أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهرو عبد الصبور طنطاوي - البحث عن وجود الله داخل سراويل المسلمين















المزيد.....



البحث عن وجود الله داخل سراويل المسلمين


نهرو عبد الصبور طنطاوي

الحوار المتمدن-العدد: 1755 - 2006 / 12 / 5 - 10:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بداية أود أن أسجل احترامي الشديد للغرب الذي لم أره قط إلا عبر شاشات التلفاز، وعبر الكتب والدراسات والأبحاث، وأخص بهذا الاحترام معظم مثقفي الغرب وسياسيوه ورجال دينه وإعلامييه, وأسجل هذا الاحترام لما يتمتع به الغرب من جدية واحترام وأدب في أقواله وفي أفعاله, جدية لم أعهدها من قبل في الكثير ممن ولدوا في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا الذين يتمسحون ويتمحكون في الغرب وهم أبعد ما يكونوا عن جديته واحترامه لنفسه واحترامه للناس. وإذ أسجل هذا الاحترام أسجل أيضا مآخذي الكثيرة على سلوكيات الغرب وسياسته تجاه منطقة الشرق الأوسط خاصة، والعالم بشكل عام. ولا أقول هذا الكلام نفاقا ولا مداهنة ولا مجاملة ولا خطبا لود أحدا كائنا من كان، ولكنها حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها.

هذا الغرب حين يكذب يكذب بصدق، وحين يظلم يظلم بعدل، وحين يغدر يغدر بأمن، وحين يستضعف أحدا ويتقوى عليه يستضعفه ويتقوى عليه بمبرر، وحين يختلف يختلف باحترام وتهذب، وحين ينتقد أحدا لا يعلو صوته، وحين يفكر بعقله في قضايا كبيرة هامة يبدأ من الأساس والأصل ومن الكليات العامة والكبيرة.

على عكسنا نحن أبناء الشرق الأوسط فمعظمنا إن لم يكن جميعنا على اختلاف مذاهبنا ومشاربنا واتجاهاتنا الفكرية سواء الذين ما زالوا يعيشون في المنطقة أو الذين رحلوا منها إلى الغرب فهؤلاء القوم حين يكذبون لا يصدقون أبدا، وحين يظلمون لا يعدلون أبدا، وحين يغدرون لا يؤمن غدرهم، ولا يحتاجون مبررا لاستضعاف أحد، وحين ينتقدون أو ينتقدون يصرخون بأعلى صوتهم، وحين يفكرون بعقولهم في القضايا الكبيرة والهامة يبدءون من حاويات القمامة.

ويرجع السبب في ذلك ليس لأن الشخصية شرقية عربية، كلا، وإنما لأن الشخصية شرقية عربية مترجَمة، وهذه الشخصية العربية الشرقية، مترجمة لأنها عارية من الخصوصية الفكرية، والذاتية الفكرية، والتميز الفكري، بمعنى أن الشخص الشرقي والعربي خصوصا، ليس لديه فكرا جديدا يقدمه للناس في أي من المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الفكرية، بل كل ما لديه من فكر في أي مجال هو في الأصل صناعة غربية بامتياز، قام بترجمته فشوهه، فلا تركه غربي القلب والقالب، ولا أصبح شرقي القلب والقالب.

فمثلا في المجال السياسي حين ترجمنا جميع آليات الديمقراطية الغربية، أصبح لدينا برلمانات بها كراسي وفوق الكراسي أعضاء والأعضاء جاءوا عبر انتخاب والانتخاب جاء من الشعب عبر صناديق والصناديق بها أصوات، لكن هل هذه الآليات الديمقراطية المترجمة أفرزت لنا نفس الديمقراطية الغربية؟؟ أترك الإجابة للقارئ.

وهكذا الاقتصاد وهكذا الاجتماع وهكذا الثقافة وهكذا الفكر، وما أدراك ما الفكر، فمعظم الأفكار والتوجهات الفكرية التي يتبناها بعض مثقفي الشرق العربي المترجمين هي في الأصل أفكار ونظريات فكرية غربية خالصة، ليس لهم أي فضل أو جهد فيها سوى الترجمة المشوهة فقط، بمعنى أن الفكر الغربي له خصوصياته النابعة من بيئته الثقافية الخاصة، والتي تختلف عن بيئتنا الثقافية الخاصة بنا، فمثلا نجد الكثير من المثقفين العرب قد ملئوا عقولهم وأفكارهم وتوجهاتهم وكتبهم بفكر غربي مترجم قد نبت في تربة غير التربة ومناخ غير المناخ، فلا يمكن عقلا ومنطقا أن ينمو هذا الفكر في أرض غير أرضه وبيئة غير بيئته ومناخ غير مناخه.

فبالتالي كثيرا ما يصطدم هؤلاء مع واقعهم العربي الشرقي حين يحاولون بشتى الطرق زرع هذه الأفكار في البيئة العربية الشرقية أو يلبسوها للواقع العربي رغما عنه، وذلك لأن هؤلاء المترجمون هم مفكرون طفيليون عاجزون عن ابتكار أي فكر مستنير خاص بهم وبثقافتهم، فكر يميزهم عن الآخرين، وينطلق بهم نحو التقدم والحضارة، دون ترجمة ونسخ عمل الآخرين، فكر يضعون هم لبناته الأولى، كلماته الأولى.

فالبعض مثلا يحاول إسقاط النظريات الفكرية الغربية للدين التي برر فيها الغرب انقلابه على الديانة المسيحية الغربية على حالة الدين الإسلامي، رغم الاختلافات الجذرية العقائدية والتشريعية بين الديانتين، ففي حالة الديانة المسيحية الغربية كانت هناك عقائد لا يمكن للعقل أن يتصورها أو يستسيغها بدءا من الثالوث والتجسد والخلاف حول طبيعة الله البشرية والإلهية في شخص المسيح الواحد مرورا بعصمة البابا الذي لا يخطئ في تقريره للعقائد الدينية والذي لا يمكن لأحد أن يفكر مجرد تفكير في نقد قرارات البابا، وإلا اتهم بالزندقة والهرطقة والكفر ويكون مصيره إما الحرق بالنار أو الجلوس فوق الخازوق، ومرورا بمهزلة صكوك الغفران والإقطاع الكنسي الذي كان يمارس على الفلاحين وعامة الشعب باسم الله، فما كان أمام الشعوب الغربية من سبيل للهروب من هذا الجحيم المستعر إلا الثورة والانقلاب، ليس على البابا ورجال الدين فقط، بل على الدين نفسه كذلك، ولا ننسى أن الثورة حين قامت في الغرب على الكنيسة كان لها أرضية شاسعة من الشعب الذي كان هو المضطهد الأول من قبل رجال الدين، ولا يفوتنا أيضا أن الكنيسة كانت هي من تتبنى السلطة السياسية بمعنى أن الإمبراطور كان لا يعين إلا بموافقة ومباركة البابا.

أما في عالمنا العربي والإسلامي فالأمر يختلف تماما عما كان عليه الأمر في الغرب قبل عصر النهضة، ومهما كان من تشابهه بين الحالين الإسلامي الشرقي والمسيحي الغربي، فلن يصل حال العالم العربي اليوم إلى هذه الحالة المظلمة والمزرية التي كان عليها العالم الغربي قبل الثورة، والدليل على ذلك أن الغالبية العظمى من الشعوب العربية والإسلامية الآن هي في صف الدين وليست ضده ودون إكراه من رجال دين أو غيرهم، بل هي ضد العلمانية والإلحاد، بل إن الجميع يوقن أنه لولا جيوش الأنظمة الحاكمة وقمعها للشعوب بالقوة والقهر لأقامت كل الشعوب العربية والإسلامية أنظمة دينية إسلامية بمحض إرادتها، وهنا تكمن المفارقة، فينبغي على الباحث إدراك هذه الحقائق وهذه المفارقات بين الشعوب الإسلامية في الوقت الحاضر، وبين الشعوب الغربية في عصور الظلام الكنسي، وهذه المفارقة لها ما يبررها، أولا: الدين الإسلامي ليس في عقيدته الأم مآزق عقلية لا يمكن تبريرها بطرق عقلية منطقية كما هو الحال في الديانة المسيحية، ثانيا: السلطة الدينية في العالم الإسلامي خاضعة بشكل كامل للسلطة السياسية على عكس ما كان في العصر الكنسي، ثالثا: لا يوجد في العالم الإسلام ما يسمى بصكوك الغفران، ولا يوجد عداء للدين من القاعدة العريضة من الشعب بل على العكس، وهناك الكثير والكثير من التناقضات بين الحالين والديانتين، ومع ذلك يصر البعض على إسقاط أحوال العصور الوسطى في الغرب على الوضع الحالي في العالم العربي، وهنا يكمن سؤال كبير، منذ متى حكمت أنظمة الحكم في العالم العربي بالإسلام الحقيقي في القرن المنصرم؟؟، ألم تكن أنظمة الحكم كلها في العالم العربي إما أنظمة مترجمة مشوهة مسخ، أو أنظمة قبلية بدوية؟؟.

ومن هذه المقدمة الطويلة نقول أن مبررات ونظريات الغرب الفكرية لإقصاء الديانة المسيحية من واقع الحياة الغربية كان لها واقعها الإنساني المزري ولها واقعها المتصادم تماما مع العقل، وكان لها جمهورها الحاشد من جماهير الشعب المضطهد بسبب الدين ورجاله، وهذا على عكس ما عليه الحال تماما في العالم الإسلامي الآن.

وأنا هنا لا أعتذر أو أبرر للحال المزري الذي يعيشه العالم الإسلامي والعربي في وقتنا الحاضر وفي كافة المجالات، إن ما أريد الوصول إليه والحال كذلك، هو أن الإصلاح في مثل هذه الحال لابد وأن ينبع من داخل الدين الإسلامي نفسه وبأسس ونظريات إسلامية محضة، أما محاولات إسقاط الفكر الغربي بكل نظرياته الغربية الخالصة لفهم الدين والتي وضعت لدين غير الدين وواقع غير الواقع، فلن تلق إلا الصد والمناوئة والمحاربة على كافة الأصعدة وكافة المستويات، إذ كيف يعقل أن نزرع نبتة غريبة في أرض غير أرضها ومناخ غير مناخها؟، فالواقع الحالي لانتشار موجة التدين العارمة في العالم الإسلامي خير دليل على ما قلنا.

وبنظرة فاحصة لبعض من مثقفي العرب المترجَمين إلى غربيين، والذين يعيش معظمهم في الغرب، قد لبسوا موضة غربية الأصل حاولوا ترجمتها إلى العربية فشوهوها ألا وهي موضة الإلحاد، هذه الموضة التي ابتكرها الغرب للهروب من جحيم الكنيسة، فلولا الغرب ما عرف هؤلاء العرب المترجَمين عن الإلحاد شيئا على الإطلاق ولو عاش أحدهم في الدنيا ألف سنة بل لو عاش مائة ألف سنة، فالإلحاد له صانعيه وفلاسفته وعلمائه الغربيين الذين هم وحدهم من يملك براءة اختراع الإلحاد، وبما أن العرب المترجَمين لم يكن يعرفوا شيئا عن الإلحاد إلا من علمائه وأساتذته الغربيين، لم ولن يستطع أحد منهم إضافة شيء جديد على ما قاله علماء وفلاسفة الغرب الملحدين، ومهما يكتبون عن الإلحاد فلن يأتوا بجديد على ما قاله فلاسفة الغرب، والجديد الوحيد الذي فعلوه هو محاولتهم إسقاط الفلسفة الغربية الإلحادية التي جاءت ردا على ممارسات الكنيسة وعلى الواقع الديني المسيحي الغربي قبل عصر النهضة على الدين الإسلامي، ومن ثم ترجمة هذه الفلسفة إلى الواقع العربي الإسلامي ضاربين عرض الحائط بالفوارق بين دين ودين وواقع وواقع، ومن ثم هم شوهوا صورة الغرب من حيث لم يعلموا، لأن الناس في العالم العربي وخصوصا الذين لم يتعاملوا مع الغربيين الأصليين، ينظرون إلى صورة الغربي من خلال صورة هذه النسخ العربية المترجمة والمشوهة، فيظنوا أن الشخصية الغربية كذلك، مع العلم أن الشخصية الغربية وخصوصا المثقفة منها هي شخصية محترمة بالفعل، بل لو يعلم الغرب هذه الحقيقة لما أبقاهم بينهم دقيقة واحدة.

ومهما كانت ترجمتهم دقيقة إلا أن نسختهم العربية الشرقية المترجمة هي نسخة مشوه لا هي إلحادية غربية أصيلة ولا هي عربية شرقية أصيلة، وليس كذلك فقط بل حتى انتقاداتهم للدين الإسلامي هي في الأصل انتقادات غربية أصيلة وضعها المستشرقون الغربيون منذ عشرات السنين ومئات السنين، وما على المرء إن أراد التأكد من ذلك سوى مطالعة كتب المستشرقين الغربيين التي تنتقد الدين الإسلامي، فسيفاجأ وكأن ما يكتبه هؤلاء من انتقادات عبارة عن نقل حرفي قد تم منتجته حسب ما يقتضيه عنوان الموضوع الذي يكتب فيه. فأين تميزهم؟؟ وأين إبداعهم؟ وأين فلسفتهم؟ وأين نظرياتهم؟ وأين ذاتيتهم الفكرية في هذا المجال؟؟ لا شيء جديد على الإطلاق سوى الانتقاء وعدم الأمانة العلمية والسرقة من النصوص كما سأبين ذلك الآن في هذا المقال.

وللبرهنة على كل ما ذكرت سوف أعرض بعض الصور للمقارنة بين صورة الغربي الأصلي، وصورة العربي الشرقي المترجَم حتى نتبين كيف يكون الغربي الأصيل؟ وكيف يكون العربي المترجم المشوه؟، وذلك على النحو التالي:

# صورة غربية أصلية:

السيد الرئيس جورج دبليو بوش حينما أراد غزو العراق لم يغزه خلسة بالليل والناس نيام بل أخذ يعد له عامان منذ ضرب البرجين, ولم يكن السيد الرئيس في خلال العامين يعد سلاحه وعدته وعتاده بل كان يعد إعدادا من نوع آخر, كان يعد المبررات العقلية والمنطقية والقانونية والإنسانية للغزو وذلك حفظا لماء الوجه, مع العلم أنه من القوة بمكان أن يجتاح أي بلد دون أي مبررات، وقوته تمكنه من ذلك، ومع أنه كان يكذب في كل مبرراته إلا أنه حاول بشكل جاد أن يعقلن اللاعقل ويمنطق اللامنطق ليس لشيء سوى كسب ود الناس والأخذ في الحسبان أن هناك بشر آخرين في العالم لا يحب أن يشوه صورته أمامهم حتى يتمكن من استقطاب أكبر عدد ممكن من الدول للوقوف معه ومساندته فيما يود فعله, إذن فهو للحظة الأخيرة حاول بشتى الطرق أن يستقطب معه أكبر عدد ممكن من المجتمع الدولي حتى لا يظهر أمام العالم بأنه يتصرف بشكل ديكتاتوري مخالف لرغبة المجتمع الدولي.

وما نراه في هذه الصورة أن الرجل الغربي مهما كذب ومهما ظلم ومهما اعتدى على غيره إلا أنه لا ينسى أن يصبغ كذبه وظلمه وعداوته بصبغة من الشرعية القانونية تارة والشرعية الدينية تارة والشرعية العقلية تارة والشرعية الإنسانية تارة أخرى, وعندما ينكشف الزيف يعترف الشخص الغربي على الفور بالخطأ ويقر به دون غطرسة ودون مكابرة، فلديه من الشجاعة ما يدفعه إلى الاعتراف بالخطأ وتحمل المسئولية تجاه ذلك الخطأ, بل ومن الممكن أن يقدم للمحاكمة.

# صورة عربية مترجمة:

أما الباش مهندس صدام حسين فقد غزا الكويت بليل والناس نيام ودون تقديم أي مبررات, لا قانونية ولا منطقية ولا إنسانية ودون إنذار سابق ضاربا بعرض الحائط الأرض ومن فيها ومن عليها، ودون أي إعلان مسبق عن ذلك أو حتى مشاورة لأحد ودون أي محاولة استقطاب أو استعطاف لأحد لا من قريب ولا من بعيد.
هذا هو الفارق السياسي بين الغربي الأصلي والعربي الغربي المترجم.

# صورة غربية أصلية:

عندما أراد البابا أن ينتقد الإسلام استشهد في محاضرته بما يلي:
(قل لي ما هو الجديد الذي أتى به محمد إنك لن تجد سوى أشياء شريرة ولا إنسانية، مثل الأمر بنشر الإيمان الذي بشّر به بحدّ السيف).

وذكر البابا أيضا ما يلي:
(إن الله لا يُسَرُّ بالدماء، وإن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله. الإيمان يولد من الروح، وليس من الجسد. أن على من يرغب في جذب إنسانٍ إلى الإيمان أن يكون متحدّثاً جيّداً، وأن يملك القدرة على المحاججة المنطقية، بدون عنف وبدون تهديدات.. لإقناع روحٍ عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوي، أو إلى أسلحة من أي نوع، أو لأي شكلٍ من أشكال التهديد بالقتل).

وذكر البابا أيضا ما يلي:
(أما في التعليم الإسلامي فإن الله فوق البشر بصورة مطلقة , وإرادة الله ليست مقيدة بأي من مقولاتنا بما فيها مقولة العقل)

# صورة عربية مترجمة:

عندما أراد الشيخ القرضاوي أن يرد على انتقادات البابا هل فهم ما قاله البابا جيدا وحاول الرد عليه بطريقة علمية موضوعية عقلية؟؟ كلا، بل أخذ يصرخ بأعلى صوته على شاشة الجزيرة ويقول: الإسلام باق .. الإسلام باق .. الإسلام باق ما دام الله باقيا, ونادى في الجماهير وقال: أنا أدعو جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي أن يتظاهروا يوم الجمعة القادم ويسمى هذا اليوم بيوم الغضب العاقل. (مع العلم أن ثقافة التظاهر ثقافة غربية محضة).
ولا ننسى أيضا في هذا السياق أن نعرض صورة أخرى مترجمة تؤمن بالديمقراطية وهي صورة فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمون الأستاذ/ محمد مهدي عاكف صاحب الفلسفة (الطظية) التي أرساها حين قال في أحد مؤتمراته: (طظ في مصر).

# صورة غربية أصلية:

حين بدأ الفلاسفة والمفكرون الغربيون البحث في مسألة وجود الله, وهل الله موجود أم لا؟ بدءوا بحثهم باستخدام أسمى شيء في الإنسان وهو العقل، ولم ينطلقوا في بحثهم لهذه المسألة من الجزئيات الصغيرة بل انطلقوا من الكليات من قراءة صفحة هذا الكون الكبيرة واستهجاء حروفه حرفا حرفا, حتى يتمكنوا من التوصل إلى حقيقة نهائية حول مسألة وجود الله، وتم هذا قبل البحث في التفاصيل الجزئية للأديان.

على عكس أشباه وأنصاف وأرباع المفكرين ومتطفلي الفكر في عالمنا العربي وخصوصا المترجَمون منهم، فأشباه المفكرين في عالمنا العربي حين يبدءون في البحث في هذه القضايا الكبيرة والهامة والتي تتعلق بمصير البشرية جميعها، نراهم يبدءون أولا في البحث عن وجود الله وصحة الأديان من نصف الإنسان السفلي وبالتحديد من داخل سرواله، فيقومون بتشريح وفحص ما بداخل السراويل، ومن داخل السراويل يقومون بطرح أسئلتهم الكبيرة حول الأديان ووجود الله وتتلخص أسئلتهم في: هل المسلمون مصابون بالهوس الجنسي؟ هل المسلمون مصابون بالكبت الجنسي والحرمان الجنسي والجوع الجنسي؟ لماذا المسلمون يتزوجون بأربع نساء؟ لماذا يخاف المسلمون من جسد المرأة؟ والكثير والكثير من الأسئلة التي تكتظ بها السراويل.

أما في الغرب كما سبق وأن قلنا لم يبدأ المفكرون الغربيون من داخل سراويل المسيحيين، وإنما بدءوا من الكون الكبير بتدبره والبحث فيه وكشف غموضه وطرح الأسئلة الهامة عليه ومحاولة الإجابة على تلك الأسئلة، مع العلم أن الكتاب المقدس الذي كان يؤمن به الغرب كله ذات يوم قبل عصر النهضة ومازال البعض القليل حتى الآن يؤمن به مليء بالقصص والعلاقات الجنسية التي تشيب لها الرؤوس، وهذه العلاقات الجنسية لم تكن مع الناس العاديين بل كانت مع الأنبياء المفترض أنهم قدوة لأقوامهم، ولم تكن هذه العلاقات في إطار الزوجية بل كانت تتم في إطار الزنى وسوف نسوق فقط قصتين صغيرتين الأولى لنبي الله لوط، والثانية لنبي الله داود:

جاء في سفر التكوين الإصحاح التاسع عشر، من 19:38 ما يلي:
(وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل و ابنتاه معه لانه خاف ان يسكن في صوغر فسكن في المغارة هو و ابنتاه*وقالت البكر للصغيرة ابونا قد شاخ وليس في الارض رجل ليدخل علينا كعادة كل الارض*هلم نسقي ابانا خمرا ونضطجع معه فنحيي من ابينا نسلا*فسقتا اباهما خمرا في تلك الليلة ودخلت البكر واضطجعت مع ابيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها*وحدث في الغد ان البكر قالت للصغيرة اني قد اضطجعت البارحة مع ابي نسقيه خمرا الليلة ايضا فادخلي اضطجعي معه فنحيي من ابينا نسلا*فسقتا اباهما خمرا في تلك الليلة ايضا وقامت الصغيرة واضطجعت معه ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها*فحبلت ابنتا لوط من ابيهما*فولدت البكر ابنا و دعت اسمه مواب وهو ابو الموابيين الى اليوم*والصغيرة ايضا ولدت ابنا ودعت اسمه بن عمي وهو ابو بني عمون الى اليوم)انتهى.

أما نبي الله داود فقد جاء في سفر صموئيل الثاني الإصحاح11 الآيات 2 : 6 ما يلي: (وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدّاً.. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: إِنِّي حُبْلَى)انتهى.

ورغم ذلك لم يلتفت العلماء والفلاسفة الغربيين إلى هذه القصص ولم يقوموا بتحليلها ونقدها ومهاجمتها والتعيير بها ووضعها على طاولة البحث والتشريح كما يفعل علماء العالم العربي وفلاسفته ومفكريه المترجَمين.

فعلماء الغرب الكبار حقا، بدءوا من صفحة الكون لاكتناه أسراره وغموضه، وفي النهاية منهم من توصل إلى أن هذا الكون ليس له خالق وأن الإنسان هو الإله في الحقيقة، ومنهم من توصل إلى غير ذلك، فقد توصل البعض منهم إلى الإقرار بعجز الإنسان وقصور العلم عن التوصل لأية حقيقة علمية نهائية، وأقروا بأن هناك قوة غير مادية تقف وراء هذا الكون المحير تدير شئونه، وهذه النتائج التي توصل إليها كلا الطرفين لم تأت نتيجة قراءة كتب وأفكار وفلسفة أناس يعيشون في منطقة تبعد عنهم آلاف الكيلومترات بل بحثوا هم بأنفسهم بجد واجتهاد وصدق وأمانة ومثابرة ودون الاعتماد على فكر الآخرين كالطفيليات، وبالتالي تميزوا عن غيرهم فحق لهم أن يسودوا العالم.

# نتائج بحث الفلاسفة الغربيين الذين لم يتوصلوا لوجود الله:

قال جوليان هكسلي في كتابه: (الإنسان في العالم الحديث)
(إن الإنسان قد خضع لله بسبب عجزه وجهله، والآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز على عاتق الله ومن ثم يصبح هو الله.)انتهى.

وقال (برنتون) في كتاب منشأ الفكر الحديث من الترجمة العربية – ترجمة عبد الرحمن مراد:
(فالمنهج العقلي يتجه نحو إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون ... فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلي نحو الكون).
وقال عن قانون السببية الذي كشفه نيوتن: (إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة – يقصد المعتقدات الدينية – في هذا العالم).
وقال: (الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة ولكن صانع هذه الساعة الكونية ونعني بها الكون, لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد, فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد).
وقال:(أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها وإنه ليبدوا أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذه الساعة الكونية الضخمة الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله).انتهى
(نقلا عن كتاب مذاهب فكرية معاصرة - للأستاذ محمد قطب).

ورغم مآخذ بعض علماء آخرين غربيين على هذه النتائج لما فيها من قصور ومغالطات وتجاهلهم للكثير من الأسئلة العقلية حول مجيء الإنسان إلى هذا الكون وخروجه منه, ومسألة الحياة والموت وكثير من الأسئلة العقلية والكونية التي عجز كل العلماء والمفكرين الغربيين في إيجاد إجابة مقنعة ومشبعة عليها حتى هذه اللحظة، إلا أنه في نهاية المطاف لا يملك المرء غير احترام هذا الجهد من قبل (برنتون) و(جوليان هكسلي) و(نيوتن)، وغيرهم من المفكرين والعلماء الذين وافقوهم الرأي، لأن هذه النتيجة توصلوا إليها بأنفسهم بعد الكثير من التفكير والبحث الجاد والمضني.

# نتائج بحث الفلاسفة الغربيين الذين توصلوا لوجود الله:

وعلى العكس من (برنتون) و(جوليان هكسلي) و(نيوتن) فقد توصل العالم (ألكسس كاريل) في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) ترجمة: شفيق أسعد فريد، حول معرفة الإنسان بنفسه فقال:
(وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه ولكنه بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان, فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة من أنفسنا . إننا لا نفهم الإنسان ككل .. ؟إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة . وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا . فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة ! وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أؤلئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب)انتهى.

أما العالم (كريسي موريسون، رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك) قال في كتاب (العلم يدعو إلى الإيمان) ترجمة: محمود صالح الفلكي ما يلي:
(في خليط الخلق قد أتيح لكثير من المخلوقات أن تبدي درجة عالية من أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما لا ندري)انتهى.
ثم تحدث عن حياة الدبابير والنمل وبعض الحشرات وكيف تدير شئون حياتها في نظام لا مثيل له ثم قال: (لا شك أن هناك خالقا أرشدها إلى كل ذلك)انتهى.

أما عالم الطبيعة (فرانك ألن) قال في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) ترجمة: د. الدمرداش عبد المجيد سرحان، قال ما يلي:
(ولكن قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أن مكونات الكون تفقد حرارتها تدريجيا وأنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق, ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة .. ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقة عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت).
وقال:(أما الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة والأرض الغنية بأنواع الحياة فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة, فهو إذن حدث من الأحداث ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية, عليم محيط بكل شيء, قوي ليست لقدرته حدود ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه)انتهى.

أما الفيلسوف (ول ديورانت) فقد قال في كتاب (مباهج الفلسفة) ترجمة د. أحمد فؤاد الأهواني, توصل إلى التالي:
(ما طبيعة العالم؟ ما مادته وما صورته؟ وما مكوناته وهيكله؟ وما مواده الأولى وقوانينه؟ وما المادة في كيفها الباطن وفي جوهر وجودها الغامض؟ وما العقل؟ أهو على الدوام متميز عن المادة وذو سلطان عليها؟ أم هو أحد مشتقات المادة وعبد لها؟ أيكون كلا العالمين: الخارجي الذي ندركه بالحس والباطني الذي نحسه في الشعور, عرضة لقوانين ميكانيكية أو حتمية كما قال الشاعر "ما يكتبه الخالق في مطلع النهار نقرؤه في آخر النهار" أم ثمة في المادة, أو في العقل, أو في كليهما عنصر من الاتفاق والتلقائية والحرية؟ هذه أسئلة يسألها قلة من الناس, ويجيب عليها جميع الناس وهي منابع فلسفاتنا الأخيرة, التي يجب أن يعتمد عليها في نهاية الأمر كل شيء آخر وفي نظام متماسك من الفكر .. إننا نؤثر معرفة الإجابات عن هذه الأسئلة على امتلاك سائر خيرات الأرض).

(ولنسلم أنفسنا في الحال لإخفاق ما مناص منه . لا لأن هذا الباب من الفلسفة يحتاج في إتقانه إلى معرفة كاملة ومناسبة بالرياضيات والفلك والطبيعة والكيمياء والميكانيكا وعلم الحياة وعلم النفس فقط, بل لأنه ليس من المعقول أن نتوقع من الجزء أن يفهم الكل .. فهذه النظرة الكلية – وهي فتنتنا في هذه المغامرات اللطيفة – ستبعد عن فكرنا جميع الفخاخ والمفاتن . ويكفي أن نأخذ أنفسنا بقليل من التواضع وشيء من الأمانة لنتأكد أن الحياة غاية من التعقيد والدقة بحيث يصعب على عقولنا الحبيسة إدراكهما . وأكبر الظن أن أكثر نظرياتنا تبجيلا قد يكون موضع السخرية والأسف عند الآلهة العلمية بكل شيء, فكل ما نستطيع أن نفعله هو أن نفخر باكتشاف مهاوي جهلنا ! وكلما كثر علمنا قلت معرفتنا, لأن كل خطوة نتقدمها تكشف غوامض جديدة, وشكوك جديدة . "فالجزيء" يتكشف عن "الذرة" والذرة عن الإلكترون "الكهرب" والإلكترون عن الكوانتوم "Quantum " (الكويمية) ويتحدى الكوانتوم سائر مقولاتنا "Categories " وقوانيننا وينطوي عليهما . والتعليم تجديد في العقائد وتقدم في الشك, وآلاتنا كما ترى مرتبطة بالمادة وحواسنا بالعقل .. وفي خلال هذا الضباب يجب علينا نحن "الزغب" على الماء أن نفهم البحر).

وعن تقلب "العلم" يقول:
(إلى أي نجم بعيد ذهبت نظريتنا السديمية المشهورة ؟ هل يؤيدها علم الفلك الحديث أو يسخر من وجهها المغبر؟ وأين ذهبت قوانين نيوتن العظيم حين قلب آينشتين وميكوفسكي وغيرهما الكون رأسا على عقب بمذهب النسبية غير المفهوم؟ وأين مكانة نظرية عدم فناء المادة وبقاء الطاقة في الفيزيقا المعاصرة, وما يكتنفها من فوضى وتنازع؟ وأين إقليدس المسكين اليوم, وهو أعظم مؤلف للمراجع العلمية ليرى كيف يصوغ الرياضيون لنا أبعاد جديدة بحسب أهوائهم ويبتدعون لا متناهيات يحتوي أحدها الآخر كجزء منه ويثبتون في الفيزيقيا – والسياسة كذلك - ؟أن الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين؟!!).

(وأين علم الأجنة ليرى أن "البيئة الناشئة" تحل محل "الوراثة" التي كانت إله العلم ؟ وأين "جريجوري" و "مندل" الآن ليشهدا انصراف علماء الوراثة عن "وحدة الصفات" ؟ وأين "داروين" الهدام الدقيق ليرى كيف حلت طريقة "التغيرات السريعة" محل "الاختلافات الذاتية والمتصلة" في التطور ؟ وهل هذه التغيرات هي الثمرة المشروعة لاختلاط الهجائن ؟ وهل نضطر إلى الرجوع في تفسيرنا للتطور إلى الوراء عند نظرية "انتقال الصفات المكتسبة" ؟ أنجد أنفسنا وقد عدنا مرة أخرى أكثر من قرن إلى الماضي نعانق رقبة زرافة "لامارك"؟ وماذا نصنع اليوم بمعمل الأستاذ فونط "Wundt " وباختبارات "استانلي هول" حين لا يستطيع أي عالم نفساني من اتباع السلوكيين أن يكتب صحيفة واحدة في علم النفس الحديث دون أن يلقى بمخلفات أسلافه في الهواء؟!).

(وأين علم التاريخ الحديث اليوم حيث يضع كل عالم في تاريخ قدماء المصريين كشفا بالأسرات وتواريخها على هواه, ولا يختلف عن كشوف غيره إلا ببضعة آلاف من السنين ؟! وحيث يسخر علماء الأجناس من "تيلور" و "وستر مارك" و"سبنسر" ؟ وحيث يجهل "فريزر" كل شيء عن "الدين البدائي" لأنه قد رحل إلى العالم الآخر؟!، فماذا أصاب علومنا؟ هل فقدت فجأة قداستها وما فيها من حقائق أزلية؟ أيمكن أن تكون "قوانين الطبيعة" ليست سوى فروض إنسانية ؟ ألم يعد هناك يقين أو استقرار في العلم؟).

وعن "حقيقة" المادة يقول:
(وأول شيء نكشفه هو أن المادة القديمة غير المتحركة التي وصفتها طبيعيات القرن التاسع عشر قد ذهبت وكانت "مادة" تندال وهكسلي غير فاسدة. فهي تقعد وتنام أني وضعتها, كذلك الصبي البدين في قصة "أوراق بكويك" وهي تقاوم بكل ما فيها من وقار الحجم والثقل كل جهد لتحريكها, أو لتغيير وجهة حركتها متى أخذت في الحركة . وبين "برجسون" في يسر شديد أن مادة في مثل هذا الخمود لا يمكن أبدا أن تفسر الحركة ومن باب أولى لا تحدث الحياة والعقل . ولكن رجال الطبيعة مع ذلك كما كتب برجسون كانوا في سبيلهم إلى هجر تصور المادة خامدة, وإلى الكشف فيها عن حيوية لا ريب فيها . فهذه لكهرباء لا يمكن تفسيرها في صيغ من الخمود والذرات . فما هذه القوة الخفية التي تضاف إلى الكتلة فتزيد في طاقتها ولكنها لا تضيف شيئا إلى أبعادها وثقلها ؟ وكيف تسري الشحنة الكهربية في سلك أو في الهواء اللاسلكي ؟ أهي شيء يتحرك في داخل السلك والذرات ؟ فهناك إذن ذرات أصغر من الذرات وما الذي يتحرك في تلك الموجات الكهربية التي تكاد تبلغ في سرعتها سرعة الضوء نفسه ؟ أهي الذرات أو "الأثير" أو لا شيء ؟ وفي أشعة إكس عندما تمر شرارة كهربية في فراغ باعثة أشعة تنفذ من جدران الأنبوبة وتغير من اللوح الحساس كيميائيا, فما هذا الذي يمر خلال الفراغ أو الجدران ؟ وعندما بدت المادة نشيطة لا تفرغ كما هو الحال في الراديوم, وبدت الذرات (التي لا يمكن أن تنقسم) منقسمة إلى مالا نهاية وأصبحت كل ذرة نظامها كوكبيا من الشحنات الكهربية تدور حول شيء لا يزيد جوهره عن شحنة كهربية أخرى ... فأي مأزق وقعت المادةفيه حين فقدت كتلتها ووزنها وطولها وعرضها وعمقها وعدم قابليتها للنفاذ وسائر تلك الخصائص الثقيلة التي ظفرت باحترام كل مفكر واقعي ؟ أكان الخمود أسطورة؟ أيمكن أن تكون المادة حية؟).

(لقد كانت هناك دلائل من قبل على وجود هذه الطاقة في المادة, فالتماسك والتآلف والتنافر كانت توحي بها ويبدو من المحتمل أن تكون هذه الصفات وكذلك الكهربية المغناطيسية صورا من "الطاقة الذرية" وهي ظواهر ترجع إلى حركة الإلكترونات الدائبة في الذرة .. ولكن ما الإلكترون ؟ أهو جزء من "المادة" يظهر في ثوب من الطاقة ؟ أو هو مقدار من الطاقة منفصل تمام الانفصال عن أي جوهر مادي ؟ ولا يمكن أن نتصور الفرض الأخير ! ويقل ليبون "قد يمكن ولا ريب لعقل أسمى من عقلنا أن يتصور الطاقة بغير مادة .. ولكن مثل هذا التصور في غير مقدورنا, فنحن لا نستطيع أن نفهم الأشياء إلا بوضعها في الإطار المشترك لأفكارنا . ولما كانت ماهية الطاقة مجهولة فنحن مضطرون إلى صوغها صياغة مادية حتى نفكر فيها" . فنحن كما يقول برجسون ماديون بالطبع, فقد ألفنا التعامل مع المادة والأمور الميكانيكية ولذا لم ننصرف عنها كي ننظر في أنفسنا فإننا نتصور كل شيء كآلة مادية . ومع ذلك فإن أوستولد "Ostwald" يصف المادة على أنها صورة من الطاقة وحسب . ويرى رذرفورد الذرة إلى وحدات الكهرباء الموجبة والسالبة . ويعتقد لودج أن الإلكترون لا يشتمل على نواة مادية أكثر من شحنته . ويقول ليبون ببساطة: "المادة صورة مختلفة من الطاقة" ويقول ج.ب.س. هالدين : "يعتبر بعض الناس من أقدر المفكرين في العالم اليوم المادة كمجرد ضرب خاص من الاضطراب التموجي" ويقول إدنجتون: "إن المادة مركبة من بروتونات وإلكترونات أي شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء, فاللوح هو في الحقيقة مكان فارغ مشتمل على شحنات كهربية مبعثرة هنا وهناك" ويقول هوايتهيد: " إن مفهوم الكتلة في طريقه إلى فقدان امتيازه الوحيد باعتبارها المقدار الواحد الدائم في النهاية .. فالكتلة الآن اسم لكمية من الطاقة في علاقتها ببعض آثارها الديناميكية" . وإلى هذه المرتبة الوضيعة سقط الجبار ورجعنا إلى بوسكوفيتش "Boscovich" الجزويتي القديم إلى تلك العبارة غير المفهومة" "من أن المادة التي تشغل"المكان" مركبة من نقاط لا وجود لها" ! وفي ذلك يقول نيتشه: " لقد كان بوسكوفيتش وكوبرنيق حتى الآن أعظم خصمين وأكثرهما نجاحا في دحض شهادة العيان" فلا غرابة أن يستنتج ديوى أن "مفهوم المادة الذي يوجد بالفعل في تطبيق العلم لا يمت بصلة إلى مادة الماديين"!).

(أيمكن أن يكون شيء أكثر غموضا وغرابة من هذا الذي يقوله علماء الطبيعة من أن "المادة" بمعنى "الجوهر المتحيز" "Spatil" قد بطلت عن الوجود؟ فهم يقولون إن الإلكترونات ليس فيها شيء من خصائص المادة, فهي ليست صلبة ولا سائلة ولا غازية, وهي ليست كتلة أو صورة وانحلالها إلى نشاط إشعاعي يلقى شكوكا على أعز عقيدة في العلم الحديث, أي عدم قابلية المادة للفناء .. ولنسمع رأي أحد علماء الطبيعة مرة أخرى "إن عناصر الذرات التي تنحل تفنى تماما, فهي تفقد كل صفة للمادة بما في ذلك الثقل وهو أكثر صفاتها أساسية . ذلك أن الميزان يعجز عن وزنها ولا شيء يستطيع أن يعيدها إلى حالة المادة, فقد اختفت عظمة الأثير .. والحرارة والكهرباء والضوء إلى غير ذلك .. تمثل آخر مراحل المادة قبل اختفائها في الأثير .. والمادة التي تنحل تخرج ماديتها بمرورها في حالات متتابعة تنتزع منها تدريجيا صفاتها المادية حتى تعود في النهاية إلى الأثير الذي لا يمكن وزنه, ذلك الأثير الذي يبدو أنها نشأت عنه).

(الأثير؟ ..ولكن ما هو الأثير؟ لا أحد يعرف! ليس الأثير فيما يقول لورد سالسبوري إلا اسما على الفعل "يتموج" والأثير خرافة ابتدعت لإخفاء الجهل المثقف للعلم الحديث . فهو غامض غموض الشبح أو الروح ! وافترض آينشتين وجود الأثير حين أعاد تفسير الجاذبية وعزم أخيرا أن يدخره إلى حين مع تحديد سلطانه ! وكلما يعجز عالم من علماء الطبيعة ويتحير يقول: "الأثير" ! ويقول الأستاذ إدنجتون أحدث حجة في هذا الموضوع: "ليس الأثير نوعا من المادة, فهو لا مادي" .. ومعنى ذلك أن شيئا لا ماديا يحيل نفسه إلى مادة بوساطة بعض الإلتواءات "Contortions" الغامضة (دوامات "Vortices" كما سماها كيلفن) ويصبح ذلك الذي لم يكن له بعد أو ثقل بإضافة أجزاء منه بعضها إلى بعض, مادة متحيزة ويمكن أن توزن. أهو اللاهوت قد أعيد ؟ أم هو علم مسيحي جديد ؟ أم هو صورة من البحث الطبيعي ؟ وفي الوقت الذي يحاول علم النفس بكل سبيل أن يتخلص من "الشعور" حتى يرد "العقل" "للمادة" يأسف علم الطبيعة في تقريره أن المادة لا توجد ! ولقد قال نيوتن متعجبا: "أيتها الطبيعة احفظيني مما بعد الطبيعة "الميتافيزيقيا" فيا للأسف لن تقدر الطبيعة أن تفعل أكثر من ذلك!).

(يقول برتراندرسل: "يقترب علم الطبيعة من المرحلة التي يبلغ فيها الكمال" وجميع الدلائل تدل على العكس من ذلك .. أما هنري بوانكاريه فيرى أن علم الطبيعة الحديث في حالة من الفوضى, فهو يعيد بناء جميع أسسه وفي أثناء ذلك لا يكاد يعرف أين يقف. وقد تغيرت الأفكار الأساسية عن الطبيعة تغيرا تاما في العشرين السنة الأخيرة فيما يختص بالمادة والحركة كلتيهما . ولم تسمح أعمال كوري ورذرفورد وسودي وآينشتين ومينكوفسكي لأي تصور قديم عن الطبيعة النيوتونية بالبقاء . وكان لابلاس يحسد نيوتن لأنه كشف النظام الوحيد للعالم وحزن على عدم وجود نظم أخرى تكشف ! ولكن عالم نيوتن قد انتحى اليوم جانبا ولم يعد التثاقل "Gravitation " مسألة جاذبية "Attraction " وتمزقت "قوانين " الحركة في كل جهة بنظرية النسبية . وقد كانت الفلسفة تبحث ذات يوم في "الأشباح" والمجردات وكان العلم يبحث في "المادة" و"المحسوس" و"الحقائق الواقعة" . أما الآن فعلم الطبيعة مجموعة مستوردة "Esoteric " من القوانين المجردة . "وفكرة المادة مفقودة بالكلية في الدوائر العلمية" وكان على الفسفة أن تنتحي جانبا (ولا يزال بعض الناس يتوقعون موتها خلال خمسين عاما) أما العلم فعليه أن يحل مشكلاتنا . والآن في الوقت الذي يحمل رجل الشارع العلم والعلماء جميع أفكار الإلهام واليقين التي كانت متصلة ذات يوم بالإنجيل والكنيسة يقال لنا في تواضع إن: " البحث العلمي لا يفضي إلى معرفة طبيعة الأشياء الباطنة")انتهى.
(نقلا عن كتاب: مذاهب فكرية معاصرة/ للأستاذ محمد قطب)

# صورة عربية مترجمة:

في المقال الأخير للدكتورة وفاء سلطان الذي جاء بعنوان:(هل يصلح الدهر ما أفسده الإسلام) بدأت السيدة الفاضلة مقالها بالسؤال عن وجود الله ثم قالت إن موضوع وجود الله لا يمكن للعقل البت فيه بالإيجاب أو السلب ثم طالبت بوضع الله على طاولة التشريح (وخصوصا الله الإسلامي) من خلال التشريعات الدينية، ونحن لا نمنعها من ذلك إذا كانت صادقة في بحثها عن وجود الله، ولكن هل حين يبحث الإنسان عن وجود الله يبدأ من الكون الكبير كما فعل علماء الغرب، أم نبدأ من داخل سراويل المسلمين؟؟!!!.

أنا لا أدري في الحقيقة لماذا البعض يجعل الجنس وممارسته وكيفيته وطريقته ودرجة حرارته وبرودته هو شغله الشاغل، ويجعله لب قضايانا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية؟؟!! بحيث أن البعض لا يكاد يخلو له مقال من جملة أو فقرة أو معلومة أو انتقاد جنسي هنا أو هناك، بل إن الحديث عن الجنس في مقالات البعض أصبح ملازما لمقالاته ملازمة الملح للطعام!!!.

مع أني قد قرأت في بعض كتب علم النفس أن كثرة التفكير في الجنس والحديث عنه يؤدي إلى الصراع العقلي والفكري الذي قد يكون السبب فيه الكبت أو الحرمان أو غيرها من الأسباب. يقول الدكتور حامد عبد السلام زهران في كتابه/ علم نفس النمو ما يلي:
(تعتبر الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز والدوافع لدى الإنسان حيث تحمل تأثيرا كبيرا على الصحة النفسية والفكرية والجسدية. وتتجلى هذه الغريزة في مظاهر مختلفة ابتداءاً من مرحلة الطفولة وانتهاءاً بانقضاء العمر، ويتوقف نشاطها على مجموعة من العوامل العضوية كالهرمونات والعوامل النفسية كالحاجة الماسة لإشباع هذه الرغبة. يقول دوجلاس توم "إن كثيرا من أنواع الصراع العقلي والشذوذ النفسي التي نشاهدها اليوم في الكبار والصغار على حد سواء ترجع بصورة مباشرة إلى المواقف والخبرات السيئة في الأمور الجنسية. وليس هناك من قوة في الدنيا وفي الحياة الفعلية بأجمعها أكثر من تلك القوة إلحاحا في سبيل الظهور على أي شكل من الأشكال")انتهى.
(ومن الممكن أن تظهر في شكل مقالات)!!!!.

وحين بدأت الدكتورة وفاء سلطان في تشريح إله المسلمين على طاولة البحث عن وجود الله بدأت باستخدام العقل في البحث عن وجود الله من النصف السفلي للمسلمين وكانت عناصر بحثها كالتالي:
1- محمد تزوج عائشة وهو في الستين من عمره وهي في التاسعة من عمرها وهنا لن أعلق على هذا الموضوع لأني لا أثق أساسا بما يسمى بالسنة لكثرة ما فيها من تناقضات وأشياء كثيرة لا تتفق مع نصوص القرآن، ولإيماني بأن سنة الرسول كانت هي التطبيق الفعلي لنصوص القرآن الكريم.

2- تقول الدكتورة (كيف يقرأ امرئ مسلم الآية التي تقول: "فلمّا قضى زيد منها وطرا زوجناكها"، ولا يتساءل: ما هو ذلك الوطر؟ هل يحق للرجل عندما يشبع وطره من زوجته ان يتخلى عنها لرجل آخر؟ هل هي فردة حذاء؟ أين حقها في تقرير مصيرها من عملية اللبس والخلع تلك؟ أيّ امرأة على سطح الأرض تقبل بهذا الهراء وليست معتلة انسانيا؟) انتهى.

وللتعليق نقول إن من يطالع النص الوارد في ثورة الأحزاب حول هذا الموضوع يجد التالي:
أولا معنى كلمة وطر التي اعترضت عليها الدكتورة في اللسان العربي هو: (الحاجة). والحاجة تشمل كل شيء يحدث في الحياة بين الرجل والمرأة من مأكل ومشرب ومعاشرة ومصاحبة، إذن فليست الحاجة فقط هي الممارسة الجنسية كما فسرت ذلك الدكتورة وفاء، ولا أدري ما هذا الهوس الفكري الجنسي الذي يجعل البعض يفسرون حتى (الهرش في القفا) تفسيرا جنسيا، فمعنى قضى زيد منها وطرا أي لم يعد بحاجة إليها، كما يقول الأب مثلا لابنه حين يغضب منه يقول: لا حاجة لي بك، فلما طلق زيد بن حارثة زوجته زينب بنت جحش تزوجها الرسول بناء على أمر من الله، وكان القصد من وراء هذا الأمر هو إباحة الزواج من طليقة الابن بالتبني كما جاء في النص القرآني: (لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) حيث أن رسول الله كان قد تبنى زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد, وكان زيد قد نشب بينه وبين زوجته خلاف فقرر زيد بن حارثة على إثره أن يطلق زوجته، وكان رسول الله ينصح زيدا بأن لا يطلقها إلا أن زيدا أصر على الطلاق بمحض إرادته كما جاء في النص القرآني: (وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله) مع العلم أن الله أعلم الرسول بأن زيدا سيطلق زوجته كما جاء في النص القرآني: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) إذن كانت الحكمة من وراء هذه الحادثة هي إباحة أن يتزوج المتبني طليقة ابنه بالتبني وكان ذلك بعد أن حرم الله التبني، وحسب النص القرآني أن زيدا لم يكن لديه أدنى علم بأن الرسول سوف يتزوج بزينب بعد طلاقها بدليل ما جاء في النص: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه). إذن فالأمر كان مجهولا تماما لزيد ولم يكن لديه أية معرفة بما سيحدث بعد الطلاق, ورغم عدم علم زيد بالأمر، ورغم وضوح ذلك في النص، إلا أن الدكتورة تصر على أن زيدا تنازل للرسول عن زوجته، ورغم أن الرسول كان هو وحده من يعلم بالأمر ورغم إخفائه وعدم إظهاره لأحد رغم كل ذلك كان الرسول يقول لزيد أمسك عليك زوجك واتق الله, إلا أن زيدا أصر على طلاقها وبعد طلاقها تقدم الرسول لخطبتها فوافقت زينب، ورغم وضوح النص القرآني للأعمى إلا أن الدكتورة وفاء سلطان أصرت على أن زيدا طلق زوجته ليتنازل عنها لرجل آخر هو الرسول، وأصرت الدكتورة على تفسير القصة تفسيرا جنسيا حتى يتوافق مع منهجها في البحث!!!.

وهذا هو النص كاملا لمن أراد أن يفهمه:
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)(الأحزاب:37).

3- تقول الدكتورة (كيف تقرأ المرأة المسلمة الآية التي تقول: "نساؤكم حرث لكم فآتوا حرثكم أنى شئتم"، ولا تصرخ بأعلى صوتها: وأين مشيئتي؟ أنا ارفض أن أكون مجرد أرض يشقّني الرجل بمحراثه متى ومن حيث شاء! لماذا لا يرفض الرجل المسلم أن يشبّه بشفرة المحراث، ويجرّد من كل مشاعر انسانية عندما يقترن برفيقة عمره في أكثر اللحظات خصوصيّة؟ عار عليه إن لم يفعل! هذا الاقتران يسمونه في كلّ لغات العالم "ممارسة الحبّ"، إلاّ في لغة الاسلام فيسمى " حراثة الارض"!)انتهى.
للتعليق أقول: هنا مربط الفرس ألا وهو (المحراث الإسلامي) هذا هو الكارثة العظمى التي تزعج الدكتورة وفاء سلطان, لماذا؟؟ لا أحد يدري!! بل إنه لا يزعج النساء فقط، بل يزعج الرجال أيضا الذين يبحثون عن وجود الله داخل سراويل المسلمين.

لو كان العرب وقت نزول القرآن يسمون الجماع بين الرجل والمرأة (ممارسة الحب) كما تحب أن تسميه الدكتورة لخاطبهم القرآن بما يقولون، لكن العرب كانوا يسمون ممارسة الجنس بين الرجل والمرأة (بالحرث والجماع والوطء والمباشرة والملامسة والإتيان والتغشي) وغيرها من المسميات التي اصطلح عليها العرب في تسمية اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة, إذن فالقرآن خاطب القوم بما اصطلحوا عليه من مسميات حتى يفهموا ما يقال لهم.

فالعرب في القرن السابع الميلادي لم يعرفوا أن الجماع والملامسة والحرث والوطء هو(ممارسة الحب) الذي تعرفه الدكتورة وفاء سلطان,!!!. فلو كانت الثقافة الأوروبية والأمريكية بمصطلحاتها الحديثة الآن منتشرة في الجزيرة العربية منذ أربعة عشر قرنا فقطعا كان الله سيخاطبهم بما يعرفون وبما يتواصلون به من مصطلحات, أما محاكمة مصطلحات أناس يعيشون في القرن السابع الميلادي ومقارنتها بمصطلحات أناس يعيشون في القرن الواحد والعشرين لهو ضرب من السفه والعرج الفكري الذي لا مبرر منطقي أو عقلي له.

ألم أقل: أن هؤلاء القوم عندما يبحثون عن وجود الله لابد وأن يبدءوا بدراسة أحوال الطقس والمناخ داخل سراويل المسلمين، حتى أن القارئ لهؤلاء يشعر للوهلة الأولى بأنه لديهم عقد نفسية قديمة تثير لديهم كل هذا الانزعاج والرهاب والفوبيا من (المحراث والحرث الإسلامي)، فالله وحده يعلم ما تخفي الصدور!!.

بل ومن أعاجيب هؤلاء كثرة تخبطهم وتناقضهم حول مسألة الجنس في الإسلام, فتارة تجد أحدهم يصف المسلمين بأنهم قوم مصابون بالهوس الجنسي ولا هم لهم في الحياة إلا ممارسة الجنس بأي شكل وبأي طريقة, وتارة أخرى تجد نفس الكاتب يصف المسلمين بأنهم يعيشون حالة من الكبت الجنسي الذي يتسبب في كثير من الأمراض النفسية والبدنية, وتارة أخرى تجد أيضا نفس الكاتب يكتب مقالا مطولا عن فوائد الجنس والممارسة الجنسية وأثرها على صفاء الذهن وصحة الجسد. وهنا يقف المسلم حائر هل يمارس الجنس أم لا؟؟!!.

ومن أعاجيب هؤلاء أيضا أنه إذا تنفس أحد من الشيوخ وانتقد الإباحية الجنسية في الغرب من سحاق ولواط واستغلال المرأة الغربية في الدعارة ولو بنصف كلمة، في اليوم التالي مباشرة ينفخ في الصور فتقوم القيامة وتنشر عشرات المقالات بل مئات المقالات التي تدافع عن الحرية الجنسية في الغرب لاحظ (الحرية الجنسية)، يبدو أن الله كتب على سكان منطقة الشرق الأوسط الحرمان من كل حرية حتى الحرية الجنسية!!!.

# اقتراح هام:

وحتى يستريح مفكري الجنس، أقترح أن تقوم مجموعة من المثقفين بكتابة مذكرة عاجلة إلى السيد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة لمطالبته بإصدار قرار من مجلس الأمن، على أن يتضمن هذا القرار القيام بقطع واستئصال الأعضاء التناسلية للمسلمين رجالا ونساء، لعدم أهليتهم لممارسة (الحب) بطريقة حضارية، لما يسبب ذلك من أخطار تهدد الأمن والسلم الدوليين، أو تطالب هذه المذكرة بوضع عدة مبادئ لمراقبة (ممارسة الحب) بين المسلمين ووضع عدة بروتوكولات تشرح للمسلمين الكيفية والطريقة الحضارية لممارسة (الحب) بين الزوجين، ويجب أن يتضمن القرار بروتوكولا إضافيا يسمح بوضع كاميرات مراقبة داخل غرف نوم المسلمين, والسماح بالتفتيش المفاجئ دون إذن مسبق، ولابد أن يصدر القرار وفقا للفصل السابع من الميثاق حتى يتسنى للمجلس عند مخالفة هذه المبادئ القيام بفرض عقوبات على أي مسلم لا يلتزم بما جاء في هذا القرار، وحتى يتسنى للمجلس أيضا استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر!!!.
فلينظر المرء كيف يفكر الغرب؟ وكيف يبحث؟، ولينظر لمفكرينا كيف يفكرون؟ وكيف يبحثون؟ ومن أين يبدءون؟؟!!!.

وأخيرا فلتسمح لي الدكتورة وفاء سلطان بأن أقول لها أنت غير أمينة وتكذبين على الناس قالت الدكتورة في مقالها ما يلي:
(كيف نطالب رجلا يؤمن بالحديث النبوي الذي يقول:"انصر اخاك ظالما او مظلوما" بأن يبني مجتمعا عادلا يحكمه القانون والاخلاق؟ هذا الرجل وبايمانه، بضرورة نصرة أخيه ظالما أو مظلوما، فقد قدرته على التمييز بين الحق والباطل. فصلة الدم أو الدين لا تبرر الباطل ولا تلغي الحق!)

أين بقية نص الحديث يا دكتورة أهكذا تكون الأمانة العلمية ويكون الصدق مع الناس فسأكتفي فقط بذكر النص الكامل للحديث وأترك للقارئ أن يحكم بنفسه.
# نص الحديث يقول:

‏(‏انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره.) رواه البخاري.

وللحديث بقية حول (العقل والبحث عن وجود الله)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,802,155
- العقيدة الأرثوذكسية لمذهب الشيعة والمعتزلة
- العقيدة الكاثوليكية لمذهب أهل السنة والجماعة
- أمطار الصيف
- أخطاء وخطايا الكتابة في الدين - الجزء الثاني
- أخطاء وخطايا الكتابة في الدين - الجزء الأول
- أعلن انسحابي
- الفرار إلى الله والفرار منه
- حوار الأديان أطرافه مفتقدة الأهلية
- تعقيب على رد الأستاذ أسعد أسعد ، ليس المسيح والله شيء واحد
- محاضرة البابا بين الله المسيحي والله المسلم
- محاضرة البابا وردود الأفعال
- الولاء والبراء في القرآن
- نهرو طنطاوي يرد على كامل النجار - القرآنيون ليسوا خوارج
- الجهاد والقتال في سبيل الله كما جاء في القرآن - الجزء الرابع
- الجهاد والقتال في سبيل الله كما جاء في القرآن - الجزء الثالث
- نهرو طنطاوي يرد على الأستاذ مدحت قلادة
- الجهاد والقتال في سبيل الله كما جاء في القرآن - الجزء الثاني
- الجهاد والقتال في سبيل الله كما جاء في القرآن - الجزء الأول
- المثقف ورجل الدين وليس من أحد معصوم
- الناسخ والمنسوخ بين فتاوي بن باز وعقلانية ذكريا بطرس -الجزء ...


المزيد.....




- واشنطن بوست: الانتقام الوحشي من النشطاء في مصر يمكن أن يغذي ...
- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...
- لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري تضع 10 إجراءات لتج ...
- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهرو عبد الصبور طنطاوي - البحث عن وجود الله داخل سراويل المسلمين