أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير محمود ناصر - محمد قشقارة - أثر القرار السياسي على القرار الاقتصادي






















المزيد.....

أثر القرار السياسي على القرار الاقتصادي



سمير محمود ناصر - محمد قشقارة
الحوار المتمدن-العدد: 1796 - 2007 / 1 / 15 - 08:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


• مقدمة
• أهمية و أبعاد القرار السياسي .
• كيفية صنع القرار السياسي .
• كيفية صنع القرار الاقتصادي .
• العلاقة المتشابكة بينهما .
• الأسس المثلى لاتخاذ القرار السياسي ذو الطبيعة الاقتصادية .
• الخاتمة
• مصادر البحث

مقدمة :

لقد كان ينظر إلى الاقتصاد على أنه أساساً أداة أو وسيلة للسياسة و الأخلاق و مع نمو الرأسمالية التجارية الذي صاحب تفسخ و انهيار النظام الإقطاعي في أوروبا منذ القرن السادس عشر و حتى القرن الثامن عشر أصبحت الدولة هي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي و المنتفع الرئيسي منه ، و في هذه الأثناء ظهر الاقتصاد الكلاسيكي و تطور كحقل متميز للدراسة و كان الهدف الرئيسي له في البداية يركز على دراسة أفضل و أنجع الوسائل الفعالة التي يمكن للدولة أن تنتهجها في إدارة الاقتصاد لكي تحقق أعلى معدلات ممكنة من الثراء و الرفاهية لأفراد شعبها على افتراض أن هناك تناسقاً كبيراً ما بين المصالح الفردية و مصالح المجتمع .
و ساهم ظهور و تطور الاقتصاد الكلاسيكي الحر تحت زعامة المفكر الاقتصادي الشهير آدم سميث في تحويل اهتمام الاقتصاد السياسي إلى دراسة رجل الدولة أو المشرع فضلاً عن التخلي عن أهم فكرتين رئيسيتين كانتا سائدتين خلال فترة الرأسمالية التجارية و هما إعطاء الدولة دوراً رئيساً في إدارة و توجيه الاقتصاد و النظرة العضوية لنمو المجتمعات .و بدأ ظهور فلسفة الليبرالية السياسية في التأكيد على أهمية المساواة و الحرية و لكن بوسائل كانت تهدف إلى تقييد و تحجيم الدور الاقتصادي للدولة و إلى إبعاد الحكومة عن التأثير في نظام السوق .
و تنبع أهمية هذا البحث من خلال أن الوطن العربي بشكل عام و سوريا بشكل خاص تدخل في خضم تطورات و تحولات اقتصادية سواء على النطاق الداخلي أم الخارجي و هذه التطورات يجب أن يتم استغلالها لتحقيق أكبر ريعية اقتصادية ممكن مع الحفاظ على الثوابت الاستراتيجية و الو قومية و الوطنية و من أجل أيضاُ تحقيق تنمية و مكاسب سياسية مستقبلية .
*فقد شهدت الفترة الأخيرة الممتدة منذ بداية الثمانينات و حتى الآن ازديادا ملحوظاً في استخدام التفسيرات و التحليلات الاقتصادية للمشاكل السياسية ، إلى الدرجة التي حدت ببعض من الكتاب للإشارة إلى حدوث هيمنة أو اختراق اقتصادي لعلم السياسة و النظرية السياسية و ظهر أثر هذا الاختراق في كل فروع علم السياسة و منها التنمية السياسية . فقد شهدت هذه الفترة تحولاً مهماً في أدبيات التنمية السياسة متماثلاً في عودة الاهتمام ، بين المنتمين إلى الحقل على اختلاف توجهاتهم بدور العوامل الاقتصادية الإنتاجية منها و التوزيعية في مسيرة التنمية السياسية . و قد كان لذلك الاهتمام دور رئيسي في تبلور اتجاه جديد لدراسة التنمية السياسية يحاول تجاوز إخفاق النظريات السابقة في مجال التنظير و التحليل ، مبتعداً عن التناول المعياري للمشاكل التنموية ( وضع التصورات المثالية للدولة المتقدمة سياسياً ) ، التي ميزت النظريات السابقة و بخاصة نظرية التحديث ، و ذلك بالتركيز على دراسة الوضع الحاضر و ربط التنمية السياسية بالتنمية الاقتصادية بحيث تصبح الأولى مجرد انعكاس للأخيرة و ذلك في محاولة لإيجاد نظرية جديدة للتنمية السياسية تتسم بالبساطة و الوضوح و يمكن التحقق منها تجريبياً . و عرف هذا الاتجاه بالاقتصاد السياسي للتنمية السياسية و يرى ستانيلاند Staniland أن ظهور هذا الاتجاه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرتين متلازمتين هما : كيف يمكن للسياسة أن تتحكم في النشاط الاقتصادي و كيف يمكن للمؤسسات الاقتصادية أن تتحكم في العملية السياسية .و قد اتجهت كتابات الباحثين في هذا المجال ، و بخاصة Almond جبرائيل الموند (1978) و Apter ديفيد أبتر (1971) ، نحو استخدام النماذج الاقتصادية و تأكيد أهمية الاختيار بين البدائل المتاحة لصانعي القرار في الدولة .
و هنا نرى أن هدف البحث هو إظهار أسس اتخاذ القرار السياسي بشكل عام و في الوطن العربي بشكل خاص و كيفية اتخاذ القرار الاقتصادي بشكل عام و في الوطن العربي بشكل خاص و كيفية تأثير القرار الاقتصادي بالقرار السياسي و بالعكس بالإضافة إلى تأثير العلاقات السياسية الدولية بالعلاقات الاقتصادية الدولية و إظهار التشابك بين الاقتصاد من جهة و بين السياسة من جهة أخرى.
و قد اتبعت في هذا البحث أسلوب المنهج التاريخي و التحليلي بغية عرض الوقائع و استنباط النتائج منها.
أهمية و أبعاد القرار السياسي :
هنالك اتجاهات عديدة لتحديد ماهية القرار و الكيفية التي تتم بها صناعته فهو العملية التي يتم بها اختيار بديل معين من مجموعة من البدائل المطروحة في سبيل تحقيق غايات معينة أي "الاختيار بين بدائل التصرف المختلفة عن طريق أصحاب السلطة في مؤسسات المجتمع "1.
و تنبع أهمية و أبعاد القرار السياسي من خلال المتغيرات الرئيسية التي تؤثر و تتأثر في عملية صنع القرار تتمثل في التنسيق المحلي أولاً "الوضع الداخلي" ثم التنسيق الاقليمي و الدولي "الوضع الخارجي " الذي يلعب دور كبير في عملية التأثير على صنع القرار ، فكلما ازدادت الضغوط الخارجية قلت إمكانات التصرف و تناقصت فرص الاختيار أمام صانعي القرار السياسي .فدول الشرق الأوسط على سبيل المثال تعرضت لضغوط إقليمية و دولية كبيرة و كان لا بد من استجابة ما لهذه الضغوط تمثل ذلك بالدخول في مفاوضات السلام مع إسرائيل ابتداءاً من مدريد تشرين الأول 1991 .
الوضع الداخلي :*
هو البنية الوطنية و القومية الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية .. بمعنى آخر هو مجمل الظروف القائمة في إطار الدولة أي النظام السياسي و الأحزاب و جماعات الضغط .
و من المعروف أن الأنظمة الديمقراطية توسع دائرة المشاركة في صنع القرار على العكس منه بالأنظمة الديكتاتورية و يختلف علماء السياسة بهذا الخصوص فمنهم من يؤيد اتساع المشاركة و منهم من يرفض ذلك .
الوضع الخارجي :
و هي ظروف المجتمع الدولي بشكل عام بما يتضمنه من دول و منظمات دولية و قد كانت عملية تأثير الوضع الخارجي مع عملية صنع القرار السياسي في المراحل التاريخية الماضية معدومة أو محدودة التأثير إلا أنها أصبحت في المرحلة الراهنة تلعب دور هام في التأثير على القرار و مدى تنفيذ ه و ظهرت هذه الأهمية في المرحلة المعاصرة نتيجة وجود معطيات جديدة منها :
• و جود المنظمات الدولية
• العلاقات القانونية بين الدول وفق القانون الدولي
• قيام التكتلات العسكرية الاقتصادية
• توسع التشابك في المجتمع الدولي
• العاهدات و الاتفاقيات المختلفة و قوة الرأي العام .
و إن مجمل هذه العناصر تركت تأثيرها في عملية صنع القرار السياسي و تظهر قوة تأثير هذه العناصر على القرار السياسي كلما ضعفت قوى الوضع الداخلي و اعتماد الدولة على إمكاناتها الداخلية و ازدياد اعتمادها على الموارد الخارجية التي تزيد من تأثير قوى الضغط الخارجية .
و هنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك تأثير متبادل بين الوضع الداخلي و الخارجي في عملية صنع القرار .
حيث أن العلاقة و الارتباط بين الوضعين أثناء صناعة القرار السياسي يمكن أن توضح على الشكل التالي :
• إذا كان الوضع الداخلي يمتلك القوة اللازمة لتنفيذ القرار السياسي خارجياً . تكون هذه القوة الموجودة عاملاً مساعداً لمواجهة المعوقات في الوضع الخارجي .
فالدول العظمى مثلاً تمتلك القدرة على تنفيذ مخططاتها من خلال القوة الموجودة داخلياً .
• إذا كان الوضع الداخلي لا يمتلك القوة اللازمة القادرة على تنفيذ القرار السياسي خارجياً عندئذ يلعب الوضع الخارجي دوراً يحد من تنفيذ القرار السياسي ، و غالباً ما توجد هذه الظاهرة في البلدان النامية .
و تتحدد أهمية القرار السياسي أيضاً من خلال الأبعاد و النتائج المترتبة عليه،
فقد يترتب على القرار السياسي نتائج و أبعاد على مختلف الأصعدة …. اقتصادياً و اجتماعياً و إعلامياً سواء على النطاق الدولي و المحلي .
و نخلص مما سبق إلى مدى هشاشة و ضعف القرارات السياسية المتخذة في معظم بلدان العالم الثالث و ارتباطها الشديد بقوى الضغط الدولية و كمثال على ذلك تأثر جمهورية مصر العربية بالضغوط الخارجية و خاصة الأمريكية منها نتيجة اعتمادها على المساعدات الأمريكية فتلعب بذلك دوراً مؤثراً في القرار السياسي المصري حيث تؤكد بعض التقارير الاقتصادية بأن مخزون مصر من الحبوب لا يكفي إلا لمدة 24 ساعة .
و نلاحظ في سورية أن القرار السياسي متحرر فيها إلى حد بعيد عن الضغوط الدولية لعدة اعتبارات أهمها سعيها للاعتماد على الذات و خاصة في مجال الأمن الغذائي الذي حققته . بالإضافة إلى مظاهر التلاحم و الوحدة الوطنية الموجودة فيها ، و الاعتبار الأهم هو برعاية و حكمة قيادتها السياسية المتمثلة بالراحل السيد الرئيس حافظ الأسد .
الكيفية التي يتم بها صنع القرار السياسي في الوطن العربي:
إن عملية اتخاذ القرارات في الوطن العربي يجب أن تحظى باهتمام خاص ، نظراً لأن المستقبل العربي ليس قدراً محتوماً يتوجب علينا التسليم به ، بل هو الحصيلة التراكمية لما يتتابع من الأحداث و عمليات التغيير النابعة من المجتمع أو الوافدة عليه ، و إبراز قدرة العرب على الإمساك بمستقبلهم في أيديهم و بناء نموذجهم الحضاري و التنموي المستقل.
و هنا يتوجب تحديد الشكل العام الخطوات (المراحل) التي يجب اتباعها لاتخاذ قرار سياسي و هنا يجب على متخذي القرار أن يولوا لكل خطوة اهتمامهم الخاص و أن تحظى بالرعاية لكي يصلوا بالنهاية إلى قرار يتسم بالعقلانية و إمكانية التحقيق و تقليص ردات الفعل الخارجية و الداخلية التي قد تودي به و تبطل مفعوله سواء على الأجل الطويل أو القصير ، و أعرض هذه الخطوات بالترتيب كما يلي :
1- وجود الحافز : و كما يسميه البعض ( بالمشكلة ، الأزمة) و التي قد تكون ذات مصدر خارجي أو داخلي اقتصادية المنشأ أو اجتماعية أو سياسية أو عسكرية أو طبيعية .
"و قد يكون نتيجة سلوك معين تقوم به إحدى القوى الخارجية كتهديد إسرائيل باحتلال دمشق في أيار /مايو عام 1967"1
و هنا لا يكفي أن يكون هناك حافز لاتخاذ قرار ما ، لأنه إذا لم يدرك و يشعر صانع القرار بوجود هذا الحافز فلن يكون لهذا الحافز أية تأثير . و هنا يبرز دور الرأي العام و وسائل الاتصال و الإعلام و حرية الصحافة في إبراز هذا الحافز .
2- جمع البيانات و المعلومات المتعلقة بعملية اتخاذ القرار :
بعد أن يدرك صانع القرار للحافز و أبعاده و المواضيع المتصلة به تبدأ عملية البحث عن المعلومات و تجميعها من قبل الجهات الخاصة بهذه العملية ، "الهدف من هذه العملية هو استيضاح أبعاد التهديدات أو الفرص التي خلقها هذا الحافز "2
و هنا يظهر مدى أهمية وجود نظام اتصالات و معلومات متصور يربط كافة الجهات المسؤولة عن الصنع القرار بحيث يتم تحقيق أقصى كفاءة ممكنة و اختصار للوقت و الجهد .
3-مرحلة تحليل و تفسير المعلومات :
و هنا يتم عملية تنقية و فرز و تحليل للمعلومات التي تم جمعها و استخلاصها و ترتيبها من حيث أهميتها النسبية و مدى اتصالها بموضوع القرار و بقدر ما يتم التعامل مع المعلومات المستحصل عليها بموضوعية و عقلانية يتم الوصول إلى قرار عقلاني و هادف و يمكن تحقيقه .
4-تحديد البدائل المتاحة و اتخاذ القرار:
فالقرار هو اختيار لأحد البدائل المتاحة و هنا يجب أن تكون هذه البدائل عقلانية و ممكنة التحقيق و مرتبطة مع معطيات الحافز و ممثلة بالدرجة الأولى أيديولوجية صانع القرار و الأفضل لمصلحة الوطن
و تختلف معايير اختيار البديل الأنسب باختلاف الحافز و طبيعة القرار فقد يكون إما بتحصيل أكبر ربح ممكن أو تفادي أكبر الخسائر أو كسب الرأي العالمي أو التروي و التعقل لصالح كل الأطراف المتأثرة بالحافز .
و هنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه المرحلة من أصعب المراحل و أحرجها و تتطلب الكثير من الجهد العقلي و التحليلي .
5-تنفيذ القرار و الرقابة عليه:
و هنا تكون عملية التنفيذ على أرض الواقع و مقارنة النتائج و الانعكاسات و اكتشاف أي تقصير أو انحراف عما هو مقرر و تصحيح الخلل بالسرعة الممكنة .
و هنا و بعد المرور على الخطوات العامة لاتخاذ القرار السياسي نأتي إلى الواقع العربي الحالي هل هو عقلاني باتخاذه لقراراته و بما ينسجم مع المصلحة الوطنية و القومية و بما يخدم المصالح العربية .
فإننا نجد بعد معظم صناعي القرار العرب في اتخاذهم لقراراتهم عن شيء من العقلانية و المنطقية و الوطنية في بعض الأحيان ، و عدم اكتساب القرار السياسي لديه صفة الإيديولوجية و عدم تجسيدهم لآمال شعبهم و طموحاتهم.
و أضرب هنا بعض الأمثلة : "قرار الامام أحمد بالانضمام لاتحاد الجمهوريات العربية و استناده إلى استخارة المنجمين الذين قالوا له بأن نجم عبد الناصر في صعوده "1
و قرار الحرب العراقية الإيرانية الذي أدى إلى وضع بؤرة توتر أخرى في المنطقة التي لم تكن بحاجة إلى واحدة أخرى ، و من ثم قرار العراق بغزو الكويت الذي مزق الشمل العربي شر تمزيق .
فيما معاهدات السلام العشوائية الموقعة مع الكيان الصهيوني دون تشاور أو أخذ لآراء الدول المحيطة مثل قرار السادات المفاجئ بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد .
الكيفية التي يتم بها صنع القرار الاقتصادي:
القرار الاقتصادي و هو اختيار أكثر البدائل منفعة و اقلها تكلفة فصانعوا القرار الحكيم سوف لا يعتمدون دفع أكثر مما يجب دفعه . و لهذا فان الاختيار الحكيم يدل على أن صانعي القرار لديهم من المعلومات ما يؤهلهم لتقويم البدائل المحتملة .
و هذا يتطلب تحقق مصداقية الرقم و المعلومة و سيادة مناخ العلنية و الشفافية الاقتصادية و السوقية و هذا ما يمثل بالتالي أهم حاجات الاقتصاديات المتطورة أو الاقتصاديات التي تنشد التطور .
أسس اتخاذ القرار الاقتصادي :1
1- التكلفة التي سوف تترتب على القرار الاقتصادي :
فلا يمكن تحقيق منافع اقتصادية دون التنازل أو التضحية بشيء ما .
و هذه التكلفة سوف يدفعها متخذ القرار الاقتصادي بشكل مباشر أو غير مباشر،
فمثلاً إصدار الدولة السورية قانون الاستثمار رقم 10 هو قرار اقتصادي يهدف إلى تشجيع الاستثمارات المحلية و الأجنبية و ذو تكلفة مباشرة من خلال التنازل عن جزء من الضرائب المفروضة على الأرباح ، و تكلفة غير مباشرة من خلال ما تسعى به الحكومة من تأمين بنى تحتية لتحتضن هذه الاستثمارات مثل (إنشاء المناطق الحرة ، تحديث شبكات الاتصالات ، السماح بإدخال الانترنيت و الهاتف المحمول ).
2-اختيار أفضل البدائل :
و تأتي حتمية هذه القاعدة من خلال ندرة الموارد الاقتصادية و الطبيعية فلا بد من أن يكون اسلوب اتخاذ القرارت أكثر حكمة و تدبراً و أن لا يصدر صانعوا القرارات الاقتصادية قرارات من شأنها تبديد و ضياع هذه الموارد عن قصد أو من دونه .
فندرة الموارد مثل الدخل أو الزمن أو الذكاء أو النبوغ أو الابداع تتطلب التعقل في الاختيار و تتطلب التعقل في الاختيار للوصول إلى القرار الاقتصادي الافضل لتحقيق أهدافهم و مصالحهم الخاصة أو العامة .
3-هيكل الأولويات الاقتصادية :
فيجب عند تحديد موضوع القرار الاقتصادي يجب أن يشغل هذا الموضوع أولوية في هيكل الأولويات الاقتصادية لمتخذ القرار .
فإصدار سوريا لقانون الاستثمار لم يكن إلا بعد أن قطعت مراحل في النضوج الاقتصادي و بناء ذاتها.
4-توفر المعلومات و نظام متطور لمعالجتها :
و كما هو معروف المعلومات من العناصر النادرة ، و صانعوا القرارات الاقتصادية الذين ليس لديهم معلومات كافية و شاملة (في الماضي و الواقع و المستقبل ) فيما يتعلق بقرارهم الاقتصادي الذي سوف يتخذوه سوف يؤثر تأثيراً كبيراً في القرارات المتخذة و الآثار المترتبة عليها .
و هنا نقف أمام مشكلة تحقيق توازن بين تكلفة الحصول على هذه المعلومات و المنافع المترقبة من الحصول عليها.
5-الآثار الثانوية المترتبة على القرارات الاقتصادية :
فقد اوضح فريدرك باسيتلت و منذ ما يزيد عن القرن أن الفرق بين الاقتصادي الجيد و غير الجيد يكمن في أن هذا الأخير يأخذ في حسبانه التأثيرات الحالية و المباشرة و الملموسة فقط لقراره الاقتصادي بينما الاقتصادي الجيد هو ذلك الاقتصادي الذي يأخذ في حسبانه بالإضافة إلى التأثيرات المباشرة التأثيرات الثانوية ،التي ترتبط بطريقة غير مباشرة بالقرار المتخذ الذي يجعلنا نشعر بتأثيرها بمرور الزمن .
و كمثال على ذلك النتائج الغير مباشرة المترتبة على حرية التجارة و العولمة على المجتمعات البشرية و ذوبان الحضارات .

العلاقة التشابكية بين القرار السياسي و القرار الاقتصادي :
إن العلاقة و التأثير المتبادل بين القرارات الاقتصادية و السياسية هي علاقة ذات طابع تشابكي معقد فقد تظهر آثار هذه العلاقة بشكل مباشر أو غير مباشر و على المدى القصير أو البعيد .
لقد استخدمت الدول المتقدمة الاقتصاد كوسيلة فعالة لتؤثر و تضغط بواسطتها على الدول الأخرى المتقدمة و المتخلفة ، مطبقة بذلك مبدأ العصا و الجزرة " و يعني ذلك إما معاقبة الدولة بسبب عمل غير مقبول فيحكى حينذاك عن (( العصا )) (( عقوبة اقتصادية ) و إما مكافأتها لتطور يعتبر إيجابياً ، فيحكى حينذاك عن ((الجزرة )) ( مكاسب تجارية أو مالية ) "1.
فالعقوبات الاقتصادية تكون رداً على فعل اعتبر غير مقبول في السياسة الخارجية او الداخلية ، يمكن لدولة معينة أن تظهر شجبها له باتخاذ عقوبة اقتصادية معينةو هنا لابد أن تشكل العقوبة ضرراً بالنسبة للدولة المستهدفة من ناحيتين :
• إما بفقدان امتياز كانت تتمتع به ( إلغاء مبيعات المنتجات الحساسة للدولة المستهدفة )
• أو تردي الوضع فيها باتخاذ إجراء يعزز الموازنة العسكرية الأمريكية مثلاً في مجالات العلاقات الأمريكية السوفياتية و تقديم العون للعمليات المسلحة ضد الأنظمة الشيوعية في العالم الثالث .

فالتناقض يظهر جلياً بين الأسلوبين حيث تكون المصالح الاقتصادية عامل توحيد كامل للاستراتيجيات السياسية و الاقتصادية ما بين الدول المتقدمة و كمثال على ذلك تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية للاتحاد الأوروبي من أن المنافسة الغير مقيدة لا يمكنها غير الإساءة إلى باقي العلاقات العسكرية و النقدية و التجارية و مقولة كيسنجر "للولايات المتحدة مصالح و مسؤليات على مستوى العالم و لحلفائها الأوروبيين مصالح أقليمية و يتأمن الجميع بالتشاور" و نلاحظ من مقولة كيسنجر مجموعة من المفاهيم التي تربط العلاقة الأمريكية الأوروبية (إحياء – شمولية - - تشاور – شراكة ) .
بينما شكل القرار الاقتصادي الخارجي عامل تمزيق و تفرقة للدول النامية ( بالمساعدات و الهبات و القروض و فرض الحصار الاقتصادي و المعاهدات الانفرادية )و السلاح الذي تسيطر به على هذه الدول و المغناطيس الذي توجه بواسطته سياسة هذه الدولة و القرارات السياسية و الاقتصادية المتخذة فيها مع تحقيق التوازن بين مبدأ العصا و الجزرة . و كمثال على ذلك ( الشراكة الأمريكية الأردنية ، المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر ) بالإضافة إلى قبول الولايات المتحدة الأمريكية برفع معدل أسعار النفط و هذا القرار الاقتصادي من شأنه تحجيم الاحتجاج العربي مؤقتاً بعد حرب 1973 كنتيجة لدعمها للكيان الصهيوني.
و قد يكون القرار الاقتصادي في دولة وسيلة ضغط على قرار سياسي في دولة أخرى بأسلوب غير مباشر " حين قررت الولايات المتحدة الأمريكية فرض قيود على تصدير رؤوس أموالها شعرت حكومة كندا بنفسها مهددة و كانت التدابير التي اتخذتها كندا لمواجهة هذا الحرج أشد تحييراً إذا اعتبرنا مبدأ الدولة – الأمة ، من التهديد الأصلي الذي يفترض أن تكون رداً عليه . ذلك أنها ، كي تستطيع الاستمرار في تلقي الدفق الضروري من رؤوس الأموال الآتية من الولايات المتحدة ، فقررت الحد من إعادة تصدير رؤوس الأموال إلى دولة ثالثة ". أي بالنتيجة المتأثر الوحيد من هكذا قرار هي الدول النامية و قد تتولد من مثل هكذا قرارات أزمات اقتصادية في البلدان ذات الاقتصاديات الهشة و قد تطيح بالنظام السياسي فيها .
و كما يكن أن يكون للاقتصاد و القرار الاقتصادي قوة و تأثير في القرار السياسي للدولة :
ففي الدول المتقدمة حيث تكون النخبة السياسية فيها هي نتاج تفاعل القوى الاقتصادية الموجودة في تلك الدول ، بحيث تكون هذه النخب مجسدة لمصالح تلك القوى و بما يخدم أهدافها بالإضافة إلى وجود أنظمة ديموقراطية متطورة بحيث تساهم هذه المؤسسات الديموقراطية على إبقاء صانعي السياسة مسؤولين في وجه التحولات الاقتصادية السيئة أي تطبيق مبدأ (الاقتصاد أولاً ثم السياسة ).1
بينما في الدول النامية فنجد في معظمها أن الأمر مختلف ، حيث نجد هيمنة و سيادة القرار السياسي على القرار الاقتصادي و غياب مؤسسات صنع القرار الاقتصادي في معظم البلدان العربية و حتى في حال وجودها فإننا نراها تقف عاجزة أمام الظروف و المتغيرات الدولية من حولها و ضياعها في دوامة الفساد و خدمة المصالح الشخصية ، و يرى البعض أن الحكومة كمؤسسة قد أصبحت بمثابة شبح هائل يخيم على جميع نواحي الحياة في البلدان العربية . و إن النظام الحكومي ليس واحد في البلدان العربية حيث أن شكل النظام و العلاقة القائمة بينه وبين بقية المجتمع يعكس المهام المتعددة التي يحاول النظام تحقيقها (ديموقراطياً أو ملكي ) ففي النظام الملكي التقليدي الذي يظهر الحكم فيه و كأنه مسألة عائلية كما في السعودية " يجتمع ممثلو الحكومة بأصحاب الأعمال لحل مشكلاتهم في اجتماعات تقليدية "2
و قد تبدو في هذه الحالة الحلول الممنوحة إلى هؤلاء الأشخاص (رجال الأعمال مستثمرين ) و كنها هبات شخصية لمن يطلبها ، و ترتبط هنا نوعية هذه الهبات بشخصية المدعين و هوية من يلعب دور الوسيط نيابة عنهم بالإضافة إلى وجود أنظمة ملكية أقل تقليدية حيث يتسم النظام الملكي بالتعامل الرسمي أكثر من النظام السابق الذكر كما في الأردن و المغرب "حيث يستشير الملك مجلس الوزراء و مجلس النواب و لكن في الحقيقة أن كلا المجلسين هما رهن إشارته فهو بطبيعة الحال الذي يعين المجلس و هو الذي يحله ."3
و هناك أيضاً الأنظمة الجمهورية التي ترتكز في كثير من البلدان العربية مثل سوريا و لبنان و العراق و مصر و السودان و تونس و الجزائر و ليبيا و اليمن إلا أنه في رأي البعض أن معظم هذه الجمهوريات قد قامت على أسس عسكرية إذ اعتمدت على ثورة الجيش و ولائه و يكون رئيس الجمهورية في هذا النظام هو مصر السلطة بالاعتماد على مجلس الثورة أو النواب حيث يتردد الوزراء في اتخاذ القرارات الهامة التي تتعلق بشؤون وزاراتهم إما لأن الرئيس لم يخولهم بذلك أو لأنهم يخشون احتمال ارتكاب بعض الأخطاء و بالتالي تحمل مسؤولية نتائجها.
الأسس المثلى لاتخاذ القرار السياسي ذو الطبيعة الاقتصادية :
• يجب ربط القرار السياسي بشكل مرن بالقرار الاقتصادي لتتمكن الدولة من تحقيق مكاسب سياسية إلى جانب المكاسب الاقتصادية و يتجلى ذلك في العلاقات الدولية للدول العربية و بالأخص في الحوار العربي الأوروبي .
حيث من الملاحظ أن السياسة الأجنبية في التعامل مع الدول العربية تهدف إلى عزل مصالحها الاقتصادية في المنطقة العربية عن القضايا السياسية و أن أهم هذه الأمثلة تعبيراً عن ذلك هو إصرار الدول الأوروبية لفترة طويلة على عزل القضايا السياسية من الحوار العربي الأوروبي و قصر هذا الحوار على القضايا الاقتصادية و يتبين لنا أن نجاح بعض الدول العربية في إقناع الدول الأوروبية بترابط الموضوعين بعد فترة طويلة من الزمن إلى إصرار العرب على موقفهم و خوف الأوربيون على مصالحهم الاقتصادية لدى الدول العربية مما يوفر دليلاً قاطعاً على أهمية ربط السياسة بالاقتصاد لكسب الرأي العام الدولي في العلاقات العربية الخارجية .
بالإضافة إلى استغلال الشركات المتعددة الجنسيات و المصالح الاقتصادية كرهائن لحماية القرار السياسي ، و هنا يجدر الإشارة إلى استخدام المرونة في التنفيذ ( ربط السياسة بالاقتصاد ) بحيث يكن التكيف و التراجع إذا اقتضى الأمر مادام القصد هو إحداث تأثير ما .
• أما فيما يتعلق بأسس اتخاذ قرار سياسي داخلي ذو أثر على القرارات الاقتصادية الداخلية أو الخارجية أو (السياسية-الاقتصادية) الخارجية أو الاقتصاد بشكل مباشر فيمكن إيجازها بما يلي :
1. اتسام القرار السياسي بالعقلانية و أن تتم عملية اتخاذه بشكل أصولي و منطقي و ليس بطريقة اعتباطية و تعتمد على العاطفة و العشوائية بحيث يؤدي إلى عدم استقرار و تخبط في الاقتصاد .
2. لدى الاقتصاديين مقولة بأن ( رأس المال جبان ) بحيث نستنتج إلى ضرورة أن يوفر القرار السياسي للاقتصاد الأمن و الاستقرار السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي لجذب المزيد من رؤوس الأموال .
3. أن يتم في مرحلة جمع المعلومات لاتخاذ القرار السياسي أن تتضمن معلومات اقتصادية حول الوضع الاقتصادي الداخلي و العالمي و في المنطقة و الجوانب الاقتصادية التي يمكن أن تتأثر من هكذا قرار .
4. اعتبار الاقتصاد كنتيجة رئيسية للقرار السياسي يجب الأخذ بها بعين الاعتبار .
5. حين يقوم صانع القرار السياسي بالمقارنة بين البدائل المتاحة لاتخاذ قرار سياسي ذو طبيعة اقتصادي بأن يتخذ القرار الذي يحقق مصلحة و منفعة الاقتصاد الوطني بالدرجة الأولى وأن تعم نتائج هذه المنفعة على أوسع شريحة ممكنة من الشعب.
6. سعي القرار السياسي إلى تقوية الوضع الاقتصادي الداخلي و مبدأ الاعتماد على الذات و الاهتمام به للتخلص من أي تبعية قد تودي بأية قرارات سياسية مستقبلية أو حتى الاقتصادية منها. نظراً لأن سحب المساعدات و المعونات الخارجية يمكن أن توجع البلد المستهدف أكثر مما لو تم توجيه عقوبات اقتصادي بشكل مباشر .

الخاتمة :
طالما أن هناك دائماً و باستمرار علاقة لا تنفصم بين السياسة و الاقتصاد فعلى صانع القرار الاقتصادي والسياسي أينما كانوا و كيفما عملوا متحدين أم منفصلين أن يسعوا للتنسيق فيما بينهم للوصول لقرار سياسي اقتصادي عقلاني متين و بناء .
فيجب التأكيد على فصل صانع القرار السياسي عن صانع القرار الاقتصادي لصنع قرار اقتصادي أكثر حرية و فعالية و مرونة أمام المتغيرات الاقتصادية العالمية الجديدة و لكن دون أن يؤثر على القرار السياسي و ثوابته القومية و الوطنية و الاستراتيجية في سبيل تحقيق تنمية متوازنة سياسياُ و اقتصادياً و اجتماعية .

مصادر البحث:
1. الغامدي عبد الله /الاختراق الاقتصادي لعلم السياسة /مجلة العلوم الاجتماعية / مجلد 25 عدد 4 شتاء 1997
2. د حمادة ، بسيوني إبراهيم/دور وسائل الاتصال في صنع القرار السياسي / بيروت مركز دراسات الوحدة العربية /1993
3. محمد محمد /صنع القرار السياسي في اسرائيل / 1997 / المعهد العالي للعلوم السياسية / دراسة تحليلية أعدت لنيل الإجازة في العلوم السياسية/1997
4. كيف يصنع القرار في الوطن العربي / مركز دراسات الوحدة العربية + جامعة الأمم المتحدة / الطبعة الثانية بيروت نيسان 1988
5. د العربيد عدنان / التحليل الاقتصادي الجزئي / جامعة تشرين كلية الاقتصاد / 1996
6. لابيه مارين هيلين / الصراع الاقتصادي في العلاقات الدولية/
7. الديوان هشام / أزمات الحكم في العالم / مجلة المشاهد السياسي/ السنة السادسة العدد 244 12-18 تشرين الثاني 2000
8. توما الياس / التطورات الاقتصادية و السياسية في الوطن العربي / تعريب عبد الوهاب الأمين / مؤسسة الكويت للتقدم العلمي/ 1987






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,535,453





- قوات البشمركة العراقية دخلت مدينة عين العرب السورية الحدودية ...
- دفعة من قوات-البشمركة- تدخل كوباني
- -هابل- يرصد ضياء مجرات قديمة اختفت قبل مليارات السنين
- كيري وظريف وأشتون يبحثون ملف إيران النووي في مسقط
- النصر السعودي يقيل مدربه الإسباني راؤول كانيدا
- البريطاني هاميلتون يتصدر التجارب الحرة الأولى لجائزة أمريكا ...
- بالفيديو.. أغرب صوت يمكن أن تسمعه من شخص نائم
- موسكو: ضبط 170 كغم من الهيروين بقيمة نصف مليار دولار
- غاريث بيل وهازارد ضمن تشكيلة الشياطين الحمر
- شخصيات سنية تعرضت لـ-الاستهداف- في عهد المالكي ستحضر مؤتمر م ...


المزيد.....

- كتاب طرق الحصول على مقالات انجليزية حصرية 100% / اشرف خلف
- الدروس المستخلصة عربيا من مسار التحول الديمقراطي عالميا-مع ا ... / ابراهيم قلواز
- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق
- مأزق نهضة الشعوب العربية والإسلامية--السودان أنموذجاً / الشيخ محمد الشيخ
- معضلة العالم العربي / نبيل عودة
- إيبولا. وباء بوجه أنظمة صحية ضعيفة أصلا، دمرتها سياسات «التق ... / ميشيل دي براكونتال
- البورجوازية في التاريخ / فؤاد النمري
- مفهوم التنوير / ابراهيم طلبه سلكها
- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير محمود ناصر - محمد قشقارة - أثر القرار السياسي على القرار الاقتصادي