أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج كتن - منجزات المحاكم الإسلامية الصومالية؟!















المزيد.....

منجزات المحاكم الإسلامية الصومالية؟!


جورج كتن

الحوار المتمدن-العدد: 1796 - 2007 / 1 / 15 - 11:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في حزيران الماضي عندما سيطرت المحاكم الإسلامية على مقديشو, قلنا في مقال أن الاستعمار ترك وراءه, أنظمة نخب تبنت المفاهيم الغربية حول النظام الديمقراطي والحريات وحقوق الإنسان والقوميات والتنمية, لكنها لم تصمد طويلاً أمام انقلابيين عسكريين استغلوا تخلف مجتمعاتهم لإعادة إنتاج أنظمة استبدادية هيمنت على ثروات بلدانها على حساب تقدم شعوبها. وهي أنظمة وصلت لطريق مسدود بعد تراكم الأزمات التي سببتها, بحيث أصبح استبدالها أمراً ملحاً, فالجدل الأهم ليس حول بقائها أو زوالها, ولكن حول التوقيت والوسيلة وطبيعة البديل.
الإسلام السياسي القوة الأكبر التي تطرح نفسها بديلاً, ليست أقل استبداداً من سابقاتها, فهي تطرح مفاهيم "مقدسة" لإدامة الاستبداد والتخلف, يتلخص برنامجها في: المرجعية في كل الأمور للنصوص القديمة الصالحة لكل زمان ومكان, والوقائع الجديدة انحراف وخروج عن الحياة الموصوفة في النصوص منذ قرون, والعقل مهمته حفظ النصوص وتطبيق حلولها المتخلفة قسراً, بدل التفكير بحلول جديدة مناسبة.
المقاومة الإسلامية المدعاة للمجتمع الغربي والعالمي إجمالاً هي ممانعة لمفاهيم الحداثة, فالعلوم والتقنيات الغربية المتقدمة مقبولة من الممانعين, لكن المفاهيم الإنسانية والاجتماعية والثقافية التي أنتجت هذه التقنيات مرفوضة لتعارضها مع نصوص التراث القديم, والجمع بينها وبين المفاهيم القديمة البالية فشل حتى الآن في إنتاج حضارة, بحيث اقتصرت الحداثة "المزعومة" على استخدام منتجات الغرب - استخداماً سيئاً غالباً- دون القدرة على ابتكارها أو تقليدها, ليبقى الإبداع المتميز لبلدان المنطقة, العداء للآخر والتكفير والقتل والتفجير...الخ
لم تعد أهداف تيار "الإسلام السياسي" برامج لمعارضات, فقد وصل التيار إلى السلطة في بلدان متعددة وقدم نماذج لا تبشر بالخير لشعوب عانت الأمرين من أنظمتها, ولم تجد جديداً في ممارسته رغم انخداعها بالشعار الجذاب: "الإسلام هو الحل", الذي رفعته المنظمات المتأسلمة لكسب الشعبية.
لقد كتب الكثير عن الأنظمة الدينية في إيران وأفغانستان وسودان الترابي وعن الجماعات الإسلامية المسلحة التي لم تصل إلى السلطة في الجزائر ومصر وتحولت إلى عصابات للإجرام والقتل العشوائي, لكن المأساة- الملهاة الأحدث هي دولة الإسلاميين الصوماليين التي لم تصمد أكثر من ستة أشهر, ما بين احتلال ميليشيات المحاكم لمقديشو وذوبانها خلال بضعة أيام, ليس بعد قتال ضار, بل بعد فرار فوضوي.
لم تمكن الفترة القصيرة لأمارة المحاكم من استكمال نموذجها, ولكنها باشرت تطبيقه. فإذا كانت الصومال البائسة ما زالت تعيش أوضاع القرون الوسطى، فميليشيات المحاكم تعهدت بإعادتها إلى القرون الحجرية!, فقد رفضت وضع المكسب الوحيد المحقق, هزيمة أمراء الحرب, في إطاره الحقيقي لصالح نواة الدولة المركزية التي تمثلها الحكومة الانتقالية كمشروع لدولة حديثة, وتهربت, تلبية لطموح رجال دين للسلطة ولمصالح دول تزود المحاكم بالمال والسلاح, من دعوات المصالحة مع الحكومة وضم مسلحيها ومحاكمها للأجهزة الحكومية.
لم يتجاوز التغيير استبدال عصابات أمراء الحرب التي عاثت فساداً مكشوفاًً, بميليشيات المحاكم التي عاثت فساداً متستراً بالنصوص كما يفهمها الجهلة, فكانت أهم "إنجازاتها":
- شكلت المحاكم مجلس قبائل رئيسه الشيخ حسن عويس المطارد دولياً لعلاقته ببن لادن, ومؤسس "الاتحاد الإسلامي" الموضوع على قائمة الإرهاب الدولية, وكانت أولى تصريحاته: رفض الديمقراطية الغربية التي تحاول الحكومة المؤقتة فرضها, وتأييد إعلان الظواهري للصومال كساحة مواجهة ضد أميركا. وتخفي المحاكم في صفوف ميليشياتها أبو طلحة السوداني زعيم تنظيم القاعدة في شرق أفريقيا بالإضافة لآخرين مشتبه بتفجيرهم لسفارتين أمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998, ويدير الميليشيات قادة عسكريين كانوا مقاتلين في أفغانستان.
- أعلن الشيخ عبد الله علي العضو المؤسس للمحاكم أن"الشريعة تأمر بقتل أي مسلم لا يصلي يومياً", ما يذكر بعصي مطوعي السعودية لإجبار الناس على الصلاة, بينما متأسلموا الصومال فضلوا الرصاص على العصي!!.
- صرح الشيخ صلاد رئيس أحد المحاكم: لقد حذرنا من مغبة سماع الموسيقى في الأعراس لمخالفتها للشريعة, كما أن اختلاط النساء والرجال في العرس فسقاً لا يمكن السماح به, فقام مسلحو المحاكم بضرب أفراد فرقة نجوم مقديشو الموسيقية بأسلاك كهربائية وحطموا آلاتهم لمشاركتهم في إحياء أحد الأعراس.
- صدر قرار بتحريم مباريات كأس العالم لكرة القدم بادعاء أنها تتضمن ترويجاً لمشروبات روحية ولحم خنزير وصور لنساء, وقد قتل مسلحو المحاكم أحد أصحاب دور السينما, فيما هاجمت ميليشيات المحاكم دار سينما تعرض إحدى المباريات وفتحت النار فقتلت وجرحت مشاهدين وحطمت أجهزة الالتقاط والعرض, وجلدت مائة شخص لارتيادهم السينما. ولم يصدر بعد ما يفيد أن رياضة كرة القدم محرمة لأنها ليست ضمن "الرماية والسباحة وركوب الخيل" المسموح بها فقط حسب فتوى من بلدان أخرى.
- أعلن الشيخ عويس أن النية متجهة لإقامة دولة إسلامية صومالية كنواة لدولة إسلامية في شرق أفريقيا تشمل أراض من أثيوبيا, كما دعم عمليات مسلحة في إقليم أوغادين الأثيوبي. وعندما تأزمت الأوضاع مع الجار الإثيوبي أعلنت المحاكم الجهاد ضده ودعت مقاتلين أجانب للمشاركة في هجوم على أديس أبابا!. بينما صرح الشيخ شريف أحمد رئيس المحاكم أن الإمارة الصومالية التي تحكم حسب القوانين الإسلامية, لم تطبق الحدود بعد (قطع الرؤوس والأطراف والجلد..), فقد استبعدت مؤقتاً إلى أن تسمح الظروف بتطبيقها.
- قامت الميليشيات بمضايقة النساء اللواتي لا يرتدين لباساً مقبولاً من المسلحين، كما اعتبر تناول القات جريمة, وحظرت التجمعات السياسية, وقتلت راهبة تعمل في مجال الإغاثة للتعبير عن الغضب من تصريحات البابا...
ماذا كانت ستفعل الإمارة أكثر, فيما لو توفر لها الوقت الكافي, - عدا توسيع الإرهاب والهمجية والقهر والتجهيل... تحت ستار المقدس -, لتضيفه إلى معاناة شعب ابتلى بحرب أهلية وانهيار التعليم والصحة وخدمات المياه والكهرباء, والقتل والسلب والخطف وقطع الطرق والهجرة القسرية... فكل ذلك أمور ثانوية طالما أن الموسيقى لا تسمع ومباريات كرة القدم لا تشاهد.. والمؤمنون يهرعون للصلاة تحت تهديد القتل..!
هل سيشكل النظام الجديد فارقاً بإنهاء معاناة الصوماليين؟ الحكومة الانتقالية لم تنجح منذ تشكيلها عام 2004 بتوحيد البلاد حول سلطة مركزية قوية وبإيقاف الصراعات المسلحة وتوفير الأمن والخدمات..., بسبب افتقادها الدعم الداخلي والخارجي الكافي, فهل يتوفر هذا الدعم حالياً؟
هل يقتنع حاملو السلاح خارج إطار الأجهزة الحكومية من مناصري أمراء الحرب والميليشيات الإسلامية, أن العنف لا طائل منه ولا يؤدي إلا للمزيد من القتل والخراب والتهجير.. أي تكرار تجربة العنف الطالباني في أفغانستان, والسلفي والصدامي والصدري في العراق, والفلتان الأمني في فلسطين, والحروب الإلهية المكلفة في لبنان, وأن جمع الأسلحة وتسليمها للحكومة هي الخطوة الأولى للأمن والاستقرار والمصالحة وإعادة بناء أجهزة الدولة وتشغيل المرافق والتوافق على حل الخلافات بالطرق السلمية والانخراط في التحضير لانتخابات تأسيسية لصوغ دستور, وتشريعية ورئاسية لإنهاء الوضع الحكومي الانتقالي.
كل ذلك لن يحصل دون مساعدة خارجية من المجتمع الدولي المهتم بأمن القرن الأفريقي, بعقد مؤتمر دولي حول الصومال للمساهمة في تثبيت السلام, والعمل لاستبدال القوات الأثيوبية التي تدخلت لمنع سقوط الحكومة الانتقالية المحاصرة, بقوات من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وتمويل من الأمم المتحدة.
الاستبدال هو الحل الأفضل, رغم أن القوات الأثيوبية حظيت بدعم دولي وإقليمي لإنهاء سيطرة المحاكم الإسلامية الملغمة بالإرهاب الدولي, على أن يكون الوجود الإقليمي والدولي البديل استعارة مؤقتة إلى أن تتمكن الحكومة الصومالية من توفير قوات محلية كافية لمنع عودة الصراعات المسلحة.
وليتحقق ذلك لا بد للصومال من علاقات طبيعية مع جميع الدول المجاورة والبعيدة لتسهيل مساهمتها في إعادة البناء, فالحكومة ستحتاج لكل مساعدة يمكن الحصول عليها, والسباق بين هذه الأهداف والأطراف المتشددة يحسمه انحياز الشعب الصومالي ورفضه دعوات استئناف العنف لتعارضه مع مصالحه الحياتية.
إن سقوط الدولة الدينية في أفغانستان والصومال, وفشل إقامتها في الجزائر ومصر والسودان, ومقاربتها للفشل في العراق, وأزماتها المتلاحقة داخلياً وخارجياً في إيران, واضطرارها لإجراء خطوات إصلاحية في دول خليجية.. سيفسح المجال في المنطقة لتيارات حداثية لا زالت جنينية, لتحظى بدعم شعبي متزايد لتلعب دوراً أكبر في قبر الاستبداد والظلامية للالتحاق بمسيرة الحضارة الإنسانية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,443,421
- -الاتجاه المعاكس- للمنطق: الدكتاتورية هي الحل!
- ما بعد الاستبداد شبه العلماني
- هل تهجير المسيحيين هو الحل؟!
- مشروع -الراديكالية الإسلاموية- للانتحار الجماعي
- حراس الثوابت والعدمية الفلسطينية المتجددة
- مقتل طفلة من بيت الأمارة
- وقفة مراجعة بعد خمس سنين على هجمات 11 / 9
- الهمجية في تاريخ المنطقة والعالم
- انتصار سياسي للبنان وحكومته
- التورط والتوريط أم السياسة الواقعية
- حوار مع الكاتب والسياسي جورج كتن*
- عندما يخلط الإخوان الدين بالسياسة الوطنية
- ما هو مشترك بين الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين
- طريقة مبتكرة لعقاب السفاحين
- الصوملة : الإسلام هو الحل أم الدولة الحديثة
- رسالة إلى مؤتمر كردي سوري
- الأمازيغية والكردية صنوان
- مواجهة بين التنوير والظلامية في البحرين
- رسالة مفتوحة للإخوة في التحالف الكردي والجبهة الكردية
- حماس في فخ السلطة


المزيد.....




- لبنان.. عندما تتخطى الاحتجاجات الطائفية والمناطقية والطبقية ...
- زعيم حماس يحذر من خطورة مخططات إسرائيل لـ«تهويد» المسجد الأق ...
- الخريطة السياسية للقوى الشيعية المناهضة للأحزاب الدينية
- تقرير فلسطيني: الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية لتصعيد الاعتد ...
- واشنطن بوست: الانتقام الوحشي من النشطاء في مصر يمكن أن يغذي ...
- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...
- لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري تضع 10 إجراءات لتج ...
- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج كتن - منجزات المحاكم الإسلامية الصومالية؟!