أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسان خالد شاتيلا - المقاومة كمصدر للديمقراطية















المزيد.....


المقاومة كمصدر للديمقراطية


حسان خالد شاتيلا

الحوار المتمدن-العدد: 1674 - 2006 / 9 / 15 - 07:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بافتراض أن المقاومة التي كَبَّدَت الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وعدد من مدن إسرائيل خسائر مادية ومعنوية ما كان لها أن تُحرز هذا النجاح لولا ما يُقدِّمه كل من النظامين السوري والإيراني من دعم لوجيستيقي لحزب الله، وبافتراض أن النظام النيوليبرالي الذي يسود العالم ويحكمه في عهد العولمة قد يُحقِّق، بفضل البيت الفرنسي الأمريكي أو منظمة الأمم المتحدة، النجاح في سد المنافذ السورية أو الأنفاق المخفية التي تُمَرِّر قذائف الكاتيوشا إلى المقاومة في جنوب لبنان، بافتراض أن ذلك كله صحيح أو غير صحيح، فإن مستقبل المقاومة مع ذلك ليس رهينة الكاتيوشا أيا كان مصدرها. ذلك أن ما أُُُُُُحرز في جنوب لبنان بفضل الشروط التي وفََّرَت لحزب الله أسباب النجاح في مقاومة التحالف الصهيوني الأمريكي، وهي نتاج الحرب الأهلية من جهة، وانتفاضتي الشعب الفلسطيني من جهة ثانية، وتطورات القضية الفلسطينية في الساحة اللبنانية والعربية في العهد النيوليبرالي وما يرافقه من مخططات توسعية واستغلالية من جهة ثالثة، ليس مجرد إنجاز تكتيكي في حرب عمرها خمسين سنة، وإنما هو يؤَسِّس لمقاومة أوسع تتخطى الحدود الإتنية الثقافية التي لا تزال تُغلق على حزب الله في الحدود الجغرافية والطائفية، طالما يُعبِّر هذا المُنجَز عن يقظة قومية تحررية أمام السلام المزعوم لاتفاقيات واجتماعات كامب ديفيد وأوسلو وشرم الشيخ، ويشير ثانيا إلى معركة تبدأ اليوم طلائعها الأولى ضد مشروع الشرق الأوسط الكبير ونظامه النيوليبرالي، ويُؤذِن ثالثا باسترداد حركة التحرر الوطني العربية لانطلاقتها. إن صمود المقاومة في لبنان يؤرخ لولادة جيل جديد في تاريخ الثورة العربية التحررية، ويُمهد لموازين قوى جديدة في الساحة العربية للصراع المجتمعي والسياسي، موازين تُرجِّح كفة اليسار بعدما كانت نكسة حزيران أخلَّت بصورة تدميرية بهذه الموازين لصالح الرجعية العربية والمعسكر الرأسمالي. إن الإنجاز، من حيث هو موعد مع التاريخ طالما هو حدث معاصر، أشبه ما يكون –حسب ما تَذهب إليه في معنى مشابه ناهد بدوية في مقال لها بعنوان " عودة الروح: جيل السبعينات وجيل الألفية الثانية" - بالوعي الثوري الذي كان وليد تأميم قناة السويس والثورة الجزائرية في الخمسينات من القرن العشرين. "إنها مرحلة حبلى بالأحداث، تشبه ما حدث بعد 1948"، على حد قول غياث نعيسة في مقال له بعنوان "مواقف حول العدوان الصهيوني ودعم المقاومة"(البديل،5 آب/أغسطس 2006 ).

إن المنافذ التي كانت تُمَرِّر الأسلحة والإمدادات اللوجيستيقية إلى جنوب لبنان هي نفسها التي ستتحول بعدما وُلِدَت المقاومة مجددا في بنت جبيل إلى أنفاق تمرُّ منها بالاتجاه المعاكس الثورة الديمقراطية التي تَستمد حياتها، من حيث خصوصية السياق التاريخي العربي، من المقاومة، والتي منها أيضا يَنشأ أي تغيير سياسي ومجتمعي ذي محتوى تحرري وديمقراطي. من المقاومة المسلحة، ومن مقاومة متعددة الأوجه في شتى ساحات الصراع المناهض لمشاريع الهيمنة والتسلط، يُبنى المجتمع الحي الذي يُشيِّد بدوره بناه السياسية الديمقراطية. من المقاومة المجتمعية وثيقة الصلة بالصراع الطبقي على الصعيدين العالمي والوطني، وليس من المنتديات والأندية وجمعيات حقوق الإنسان كما يزعم الاعتقاد السائد اليوم في أوساط الساسة، تَشُقُّ الديمقراطية مسارها شرط أن تكف أحزاب تزعم أنها يسارية، وهي في الواقع ليبرالية اجتماعية أو يسار ليبرالي، عن رمي فضلها إلى المجتمع، كما يرمي السادة بقايا موائدهم إلى الكلاب. هذه هي خصوصية الانتقال الديمقراطي من النمط العربي. إنه انتقال تحرري، قومي ومجتمعي، وليس كما هو حال أوروبا قانوني واقتصادي. وهو، من حيث الخصوصية التاريخية لمسار الانتقال إلى الديمقراطية، مسار تحرري مناهض للأمبرايلية، مقارنة بالمسار الاقتصادي والحقوقي للديمقراطية في المجتمعات التي انتقلت بدءً من القرن الثامن عشر إلى الديمقراطية مع الانتقال من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي.

إذا كانت الممرات السورية والإيرانية ذات الصلة بالسلطات الحاكمة ضيقة وجامدة بل وبيرواقراطية ويَسْهل على القوات الدولية ضبطها بحكم ارتباطها هذا بالأجهزة، وكانت بموجب ذلك أدوات في اللعبة الدبلوماسية ليس إلا، وكان عسكر أمريكا وفرنسا بالنيابة عن إسرائيل يستطيعان في عهد الليبرالية الجديدة سد المنافذ هذه، ولربما أيضا وفوق ذلك الإطاحة بها واستبدالها- حسب ما يُروِّج لذلك كاهن الدبلوماسية في عهد أسد الأب عبد الحليم خدام- إن لم يكن مقايضتها بتسويات من نوع آخر، وكان أيضا البيت الفرنسي الأمريكي قادر على فرض حصار على جيش الأمير في دمشق عن طريق نشر خوذات زرق وخضر على امتداد الحدود السورية، إلا أن مثل هذه القوات ستجد أن الحدود بدأت تتحرك من تحت أقدامها عندما يستعيد المجتمعين السوري كما اللبناني بدافع المقاومة حركته، فتنتشر المقاومة فوق كل شبر من بغداد إلى غزة.

لقد خُيِّل إلى أهل السياسة في التحالف غير المعلن بين حركة 14 آذار في لبنان والساسة في الجانب الليبرالي الاجتماعي من المعارضة السورية، أن الديمقراطية اللبنانية هي التي حَمَت المقاومة في جنوب لبنان، وأن المطلوب اليوم وأكثر من أي يوم مضى هو بناء الدولة اللبنانية المستقلة وذات السيادة. خُيِّل إليهم ذلك، لأن لبنان كسورية يفتقد للدولة والديمقراطية، اللهم إلا إذا كان معنى الأولى هو جيش من 15 ألف دركي يُقدِّم أكواب الشاي للغزاة، وكان معنى الثانية توافقية طائفية من النمط العراقي!! وهو الأمر الذي يحمل غياث نعيسة على التنبيه إلى أن المعارضة "تطابقت مواقفها، خاصة بعض تلك المنضوية منها في إعلان دمشق، من الموقف الرسمي السعودي. أو كما قال احد الكتاب المقربين منها (ثمة مؤشر إلى أن المعارضة في شقيها(في الداخل والخارج) تدعم الشعب اللبناني وحسب، وبطريقة ما تتبنى الموقف السعودي وقوى الأغلبية السياسية في لبنان (14 آذار) من" حزب الله ") (رأفت نديم شهبا، أخبار الشرق)". ويضيف غ. نعيسة مستنتجا بقوله: "والحال، فان الخطاب الشعبوي-الليبرالي للقسم الأكبر من المعارضة السورية في الداخل ومثقفيها، يمكن أن يفسر حقيقة التوصيف السابق لغالبيتها" (المرجع السابق).

أََََََََََََلاَ إن ما يَفُوت عن إدراك السلطة والمعارضة، على ما في مثل هذا الجمع بين الطرفين من تنافر غريب، هو أن المشرق العربي، وفي مقدمته سورية ولبنان وفلسطين، يقف أمام تهديد خطير مصدره التحالف الأمبريالي الصهيوني بعدما تمخَّضت المقاومة عن متغيرات دولية وإقليمية تتمثل بالقرار الفرنسي الأمريكي الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي يَفْرض المطلب الإسرائيلي بتحويل لبنان إلى محمية فرنسية أمريكية للحؤول دون أية مقاومة في المستقبل لمشاريع الهيمنية. الأمر الذي يُلزم كل استراتيجية للتغيير بأن تَدفع بعجلة المقاومة إلى الأمام لأنها القاطرة الرئيسة التي تعود بالمجتمع إلى السياسة، وتجعل منه أقدر على اكتساب حريته على طريق الانتقال الديمقراطي؛ وليس وضع الديمقراطية أمام العجلة، أو نصب الجمعيات الحقوقية عوائقَ أمام المقاومة؛ مصدر كل مسار نحو الديمقراطية.

إن البديل في الحالتين لدى السلطة والمعارضة، معدومٌ. فالسلطة، أمام مستجدات ما بعد هذه الجولة الجديدة من المقاومة، والتي تُهدِّد مجتمعاتنا بفرض هيمنة استعمارية واستغلالية عليها تحت غطاء الثقافة الليبرالية، ماضية في القمع. أما المعارضة التي ترحِّب بقرار نزع أسلحة حزب الله وتكرِّس للكيان اللبناني وتوافقية سياسية موروثة عن الاستبداد الشرقي والكولونيالي، فإنها تَعبد على عهدها دوما الأحجار. فهي عندما قَرَّرت تغيير بناها الفكرية والتنظيمية حطَّمَت صنم ستالين وبنت مكانه تمثالا عظيما للديمقراطية. ويذهب سلامة كيلة في تشخيص ما تعانيه المعارضة من افتقاد للبديل في المنحى نفسه عندما يشير إلى "هذا العقل المتكلس الذي حكم اليسار، وانتقل مع انتقاله إلى الليبرالية. فهو عقل أحادي يرى العالم كما يراه جورج بوش و بن لادن، أي: مع أو ضد. أبيض أو أسود، وبالاستتباع إشتراكي أو رأسمالي. إنه عقل أحول، ويؤسس لسياسة متخلفة. دمر الحركة الشيوعية العربية، وهو الآن ينتقل لتكرار التنظير الشيوعي القديم حول السلام، وأيضاً الديمقراطية، والتكيف. لكن في إطار أسماه: الليبرالية"(سلامة كيلة، المساءلة حول المقاومة، بصدد حجج الليبراليين العرب الساذجة"، البديل، أيلول2006).

هذا الافتقاد للبديل لدى الطرفين يُدلِّل بأن إنجازات المقاومة من جهة، والهجمة العدوانية في زمن العولمة النيوليبرالية لتقويض كل مقاومة في المشرق العربي من جهة ثانية، هما اللذان يرسمان - من الآن فصاعداً - الحد النقدي للتمييز بين قوى القمع والليبرالية الاجتماعية من جهة، واليسار البديل من جهة ثانية. فقلد بيَّنَت السنوات الثلاث الأخيرة أن الحرب في العراق تشكِّل نقطة تحول تُسَجِّل بدورها لمرحلة جديدة من الصراعات المجتمعية والثورية. فخلال السنوات الأخيرة هذه اتسعت الشقة ما بين يسار متجدِّد معادٍ للأمبريالية بصورة قاطعة، والانحراف اليميني لأحزاب أخذت بأفكار الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الاجتماعي، حتى "أصبحت العقلانية تقتضي التفاوض والتفاهم والقبول بالممكن، وترك محاولة تعديل ميزان القوى لأن ليس من فائدة في ذلك"، كما يلاحظ سلامة كيلة (المرجع السابق). ويُسَجِّل معقل زهور عدي في مقال له بعنوان"أثر حرب لبنان في المعارضة الوطنية الديمقراطية في سورية"(البديل، 5آب/أغسطس 2006) هذا الانشقاق الذي طال المعارضة السورية من جراء مسألة الصلة بين الديمقراطية ومقاومة العدوان الأمبريالي، فيدعو بدوره إلى ضرورة التمييز بين اليسار الليبرالي والتيار الوطني الديمقراطي.

لكن المقاومة تحمل معها، فيما يضل الليبراليون الاجتماعيون الطريق العربي إلى الديمقراطية، مستجدات من نوع نقيض للهيمنة والتسلط. فهي تَنقل معها كل المتغيرات القادمة من لبنان والعراق وأفغانستان وفلسطين، والتي تشير بقوة إلى أن الهزيمة تترقب مشروع الشرق الأوسط الكبير. نعم، إن إلحاق الهزيمة بالعدوان في جميع أشكاله العسكرية والاقتصادية وفي كل مكان، ممكن. إذ، حيث يتوفر البديل من أجل "عالم من نمط آخر"، نمط إنتاج آخر ونمط تفكير آخر، تبدو سياسة القمع، كالمشروع الديمقراطي المسخ، نقطة عائمة فوق بحر من الثورات المناهضة للأمبراطورية الأمريكية وللمستعمرة الإسرائيلية الكبرى المُحَمَّلتين في قطار الليبرالية الجديدة ومشاريعها الاستغلالية. فأفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين، بين بلدان كثرِ غير هذه، سوف تكون في المستقبل مقبرة للأمبريالية. أما في سورية، فقد بدأت الانتقادات المُوجَّهة من عدد من المثقفين اليساريين، ومنهم على سبيل المثال كتاب منشورات "البديل"، تأخذ على المعارضة والسلطة على حد سواء، تقليص المعركة ضد الأمبريالية وإسرائيل إلى بعد واحد، ألا هو التمسك بالعامل الداخلي والامتناع عن الاستقواء بالدول الأجنبية دون الانتقال إلى القطيعة مع السياسة الأمريكية. فامتناع الليبرالية الاجتماعية- باختلاف ألوانها ما بين السلطة والمعارضة- حتى الآن عن القطيعة مع السياسة الأمريكية والأوروبية، والاكتفاء عن ذلك برفض الاستعانة بالدول الأجنبية، يُفيد - بدون أدنى شك - بأن الليبرالية الاجتماعية من النمط السوري، سلطةً ومعارضةً، تُدرك أن السياسة الأمبريالية، الأمريكية الأوروبية، التي تُعبِّر اليوم عن مصالح قِلَّة من القوى المالية التي تريد الهيمنة على العالم، إنما هي تَستَبعِد بورجوازية الوكلاء والسماسرة والكومبرادور والتجار والعقاريين بل وحتى الرأسمالية الصناعية من مسارها السياسي، طالما هي تريد في عصر العولمة انتشار الاستثمارات المالية وتوسيعها. إلا أن مثل هذا الاستبعاد لليبرالية الاجتماعية من مسار السياسة الأمبريالية، والذي يسير جنبا إلى جنب مع رفض الليبرالية الاجتماعية الاستقواء من غير القطيعة مع السياسة الأمريكية والأوروبية، لا يجعل من الليبرالية الاجتماعية حليفا للثورة الاجتماعية التحررية. لذا، تَرَى هذه الأخيرة تَنتقد السياسة الأمريكية الموالية لإسرائيل، إلا أنها تصفِّق للخوذ الزرق التي جاءت بطلب من الأمبريالية لنزع سلاح المقاومة!!

إن المعركة التي استمرت أربعة وثلاثين يوما انتهت إلى ممارسة، هي الآن في قيد الوعي، مؤداها أن المسألة لم تعد تكتفي برفض الاستقواء بالبلدان الأجنبية، وإنما هي أصبحت، من الآن فصاعدا، تُلزم بالقطيعة مع البيت الفرنسي الأمريكي، ورسم مسار مستقل للديمقراطية يمر عبر المقاومة، مقاومة المجتمع للهيمنة والتسلط بشكليه الخارجي والداخلي على طريق بناء الدولة القومية الحديثة والمتحررة. هذا الوعي قيد التبلور اليوم ينقله معقل زهور عدي عندما يلاحظ أن المهمة الديمقراطية برأي اليسار البديل تُنْجَز عبر الصراع المناهض للأمبريالية أو كما هو يقول من "داخل" هذا الصراع: "لا يرى التيار الوطني – الديمقراطي أي تقاطع مع الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على المنطقة العربية بل صراع متصل معها، صراع ذو أشكال متعددة، بعضها عنيف وبعضها سياسي وبعضها ثقافي – فكري، بالتالي فإنجاز المهمة الديمقراطية لا يمكن أن يتم خارج هذا الصراع بل داخله". ويضيف ز.م.عدي منتقدا فصل اليسار الليبرالي أو الليبرالية الاجتماعية لمسألة الديمقراطية عن المقاومة، فيلاحظ أن مهمة الانتقال الديمقراطي لن تُنجَز "بالتقاطع مع استراتيجية الولايات المتحدة بل ضدها بالضبط (م.س)ٍ.

هذا المسار المستقل يبدأ بتعريف طبيعة المرحلة الراهنة للعالم وما يرافقها من سياسات. ها هنا تَظهر أول ما تَظهر عقيدة "الحرب الوقائية" للمحافظين الجدد، والتي تُسجِّل للمنعطف الأمريكي الذي يسير بمقتضى المبدأ القائل إن الحرب أداة السياسة الخارجية الأمريكية لفرض هيمنتها على" الشرق الأوسط الكبير" وسائر أنحاء العالم. الأمر الذي يقود على الفور إلى تقويض القانون الدولي ومؤسساته التي كانت ظهرت ما بعد الحرب العالمية الثانية، والعودة بصورة وحشية إلى السياسات الأمبريالية. وكانت الهجمة الأمريكية بلغت من القوة حدِّا ما أدى إلى التحاق القوى الأوروبية بها، كما يتبين ذلك من سياسة طوني بلير منذ احتلال العراق في العام 2003، والتي تجد صدى إيجابيا في بلدان أوروبا، ثم لحاق آخر المقاومين، فرنسا التي شاركت مع إدارة بوش في صياغة وإقرار القرارين 1559 و1701 . وإذا كانت أوروبا لحقت بأمريكا من جراء التفوق العسكري للثانية بصورة مختلة على الأولى، فإن الطموحات الأمبريالية للأوروبيين تحملهم على مقايضة دعمهم لواشنطن بتوفير المواد الأولية من طاقة وغيرها. لذا، فإن الطبقات الحاكمة في أوروبا لم تعترض على العدوان الإسرائيلي المستوحى من السياسة الأمريكية، ولم تحاول الحؤول دون الدمار الذي كانت تُلحقه إسرائيل بلبنان.

إن المقاومة في انطلاقتها الجديدة بدءً من شهر آب/أغسطس من العام 2006، في جنوب لبنان وفي غزة، ليست وليدة معركة تَحَرَكَّت بناء على خطة إسرائيلية متفردة، وتميَّزت بعنف غير متكافىء مع اختطاف جنديين اثنين لها. إنها من تدبير واشنطن، وهي متكافئة في غاية التكافؤ مع أهدافها الحقيقية، ألا وهي تقويض كل بنى المقاومة في الشرق الأوسط، من المشرق العربي إلى أفغانستان وإيران، مرورا بتدمير كل النقابات والمنظمات الاجتماعية بما في ذلك اليهودية منها، وتحويل هذه المنطقة من العالم إلى محمية أمبريالية أمريكية أوروبية تمارِِِِِِِِِِِِِس فيه إسرائيل دور الدركي الإقليمي. ولا يَخفى على أحد اليوم أن المحافظين الجدد الذين يقودون السياسة الأمريكية ويخططون لها في واشنطن، هم أنفسهم الذين رسموا الاستراتيجية الإسرائيلية التي تريد أن تجعل من إسرائيل قوة عظمى إقليمية. وكان على سبيل المثال كل من ريشارد بيرل ودوغلاس فيث وديفيد ويرمسير، وهؤلاء أقطاب في حركة المحافظين الجدد، اقترحوا في العام 1996 خطة "لمجموعة دراسية من أجل استراتيجية جديدة للعام 2000"وقدموها في حينه عبر معهد الاستراتيجية المتقدمة والدراسات السياسية Institute for Advanced Strategic and Political Studies لرئيس الوزراء بنيامين نتايناهو. وكانت هذه الخطة تدعو إلى وضع حد لمفاوضات السلام التي كانت تُقِرُّ ب"منح" أراضٍ للفلسطينيين.

جاء في نص الخطة:"أولا وبصورة رئيسة، فإن جهود إسرائيل من أجل توفير الأمن لأزقَّتها قد تحتاج على وجه الممكن ملاحقات ساخنة في المناطق الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية، وإن مثل هذه الممارسة تجد ما يبرِّرها، ولا يستطيع الأمريكيون إلا الموافقة عليها(...)وإن إسرائيل حرة من أية التزامات حسب ما جاء في نص اتفاقيات أوسلو إذا لم تفِ منظمة التحرير الفلسطينية بالتزاماتها. فإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية عاجزة عن الوفاء بهذا الحد الأدنى من المعايير، فإنها حينئذ لن تُمَثِّل أملا بالسلام في المستقبل، أو محاورا ذا مصداقية في الحاضر.

ومن المفيد لدى تعريف طبيعة المرحلة التي ترافق رسم الطريق العربي المستقل نحو المقاومة والديمقراطية أن نستمع إلى المحافظين الجدد وهم يؤكدون أن الهجوم الإسرائيلي ما هو إلا الفقرة الأولى في حرب لن تنتهي قبل بلوغ إيران. فهذا جيمس فيلبس عضو إدارة تحرير المجلة الرئيسة للمحافظين الجدد المتخصصة بالدراسات السياسية للشرق الأوسط Middle East Quarterly يؤكد أمام لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي والتي كانت اجتمعت في شهر أيار /مايو الماضي للتدارس حول "السياسة الأمريكية والتحدي النووي الإيراني" أن "السياسة الوحيدة التي تضمن إيقاف البرنامج النووي لإيرانَ ليست سياسة أخرى غير الحرب". وكتبت Weekly Standart بقلم وليم كريستول في إشارة إلى هجمات حزب الله ضد إسرائيل:"إنها حربنا. لذا كان من واجب بوش أن يذهب إلى القدس، وكان من واجب الولايات المتحدة أن تحارِب إيران". ويذهب نويت غينغريش في منحى مشابه في صحيفة غورديان، فيعلن:"إن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت. إن هجوم حزب الله ضد إسرائيل جزء من أزمة شاملة للحضارة". وهو يتابع بقوله:إن إيران"تحتل موقع البؤرة" في هذا التهديد. ويَكتب مايكل ليدين في عدد ناشيونال ريفيو الصادر بتاريخ 13 تموز/يوليو الماضي:إن سقوط دمشق وطهران لن يتأتى من محاربة إسرائيل للإرهابيين في غزة ولبنان فقط ، بل "وإن الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على إنجاز هذه المهمة. وما من طريقة غير هذه". ثم يأتي طوني بلير في خطاب له أمام مجلس الشؤون الاجتماعية في لوس أنجليس المنعقد في النصف الأول من شهر آب/أغسطس الماضي لينادي بضرورة إنجاز "نهضة كاملة" للسياسة الخارجية لمكافحة "الإسلامية الرجعية". وهذا الأخير اكتشف مؤخرا على غرار القادة الأمريكيين "الهلال الشيعي" الذي يصفه بأنه "هلال للتطرف يمتد اليوم عبر المنطقة كلها". الأمر الذي يُنبىء بأن "الحرب ضد الإرهاب" تصوِّب أسلحتها الآن باتجاه الشيعة بعدما كانت موجَّة نحو منظمة القاعدة.

هذا البعد العالمي للصراع الطبقي، وما يرافقه من حرب باسم القيم الجديدة المناوئة للإرهاب، وانتشار واسع للاستثمارات المالية المتنقلة عبر العالم بدون حدود، والذي يطوي مرحلة الحرب الباردة، ومحاربة الشيوعية، وسلطة الرأسمال الصناعي والتجاري، ويطوي معها مرحلة البورجوازية الطفيلية الكومبرادورية، هو نفسه يُشَكِّلُ طبيعة المرحلة الراهنة التي تَرسُم بدورها المسار العربي للمقاومة على طريق بناء الدولة الديمقراطية المتحررة والحديثة. هذا المسار ينطلق من بنت جبيل والمصانع والشوارع ويجرف معه مكاتب جمعيات حقوق الإنسان لينتهي في نهاية المطاف في البرلمان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,284,478
- عن معاني المقاومة العربية في زمن العولمة النيوليبرالية
- بيان من شيوعي يدعو إلى المقاومة
- إعلان دمشق تكتيك دفاعي يفتقد إلى جيش مجتمعي
- من أجل حملة مناهضة للشراكة الأوروبية المتوسطية
- النداء والأجندة الصادرين عن مجلس الحركات الاجتماعية لبلدان ح ...
- حركة مناهضة العولمة تنصب أول حاجز لها في حوض المتوسط لمقاومة ...
- سورية في زمن الأمبراطورية الأمريكية والنيوليبرالية الجديدة:م ...
- حوض بحر الأبيض المتوسط حيز مركزي في مناهضة العولمة الليبرالي ...
- منتدى بورتو أليغري 2005 : المقاومة الواسعة لليبرالية على مفت ...
- دفاع عن المسألة النظرية : قراءة لكتابات نقولا الزهر
- أسئلة موجهة الى مشروع تقرير المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الس ...
- عن التحالفات في سورية على مشارف المنعطف الانتقالي


المزيد.....




- -بينامو تحت القصف-.. هذا ما قاله فارّون من سوريا إلى العراق ...
- وزير الخارجية الفرنسي يجتمع مع القادة العراقيين لبحث مصير ال ...
- ريبورتاج: اختفاء عدد من الناشطين العراقيين بالتزامن مع حركة ...
- ارتفاع متوسط طول العمر في روسيا بفضل انخفاض عدد الوفيات
- مقتل 35 معتمرا بعد اصطدام حافلة تقلهم بآلية ثقيلة في المدينة ...
- شاهد: صحفي روسي يصور قاعدة عسكرية أميركية في منبج أخلاها جنو ...
- عالم الكتب: رواية مصرية في عوالم الإجرام والمهمشين
- لبنان يطلق حملة للحد من استخدام البلاستيك
- مقتل 35 معتمرا بعد اصطدام حافلة تقلهم بآلية ثقيلة في المدينة ...
- آبي أحمد الفائز بجائزة نوبل للسلام يعرض على معارضيه السياسيي ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسان خالد شاتيلا - المقاومة كمصدر للديمقراطية