أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أثير كاكان - وطني أيها الطاغية















المزيد.....

وطني أيها الطاغية


أثير كاكان
الحوار المتمدن-العدد: 1700 - 2006 / 10 / 11 - 08:29
المحور: الادب والفن
    


سأظل مطموراً فيك يا وطني، سأظل مقبوراً في زاويتك البعيدة، هناك حيث لا شعب ولا هواء ولا رياح شمالية تدغدغ صمت أوجاعي، سأظل كل يوم أخنقك ... نعم أخنقك ... أخنقك ... أمنع عن رئتيك الهواء، أحرمك لذة الحياة، أقتل فيك البراءة والطفولة حتى تبدأ بالصراخ والاستنجاد باحثاً عمن يغيثك، بيد أنه ليس هناك من مجيب، ذلك أنني أخذتك منذ زمن بعيد إلى حيث اللامكان. ذلك اليوم أقنعتك بأننا مسافران إلى حيث الجنة، إلى المرح والصخب والثروة والشهوة، إلى عالم حيث تكون أنت وحدك وأنا وحدي لكلينا.
هاهاهاهاهاها، نعم لا داعي لأن تهز برأسك هكذا، نعم هاهاهاهاهاها لقد خدعتك حين جلبتك معي إلى هنا، نعم لقد غششتك وأنا أخبرك بأنهم في المطار سيصادرونك مني وسيقتطعون من لحمي جزاء سرقتي أياك ... لذلك عليك أن تختبئ في حقيبتي، هاهاهاهاهاها هاهاهاهاهاها بيد أنني أيها العزيز فعلت هذا كله كي لايكون هنالك شهود على ما سأفعله، كي لا يكون هناك رواة للحدث فاتخلص من كل الكذب والنفاق والزيف الذي كتبت به سيرتك الذاتية، هكذا قررت وأدك أيها الوطن المعذب، هكذا قررت قتلك أيها الوطن الحزين، هكذا قررت دفنك حياً أيها، هه!!!، أيها الوطن الحبيب.
نعم، تعال إلي، لا تخف فأنا مستعد لأن أموت معك، أو أن أقتل نفسي بعد أن أقتلك، لا رغبة لي في الحياة من بعدك، فأنا يا حبيبي معذب منك وإليك، طريقي الوحيد الذي عرفته مدى حياتي هو عيونك أنت، ذكرياتي كلها طويت في زاوية قصية من قلبك، أنا أفعل هذا إذ أفعله في سبيل راحتك أنت، في سبيل خلاصك.
أنظر إليك ... إلى نفسك، كيف ترتعش أنفاسك وترتعد فرائصك، أنظر كيف هو حزنك البربري صار خاوياً، مفرغاً من أي معنى، حتى بتنا نستورد لك الدموع من آلهة هذا العالم كي تنطلق في نحيب أزلي، نعم ... ما زلت أتذكر نحيبك الأول، حين مات أنكيدو بين ذراعي كلكامش، أتذكر نفسك وأنت تسعى بين اللاجدران بحثاً عن قطرة هواء كي تزيد من زمن طغيانهما ولو لحظة، من سجن عبوديتك قرناً آخر، من آثار السياط على جسمك نقشاً جديداً.
نعم، دعني ... دعني أطبق بكفي الحاقدتين على عنقك، دعني أجعلك تتحسس خشونتهما، دعني أريك لم هي كذلك، لم ماتت الأعصاب بيدي، لم لفحت وجهي شمسك، لم فقدت أحساسي بالثقة والأمن، لم قضيت حياتي أتستر بالليل كي أنظر وجهك، وجهك الحبيب الذي بات الآن ينقبض تحت إطباق يدي لم أكن أجرؤ على رؤيته في وضح النهار، حتى أنهم أطلقوا الأشاعات عنا، قالوا بانني أتسلل يومياً إلى مخدع حبيبتي لأزني بها، لأفجر بها، لتحمل من بعدي خطاياي نطفاً مشنوقة لا ذنب لها سوى أنها قدمت من رحمك، ولقد كنت تسمع كل هذا الهراء وهذه الأقاويل تنطلق من فم الذين كان ناطقهم العسكري يسمسر عليك ويتاجر بك هناك في مدن الذهب واراضي الرمال، حيث الله يستتر بعباءة موشاة بالذهب. ولكن مالذي فعلته، مالذي قلته، ما كان ردك؟؟؟ كالعادة لاشيء أخبرتني أن الكذب سينكشف يوماً، وأن الهراء سيفضح نفسه، وبأنه في النهاية لن يصح إلا الصحيح!!!
هراااااااء ... ما تفوهت به هو الهراء، ولذلك كان يجب أن أكتب أنا النهاية هذه المرة، لقد تركت لك أزلاً كاملاً كي تهلوس فيه لكن على الأقل كان لا بد ان يكون لي شرف وضع النهاية.
أتعلم لماذا نحن هنا اليوم، لأنني أردت تذكيرك بالطريقة التي قُتلت بها ذات مرة، أتذكر حين جئتك ذلك اليوم وسألتك فيها أن نخرج على الكلاب التي باتت تجوس أرضك وتنتهك حرمتك، أتذكر حين قلت لك أن الطغاة يسجلون لي أنفاسي ويحصون كلماتي علي، وكم كلمة لي حق النطق بها في اليوم الواحد، كي يقتلعوا لي حنجرتي إذا ما تجاوزت العدد المخصص لي من كلمات، أتذكرماذا قلت لي حينها، هه أتذكر!!!؟ قلت لي أن الصبر مفتاح الفرج!!!
أرأيت أي فرج حل علينا بعد هذا الصبر، أي مصير، أي هلاك!!!
آآآآآآآآآآه، أتذكر يوم أخرجوني من بيتي عارياً، أولادي يبكون حولي وكلاب الحي تنبح فوق أشلائي، أتذكر عندما أخذوا أمي وأخواتي وصلبوهن فوق النخيل وقالوا هؤلاء جواري سيدنا خرجن عليه، أتذكر حين جردوك أمامي من كرامتي بدعوى حفظ ماء وجهك، ألا تذكر...هه؟
لا؟ هه؟
أما أنا فأذكر هذا جيداً ولا أنساه لأنني يومها نظرت إلى وجهك المعفر وقد داسته أحذية الجنود المحررين فرأيت ماء كرامتك صديداً يسيل على عينيك، نجساً يحجب بصرك، رأيت كيف رفعت رأسك بشموخ بعد أن بعثروا مجدك في الأرض وراحوا يستهمون عليه كما رداء المسيح، في الحقيقة كنت بسذاجتي أحسبك المسيح نفسه راح يتأمل عورتي بحكمته ويحاول أن يفلسف الصلب بطريقته الدراماتيكية عله يجد الفرج بين ثنايا صبره.
آآآآآآآه يا وطني لو تعلم كم فكرت بهذا الذي أفعله الآن قبل أن أقدم عليه بعد أن يأست من هلاك طغاتك الذين باتوا يتوارثون دمي كما تعودنا نحن البسطاء أن نتوارث ألمنا وسذاجتنا، بيد أنني لم أعد أحتمل، بت أرى إخوتي اليوم يقتتلون باسمك، وباسم الآلهة، وباسم كل الهذيان الذي توارثناه عبر القرون التي كنا نتصورها تنبت للطغاة فاكتشفنا أنها ما يزرعه الزمن. نعم يا سيدي أيها الوطن المدمى بطغاته وعبيده، أيها البؤس المتسلل من عروق الأرض وهدير جوفها، نعم أيها الممتد نحو نزيف دماء احبتك وعشاقك، نعم جئت اليوم كي أقتلك، كي أتخلص من عبئك، كي أطرح النير المشدود إلى ظهري منذ ولادة فكري، جئت كي أمنحك لأول مرة معنى أن تموت حراً.
و ... آآآآآآآآآآه. أتعلم ما هذا؟ أتشعر بأن قبضتي قد ارتخيتا عن خناقك، أتشعر بذرات الهواء تتسلل إلى رئتيك، أتعلم ما هذا؟ هذا هو ذات الاحساس الذي شعرت به عندما كدت اتخلص من عبادتك. أتدري ماالذي حدث؟ أنا نفسي آمممممممم... أنا نفسي على ما يبدو لست أدري بيد أنني أعتقد أن أحد أبنائك قد أطلق رصاصة على ظهري عندما أغراه الأخير بشكله المثير واللامبالي واللا متواري، نعم همممممممم فالغدر يا صديقي يغوي أولئك الأقوياء الذين لا يقوون على المواجهة.
هاهاهاهاهاها آه آه آه ...لم أعد أقوى على الضحك فالرصاصة بدأت تسري مع دمي ممزقة ما سيواجهها خلال ضلالها في أركان جسدي، ها قد بدأت الدماء تفور وهي تتدفق إلى وجهي الشاحب وتغلي كما الماء في مرجل بخاري، ها قد بدأ حرارتي بالارتفاع وجسدي بالتعرق و ... ما هذا؟ أوه يا إلهي هاهي دمائي تتدفق وتبلل قميصي.
ما أشبه اليوم بالبارحة.
وداعاً.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مطر الذاكرة
- أنثى بلا ذاكرة


المزيد.....




- أم كلثوم بفيلم فرنسي.. هرم رابع وأيقونة عربية
- صدور كتاب «الطائفية في الوطن العربي: أسبابها ومظاهرها» للدكت ...
- -نسريني- أوّل رواية باللغة العربية تتناول قضية المفقودين
- دار الشروق المصرية تصدر الأعمال الكاملة للكاتب المصري عبدالح ...
- يصدر قريبا سيرة محمد سلماوي الذاتية؛ «يومًا أو بعض يوم»
- ندوة لمناقشة كتاب -الرواية الأفريقية.. إطلالة مشهدية- للناقد ...
- الاعلان عن القائمة الطويلة لفرع المؤلف الشاب لجائزة الشيخ زا ...
- النيكاراغوي سيرخيو راميريث ميركادو يفوز بجائزة “ثربانتس للأ ...
- أبو ظبي: التحضيرات النهائية لبرنامج “شاعر المليون”
- وفاة الممثلة والمغنية الأمريكية ديللا ريزا


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أثير كاكان - وطني أيها الطاغية