أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعدون محسن ضمد - حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني... الحلقة الثانية















المزيد.....


حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني... الحلقة الثانية


سعدون محسن ضمد
الحوار المتمدن-العدد: 1725 - 2006 / 11 / 5 - 10:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الوحي وآليات التلقي الإنساني.
أولاً: ما هو الوحي
تُستخدم كلمة وحي عدة استخدامات متقاربة من بعضها البعض وكلها تدل بالجملة على عملية الاتصال فـ»يقال: وحي يحي وحياً، أي: يكتب كتباً.. وأوحى الله إليه، أي بعثه. وأُوحىَ إليه؛ ألهمه وقوله عز وجل [وأوحى ربك إلى النحل] أي؛ ألهمها وأوحى لها معناه؛ وأوحي إليها في معنى. الأمر قال الله عز وجل: [بأن ربك أوحى لها].. وزكريا أوحى إلى قومه أي أشار إليهم، والإيحاء الإشارة«(1)، وقد تدل على ما هو أعم من ذلك مثل »الإشارة والكتابة والرسالة... والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك«(2)، وربما استخدمت لغوياً للدلالة على خصوص »الوحي إلى الأنبياء (ع).. وأصل الإيحاء أن يسر بعضهم إلى بعض.. وهو الإعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام وحياً.. وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحياً«(3)، ولهذا كانت تسمية جبريل (ناموس الله) ـ التي تعني المكان الذي يستتر به ـ لكونه يدل على عملية اتصال سرية بين الله والرسول.
وقد استخدم مفهوم (وحي) في القرآن للإشارة إلى ما هو أعم من الاتصال بخصوص النبي من قبل الله، فهناك وحي بين الله والنحل: [وأوحى ربك إلى النحل](4)، وبين زكريّا وقومه: [فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا](5)، وبين الله والملائكة: [إذ يوحي ربك إلى الملائكة](6).
أما الوحي اصطلاحاً فهو عند علماء الشريعة يستخدم للدلالة على »كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه.. خاطر الملك .. الذي ينفث في الروع.. والإلهام .. وقد يكون الوحي في اليقظة كما يكون رؤيا في المنام.. ـ وهو لدى المتكلمين ـ كشف الحقيقة كشفاً مباشراً مجاوزاً للحس ومقصوراً على المختارين لهذا اللون من الإعلام ـ أما لدى الفلاسفة فهو ـ اتصال النفس الإنسانية بالنفوس الفلكية اتصالاً روحياً فترتسم لديها صور الحوادث، وتطلع بهذا الاتصال، على عالم الغيب«(7).

ثانياً: الربط بين الوحي وآليات الإدراك:
بما أن الوحي عبارة عن نوع من أنواع الاتصال الذي يتضمن عمليتي الإلقاء والتلقي، التي تحدث بين طرفين دائماً؛ (الله/ الإنسان، الله/النحل، الإنسان/ الإنسان).
وبما أن الاتصال لا يتم إلا بوجود طرفين اثنين هما: (الملقي والمتلقي)، إذن وحتى تتم عملية الاتصال بصورة كاملة، لا بد للطرفين من أداة تواصل، وعادة ما تكون أداة الاتصال في الحالات الطبيعية هي اللغة (في حالة الاتصال بين الإنسان والإنسان)، بل حتى خلال عمليات التواصل غير الطبيعية لا يمكن تخطي اللغة، حيث أن الإنسان وحتى في حالة التفكير الداخلي يستخدم اللغة، بل ويعتمد عليها بالكامل خلال عمليات التأمل وما شابهها من عمليات الاستبطان الأخرى. لكن لنفترض أن عملية الوحي، هي عملية تواصل من نوع خاص، ومن ثم لا تكون اللغة هي أداة الاتصال، أو أنها لا تمارس دوراً مباشراً.
لنفترض بأن اللغة لا تكون فعّالة في حالات الـ(إلهام، الإشارة، خاطر الملك، المَنْفُوث في الْرَوْع، الكشف المجاوز للحس). عليه فلا بد أن تكون أداة التواصل مقتصرة على المفاهيم، حيث يعول عليها في هذا القبيل من التواصلات، فمن الواضح بأن الإنسان ومهما استطاع التخلي عن اللغة خلال عملية التلقي، فإنه لا يستطيع أن يتخلى عن المفاهيم أبداً، وإلا لا تكون هناك عملية اتصال نهائياً.
على أساس ما تقدم يتضح لنا بأن عملية الإيحاء أو (الوحي) تفترض وجود أداة إنسانية، تم بواسطتها نقل المضامين فوق الطبيعية (الإلهية) وجعلها طبيعية، أو بالأحرى (إنسانية)، الأمر الذي يستدعي منّا إخضاع هذه الأداة للمناقشة والتأمل في حال أننا أردنا أن نمارس أي نوع من أنواع الاقتراب المعرفي من عملية الوحي.

ثالثاً: محدودية أدوات التلقي الإنساني ونسبية مفاهيمها
(الحاجة لفحص أدوات التلقي قبل إنجاز أي تقييم يخص نجاح عملية الاتصال)
يتمتع الإنسان ودونا عن باقي أنواع الجنس الحيواني بمنظومة متقدمة جداً للإدراك. وقد قادته هذه المنظومة خلال رحلته الطويلة على الأرض إلى ما وصل إليه الآن من تقدم حضاري هائل. حيث تعدُّ هذه المنظومة أحد أهم أسباب الحضارة الإنسانية، ومن ثم قد تكون هي وحدها وراء تميز الإنسان عن باقي المخلوقات.
لكن من جهة أخرى فإن هذه المنظومة ومهما كانت خلاقة ومبدعة، فأنها ولابد محدودة بحدود، ومقيدة بقيود، وكما أنها وراء كل نجاحات الإنسان، فإنها أيضاً وراء كل فشله وجملة مشاكله، وكما أنها كانت الأداة التي قادة الإنسان للفهم الصحيح فإنها من زاوية أخرى قادته للفهم الخاطئ، وهكذا. فبالإضافة لمشكلة الإسقاطات التي تمارسها محدودية اللغة والمفاهيم الإنسانية، هناك مشاكل أخرى تجعل هذه المنظومة تتلكأ في عملها، هي أنها تستخدم آليات في الكشف عن الواقع قابلة للخطأ والصواب، ومهما كان خطأ هذه الآليات قليلاً، ومهما كانت دقتها كبيرة، غير أنها في نهاية الأمر قابلة للخطأ، الأمر الذي يساوي عدم قابليتها على إنتاج اليقين الموضوعي (التام). ومن هذه الآليات ما يمكن تسميته بـ:
أولاً: آلية التعميم، التي تؤدي بالمُدْرِك إلى تعميم الحكم المتعلق ببعض أفراد موضوع معين على جميع أفراد أو مصاديق ذلك الموضوع. بعبارة أخرى؛ أن منظومة الوعي ومن خلال هذه الآلية، تقفز من عملية الحكم على الجزء المقيد إلى الحكم على الكل المطلق، دون أن تستند في قفزها ذاك على مبررات موضوعية.
ثانياً: آلية توالد المفاهيم، من بعضها البعض. حيث تعمل هذه الآلية عندما تكون بمعرض صياغة مفهوم جديد أو حتى عندما تكون بمعرض التعاطي مع المفاهيم الموجودة على صعيدي (الإدراك والحكم)، إلى الرجوع لكل المفاهيم ذات الصلة بهذا المفهوم، وعندما تكون بعض هذه المفاهيم أو كلها خاطئة، فإن النتيجة ولا بد ستكون خاطئة.
ولتوضيح الموضوع أكثر سنورد بعض الأمثلة:

1. آلية التعميم
قلنا أن التعميم يعني ببساطة، قيام الإنسان بتعميم أحكام الجزء على الكل، فهو يقوم بإجراء استقراءً ناقصاً على العلاقة بين حكم ما وأفراد موضوع معين، فمثلاً، أنه يجد بأن الحديد معدن وهو صلب، والألمنيوم معدن وهو صلب أيضاً، وكذلك الذهب، والفضة... الخ، ومن ثم فإنه سينجز حكماً عاماً على جميع المعادن بأنها صلبة، وفي حال أنه وجد أن معدناً ما مختلف من هذه الجهة فإنه سيتفاجأ حتماً، إن الدهشة التي يتعرض لها المدرك في هذه المواقف تكشف عن أنه لا يعي حدود منظومته الإدراكية، بالتالي فإنه وفي معظم الأحيان لا يستطيع أن يتعامل معها تعاملاً نقدياً، فمع أنه يدرك بأنه لم يفحص صلابة جميع أنواع المعادن، إلا أنه تعامل مع النتيجة التي خرج بها (المعادن صلبة) على أنها نتيجة تامة لا تقبل الخطأ.
من الواضح بأن آلية التعميم بحد ذاتها ضرورية بالنسبة لعملية الإدراك الإنساني، لا بل أن هذا الإدراك يبدوا في بعض الأحيان غير ممكن في حال فقدان هذه القابلية، فبدونها سيقع الإنسان بأحد مشكلتين، الأولى هي أنه لن ينجز حكماً عاماً بخصوص أي موضوع، لأنه لا يستطيع فحص جميع مصاديقه، وهذه مشكلة حقيقية، حيث لن نستطيع التعامل مع المواضيع بدون معرفة خصائصها، التي هي أحكامنا عليها. والمشكلة الثانية هي أن يضطر الإنسان لإجراء الاستقراء التام، وهو أمر غير ممكن. إذ كيف يستطيع الإنسان أن يفحص جميع المعادن من أجل أن ينجز الحكم بصلابتها جميعها أم لا. فحتى لو تصورنا أن ذلك الأمر ممكن، فمن أين سنعرف بأننا اكتشفنا جميع أنواع المعادن مثلاً.
إذن، فالتعميم كآلية في الإدراك، أمر لا بد منه، ولو أننا أجرينا مقارنة بين المشاكل الإدراكية التي تسببها هذه الآلية وبين الفوائد المعرفية، سنقرر حتماً بأن التوقف عند هذه المشاكل أمراً كمالياً تماماً ولا جدوى من وراءه. إذن فلماذا نتوقف نحن عنده؟
في الحقيقة أن مشاكل التعميم لا تظهر عندما تكون الأحكام مستندة للاستقراء، بل على تلك التي تستند على الاستنتاج، من جهة، ومن جهة أخرى تظهر المشكلة أيضاً عندما تحتاج هذه الآلية إلى التعاطي مع المفاهيم التي تتعلق بالمواضيع فوق الحسية، إذ في هذه الحالة تقوم بمحاكمة هذه المفاهيم بنفس الطريقة التي تحاكم بها المفاهيم المتعلقة بالمواضيع الحسية. فمثلاً هناك مفاهيم ليس لها موضوع في الخارج، مثل مفهوم الجن، فالجن على كل حال لم يقعوا يوماً موضوعاً للإدراك الحسي، ومن ثم فإن الإنسان لا يستطيع أن يضع قبال المفهوم الخاص بهم صورة ذهنية، عليه فهو ينزع للتخيل، وهو خلال عملية التخيل لا يستطيع أن ينطلق من الفراغ، وهكذا سيكون مضطراً لاستعارة بعض التفاصيل الخاصة بمفهوم الإنسان ليسد بها الفراغات التي يحتاجها لتكوين الصورة الذهنية الخاصة بالجن، ومن ثم وبمرحلة لاحقة تكوين أبعاد مفهومه عن الجن. وهذا هو السبب الذي جعلنا نفترض بأن الجن يمشون مثلنا على قدمين ويرون بعينين وهم يتكلمون حتماً ولهم أصوات، وأيدي... الخ. إن كل هذه الصفات التي شكلنا من خلالها الصورة الذهنية المتعلقة بمفهوم الجن، هي صفات لا تمتلك أي رصيد موضوعي، وهي حتماً صفات غير دقيقة.
نفس الأمر يقال عن مفهوم الإله أو الرب، فقد عمم الإنسان أول ما تعامل مع هذا المفهوم معظم الصفات التي يتصف بها هو، على الإله، فافترض بأنه لا يستطيع أن يدرك بدون السمع والبصر، وافترض أيضاً بأنه يغضب ويرضى، ومن ثم فقد حاول إرضاءه بنفس الأمور التي يستخدمها هو في حال أنه حاول إرضاء أحد أبناء جنسه، أي أنه قدم القرابين، الأشياء التي تهمه افترض بأنها تهم الرب، لذلك فعندما يغضب الرب تقدم له القرابين. وهكذا أخذت الأحكام التي بناها الإنسان على استقراءه للواقع الخارجي تسري حتى على المواضيع التي لم يجد لها موضوعاً في نفس الواقع. لقد وجد أن جميع الكائنات تتكون من جنسين اثنين، ذكر وأنثى، وهكذا لم يستطع أن يتخيل بأن تكون الآلهة أو الجن من جنس واحد. الآلهة يجب أن يكونوا ذكور وإناث، والجن كذلك.
ليس هذا فحسب، بل إن مفهوم الإله مفهوم إنساني مستنبط من مفهوم الألوهية، فالإنسان، وكما قلنا سابقاً، لا يستطيع أن يتعامل مع المفاهيم التي ليس لها تجسد واقعي، ومفهوم الألوهية مفهوم اضطر الإنسان لابتكاره بعد أن أدرك بأن ثمة قوى تتحكم بالمصير وأن هذه القوى غير منظورة بالنسبة إليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أدرك أيضاً بأن هذه القوى تفوق قدراته على التخيل والوصف. هكذا تعامل الإنسان مع موضوع فوق طبيعي، فوق حسي، فوق إدراكي، فماذا صنع؟
لقد قام الإنسان (بأنسنة) هذا المدرك، من خلال تجزئته وتفكيكه، حوله إلى نوع وأفراد، ألوهية وإله، فقط من أجل أن يصل بمرحلة لاحقة إلى إنجاز صورة ذهنية للإله، يتمكن من خلالها من إنجاز مفهوم محدد له. هكذا ولهذا السبب صار الإله يسمع، ويرى ويتكلم. لأن الإنسان تمكن من سحبه لساحة وجوده، جعله فرداً، أو أفراد، بعد أن كان منفلتاً عن هذه المحددات. لم يكن الإنسان ليستطيع أن يتعامل مع مفهوم الألوهية، لأنه لا يستطيع أن يشكل عنها صورة ذهنية، ما دامت لا تشبه الأشياء التي يدركها ويتعامل معها، ولهذا لم يكن أمامه إلا أن يماهي بينها وبين واقعه. لقد عمم العلاقة بين مفهوم الإنسانية ومفهوم الإنسان الفرد، واستنبط من خلال ذلك مفهوم الإله الفرد، أو المتعدد، أو الأول والآخر، ولو أن الألوهية بقيت على حالها لكان الإنسان في غنى عن الدخول في الصراعات التاريخية الدموية التي جرها عليه دفاعه عن كون الإله واحد أم متعدد، قديم أم حادث، مطلق في قدرته أم أنه ليس كذلك.... الخ.
إن كل هذه المحددات إنسانية نشأت من الصورة التي أنتجها الإنسان عن الإله، والتي اتكأ في الكثير من مفرداتها على الصورة الذهنية التي كونها عن نفسه. وهكذا نستطيع أن نفهم القول الذي تردده معظم الحضارات، وتقريباً كل الديانات، من إن الإنسان مخلوق على صورة الله. والحقيقة أن الإنسان استنبط صورة الإله من صورته ومن ثم افترض أن الإله هو الذي أراد ذلك.
الحيوان جنس تحته أنواع، هذا ما استقراه الإنسان، ومن ثم حكم به. السماء ليست كذلك، لأن الإنسان لم يجد لها أنواعاً، فيحكم بكونها جنساً، الماء أيضاً ليس جنساً تقع تحته أنواع، والهواء كذلك. كل هذه الموجودات خارجية يمكن للإنسان أن يشكل لها صورة ذهنية مبنية على معطيات خارجية (حسّية)، ولهذا السبب لم يكن مضطراً لأن يشرك خياله في تحديد مفاهيمه عنها. بمعنى آخر إن إسقاطات الإنسان على الموضوع الخارجي الذي يقع في مجال إدراكه تقل طردياً مع كثافة المعطيات الحسيّة، المتوفرة عنه في الخارج. غير أنه عندما يصطدم بموجودات عقلية بحته، مجردة، فإنه لا يستطيع إلا أن يسقط عليها الكثير من المحددات التي لا تتأسس على المعطيات المتعلقة بها.

2. آلية توالد المفاهيم:
لنفترض بأن الإنسان كائن لا يمتلك عينين، ولنتصور معارفه في حال فقدانه تلك الحاسة المهمة. كيف سيكون شكل المفاهيم المتعلقة بها؟ مفهوم الجمال مثلاً، المرأة، الطبيعة، الشجرة، كل هذه المفاهيم صيغت في المعرفة الإنسانية والإدراك البشري انطلاقاً وبالاعتماد على حاسة البصر. إذ لا يخفى مقدار ما تشترك به هذه الحاسة في صياغة تلك المفاهيم.
مفهوم المرأة مرتبط بالشكل الذي يرسمه جهاز الإبصار الخاص بنا، والصورة التي تتشكل من خلال هذا الجهاز تفرض على الذهن الإنساني محددات ذلك المفهوم، وبما أن مفهوم الأنوثة مشتق من مفهوم المرأة، عليه سيكون مفهوم الأنوثة مرتكز على الأساس البصري لمفهوم المرأة، وهو أساس ضعيف، إذ لا يخفى أن بين مفهوم الأنوثة ومفهوم المرأة عموم وخصوص مطلق لحساب المفهوم الأول، ومن ثم فمن الخطأ أن يرتكز تشكيل المفهوم العام على الأساس الصوري للمفهوم الخاص.
تظهر المشكلة بصورة واضحة عندما يحاول الذهن الإنساني أن ينطلق في صياغة رؤيا ما، تتأسس على مفهوم معين متأسس بدوره على صورة ذهنية. بعبارة أخرى لو أننا سألنا إنساناً لا يعرف الشيء الكثير عن عالم النبات، عن الطحالب، سنجد بأنه لا يستطيع بسهولة أن يصنفها على النباتات، ذلك أن مفهوم النبات لديه يتأسس على مفهوم الشجرة، الذي ينطلق بدوره من بيئة فكرية يؤثر عليها الجهاز البصري بشكل واضح، حيث تتدخل الصورة الذهنية لمعظم الأشجار (جذع غصن ورقة ثمرة).
لنفس السبب لا يستطيع أن يتخيل بأن الإسفنج البحري حيوان؛ حيث أن الإسفنج البحري لا يتحرك وليس له أطراف وليس له فم وعينين.... شأن باقي الحيوانات. وهنا يأخذ الإنسان العجب والاستغراب. والمشكلة لا تكمن واقعاً في الحكم الخاطئ، بقدر ما أنها تكمن بالعجب، فالعجب هنا متكئ على ما يسمى باليقين الذاتي الذي يقيمه الذهن البشري على مقدمات لا تكفي لإنتاج اليقين، وهكذا تنشأ لدينا مفاهيم لا تمتلك معطيات حسية تكفي لأنتاجها، ما يؤدي لنشوء مفاهيم غير واقعية (نسبية أو خيالية لدرجة كبيرة جداً).

3. نسبية المفاهيم
لكن كيف ستكون أبعاد مفهوم المرأة، لو أننا كنا بلا عينين؟ كيف سندرك الأشياء لو كنّا نعتمد على حاسَّة السمع مثلاً، كالخفاش؟
هل كان لون الشعر وطوله سيدخل كمحدد أساسي في مفهوم المرأة؟ هل كنّا سنقيم وزناً للتناسق ما بين لون العينين ولون البشرة والشعر في تقييم جمال المرأة؟
وبمستوى أكثر تجريداً، هل ستبقى معايير الجمال كما هي عليه الآن، بالنسبة لنا نحن البشر باعتبارنا كائنات بصرية، في حال أننا امتلكنا حواس أخرى؟
لنستعرض الموضوع بشكل آخر؛ ونفرض أننا حكَّمنا كائنين في جمال امرأة ما، وكان أحد هذين الكائنين بشرياً عادياً، والآخر ليس كذلك، ولنفترض بأنه يعتمد على حاسة (رادارية) كالتي يعتمدها الخفاش. من الواضح أن الاثنين لن ينجزا نفس الأحكام، أو على الأقل أنهما لن يعتمدا المعايير نفسها في التقييم، وهكذا وفي حال أن أحدهما حكم بعكس حكم الآخر، فأي الحكمين سيكون هو المقارب للواقع، أي هل سنقرر بأن تلك المرأة جميلة واقعاً أم أنها ليست كذلك؟
ومن هذا المنطلق يتأسس السؤال الذي كثيراً ما تم تداوله: هل أن المفاهيم ذاتية أم أنها موضوعية، هل هي مطلقة أم نسبية. وفي النهاية هل أن الجمال ـ أو أي من المفاهيم الأخرى ـ ذاتي أم أنه خارجي؟
وتأسيساً على ذلك؛ كيف يتسنى لنا الحكم بدقة عملية الاتصال التي تتم بين الغيب والشهادة في حال أنها استندت للمفاهيم النسبية، كيف يمكن لنا أن نحكم بخاتمية الرسالة، وانفلاتها من تغير الإنسان وتغير وعيه ومفاهيمه؟

ثالثاً:بعدي العصمة
بما أن العلاقة وثيقة بين العصمة والوحي، وبما أن العصمة تتأسس على الوحي، بل هي تعني ـ بمعنى من معانيها ـ سلامة عملية الاتصال بين الطبيعي وما وراء لطبيعي (الوحي). إذن فنحن يمكن لنا أن نناقش العصمة تأسيساً على مناقشتنا للوحي أو لعملية الاتصال التي يمثلها.
بالتالي فهناك بعدين اثنين للعصمة أو للوحي، يمكن مناقشتهما هما.
1. بعد اتصال ما وراء الطبيعي بالطبيعي (الله بالإنسان) أي الوحي.
وهنا تبرز الإشكالية ـ إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان، وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل إلى معطيات نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة.
فكيف يتسنى للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية، بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته (مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف طبيعي).
2. بعد اتصال الطبيعي بالطبيعي (الإنسان بالإنسان) أي التبليغ.
هناك تتركب الإشكالية، وتتضاعف، فبعد أن كان عوق آلية الإدراك يؤثر على المتلقي خلال عملية الاتصال الأولى (الوحي)، فهنا (في مرحلة التبليغ) سيكون من جهتي الملقي والمتلقي (الرسول والمرسل إليهم). وحتى لو تنزلنا واعتبرنا أن ثمة قوة إدراكية هائلة زود بها النبيُّ(ص)، تتيح له التعاطي الغير مقيد مع الماوراء، فإننا لا نستطيع أن نتصور كيفية يتم من خلالها معالجة العوق الادراكي الموجود في الناس.. عامة الناس. وهذا العوق واضح وغير خفي، بل هو صارخ، وأجلى مظاهره تبرز في اختلاف الناس بعد الرسول(ص)، حيث أن هذا الاختلاف أثر من آثار هذا العوق، إذ لا يمكن التسليم بصحة عقائد كل الملل، ومن ثم فلا بد من الاعتراف بخطأ بعضها وهي تقوم بعملية التلقي ـ المباشر وغير المباشر ـ من الرسول(ص). وهكذا يتضح بأن آليات الناس خلال تلقي عملية التبليغ ليست معصومة، خاصة وأن لا أحد يقول بعصمة المتلقي.
ومن هنا فإن مفردات التبليغ ـ ومهما كانت فوق طبيعية ـ ستكون محكومة بطبيعية آليات التلقي العادية (لعامة الناس) وهنا لا نستطيع أن نقول بأن المفردات المستوردة من ما وراء الطبيعة كانت غير طبيعية، إذ ما جدوى كونها غير طبيعية، إذا كانت ستبقى بذهن الرسول ولا تبارحه لعامة الناس؟

الهوامش
(1) الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ط2ـ 1409، مؤسسة دار الهجرة، ج3، ص32.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ط1ـ 1405، دار إحياء التراث، ج15، ص379.
(3) محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، مكتبة الحياة، بيروت، ج10، ص385.
(4) النحل68.
(5) مريم11.
(6) الانفال12.
(7) زيادة، د. معن، الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، ط1ـ 1986، ج1، ص840





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,864,498,664
- حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني... الحلقة الأولى
- جريمة أنني أفكر/ أفكر؛ أنني مجرم
- كذبة كبيرة أسمها.... العراق
- وداعاً شهاب الفضلي.. ما دمت هناك وأنا هنا
- الإسقاط الرمزي لشكل الأعضاء التناسلية.. دراسة في عدوانية الذ ...
- ولمية عفاريت
- مدفع الشرق الأوسط الكبير... الدرع الأميركي بمواجهة القذيفة ا ...
- تحضُّر العجرفة... ضريبة أننا لا نريد الاعتراف بالعجز
- تجريم الإسلام.. دعوة للتنقيب بحثاً عن كل جذور العنف في العرا ...
- تهافت المنهج في العلوم الإنسانية
- إفلاس الانثروبولوجيا
- الثابت والمتحكم في جدل الإنسان والدين
- المجد لحضارة المقابر... حيث الموتى وحدهم يتكلمون*
- العقل الخالي... تخبط السياسة الأمريكية بين نموذجي خاتمي ونجا ...


المزيد.....




- ترامب: لن ندفع أي شيء لتركيا مقابل الإفراج عن برانسون
- وزير الخارجية التركي: الأمريكيون لا يفهمون من هو الصديق الحق ...
- الخارجية الأمريكية: التعاون بين واشنطن وموسكو متواصل رغم توت ...
- أقدم قطعة جبن في العالم
- إنذارات بقنابل.. خمس طائرات تهبط اضطراريا
- التعاون الأميركي التركي بتصنيع أف 35 مستمر رغم الأزمة
- وفاة -باربي- العراق في ظروف غامضة (صور)
- بولتون يبحث مع نظيره الروسي دور إيران في سورية
- رسائل وطرود للفلسطينيين احتجزتها إسرائيل تصل أريحا بعد 8 سنو ...
- هجوم برشلونه والبحث عن خلايا أخرى


المزيد.....

- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني
- حديقة القتل.. ماذا فعل جنود الله في العراق؟ / يوسف محسن
- ميشيل فوكو مخترع أثريات المعرفة ومؤرخ مؤسسات الجنون والجنس ... / يوسف محسن
- مميزات كل من المدينة الفاضلة والمدينة الضالة لدى الفارابي / موسى برلال
- رياضة كرة القدم.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعدون محسن ضمد - حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني... الحلقة الثانية