطابع الفجالة بالإسكندرية.
133. يفين، تطور الفكر العربي المعاصر، ترجمة: أنور محمد إبراهيم، دار العالم الجديد – القاهرة، 1988م.
134. الرمادي، جمال الدين ، الأديب الذي فقدناه، الحوليات عدد5، 1999م.
135. النحوي، عدنان علي رضا، الحداثة من منظور إيماني، الشروق – بيروت – القاهرة- ط1، 1983م.
136. سلامة، رؤوف، الحوليات: كتاب غير دوري خاص بحيات سلامة موسى، الحوليات عدد 2، مطابع الفجالة بالإسكندرية، 1994م.
137. موسى، سلامة، البلاغة العصرية واللغة العربية، 1945م مطبعة التقدم، القاهرة.
138. موسى، سلامة، محاولات، سلامة موسى للنشر والتوزيع، تراث من الكفاح الهادف ط1، 1953م.
139. عانوتي، اسامة، كنوز من الفكر العربي، الأهلية للنشر والتوزيع – بيروت – 1981م.
140. رياض، هنري، سلامة موسى والمنهج الإشتراكي، بيروت – لبنان، ط2، 1991م.
141. موسى، سلامة، السوبرمان، دار المستقبل ط1، 1910م، ط2، 1927م.
142. موسى، سلامة، الأدب للشعب، سلامة موسى للنشر والتوزيع – القاهرة، ط1، 1952.
143. وهب، علي، خصائص الفقر والأزمات الإقتصادية بالعالم الثالث، دار الفكر اللبناني – بيروت – ط1، 1996.
144. الشايب، أحمد، كلام في السياسة، ط1، 1987، مكتبة النهضة المصرية – القاهرة.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,632,639,520
- اثر الثقافة الشرقية على المرأة والرجل
- المراة الشرقبة بين ثقافتين رعوية وزراعية
- المفكر العربي الكبير - سلامه موسى
- الحجاب الأجتماعي


المزيد.....




- سيرينا وليامز على بعد خطوة من لقبها الثالث على التوالي
- داعش يطلق هجوما جديدا على الحدود التركية في كوباني
- التونسيون يختارون ممثليهم في البرلمان وسط مخاوف
- أوباما يدعو إلى التعامل مع إيبولا على أساس الحقائق لا الخوف ...
- شاهد كسوف الشمس الجزئي في سماء كولورادو
- خمسة أخطاء شائعة حول وجبة الفطور
- الجيش يسيطر على 90 بالمئة من بنغازي
- انطلاق الندوات السياسية المؤطرة لانتخاب أمناء الفروع المحلية ...
- توهج شمسي جديد قد يسبب عاصفة مغناطيسية قوية
- مسلحو -داعش- يقصفون شمال عين العرب


المزيد.....

- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله
- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جهاد علاونه - الفردية والجماعية في ضوء التطور دراسة عن سلامه موسى والعقاد والثقافة العربية